← История

История · id 12318

البدء والتاريخ

المطهر بن طاهر المقدسي

Полный текст (1 267 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال الله تعالى وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ٩١: ١- ٤ قال بعض المفسرين النهار يحلي الشمس فيكسوها ضوءاً وفي رواية أهل الكتاب أن أول ما خلق الله النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً والنور نهاراً ثم سمك السماوات السبع من دخان الماء حتى استقللن وأغطش [١] في السماء الدنيا ليلها وأخرج ضحاها فجرى فيها الليل والنهار وليس فيهما شمس ولا قمر ولا نجوم ثم دحا الأرض فأرساها بالجبال وهكذا روى محمّد بن إسحاق في المبتداء فهذا كله يدل على أن الليل والنهار ليستا من الشمس في شيء وإن كانت الشمس تعطي النهار ضوءاً وحرارة بالشمس عرفنا حر النهار من حر الليل وروى في بعض القصص أن الله خلق حجاباً من ظلمة مما يلي المشرق ووكل به ملكاً يقال له شراهيل فإذا غربت الشمس قبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب فلا يزال يخرج الظلمة من خلل أصابعه ويرسلها وهو يراعي الشفق فإذا غاب الشفق يبسط كفه فطبقت الدنيا ظلمة ثم نشر جناحه فساق ظلمة الليل بالتسييح إلى المغرب فذلك

стр. 247

كل ليلة حتى تنقل تلك الظلمة من الشرق إلى المغرب فإذا نقلها قامت القيامة وحكى وهب عن سلمان في هذه القصة أن ملك الليل يقال له شراهيل بيده خرزة سوداء قد دلاها من قبل المغرب فإذا نظرت الشمس إليها وجبت وبذلك أمرت وملك النهار يقال له هراميل بيده خرزة بيضاء يعلقها من قبل المطلع فإذا رأها شراهيل [١] مدها إلى خرزته السوداء فينظر الشمس إلى الخرزة البيضاء فتطلع وبذلك أمرت فإن كان شيء من هذا حقاً آمنا به وصدقنا وإن كان غير ذلك فاللَّه اعلم فمحمول على التأويل والتمثيل،،، صفة الأرض وما فيها قال الله تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً ٧٨: ٦- ٧ وقال تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ٢: ٢٢ وقال الله تعالى وَالله جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ [٤٦] بِساطاً ٧١: ١٩ وقال قوم في معنى المهاد والبساط القرار عليها والتمكن منها والتصرف فيها وقد اختلف القدماء في هيئة الأرض وشكلها فذكر بعضهم أنها مبسوطة مستوية السطح في أربع جهات والمشرق والمغرب والجنوب والشمال ومن هؤلاء من زعم أنّها

стр. 248

كهيئة الترس ومنهم من زعم أنها كهيئة المائدة ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل وذكر بعضهم تشبيه بنصف الكرة كهيئة القبة وأن السماء مركنة [١] على أطرافها وقال بعضهم هي في جانب من الفلك الأوسط وقال قوم هي مستطيلة كالأسطوانة الحجرية كالعمود وقال قوم أن الأرض إلى ما لا نهاية وأن السماء يرتفع إلى ما لا نهاية وقال قوم أن الذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دور الأرض لا دور الفلك والذي يعتمده جماهيرهم أن الأرض مستديرة كالكرة وأن السماء محيطة بها من كل جانب إحاطة البيضة بالمحة فالصفرة بمنزلة الأرض وبياضها بمنزلة الهواء وجلدها بمنزلة السماء غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستوية الخرط حتى قال مهندسوهم لو حفر في الوهم وجه الأرض لأدى إلى الوجه الآخر ولو نقب مثلاً بفوشنج [٢] لنفذ بأرض الصين قالوا والناس على وجه الأرض كالنمل على البيضة واحتجوا لقولهم بحجج [٣] كثيرة منها برهانىّ ومنها إقناعىّ

стр. 249

فالذي يجب على المسلم اعتقاده إجازة ذلك على الإمكان لأن البسيط يحتمل نشر الشيء ومده كالثوب وغيره ويحتمل التمكن منه فإن كان الناس على الأرض كما زعموا فالأرض لمن هي تحته بساط كمثل من هي فوقها وما نبأ وللَّه الحمد علينا معاندة الحق ومعاداة أهله ولا الإزراء بشيء من العلوم والآداب وإن كانت تتخيله [١] الديانة يقطع وثبت الولاية ولا نصرة للدين أعظم من تنزيل الحق منزلته وإعطاء كل ذي حق حقه وزعم بعضهم أن الأرض مقعرة وسطها كالجام واختلفوا في كمية عدد الأرضين قال الله تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ٦٥: ١٢ فاحتمل هذا التمثيل أن يكون في العدد والأطباق فروى في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض غلظ كل أرض مسيرة خمس مائة عام وما بين أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام وحتى عد بعضهم لكل أرض أهلاً على صفة وهيئة عجيبة وسمى كل أرض باسم خاص كما سما كل سماء باسم خاص وزعم بعضهم أن في الأرض الرابعة حيات أهل النار وفي الأرض السادسة حجار أهل النار فمن

стр. 250

نازعته نفسه إلى الإشراف عليه نظر في كتب وهب وكعب ومقاتل وطبقه هذا العلم فاستوفى فيها حظه فإنها معرضة ممكنة وعن عطاء بن يسار في قول الله تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ٦٥: ١٢ قال في كل أرض آدم ونوح مثل نوحكم وإبراهيم مثل إبراهيمكم والله اعلم وأحكم وليس ذا بأعجب من قول الفلاسفة أن الشموس شموس كثيرة وأن القمر أقمار كثيرة في كل إقليم شمس وفي كل إقليم قمر ونجوم وقالت القدماء أن الأرض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الأقاليم لا على المطابقة والمكاسبة وأهل النظر من المسلمين يميلون [١] إلى هذا القول ومنهم من يرى أن الأرضين سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقي ويزعم بعضهم الأرض مقسومة بخمس مناطق وهي المنطقة الشمالية والجنوبية والمستوية والمعتدلة [٤٦] والوسطى واختلفوا في مبلغ الأرض وكميتها فروى عن مكحول أنه قال مسيرة ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها خمس مائة سنة مائتان من ذلك البحر ومائتان ليس يسكنها أحد وثمانون فيه يأجوج ومأجوج وعشرون فيه سائر الخلق وعن

стр. 251

قتادة قال الدنيا عشرون وأربع آلاف فرسخ فملك السودان اثنا عشر ألف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك العجم ثلاثة آلاف فرسخ وملك العرب ألف فرسخ وعن عبد الله بن عمر قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر [١] من جميع الناس وقد أخرج بطلميوس مقدار قطر الأرض واستدارتها في المجسطي بالتقريب قال استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف اسطاديوس [٢] وهي أربعة وعشرون ألف ميل ويكون ثمانية آلاف فرسخ بما فيها من البحار والجبال والفيافي والغياض [٣] والفرسخ ثلاثة أميال والميل ثلاثة ألف ذراع بذراع الملك والذراع ثلاثة أشبار وثلاثة أشبار ستّة وثلاثون أصبعاً والأصبع الواحدة خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض والاسطاديوس [٤] أربع مائة ذراع قال وغلظ الأرض وهي قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلاً يكون ألفين وخمس مائة فرسخ وخمسة وأربعين فرسخا وثلثا قال فبسيط الأرض

стр. 252

كلّها مائة واثنان وثلاثون ألف [ألف] وستّمائة ألف ميل يكون مائتي ألف وثمانية وثمانين فرسخاً فإن كان حقاً فهو وحي من الحق أو إلهام وإن كان قياساً واستدلالاً فقريب أيضاً من الحق وإن كان غير ذلك من تنجيث [١] وتنجيم فاللَّه أعلم وأما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقيني الذي يقطع على الغيب به واختلفوا في البحار والمياه والأنهار فروى المسلمون أن الله خلق البحار مراً زعافاً وأنزل من السماء الماء العذب كما قال وَأَنْزَلْنا من السَّماءِ ماء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ [٢] في الْأَرْضِ ٢٣: ١٨ وكل ماء عذب من بئر أو نهر أو غير ذلك فمن ذلك الماء فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكاً معه طست فجمع تلك المياه فردها إلى الجنة وزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة الفرات وسيحان وجيحان ودجلة وذلك أنهم يزعمون أن الجنة من مشارق الأرض وروى أن الفرات جزر زمن معاوية فرمى برمانة مثل البعير البازل فقال كعب أنه من الجنة فإن صدقوا فليست هي بجنة الخلد ولكنّها من جنان

стр. 253

الأرض وعند القدماء أن المياه من الاستحالات فطعم كل ماء على طعم تربته ونحن لا ننكر قدرة الله سبحانه على إحالة الشيء على ما يشاء كما يحول النطفة علقة والعلقة مضغة ثم كذلك حالاً بعد حال إلى أن يفنيه كما أنشأه واختلفوا في ملوحة ماء البحر فزعم قوم أنه لمّا طال مكثه وألحّت الشمس عليه بالإحراق صار مراً ملحاً واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو نقيه [١] ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ وزعم آخرون أن في البحر عروقاً تغير ماء البحر ولذلك صار مرّا زعافا واختلفوا في المدّ والجزر فزعم ارسطاطاليس أن علة ذلك من الشمس إذا حركت الريح فإذا ازدادت الرياح كان منها المد وإذا نقصت كان عنها الجزر وزعم كيماوس أن المد بانصباب الأنهار في البحر والجزر بسكونها وزعم بعضهم أن ذلك من تحرّك الأرض وسكونها والمنجّمون منهم من يزعم أنّ المد بامتلاء القمر والجزر [٤٧] بنقصانه وقد روى في بعض الأخبار أن للَّه ملكاً موكلاً بالبحار فإذا وضع يده في البحر مد وإذا رفعه جزر فإن صح ذلك والله أعلم كان

стр. 254

اعتقاده أولي من المصير إلى ما لا يفيد حقيقة ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك يهب [١] الرياح التي تكون سبب المد ويزيد في الأنهار أو يفعل [٢] ذلك عند امتلاء القمر حتى يكون توفيقاً بين الروايات والآراء لكان هذا مذهباً والله أعلم، واختلفوا في الجبال قال الله وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ١٦: ١٥ وقال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً ٧٨: ٦- ٧ وقال تعالى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ٥٠: ١ قال قوم من المفسرين أنه جبل محيط بالعالم من زمردة خضراء ثم اختلفوا فقال بعضهم أن منه إلى السماء مقدار قامة رجل وقال آخرون بل السماء مطبقة عليه وقال قوم وراءه عوالم [٣] وخلائق لا يعلمها إلا الله ومنهم من يقول ما وراءه من حد الآخرة ومن حكمها وإن الشمس تغرب فيه وتطلع منه وهو الساتر لها عن الأرض ويسميه القدماء بالفارسية [٤] كوه البرز وحكى أفلوطرخس [٥] عن

стр. 255

ديمقريطيس [١] أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها وخفتها على طول الزمان فتكاثفت وثبتت وهذا قول المسلمين بعينه لو أنّه زاد فيه ثبت بالجبال ومنهم من يزعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها واختلفوا فيما [٢] تحت الأرض أما القدماء فأكثرهم يزعمون أن الأرض يحيط بها الماء والماء يحيط به الهواء والهواء تحيط به النار والنار يحيط بها السماء الدنيا ثم الثانية إلى السبع ثمّ فوقها فلك الكواكب الثابتة محيط بهذه السماوات والأركان التي ذكرنا ثم فوقها الفلك الأعظم المستقيم ثم فوقه عالم النفس وفوق عالم النفس عالم العقل وفوق عالم العقل البارئ ﷻ ليس وراءه شيء وهو فوق كل شيء فعلى مذهبهم أن تحت الأرض سماء كما فوقها وفي كتب قصاص المسلمين أشياء يضيق الصدر عنها وروى أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فبعث الله ملكاً فهبط حتى دخل تحت الأرض فوضع الصخرة على عاتقه [٣] ثمّ أخرج

стр. 256

يديه إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها فاستقرت ولم يكن لقدمه قرار فأهبط الله ثوراً من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة فجعل قرار قدمي الملك على سنامه فلم تصل قدماه إليه فبعث الله ياقوتة خضراء من الجنة غلظها مسيرة كذا ألف عام فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدماه وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض مشبكة تحت العرش ومنخر الثور في ثقبين من ملك الصخرة تحت البحر فهو يتنفس كل يوم نفسين فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر قال ولما لم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله كمكما كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت عليه قوائم الثور ثمّ لو لم يكن للكمكم مستقر فخلق الله حوتاً يقال له بهموت [١] فوضع الكمكم على وتر [٢] الحوت والوتر [٣] الجناح الذي يكون في وسط ظهره وذلك الحوت [على الريح] العقيم وهو مزموم بسلسلة كغلظ السماوات

стр. 257

والأرضين معقودة قال ثم انتهى إبليس عليه اللعنة إلى ذلك الحوت فقال ما خلق الله خلقاً أعظم منك فلم لا نزيل [١] الدنيا [٤٧] فهم بشيء من ذلك فسلط الله عليه بقة في عينه فشغلته وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة كالشطبة فهو ينظر إليها ويهابها قالوا ثم أنبت الله من تلك الياقوتة جبل قاف وهو من زمرّد خضراء وله رأس ووجه وأسنان وأنبت من جبل قاف الشواهق كما أنبت الشجر من عروق الشجر وزعم وهب أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض فإذا امتلأت أجوافهما قامت القيامة قالوا والأرض على ماء والماء على الصخرة والصخرة على سنام ثور والثور على كمكم من الرمل متلبد والكمكم على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم والريح في حجاب من الظلمة والظلمة على الثرى وإلى الثرى انتهى علم الخلائق لا يعلم أحد ما دون ذلك إلا الله بقوله تعالى لَهُ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ٢٠: ٦ وحكى وهب فيما روى عن عيسى ﵇ أنه سئل عما تحت الأرض فقال ظلمة الهواء وقيل فما تحته قال انقطع علم

стр. 258

العلماء فهذه القصص ما تولع بها العوام ويتنافسون فيه ولعمري انه لممّا يريد المرء بصيرة في دينه وتعظيماً لقدرة ربه وتحيراً في عجائب خلقه فإن صحت فما خلقها على الله بعزيز وإن لم يكن من اختراع أهل الكتاب وتزوير القصاص فكلها تمثيل وتشبيه والله أعلم وقد روى شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال بينما النبي ﷺ [كان] جالساً في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال [النبي] [١] اعلموا أن هذه زوايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما الذي فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف قال هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمس مائة عام ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فوقه العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين سماءين ثم قال أتدرون ما تحتكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمس مائة عام ثم قال

стр. 259

والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل لهبطتم على الله ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ٥٧: ٣ الآية فهذا الخبر يشهد بصدق كثير مما يروون إن صح والله أعلم وليس فيه ذكر الكمكم والصخرة والثور وغير ذلك وأما أهل النظر فمختلفون فيما تحت الأرض فزعم هشام بن الحكم أن تحت الأرض جسماً من شأنه الارتفاع والعلو كالنار والريح وأنه المانع للأرض من الانحدار وهو نفسه غير محتاج إلى ما يعمده من تحته لأنه ليس مما ينحدر بل يطلب الارتفاع وزعم أبو الهذيل أن الله وقفها بلا عمود ولا علاقة وقال بعضهم أن الأرض ممزوجة من جنسين خفيف وثقيل فالخفيف شأنه الارتفاع والصعود والثقيل شأنه الهبوط فيمنع كل واحد منهما صاحبه من الذهاب في جهة لتكافئ تدافعهما [١] والله أعلم واختلف القدماء في ذلك فزعم قوم منهم أن الأرض تهوي إلى ما لا نهاية وزعم آخرون أن بعضها يمسك بعضاً وزعم بعضهم أنها في خلاء لا نهاية لذلك الخلاء وعامتهم أن دوران الفلك عليها يمسكها في المركز [٤٨] من جميع نواحيها ويقول

стр. 260

أرسطاطاليس [١] أن خارج العالم من الخلاء مقدار ما يتنفس السماء فالذي ينبغي أن يعتقد من هذا أن العالم لو كان في مكان احتاج ذلك المكان إلى مكان آخر فإذا جاز أن يخلق الله المكان لا في مكان فأي عجب أن يخلق الأرض لا في مكان ولو كان ما فيه الأرض من خلاء أو فضاء شيئاً لوجب أن يكون مخلوقاً بدلالات أثر الخلق فيما دون الخالق سبحانه وقد سبق ذكر هذا فيما قبل، ذكر قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ١١: ٧ فروي عن ابن عباس أنه قال في مقادير ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة من أيام الدنيا وروى عن الحسن أنه قال في ستة أيام من أيام الدنيا ولو شاء بساعة ولو شاء بأسرع من طرفة عين ولكنه أراد إظهار قدرته لخلقه وآيات حكمته لملائكته ما يرون من ظهور آثار صفته شيئاً بعد شيء وقد قيل أن مدة الدنيا ستة أيام فلذلك خلقت في ستة أيام وروى طائفة من اليهود أن الدنيا تنقضي [٢] في كل ستة آلاف سنة وتعاد في السابعة قال ابن إسحاق يقول أهل

стр. 261

التوراة ابتداء الخلق يوم الأحد وفرغ منه يوم السبت فجعله عيداً لعباده وعظمة شرفه وكرمه ويقول أهل الإنجيل الابتداء يوم الإثنين وكان الفراغ يوم الأحد ويقول المسلمون ابتداء الخلق يوم السبت وكان الفراغ يوم الجمعة وإنما سميت يوم الجمعة لاجتماع الخلق فيه [و] كثير من المسلمين ينكرون هذه الرواية ويقولون ابتداء الخلق يوم الأحد وإما المجوس فإنهم يعظمون يوم الإثنين وهم يزعمون أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة وستين يوماً وسمعت بعض أهل العلم يزعم ما من يوم إلا وهو عيد لقوم والله اعلم قال الله تعالى أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ٤١: ٩ قال الأحد والإثنين وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ من فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ٤١: ١٠ الى قوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ ٤١: ١٢ الخميس والجمعة [١] وهكذا روى عكرمة عن ابن عباس خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين وشق الأنهار وغرس الأشجار وقدر الأقوات يوم الثلثاء ويوم الأربعاء وخلق السماوات وما فيها يوم الخميس ويوم الجمعة قال

стр. 262

عدىّ بن زيد [بسيط] قضى لستة أيام خلائقه ... وكان آخر شيء صور الرّجلا فإن قيل إذا كان اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها فكيف يجوز القول بأنه خلق في اليوم قبل اليوم قيل قد بيّنّا قول المسلمين أن النهار والليل خلقا قبل الشمس والقمر وأنهما ليسا من الشمس والقمر في شيء وليست أيام الخلق كأيام الدنيا ولكنها المقادير كان يظهر الخلق فيها وقد سمى الله يوم القيامة ولا شمس ثم ولا قمر يوماً وقال لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ١٩: ٦٢ ويقال أن الله خلق الشمس يوم الأحد والقمر يوم الاثنين والمرّيخ يوم الثلثاء وعطارد يوم الأربعاء والمشتري يوم الخميس والزهرة يوم الجمعة وزحل يوم السبت فلذلك نسبت الأيام إليها فيقال رب يوم الأحد الشمس [١] وربّ يوم الإثنين [٢] القمر وربّ يوم الثلثاء المريخ ورب يوم الأربعاء عطارد [٤٨] ورب يوم الخميس المشتري ورب يوم الجمعة الزهرة ورب يوم السبت زحل ويستحب ابتداء الأعمال يوم الأحد لعظم قوة

стр. 263

الشمس وسلطانها والسفر يوم الاثنين لسرعة سير القمر والحجامة والفصد يوم الثلثاء لمكان المريخ والدواء يوم الأربعاء لممازجة عطارد والخميس قضاء الحوائج وطلبها لفضل المشتري واللهو والفرح يوم الجمعة لأجل الزهرة والصيد يوم السبت وفيه يقول بعض المتأخّرين [وافر] لنعم اليوم يوم السبت حقاً ... لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الأحد البناء لأن فيه ... تبدّا الرب في خلق السماء وفي الاثنين إن سافرت فاعلم ... سترجع بالنّجاح وبالثّراء وإن ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته سفك الدماء وإن ترد الدواء فنعم يوماً ... لشرب المرء يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضاء حاجٍ ... وفيه الله يأذن بالقضاء وفي الجمعات تزويج وعرس ... ولذات الرجال مع النساء ذكر ما حكي من المدة قبل خلق الخلق [١] روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار [٢] عن طاووس [٣] عن عكرمة عن ابن

стр. 264

عباس ﵁ [١] قال قيل [٢] لموسى [٣] مذ [٤] كم خلق الله الدنيا [٥] فقال موسى يا رب ما تسمع [٦] ما يقول [٧] عبادك فأوحى الله [٨] إليه [٩] إني خلقت أربعة عشر ألف مدينة من فضة وملأتها خردلاً وخلقت لها طيراً وجعلت رزقه كل يوم حبة [١٠] حتى أفني ذلك ثم خلقت الدنيا فقيل لابن عباس فأين كان عرشه قال على الماء قيل فأين كان الماء قال [١١] على متن الريح وروى مثل هذا عن [١٢] علي بن أبى طالب عليه

стр. 265

السلم [١] فهذا [٢] شيء غامض صعب موكل [٣] إلى علم الله إذ ليس يدري ما الذي كان قبل هذا الخلق [٤] مثل هذا الخلق أو [٥] على خلافهم وهل تعيد [٦] الدنيا بعد فناء هذه الدنيا أم لا لأنه لم يخبرنا في كتابه ولا على لسان نبيه ﷺ بشيء من ذلك ولا في قوة العقل والاستدلال عليه فأما الخبر فغير معتمد عليه وغير عجيب ما ورد فيه ولا خارج من القدرة ولا مبطل الحكمة ولو كان أضعاف ذلك [٧] وزعم بعض الناس أنه عد قبل آدم هذا الذي ينسب إليه ابتداء الشيء [٨] ألف ومائتا آدم [٩] والله

стр. 266

أعلم وكأنه [١] جائز كونه [٢] وداخل في حد الإمكان [٣] فأما الذي لا يسع [٤] القول إلا به ويلزم [٥] اعتقاده انفراد الله تعالى [٦] عن خلقه سابقاً من غير شريك ولا جوهر قديم [٧] ثم أبدع الأشياء لا من شيء ولو كان بين شيئين من المدد ما لا يأتي عليه الإحصاء والعدد إلا أنه لا يصح إلا من جهة خبر صادق لأنا نخبر بقاء الحوادث على الأبد إلى ما لا نهاية فليس ذكر تلك المدة بأعجب من هذا وكون أهل الجنة في الجنة وكون أهل النار في النار، ذكر مدّة [٨] الدنيا واختلاف الناس فيها قال الله تعالى

стр. 267

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ٧: ٥٤ فزعم قوم أن مدة الدنيا ستة آلاف سنة مكان كل يوم ألف سنة وروي عن كعب [١] أن الله [٢] وضع الدنيا [٤٩] على [٣] سبعة أيام [٤] وروى ابو المقوّم الأنصاريّ عن ابن جبير عن ابن عباس [٥] قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة وروى ابن أبي نجيح [٦] عن مجاهد وأبان عن عكرمة في قوله تعالى في يَوْمٍ كانَ [٧] مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ٧٠: ٤ قالا [٨] هي الدنيا من أولها إلى آخرها وجاء خبر آخر في أمد الدنيا [٩] أنه مائة ألف سنة وخمسون ألف سنة وخبّرنى [١٠]

стр. 268

هربذ [١] المجوس [٢] بفارس أن في كتاب لهم أن مدة الدنيا أربعة أرباع فأولها ثلث مائة ألف سنة وستون ألف سنة عدد أيام السنة وقد مضت والثاني [٣] ثلاثون ألف سنة عدد أيام الشهر [٤] وقد مضت [٥] والثالث [٦] اثنا [٧] عشر ألف سنة عدد شهور السنة وقد مضت [٨] والرابع [٩] سبعة آلاف سنة عدد أيام الأسبوع ونحن فيها وللهند وأهل الصين فيه حساب يطول نذكره في موضعه إن شاء الله [١٠] ووجدت [١١] في كتاب رواية عن وهب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل

стр. 269

مذ [١] كم خلقت الدنيا فقال أخبرني ربي [٢] انه خلقها منذ سبع مائة ألف سنة إلى اليوم الذي بعثني [٣] فيه رسولاً إلى الناس ثم زعم صاحب الكتاب [٤] أن مما يدل على ذلك ما جاء في الخبر أن إبليس عبد الله [٥] خمسة وثمانين ألف سنة وإنه [٦] خلق بعد ما خلق السماوات والأرض بما شاء [٧] وهذا كله ممر على وجهه إن لا يقوم يقطع [٨] العلم به وما على إذا علمت أن الدنيا محدثة مكونة ولها انتهاء وانقضاء إن لا أعلم كم مضى منها وكم بقى فكيف تطمئن النفس إلى قول من يزعم أنه قد أحصى سني [٩] الدنيا وشهورها وأسابيعها وعدد أيامها

стр. 270

ولياليها وساعاتهما ودقائقها وثوانيها وهل يقول مثل هذا عاقل، ذكر الدنيا وما هي وجدت في كتاب باباً منفرداً في اختلاف الناس في الدنيا فحكى عن قوم أنهم يقولون الدنيا العالم بأسره وجميع أجزائه في السماء والأرض وما فيهما ومن قوم أنهم يقولون الدنيا تعاقب الفصول الأربعة وبقاء النماء والتناسل فإذا بطل هذا بطلت الدنيا وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا ضوء النهار وظلمة الليل وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا هذا الخلق لا غير فإذا فني فنيت الدنيا وعن قوم أنهم يقولون أن الدنيا سلطان ومال وجاه ودعة وعن قوم الدنيا هي ما بين السماء والأرض وقالوا قوم الدنيا هي الزمان فمن قال أن الدنيا هي هذا الجنس من الخلق قال ابتداؤها عند ظهور النشو ولا بعد ما قبلها من الدنيا من خلق السماوات والأرضين والملائكة وما ذكر من أصناف الخلائق قبل آدم ومن قال هو هذا العالم بأسره عد ما وجد قبل آدم من الدنيا وكذلك من حدها بحد [١] فابتدأ من حيث حدّ قال الله تعالى

стр. 271

فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ [١] الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٣١: ٣٣ [٢] وقال تعالى يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ٨٩: ٢٤ [٣] فأخبر أن الدنيا حياة والآخرة حياة ثم أضاف الفانية إلى الدنيا لفنائها وأضاف الباقية إلى الأخرى لبقائها وإنما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق والآخرة آخرة لتأخرها إلى أن تفنى الدنيا فكل ما هو فانٍ أو سيفنى يوماً من الخلق والأمر كائناً ما كان فهو دنيا وكل ما هو غير فان فهو من الآخرة ألا ترى أنه يقال لمن شاب وانصرم شبابه ذهبت دنياه ولمن ذهب ماله وسقط جاهه [٤٩] ذهبت دنياه ولمن مات هلك دنياه فلا تسمى دنيا إلا كل ما هو فانٍ ذاهب ومثال دنيا فعلى من الدنو كالصغرى والكبرى قال [وافر] هب الدنيا تساق عليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى الزوال وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلّك ثمّ آذن بالزّوال ومن هاهنا قيل أن الدنيا دنية كاسمها وأن الدنيا دنى كثيرة

стр. 272

فكل إنسان له دنيا في نفسه على حدته فماله دنيا له وجاهه دنيا له وأيّامه دنيا له ومكانه دنيا له وكل ما يناله ويسر به مما لا يبقى دنيا له وأنشدنى بعضهم [رمل] أنت دنيا كيف ذمك لدنيا [١] ... ألتي أنت هي ومنتهاكا [٢] ويدل خبر علي بن أبي طالب عم أن الأرض من الدنيا حيث قال [٣] للذي يسمعه يذم، الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه ويدل أن السماء من الدنيا قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ٢١: ١٠٤ [٤] فلو كانت من الآخرة لم تطو لأن الآخرة غير فانية، ذكر ما وصف من الخلق قبل آدم [٥] روى في الحديث أن كل شيء خلق الله قبل آدم عم [٦] وأنّ آدم وجد بعد إيجاد

стр. 273

الخلق لأنه خلق في الأيام [١] التي خلق فيها الخلق وقد ذكرنا ما قيل في خلق الملائكة فلنقل الآن في خلق الجان قال الله خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ ٥٥: ١٤- ١٥ وجاء أن النبي ﷺ قال الله تعالى خلق الملائكة من نور قال الله تعالى وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ ٢٤: ٤٥ وقال تعالى وَنَزَّلْنا من السَّماءِ ماء مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا به جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٥٠: ٩ وقال جل ذكره وَأَنْبَتْنا فِيها من كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ١٥: ١٩ قال بعض أهل التفسير أنه الجواهر التي توزن فأخبر سبحانه عن جميع خلقه ممن خلق من الماء والنار والطين [٢] وروى بقية [٣] بن الوليد عن محمد بن نافع عن محمد بن عبد الله بن عامر المكّي أنّه قال خلق الله [٤] خلقه من أربعة أشياء الملائكة من نور والجان من نار والبهائم من ماء وبنى آدم [٥]

стр. 274

من طين [١] فجعل [٢] الطاعة في الملائكة والبهائم لأنهما [٣] من النور والماء وجعل المعصية في الجن والإنس لأنهما من الطين والنار وروينا عن شهر بن حوشب أنه قال [٤] خلق الله في الأرض خلقا [٥] ثم قال لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً ٢: ٣٠ فما أنتم صانعون قالوا نعصيه ولا [٦] نطيعه فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم ثم خلق الجن فأمرهم بعمارة الأرض فكانوا يعبدون الله [٧] حتى طال عليهم الأمد فعصوا وقتلوا نبياً لهم يقال له يوسف وسفكوا الدماء فبعث [٨] عليهم جندا من الملائكة عليهم إبليس واسمه [٩] عزازيل فأجلوهم عن الأرض وألحقوهم بجزائر

стр. 275

البحور وسكن إبليس ومن معه [١] الأرض فهانت عليه العبادة وأحبوا المكث فيها فقال الله لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً [٢] قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها [٣] من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [٤] وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ وروى عن ابن عباس ﵁ [٥] أن الله تعالى لما خلق الجن [٦] من نار سموم [٧] جعل [٨] منهم الكافر والمؤمن [٩] ثم بعث إليهم رسولاً من الملائكة وذلك قوله تعالى الله يَصْطَفِي من الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمن النَّاسِ ٢٢: ٧٥ [٥٠] قال فقاتل [١٠] الملك [١١] بمؤمنى [١٢] الجنّ كفّارهم فهزموهم

стр. 276

وأسروا إبليس وهو غلام وضيء اسمه الحارث [١] أبو مرة فصعدت الملائكة به إلى السماء ونشأ بين الملائكة في الطاعة والعبادة وخلق [٢] خلقاً في الأرض فعصوه فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فنفوهم عن الأرض ثم خلق [٣] آدم فأشقى إبليس وذريته به وزعم بعضهم أنه كان قبل آدم في الأرض خلق لهم لحم ودم واستدلوا بقوله تعالى قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ٢: ٣٠ فلم يقولوا [٤] إلا عن معاينة واحتجوا أيضاً بقول حوبر [٥] أنه كان خلق [٦] فبعث إليهم نبي [٧] يقال له [٨] يوسف فقتلوه هذه ثلاث أمم سكنوا الأرض قبل آدم التي [٩] إبليس من نسلها [١٠] والذين قتلوا

стр. 277

نبيهم [١] والذين أجلاهم إبليس من الأرض مع ما قيل أنه كان قبل آدم ألف آدم ومائتا ألف [٢] آدم ونوح ألف [٣] آخر وهو [٤] آخر الآدمين وروى أن آدم لما خلق قالت له الأرض يا آدم جئتني بعد ما ذهبت جدتي [٥] وشبابي وقد خلقت قال عدى بن زيد [٦] [بسيط] [قضى لستة أيام خلائقه] ... وكان آخر شيء صور الرجلا [٧] ذكر خلق الجن والشياطين اعلم أن أصل الخلق وقع في شيئين من لطيف وكثيف فما خلق من الكثيف كثيف كالجوامد والموات والثواني من الجواهر والأشجار وما خلق من اللطيف لطيف كالهواء والرياح والملائكة والجنّ وما خلق من

стр. 278

لطيف وكثيف اجتمع فيه المعنيان كأجناس الحيوان ثم خص منها بالروح الحقيقي والعقل المميز والنفس الناطقة كان إنساناً فضل على غيره بذلك وقد ذكر الله تعالى أنه خَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ ٥٥: ١٥ فزعم قوم أنّه ماء ورج ونار قالوا والرج الضباب فكمل خلقهم من أربعة أشياء من الماء والرج والضوء والحرارة وأكثرهم على أن المارج [الغير] المختلط من لهب النار فما فيهم من خفة وسرعة واختطاف وتسويل بالشر فمن جهة طباعهم النارية وما كان فيهم من خير وفضيلة فمن جهة الضوء واختلاف ألوانهم وتأويلهم في التخييلات والتمثيلات لاختلاف أجزاء عناصرهم وفاتوا الحواس للطافة أجسامهم كما فاتته الملائكة والعلة في ذلك العلة في الملائكة والهواء أغلظ وأكثف من الجن فإذا كفا لم يحس به ما لم يحدث [١] به حركة واضطراب فكيف بالذي هو ألطف منه وأخف وقد قال النبي ﷺ أن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم فما هو إلا بمنزلة العوارض التي تخلص إلى أجسامنا وتباشر أنفسنا من الحرّ والبرد والحزن والفرح وغير ذلك

стр. 279

فلا نعلم كيف وصلت إلينا ونعلم يقينا أنها حادثة فينا وجاء في بعض الأخبار أن اسم أبي الجن سوم كما اسم ابى البشر آدم قالوا وخلق سوم وزوجته من نار السموم فتناسلوا وكثر ولده وكانت الجن سكان الأرض قبل آدم والملائكة سكان السماء واختلفوا في الشياطين فقال أكثر المسلمين أن من عصى من الجن صار شيطاناً وزعم بعضهم أن الشيطان من ذرية إبليس خاصة بعد اختلافهم في إبليس أمن الجن هو أم من الملائكة وكل ما اجتن عن الأبصار فهو جن ملكاً كان أو جنياً أو شيطاناً والشيطنة الخبث والنكارة [٥٠] فيقال لعتاة الإنس شياطين كما يقال لعتاة الجن شياطين وللغرس السريع شيطان ولكل داهية أو خفيف فطن شيطان وجاء في الحديث أن الكلب الأسود البهيم شيطان وقد قال الشاعر ما ليلة الفقير إلا شيطاناً فسمى ما يقاسيه الفقير من الضعف والشدّة شيطانا وروى عن مجاهد أنه قال مسكن الجن الهواء والبحار وأعماق الأرض وطعامهم روائح الطعام وشرابهم روائح الشراب قال ولما خلق الله تعالى أبا الجن قال له تمن قال أتمنى أن لا نرى ولا نرى وأنا ندخل تحت الثرى

стр. 280

وأن شيخنا يعود فتى فأعطى ذلك ثم لما خلق آدم قال له تمن قال أتمنى الحيل فأعطى ذلك قالوا وللجن شياطين كما للإنس شياطين وعلى الملائكة حفظه يقال لهم الروح كما للناس حفظه من الملائكة وكثير من الفلاسفة يقرون بالخلق الروحاني وإن خالفوا في صفتهم فمن ذلك ما ذكره افلاطن في آخر كتابه المعروف بسوفطيقا أن الشياطين هي النفوس التي كانت ملابسة لهذه الأبدان فتشيطنت لرداءة أعمالها وزعم أن السحرة يستعينون بهذه النفوس في الأعمال التي يعملونها فيجيبونهم ويظهرون لهم ما أرادوا وأجاز قوم أن يكون في عالم سباع وبهائم غير محسوسة للطافة أبدانها وزعم بعضهم أن صور العدم قائمة بذاتها فهولاء قد أقروا بالصور الروحانية [١] واختلفوا في الصفة وكفوا بعض المئونة، ذكر ما وصفوا من عدد العوالم ولا يعلمها إلا الله روى جبير عن الضحاك أنه قال للَّه في الأرض ألف عالم منها ستمائة بالبحر وأربعمائة في البر وعن الربيع بن أنس للَّه أربع عشر ألف عالم ثلاثة آلاف وخمسمائة في المشرق وثلاثة

стр. 281

آلاف [١] وخمسمائة في المغرب وثلاثة آلاف [١] وخمسمائة هكذا وثلاثة آلاف [١] وخمسمائة هكذا وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال للَّه ثمانية آلاف عالم الدنيا وما فيها عالم واحد وروى حديث عن النبي ﷺ انه قال إنّ للَّه أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً مملوءة خلقاً من خلق الله لا يعصون الله طرفة عين قيل فأين إبليس عنهم يا رسول الله قال وما تدرون أن الله خلق إبليس ثم قرأ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ١٦: ٨ والله أعلم بصحة الرواية مع ما يذكر من أصناف الأمم مثل ناسك ومتنسك وتاويل وهاويل ويأجوج ومأجوج وسائر الخلق في جنبتي الأرض اللتين يسميان جابلقا وجابلسا،

стр. 282

الفصل الثامن في ظهور آدم وانتشار ولده اعلم أن الناس في هذا الفصل رجلان اثنان ملحد منكر للابتداء قائل بأزلية المعلول مع العلة وموحد مقر بالابتداء قائل ضد صاحبه ثم من أقر بابتداء الخلق اختلفوا في كيفية ظهور أوله وأنا ذاكر مقالاتهم ومنبه عن موقع منه بمشيّة الله وعونه فليكن مسألة إثبات حدث العالم من بال [١] الناظر في هذا الفصل فالذي يدل على حدث آدم هو الدليل المضطر إلى الإقرار بابتدائه، ذكر اختلاف الفلاسفة في تولد الحيوانات وكيف كان كونها فإما الذين يرون [٥١] أن العالم لا كون له فإن كون الحيوان عندهم من استحالة بعضه إلى بعض لأنه أجزاء العالم وكذلك يرى فيثاغورس وأما الفسمد فيرى أن الحيوان

стр. 283

تولد من الرطوبة وأن كان يغشاه [قشر] مثل قشور السمك ولما أتت عليه السنون صارت إلى الجفاف واليبس فانقشر عنها ذلك القشر وصار حياتها زماناً يسيراً وأما ديمقرطيس فيرى أن الحيوانات تولدت وأن كونها من جوهر حارّ وأنّ أوّل ما أحياها هي الحرارة وأما انباذقليس فيرى أن لحون الحيوان والنبات لم يكن في أول الأمر دفعة واحدة لكنها شيء بعد شيء كأنها كانت أعضاء غير مؤتلفة ولا متصلة ثم صارت بعد ذلك متصلة في كون ثان في صورة التماثيل وفي كون ثالث كان بعضها في بعض وفي كون رابع بالاجتماع والتكاثف وكثرة الغذاء فهذا جملة قولهم في ظهور الحيوانات وآدم حيوان فعند بعضهم أن آدم تولد من رطوبة الأرض كما يتولد سائر الهوام وكان جلده كقشر السمك ثم لما أتى الزمان عليه جف وسقط عنه وعند آخر لم يظهر بكماله وأنها ظهر شيئاً بعد شيء ثم تركبت واتصلت على مرور الزمان وصار إنساناً تاماً واختلف المنجمون في ذلك فمنهم من يزعم أن الفلك دار كذا وكذا ألف سنة فكلما دار على استقامة ظهر نوع من الخلق إلى أن دار على أتمّ [١]

стр. 284

الاستقامة وأكمل الاعتدال فظهر هذا الإنسان الذي لا شيء أكمل ولا أفضل منه ومنهم من يزعم أن الكواكب السبعة لما اجتمعت كلها في أول درجة من الحمل ظهر جنس البهائم ثم لما اجتمعت في أول درجة من الجوزاء ظهر جنس الناس ولما اجتمعت كلها في أول درجة من الثور ظهر جنس من النبات ومنهم من يزعم أن الفلك لما دار على استقامة ظهرت البهائم ثم دار على أعدل من ذلك فأظهر القرد وكاد يكون إنساناً ولا شيء أشبه به منه ثم دار على غاية العدل فأظهر الإنسان واختلف سائر الأمم في ذلك فزعمت فرقة من الهند أن أول ما كان من ظهور الإنسان أن السماء ذكر والأرض أنثى وأنه مطرت السماء فقبلت الأرض ماءها بمنزلة قبول المرأة ماء الرجل في رحمها وأجلها الفلك بسرعة جريه ودورانه فبدأ أول ما بدأ هذا النبت الشبيه بالإنسان الذي يسمى يبروح [١] الصنمي ثم ألح عليه الفلك بدورانه حتى أقلع من منبته وأفاده حركة مكانته فصار إنساناً يسعى كما ترى وفي كتاب الفرس أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة

стр. 285

وستين [١] يوماً ووضع ذلك على أزمنة الكاه انبار فخلق السماء في خمسة وأربعين يوماً والماء في ستين يوماً والأرض في خمسة وستين يوماً والنبات في ثلاثين يوماً وخلق الإنسان في سبعين يوماً وسماه كيومرث وأنه كان في جبل يسمى كوشاه ولم يزل يعمل الخير والعبادة وكان في سياحته ثلاثين سنة ثم طعنه إبليس فقتله فسال من طعنته دمه وصار ثلاثة أثلاث فثلث منه أخذته الشياطين وثلث أمر الله روشنك الملك أن يأخذه ويصونه وثلث قبلته الأرض فصارت محفوظة أربعين سنة ثم أنبت الله منه نباتاً كهيئات الريباس وظهر في وسط ذلك النبات صورتان ملتفان بورق ذلك النبات [٥١] أحدهما ذكر والآخر أنثى واسم الذكر منها ميشي [٢] واسم الأنثى ميشانه [٣] ومرتبة هذين عند الفرس مرتبة آدم وحواء عند أهل الكتاب وسائر الأمم قالوا ثم ألقى الله في قلوبهما شهوة المباضعة بعد ما أجرى فيهما روح الحياة فاجتمعا وتوالدا وصار نسل الناس
следующие страницы →