آلاف [١] وخمسمائة في المغرب وثلاثة آلاف [١] وخمسمائة هكذا وثلاثة آلاف [١] وخمسمائة هكذا وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال للَّه ثمانية آلاف عالم الدنيا وما فيها عالم واحد وروى حديث عن النبي ﷺ انه قال إنّ للَّه أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً مملوءة خلقاً من خلق الله لا يعصون الله طرفة عين قيل فأين إبليس عنهم يا رسول الله قال وما تدرون أن الله خلق إبليس ثم قرأ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ١٦: ٨ والله أعلم بصحة الرواية مع ما يذكر من أصناف الأمم مثل ناسك ومتنسك وتاويل وهاويل ويأجوج ومأجوج وسائر الخلق في جنبتي الأرض اللتين يسميان جابلقا وجابلسا،
стр. 282
الفصل الثامن في ظهور آدم وانتشار ولده
اعلم أن الناس في هذا الفصل رجلان اثنان ملحد منكر للابتداء قائل بأزلية المعلول مع العلة وموحد مقر بالابتداء قائل ضد صاحبه ثم من أقر بابتداء الخلق اختلفوا في كيفية ظهور أوله وأنا ذاكر مقالاتهم ومنبه عن موقع منه بمشيّة الله وعونه فليكن مسألة إثبات حدث العالم من بال [١] الناظر في هذا الفصل فالذي يدل على حدث آدم هو الدليل المضطر إلى الإقرار بابتدائه،
ذكر اختلاف الفلاسفة في تولد الحيوانات وكيف كان كونها
فإما الذين يرون [٥١] أن العالم لا كون له فإن كون الحيوان عندهم من استحالة بعضه إلى بعض لأنه أجزاء العالم وكذلك يرى فيثاغورس وأما الفسمد فيرى أن الحيوان
стр. 283
تولد من الرطوبة وأن كان يغشاه [قشر] مثل قشور السمك ولما أتت عليه السنون صارت إلى الجفاف واليبس فانقشر عنها ذلك القشر وصار حياتها زماناً يسيراً وأما ديمقرطيس فيرى أن الحيوانات تولدت وأن كونها من جوهر حارّ وأنّ أوّل ما أحياها هي الحرارة وأما انباذقليس فيرى أن لحون الحيوان والنبات لم يكن في أول الأمر دفعة واحدة لكنها شيء بعد شيء كأنها كانت أعضاء غير مؤتلفة ولا متصلة ثم صارت بعد ذلك متصلة في كون ثان في صورة التماثيل وفي كون ثالث كان بعضها في بعض وفي كون رابع بالاجتماع والتكاثف وكثرة الغذاء فهذا جملة قولهم في ظهور الحيوانات وآدم حيوان فعند بعضهم أن آدم تولد من رطوبة الأرض كما يتولد سائر الهوام وكان جلده كقشر السمك ثم لما أتى الزمان عليه جف وسقط عنه وعند آخر لم يظهر بكماله وأنها ظهر شيئاً بعد شيء ثم تركبت واتصلت على مرور الزمان وصار إنساناً تاماً واختلف المنجمون في ذلك فمنهم من يزعم أن الفلك دار كذا وكذا ألف سنة فكلما دار على استقامة ظهر نوع من الخلق إلى أن دار على أتمّ [١]
стр. 284
الاستقامة وأكمل الاعتدال فظهر هذا الإنسان الذي لا شيء أكمل ولا أفضل منه ومنهم من يزعم أن الكواكب السبعة لما اجتمعت كلها في أول درجة من الحمل ظهر جنس البهائم ثم لما اجتمعت في أول درجة من الجوزاء ظهر جنس الناس ولما اجتمعت كلها في أول درجة من الثور ظهر جنس من النبات ومنهم من يزعم أن الفلك لما دار على استقامة ظهرت البهائم ثم دار على أعدل من ذلك فأظهر القرد وكاد يكون إنساناً ولا شيء أشبه به منه ثم دار على غاية العدل فأظهر الإنسان واختلف سائر الأمم في ذلك فزعمت فرقة من الهند أن أول ما كان من ظهور الإنسان أن السماء ذكر والأرض أنثى وأنه مطرت السماء فقبلت الأرض ماءها بمنزلة قبول المرأة ماء الرجل في رحمها وأجلها الفلك بسرعة جريه ودورانه فبدأ أول ما بدأ هذا النبت الشبيه بالإنسان الذي يسمى يبروح [١] الصنمي ثم ألح عليه الفلك بدورانه حتى أقلع من منبته وأفاده حركة مكانته فصار إنساناً يسعى كما ترى وفي كتاب الفرس أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة
стр. 285
وستين [١] يوماً ووضع ذلك على أزمنة الكاه انبار فخلق السماء في خمسة وأربعين يوماً والماء في ستين يوماً والأرض في خمسة وستين يوماً والنبات في ثلاثين يوماً وخلق الإنسان في سبعين يوماً وسماه كيومرث وأنه كان في جبل يسمى كوشاه ولم يزل يعمل الخير والعبادة وكان في سياحته ثلاثين سنة ثم طعنه إبليس فقتله فسال من طعنته دمه وصار ثلاثة أثلاث فثلث منه أخذته الشياطين وثلث أمر الله روشنك الملك أن يأخذه ويصونه وثلث قبلته الأرض فصارت محفوظة أربعين سنة ثم أنبت الله منه نباتاً كهيئات الريباس وظهر في وسط ذلك النبات صورتان ملتفان بورق ذلك النبات [٥١] أحدهما ذكر والآخر أنثى واسم الذكر منها ميشي [٢] واسم الأنثى ميشانه [٣] ومرتبة هذين عند الفرس مرتبة آدم وحواء عند أهل الكتاب وسائر الأمم قالوا ثم ألقى الله في قلوبهما شهوة المباضعة بعد ما أجرى فيهما روح الحياة فاجتمعا وتوالدا وصار نسل الناس
стр. 286
منهما وقال قوم أن الفلك لحركاته ابتداء وتوسط وغاية فظهر من ابتداء حركته النبات وفيه أدنى القوى ثم انضمت إلى القوتين قوة الغاية والتمام فظهر الإنسان قالوا ولا قوّة في الفلك أتم وأبلغ من هذه القوة التي أظهرت الإنسان ولا صورة أتم وأكمل منه ولذلك اجتمعت فيه القوى كلّها قوّة النماء وقوة الحس والحركة وقوة النطق والتمييز ومن هاهنا قالوا الإنسان ثمرة العالم وقالوا هو العالم الأصغر إذ لا يوجد في العالم شيء إلا وجد له شبيه في الإنسان لأن فيه ظاهراً هو جسمه وباطناً هو روحه وأربع طبائع من اسطقساته فالسوداء باردة يابسة من طبع الأرض والصفراء حارة يابسة من طبع النار والبلغم بارد رطب من طبع الماء والدم حار رطب من طبع الهواء ولحمه كالأرض وعظامه كالجبال وشعره كنبات الأرض وأعضاءه كالأقاليم وعروقه كالأنهار ومنافذه [١] ومفاوز [٢] عرقه كالعيون ورأسه الفلك محيط به وفيه نيّرانه كنجوم الفلك وظهره كالبر وبطنه كالبحر وفي بطنه ألوان مختلفة
стр. 287
من المياه والحيوان كنحو ما في بطن الأرض وفي يديه الدوابّ المتولّدة كالدواب المتولدة في الأرض وفيه النماء كما في النبات والحركة الكامنة كالبهائم والغضب كما في السباع وفيه عقله وحيوته كالإله المدبر له المعرف له قالوا ولا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم ولا مجتمع لو فرق كان منه [العالم] إلا الإنسان [١] والعالم الأكبر عالم بالفعل إنسان بالقوة فالإنسان إنسان بالفعل وهو العالم بالقوة [٢] وفي النبات امتزاج ضعيف فلذلك لم يبلغ درجة الحساسة وفي البهائم امتزاج أقوى من ذلك فلذلك تحركت وأحست وفي الإنسان امتزاج على تعديل ونظام قالوا وقد صح حكم الحكماء أن آخر العمل أول الفكرة وأول الفكرة آخر العمل فلما كان الإنسان آخر عمل الصانع صح أنه أول فكرة الصانع وهذا رأي أكثر الفلاسفة وقال بعضهم في تفصيل الإنسان وقسمة أجزاء الحيوان فالعالم فيه يداه جناحاه وأظفاره مخالبه وعيناه شمسه وقمره ورجلاه قوائمه ورأسه سماؤه ومثانته بحاره
стр. 288
وأضراسه طواحنه ومعدته خزانته حتى عد جميع أجزائه وأعضائه الظاهرة والباطنة وهذا كله سهل يسير لأنا لا ننكر خلق الإنسان في هذا العالم من العالم والكلام فيه حرفان إما أن كان هو بنفسه من غير مكون فهو محال وإما أن كان كونه غيره مكون فهو الذي يقطع الشغب بيننا وبينهم وإما أن يكون هو لم يزل فأثر الحدث فيه يرد هذا القول وقد سبق من الحجة في الفصل الأول ما يدل على فساد هذه الدعوى بقي الكلام في كيف أوجد وليس ممكن مشاهدة الخبر في مثله إلا عن وحي أو رسالة فانتصر إلى ما في كتب الله وأخبار رسله صلوات الله عليهم وروى ابن إسحاق أنّ أهل التوراة يدرسون فيها أن خلق [الله] آدم على صورته لما أراد يسلطه على الأرض وما فيها [٥٢] وقد روى هذا الحديث أن النبي ﷺ قال خلق الله آدم على صورته ثم اختلفوا في التأويل وقرأت في نسخة زيادة على ما ذكره ابن إسحاق فقال بعد ذكر خلق السماوات والأرض فال الله يخلق إنساناً بصورتنا وشبهنا ومثلنا فيكون مسلطاً على سمك البحار والطير والأنعام وكل ماشية على الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله ونفخ في وجهه
стр. 289
نسمة الحياة وسلطه على ما في الأرض وذلك يوم الجمعة واستراح يوم السابع وهو يوم السبت وفسر لي يهودي بالبصرة فزعم في خلق آدم أن الله صوره على الأرض ثم نفخ فيه والله أعلم وروى ابن إسحاق قال بينا آدم يمشي منتصباً ولم يكن مشى في الأرض حيوان مثله إذ جاء النسر إلى البحر فقال للسمكة إني رأيت خلقاً يمشي على القدمين وله يدان يبطش بهما في يده خمس أصابع فقالت السمكة إني أراك تنعت خلقاً ما أراه يدعك في جو السماء ولا يدعني في قعر البحار وهذا تمثيل والله أعلم وفي كتاب الله الذي لم يلحقه تغيير ولا تحريف وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ٢٣: ١٢- ١٣ يعني ولده وقال عز ذكره إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٣: ٥٩ وقال تعالى حكاية عن الشيطان خَلَقْتَنِي من نارٍ وَخَلَقْتَهُ من طِينٍ ٧: ١٢ فأخبر عن ابتداء خلق آدم أنه كان من التراب ثم ضم إليه الماء فكان طيناً ثم سل خلاصة الطين بدلالة قوله تعالى وَإِذْ قال رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من صَلْصالٍ من حَمَإٍ مَسْنُونٍ ١٥: ٢٨ ثم ترك حتى جف وصلصال كما قال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ
стр. 290
كَالْفَخَّارِ ٥٥: ١٤ وهذه أحوال كان الله تعالى يحولها على الإنسان تصفيه لطينته وإخلاصاً لنيته إذ لم يخلق كل طين كما يتولد منه الحيوان وينبت منه النبات ولا جعله في جميع الأحوال والهيئات كما يوجد منه ذلك ولو شاء لأوجده ولكن لم يدع حكمته وتدبيره في إظهار قدرته وإبداء حكمته في كل جزء من أجزاء ترتيبه كما يخلق تنسله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولو شاء لأتم خلقه من غير النطفة مع أن أسرار حكمته وعلمه لا مطلع عليها للعباد وجاء فيها من الأحاديث والأخبار ما لو تكلفناها لطال الكتاب بها وخرج عن الغرض المقصود له ولا من بعضها لما فيه من التقريب والتمثيل فزعم بعضهم أنه إنما سمى آدم لأنه خلق من أديم الأرض وقال الضحاك سمى آدم لأنه خلق من الأرض السادسة واسمها كاماً والرواية الأولى أشهر وأعرف وزعم بعضهم أن الله قبض من جميع وجه الأرض من سباخها وبطائحها وأسودها وأحمرها قبضة فلذلك جاء ولد آدم على تلك الألوان أبيض وأسود وأحمر وروى بعضهم أن [الله] جمع في آدم المياه كلها فموضع العذب في فمه والمالح في عينه والمر في أذنه والمنتن في خيشومه وروى في
стр. 291
خبر أن الله تعالى خمر طينة آدم وأنها لتخرج من أصابعه والله أعلم،
ذكر خلق آدم
قال ابن إسحاق فلما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلى به لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه وكان أول بلاء ابتليت به الملائكة مما لها فيه ما تحب وتكره البلاء والتمحيص بما فيهم ممّا لو تعلموا أو أحاط به علم الله منهم جميع الملائكة من سكان السماوات والأرض ثم قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً ٢: ٣٠ إلى قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ أي أن فيكم ومنكم ولم يبدها لهم منه المعصية والفساد وسفك [١] الدماء [٥٢] وقال الله تعالى ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٣٨: ٦٩ فلما عزم الله تعالى على خلق آدم قال للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ٣٨: ٧١- ٧٢ فحفظت الملائكة وعده ووعوا قوله وأجمعوا لطاعته إلا ما كان من عدو الله إبليس فإنه صمت على ما في نفسه من الحسد والبغي والتكبر وخلق الله آدم من أدمة الأرض من طين لازب من حمإ
стр. 292
مسنون بيده تكرمه له وتعظيماً لأمره فيقال والله أعلم خلقه ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاماً قبل أن ينفخ فيه الروح حتّى عاد صلصالا كالفخّار ولم تمسّه نار وكان خلقه يوم الجمعة في آخر ساعة منها وذلك قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ٧٦: ١ هذا كله قول محمد بن إسحاق صاحب المبتدإ والمغازي وقد خولف منه في حروف ليس هذا موضع شرحها،
ذكر اختلافهم في خلق آدم
قال كثير من المسلمين أنه خلق في الأرض كما خلق من الأرض وخلقت منه زوجته حواء وفي نسخة التورية [١] أن الله نصب الفردوس في عدن وأسكنها آدم وأنبت فيها من كل شجرة طيبة وانطلق الرب بآدم فأنزله الفردوس ليعمره ويتعاهده وقال ولا تأكل [٢] من شجرة الفقه للخير والشر فإنك يوم تأكل تموت موتاً وقال تعالى لا يحسن أن يكون آدم وحيداً فألقى عليه النوم وأخذ ضلعاً من أضلاعه فجعل منه حواء وقال بعض الناس أن الله خلق آدم في السماء وروى عن ابن عباس ﵁ أن الجنة التي
стр. 293
أسكنها آدم بين السماء والأرض ومن المسلمين من يقول أنها خلقت للابتداء ثم أفنيت ومنهم من يقول أنها جنة الخلد والله أعلم قالوا وكان خلق آدم يوم الجمعة وأسكن الجنة في ذلك اليوم وأخرج منها فما لبث فيها إلا مقدار ما بين الصلاتين ويذكر هذه القصة ابن جهم في قصيدته [سريع]
يا سائلي عن ابتداء الخلق ... مسألة القاصد قصد الحقّ
أخبرنى قوم من الشقات ... أولو [١] علوم وأولو هيئات
تفرعوا في طلب الآثار ... وعرفوا موارد الأخبار
ودرسوا التّوراة والإنجيلا ... وأحكموا التأويل والتنزيلا
أن الذي يفعل ما يشاء ... ومن له القدرة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء ... وقد منه زوجه حواء
مبتدياً وذاك يوم الجمعة ... حتى إذا أكمل فيه الصنعة
أسكنه وزوجه الجنانا ... فكان من أمرهما ما كانا
غرهما الشيطان فاغترا به ... كما أبان الله في كتابه
غرهما الشيطان فيما صنعا ... فأهبطا منها إلى [٢] الأرض معا
فوقع الشيخ أبونا آدم ... بجبل الهند يدعى واسم
لبئس ما اعتاض من الجنان ... والضعف من جبلّة الإنسان
стр. 294
فشقيا وورثا الشقاء ... نسلهما والكد والعناء
ولم يزل مفتقرا من ذنبه ... حتّى تلقّى كلمات ربه
فأمن السخطة والعذابا ... والله تواب على من تابا
ثم تنسلا وأحب النسلا ... فحملت منه حواء حملا
وولدت ابناً فسمى قاينا ... وعاينا من أمره ما عاينا
وفي الحديث أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم فأخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم بينهما وآدم نائم ثم لم يهب فخلق زوجته فلما هب رآها إلى جنبه فقال لحمى ودمى وروحى فسكن [١] إليها قال ابن عبّاس احفظوا نساءكم فإن المرأة خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل [٥٣] وإن الرجل خلق من الطين فنهمته في الطين وفي التوراة أن الله أسكن آدم الجنة قال لا يحسن أن يكون آدم وحيداً فلنخلق له عوناً يعني امرأة فخلق حواء كما جاء في الحديث وفي رواية الكلبي أن الله خلق آدم من طين فكان مطروحاً بين مكة والطائف أربعين سنة لا يدري ما يصنع به وذلك قوله هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً، ٧٦: ١
стр. 295
ذكر قولهم كيف نفخ فيه الروح
قال أهل الأخبار لما خلق الله طينة آدم وأتى عليه حين من الدهر وصارت صلصالاً كالفخار أرسل إليه روحاً من عنده على مائدة من موائد الجنة فلما رأى الروح ضيق مدخله وظلمة هيكله كره الدخول فيه فقيل أدخل كرهاً وأخرج كرهاً فنفخ الروح في منخره فدار في رأسه لضيق مكانه وجرى روح الحياة فيه ففتح عينه وانطق لسانه وسمعت أذناه وعطس فقال الحمد للَّه فقال له ربه جل ذكره يرحمك ربك فكان أول ما تكلم به آدم التوحيد والتحميد لربه فعلمت الملائكة عند ذلك أن الله لم يخلقه [١] إلا لأمر عظيم قالوا وجعل الروح تمر في جسد آدم وهو ينظر إليه فلا يأتي على شيء منه إلا صار لحماً ودماً وشعراً قال سلمان الفارسي ثم وثب قبل أن يخلق الرجل منه وذلك قوله تعالى وَكانَ [٢] الْإِنْسانُ عَجُولًا، ١٧: ١١
ذكر سجود الملائكة لآدم عم
قال ولما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود ليبتليهم ويبتلى
стр. 296
إبليس بما في ضميره سجدة تحية لا سجدة عباده وفيل بل أمروا بالسجود للَّه إليه كسجود المسلمين إلى القبلة فسجدوا كلهم كما قص الله علينا في القرآن إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ من الْكافِرِينَ ٢: ٣٤ واختلفوا في المعنى الذي أمروا بالسجود من أجله فقال قوم كان الله في سابق علمه أن يستخلف آدم ذريته في الأرض ليعمروها ويأكلوا من رزقه ويعبدوه ويطيعوه فلما أراد أن يخلق آدم قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ أن في ذريته أنبياء وأولياء وأنه يعصى فاغفر له فيظهر الرحمة والمغفرة وأنه يأكل من رزقه [١] فيظهر الفضل والجود والقدرة فلما نفخ فيه الروح قال الحمد للَّه قال الله تعالى يا آدم أحسنت أحسنت لهذا خلقتك لكي تحمدني وتمجدني ثم أمرت الملائكة بالسجود له بحمده وقال قوم أن إبليس عبد الله خمس وثمانين ألف سنة وكان يدعى بين الملائكة خازن الجنان فلما قال الله إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً ٢: ٣٠ استعظم ذلك إبليس
стр. 297
واعتقد الخلاف والمعصية فلما خلق الله طينة آدم جعل إبليس يمر بها ويقول للملائكة أرأيتم هذا الخلق الذي لم تروا فيما مضى مثله أن أمرتم بطاعته ما صانعون فقالوا نطيع ونأتمر فقال في نفسه لئن فضل على لأعصينه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فأمروا بالسجود حتى ظهر ما أضمر المرء في نفسه من المعصية وزعم الكلبي أن الله تعالى لما قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً ٢: ٣٠ قالوا ألن يجعل الله خلقاً أعلم منا ولا أكرم عليه منا فابتلوا بالسجود لآدم وزعم بعضهم أن الله تعالى لما خلق آدم لم يكن في خلقه أحسن وأكمل وأتم وأفضل منه فأمرت الملائكة بالسجود له لفضيلته لقول الله [٥٣] بعد أقسام أربعة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٩٥: ٤ وقيل أمروا بالسجود له لفضل علمه عليهم وقد قال بعض الناس أن الروح هو الذي أوجب السجود لآدم لأنه منه وزعم أن الحيوانات كلها صنف واحد في الحياة والأرواح شيء واحد وإنما الأشخاص والأجسام والهياكل كلها آلات ومساكن [١] قالوا فالحيوان مجموع من شيئين خفيف وثقيل فما كان من
стр. 298
ثقيل فإنه ينحل ويعود إلى التراب وما كان من خفيف فإنه يصعد ويبقى وهو لا يفسد أبداً وهو نطق الإنسان وبصر العينين وسمع الأذنين وبطش اليدين ومشى القدمين وأجناس الحواس كلها من الشم والذوق والطعم والرائحة وهو حفظ القلب والمعرفة والفهم والوهم والعقل والذكر وكل ما هو موجود غير معلوم الحدود في الكمية والكيفية قالوا فالأشخاص والأجسام كاللباس وفيها لا يرى ولا يحس ولا يسمع وهو يرى ويسمع ويحس قالوا وإنما أمروا بالسجود له لهذه الحال فكفر من أبى واستكبر وكان حكم هذه المسألة أن تكون في باب من هو وما هو من الفصل الثاني في إثبات البارئ عز وعلا ولكن الإنسان مغلوب على أمره دلالة على فساد قول هذه الطبقة إذ لا كمال إلا للَّه وغير جائز وجود النقص في الكمال وحدثت [١] عن رجل في بلاد سابور من حدود فارس يجتمع إليه قوم ويذهبون مذهباً يخالفون عوام الناس فقصدته متصفحاً ما عنده ولزمته أياماً كالمصفى المسترسل لما عنده متبالهاً متجاهلاً وكان الرجل يرجع إلى شيء من علم
стр. 299
اللغة ومعرفة مذاهب القدماء إلى أن أنس بي ووثق بناحيتي ثم أبدى مكتوم أمره ودفين سره وإذا هو على هذا المذهب الذي ذكرته مع طول تهجد وقيام وكثرة صلاة وصيام وأذكر مما حفظته عنه أنه كان يوما يشير إليه بالدلائل فقال وهو الذي تراه في عيني وأراه في عينك ثم أنشد بيتاً [خفيف]
حجبته العيون عن كل عين ... وهو فيها أنيس كلّ وحيد
وحدّثنى عن بعض مشايخه عن أبي يزيد البسطامي أنه قال طلبت الله ستين سنة فإذا أنا هو وعن ارسطاطاليس وجدت صورة مصورة في بعض المواضع وفي يده كتاب مكتوب فيه كنت أشرب شراباً ولا أروى فلما عرفت البارئ جل وعز رويت بلا شرب ولبعض المتصوفة مذهب قريب من هذا بل هو بعينه لأن منهم من يقول بالحلول وإذا رأوا صورة حسنة خروا له سجدا وكثير من أهل الهند يفعلون هذا وأنشدني ابن عبد الله للحسين بن منصور المعروف بالحلاج ما يدل على هذا القول [منسرح]
يا سر سر يدق حتى ... يخفى على وهم كل حي
стр. 300
وظاهراً باطناً تجلى ... لكل شيء بكل شيء
إنّ اعتذاري إليك جهل ... وعظم شكى وفرط عي
يا جملة الكل لست غيري ... فما اعتذاري إذا إلي
وكم للَّه علينا من الفضل والمنة بإلهام التوحيد وتسهيل التعريف وأي نفس مميزة تطمئن إلى مثل هذه المذاهب وأي عقل يسمح بقبولها،
ذكر قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ [١] عَلَى الْمَلائِكَةِ ٢: ٣١
[٥٤] قالوا وكان الله خلق كل شيء قبل آدم وكانت الملائكة ترى الأشجار والثمار والوحوش والبهائم وسائر الحيوانات تمشي ولا تأكل ولا يدرون لمن خلق ولمن خلقت هذه وما أسماؤها ومنافعها فلما قال لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً ٢: ٣٠ وبدلاً منكم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ليس يردون على الله ولكن يستخبرونه ويطلبون معرفة حكمته وأنه يخلق خلقاً يفسد وهو تعالى يكره الفساد فقال الله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ وهذا ليس جواب الملائكة عن قولهم وإنّما جوابهم
стр. 301
حيث أنبأهم آدم أسماء [١] المسميات وقد يكون جواب القول قولاً وفعلاً وحركة وعلم آدم الأسماء كلها تعليم إلهام ويقال تلقين وأما الحسن فإنه كان يقول تعليم استدلال واجتهاد خلقها الله إذ خلقه مستنبطاً مستدلاً فاستدل بالآثار على المراد من المسميات وانبأها وأغفلت الملائكة ذلك ففضل آدم عليهم واستحق شرف الرتبة باستعمال الاجتهاد وزعم قوم أنه علم آدم الأسماء ولم يعلمها للملائكة ثم أعادهم إلى معارضته وأجازوا تكليف ما لا يطاق بظاهر هذه الآية والله أعلم وأحكم فإما ذكر تلك المسميات وما أختلف أهل التأويل فمستقصاة في كتاب معاني القرآن من نظر فيه شفاه وكفاه،
ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها
ولما أبى إبليس أن يسجد لآدم قال الله تعالى يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا من الظَّالِمِينَ ٢: ٣٥ وقد ذكرنا قول أهل العلم في تلك الجنة ما هي وأين هي واختلفوا في هذه الشجرة فمن قائل أنها الحنطة وآخر أنها الكرمة وآخر أنها الحنظل وروى ابن إسحاق عن بعضهم
стр. 302
أنه قال الشجرة التي يحتك [١] بها الملائكة الخلد وأن آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة والنعيم قال لو أن خلداً فاغتنم [٢] منه الشيطان ذلك فأتاه من قبل الخلد وقال ما نهاكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين فقد جعل الله للشيطان وأعوانه سلطاناً يخلصون بها إلى بني آدم ونقطهم [٣] وهم لا يرونهم يقول الله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ ١١٤: ١- ٢ إلى قوله يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ ١١٤: ٥ وروى أن صفية بنت حي أتت النبي ﷺ وهو مجاور في المسجد فتحدثت عنده ساعة من العشاء وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقام رسول الله ﷺ ليردها إلى البيت فمر بها رجل من الأنصار فناداه رسول الله ﷺ يا فلان إنها صفية بنت حي فقال يا رسول الله إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ أظننت أني أظن قبيحاً قال إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم خشيت أن تظن فتهلك فهذا الخبر دليل على وصول
стр. 303
الشيطان إلى الإنسان كوصول الأعراض من الحر والبرد وغير ذلك وزعم القصاص وأهل الكتاب مراجعات كثيرة وعجائب في هذه القصة وأن إبليس عرض نفسه على دواب الأرض كلها فأبى [١] ذلك حتى كلم الحية وقال أمنعك من ابن آدم وأنت في ذمتي أن أدخلتني الجنة فجعلته في فمها أو بين نابيها وكانت الحية من أحسن الدواب وخزان الجنة فكلّمهما [٢] من فيها وقيل ناح عليهما [٣] نوحة شبحية [٤] حتى افتتنا قال ابن عباس اخفروا ذمة عدو الله فيها واقتلوها حيث وجدتموها قال الله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ٢: ٣٨ الآية وفيما قص الله تعالى في القرآن كفاية [٥٤] عن زيادة رواية غيره وقال الله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ٢٠: ١٢١- ١٢٢ وجاء في صفة توبته وما يلقى [٥] من كلمات ربه روايات قد ذكرتها في كتاب المعاني وأحسن ذلك ما روى عن الحسن
стр. 304
رحمه الله أنه قوله رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ، ٧: ٢٣
ذكر أخذ الذرّيّة من ظهر آدم عم
قال الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [١] وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ٧: ١٧٢ أهل النظر يرون أن أخذ هذا الميثاق من بني آدم عند بلوغهم واستجمام عقولهم فليس من بالغ إلا وتلك الشهادة ساطعة عليه بأنه مخلوق محدث وأن له خالقاً يستحق منه [٢] العبادة لإحداثه إياه وإيجاده فأهل الأخبار يروون فيه روايات أنه اخرج الذرية من ظهر واحد وجعل لهم فهماً وعقلاً ولساناً ينطقون فقال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا فأشهدهم على أنفسهم وأشهد الملائكة عليهم وأعادهم في صلبه واختلف هؤلاء أين أخذ الذرية من ظهره ومن هو مولود إلى يوم القيامة فزعم الكلبي أنه مسح ظهره بين مكة وطائف وهذه أشياء أكتفي منها بنبذ لأني قد وفّيتها حقّها في كتاب المعاني،
стр. 305
ذكر اختلاف الناس في آدم وذريته
اعلم أن من أنكر حدث العالم وقال بقدم المعلول مع العلة لم يقل في ابتداء شيء من الخلق وإنما حدوثه وكونه استحالة بعد استحالة إلى ما لا نهاية وأما الفرس فإنهم استعظموا وجود النسل من ذكر دون أنثى فوضعوا في المبادي ذكراً وأنثى وسموها ميشى وميشانه وحكى عن بعض أهل الهند أنهم يزعمون أن آدم خرج من عندهم هارباً فتناسل في ناحية الشمال ومن القدماء من يسميه زاوش وحكى عن علي بن عبد الله القسري في كتاب القرانات عن بوداسف [١] الفيلسوف من أهل بابل العتيقة كان عالماً بالأدوار والأكوار واستخراج سنى العالم التي هي ثلاثمائه وستون ألف سنة فحكى أن في نصف هذه السنين يقطع الطوفان فحذّرهم ذلك وان هرمس الأول وهو أخنوخ أدريس النبي ﷺ كان قبل آدم بزمان طويل وكان يسكن الصعيد الأعلى المتصل ببلاد السودان إلى الإسكندرية وحول الناس إليه وأنقذهم من الغرق فهذا يزعم أن بوداسف كان قبل هرمس وهرمس كان قبل آدم بزمان طويل وإلى هذا يذهب
стр. 306
من يرى آدم غير واحده والفرس زعموا أن ميشى وميشانه من دور كيومرث فهذا أقدم منهما وجملة [١] الأمر أن هذا وما يروونه المسلمون كله أخبار والأصح من ذلك ما كان عن أمين صادق ولا أصدق من كتاب الله ولا آمن من رسوله ﷺ ولا بدّ في العقل من ابتداء المحدثات وبعض هؤلاء المحدثة المستترة بالإسلام يجرون تأويل هذه القصة إلى ما يؤدي إلى الإلحاد فيستغمرون الضعفى العقول بأن كيف يخرج حيوان من الأرض وكيف يخرج من الجنة من دخلها وكيف خلص الشيطان إليه في الجنة ولم نهى عن شجرة ولم كان كذا ولِمِ لَمْ فإذا كانت مسألة حدث العالم من بالك رددت كلّ ما أورد عليه من هذه الترهات بحجج بينه وبراهين نيره [٥٥] والجواب أنّ النهى عن الشجرة للابتلاء [و] أنّ تلك لم يكن بدار خلد وأن خلوص الشيطان إلى الإنسان كخلوص الأعراض وأنّ خلقه من الأرض كتولّد الحيوان عياناً وإياك والاحتجاج بشيء مما يروونه القصاص فإنه هو الذي أوجد الملحد للسبيل إلى الطعن والشنعة،
стр. 307
ذكر صورة آدم وخبر وفاته
روينا عن النبي ﷺ قال أن أباكم آدم كان طويلاً كالنخلة السحوق ستين ذراعاً كثير الشعر موارى العورة وإن كان لما أكل الحنطة بدت عورته فخرج هارباً من الجنة فتلقته شجرة فأخذت بناصيته وناداه ربه أفراراً مني يا آدم قال لا يا رب ولكن حياء منك فأهبطه الله تعالى إلى الأرض فلما حضرته الوفاة بعث بحنوطه وكفنه من الجنّة رواه ابن إسحاق عن الحسن عن أبي ﵁ عن النبي ﷺ وأما ما قيل أن هامته كانت تمس السماء فمن ذلك الصلع وأن الملائكة كانوا يتأذون مخشاة [١] فشكوه إلى الله تعالى فبعث جبرئيل فهمزه همزه طأطأ منه إلى ستين ذراعاً فليس ممّا يعتمد وكثير من المسلمين ينكرون طول ستين ذراعاً لخروجه عن العادة اللَّهمّ إلا أن نتأول على وجه آخر لأن ما تصاعد [٢] عن وجه الأرض فهو من السماء وما أظلك فهو السماء والصلع عند الأطباء من الرطوبة في الدماغ وزعم وهب أن آدم كان أجمل البرية أمرد وإنّما نبتت اللحية لولده
стр. 308
من بعده وروى وهب عن أبي أن آدم لما احتضر [١] اشتهى قطفا من قطف الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه فتلقاهم الملائكة فقالت ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبرئيل والملائكة.
خلفه وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم يا بني آدم هكذا الرواية والله اعلم،
ذكر الروح والنفس والحياة والموت
اعلم أنّ هذا باب مستصعب مستغلق كثير التخبط [٢] والإختلاف وأنا ذاكر من كل طبقة ذرءاً [٣] قال الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ١٧: ٨٥ قال بعض أهل التأويل حجب الخلق عن الخوض فيه ولم يطلع [٤] أحداً عليه وقال في بني آدم ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ ٣٢: ٩ وقال في مريم فَنَفَخْنا فِيها من رُوحِنا ٢١: ٩١ وقال تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا ٤٢: ٥٢ وقال تعالى نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ ٢٦: ١٩٣ وقال تعالى تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها ٩٧: ٤
стр. 309
فذكر الروح في غير موضع من القرآن ومعنى الروح المنفوخ في مريم غير معنى الروح الموحّى إلى النبيّ ﷺ بل لكل واحدة معنى على حدة وقال الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ٦٧: ٢ وقال يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ٨٩: ٢٤ وقال إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ٢٩: ٦٤ وقال إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ٤٧: ٣٦ وقال تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ٣: ١٦٩ والفرق بين حياة الدنيا وحياة الآخرة بين ظاهر وإنما اجتمعتا في اللفظ وقال يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ٨٩: ٢٧- ٢٨ وقال حكاية عن قول النفس أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله ٣٩: ٥٦ الآية وقال تعالى [٥٥] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ٩١: ٧ وقال تعالى الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ٣٩: ٤٢ الآية وقال إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ١٢: ٥٣ وقال وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ٧٩: ٤٠ فاثبت [١] هاهنا أشياء آخر بنهي النفس عن هواها وقال وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ٥١: ٢١ وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ ٤١: ٥٣ وقال ثُمَّ [أَنْتُمْ] هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ٢: ٨٥ وقال أَوْ أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ ٢: ٢٣٥ وقال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ١٢: ١٨
стр. 310
يخبر بمثلها عن الروح والحياة وقال وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ٢٣: ٨٠ وقال الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ٣٩: ٤٢ وقال فَقالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ٢: ٢٤٣ وقال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ٣٢: ١١ وقال فَأَماتَهُ الله مِائَةَ عامٍ ٢: ٢٥٩ وقال وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ٢: ٢٨ وقال [١] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ٣: ١٦٩ وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ فوصفه بالموت بعد ما نهى عن تسمية الشهداء أمواتاً وقال في ذكر الحواس ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، ٣٢: ٩
ذكر ما جاء في الأخبار في هذا الباب
حدثنا عبد الرحيم ابن احمد المروزي حدثنا العبّاس السراج عن قتيبة حدثنا خالد ابن عبد الله عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وروى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي شابت عن أبي الطفيل عن علي مثله وروى هيثم عن أبي بشر عن مجاهد عن
стр. 311
ابن عباس قال الأرواح أمر من أمر الله وخلق من خلق الله صورهم على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح وروى الثوري عن مسلم عن مجاهد قال الروح يأكلون ويشربون ولهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة وروى أنهم حفظة على الملائكة وروى الثوريّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال الأرواح [١] يشتهون الناس وليسوا بناس وروى الثوري عن أيوب عن أبي قلامة أن النبي ﷺ قال إن الروح إذا خرج اتبعه البصر ألم تروا إلى شخوص عينيه وفي حديث صفوان بن سليم عن النبي ﷺ أنه قال أرواح المؤمنين في حجرات من حجرات الجنّة يأكلون طعامها و [يشربون من] شرابها ويلبسون من ثيابها ويقولون ربنا آتنا ما وعدتنا والحق بنا إخواننا وأرواح الكفار في حجرات من حجرات النار يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويلبسون من ثيابها ويقولون ربنا لا تؤتنا ما وعدتنا ولا تلحق [٢] بنا إخواننا وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله في قوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ ٣: ١٦٩
стр. 312
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣: ١٦٩- ١٧٠ قال أرواح الشهداء في طير تسرح في الجنة كيف شاءت وتأوى إلى قناديل معلّقة بالعرش قال فاطلع عليهم ربك اطلاعه فقال هل تستريدون شيئا فأزيدكموه [٥٦] قالوا ربّنا وماذا نستريد ونحن في الجنة نسرح حيث نشاء فاطلع عليهم فقال لهم مثل ذلك فقالوا أتعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا فنقتل في سبيلك مرة أخرى وفي حديث جابر أن النبي ﷺ ذكر الأرواح في بيت البراء بن معرور هم يأكلون لحماً وتمراً حتى أمسكوا على الطعام قال أرواح المؤمنين طيور خضر [١] وقال في طير خضر في حجر من الجنة يأكلون ويشربون ويتعارفون في الجنة كما يتعارفون في الدنيا وأرواح في حجر من النار وذكر قصة طويلة وروى كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال أن أرواح المؤمنين في طيور خضر تعلق بشجر الجنة وروى مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنّ
стр. 313
النبي ﷺ قال إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله تعالى [إلى] جسده يوم يبعثه وعن عبد الله بن عمر أن أرواح المؤمنين في طير كالزرازير وهو جمع الزرزور يتعارفون يرزقون من ثمار الجنة وعن سلمان الفارسي قال الأرواح جنود مجنده فما كان للَّه ائتلف وما كان لسواه اختلف [وعن] أبي الزبير عن جابر قال كنا نحدث أنه ليس أحد يدخل النار والجنة بجسده قبل يوم القيامة إنما هي أرواح في عليين وسجين فإذا روحت النفوس وبعث من في القبور صارت الأرواح والأجساد إلى الجنة والنار [وعن] الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ ٥٦: ٦١ قال في طير سود من النار وقرى على خيثمة بن سليمان القرشي [١] باطرابلس عن [٢] عبد الجبار بن العلاء عن سفيان الثوري عن فرات بن الفرات عن [٢] أبي الطفيل عن علي عليه السلم قال نشر واديين وادي الأحقاف وواد بحضر موت يقال له برهوت يأوي إليه أرواح الكفار وروى سفيان عن أبان بن تغلب عن رجل قال بت في برهوت وكأنما حشرت أرواح
стр. 314
الناس وهم يقولون يا دومه يا دومه قال فحدثني رجل من أهل الكتاب أن دومه هو الملك [الموكل] على أرواح الكفار وروى عن أبي أمامة أنه قال أرواح المؤمنين تجتمع ببيت المقدس وقد نادى رسول الله ﷺ قتل بدر في القليب فقيل أتنادي قوماً قد حتفوا فقال أما أنتم فلستم بأسمع منهم ولكن لا يقدرون أن يجيبوني وقال ﷺ كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حيا والأخبار المتواترة عن المسلمين في مغازيهم أن كلما قتل من كافر قالوا قد عجل الله بروحه إلى النار وكلما استشهد مؤمن قالوا قد عجل الله بروحه إلى الجنة وروى أبان عن عباس عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أن أعمالكم تعرض على أقاربكم فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان شراً كرهوه وتلقى روح المؤمن أرواح المؤمنين فيقول اتركوا صاحبكم حتى يستريح فقد خرج من كرب شديد ثم يقولون ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل نكح فلان هل نكحت فلانة فإن قال إن ذاك قد مات [٥٦] قبلي أما قدم عليكم فيقولون إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم
стр. 315
وبئست المربية [١] وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال أهل القبور يتوكفون الأخبار فإذا أتاهم الميت يقولون ما فعل فلان وما فعلت فلانة فيقول أولم يأتكم فيقولون إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ سلك به غير سبيلنا وفي رواية عبد الله بن عمر أن الأرواح ليتلقون على مسيرة يوم وما رأى أحدهم صاحبه قط وروى أن الأعمال تعرض يوم الأثنين ويوم الخميس على الله ويعرضون يوم الجمعة على الأقارب فاتقوا الله ولا تختروا موتاكم وروى زيد بن اسلم عن أبي هريرة أنه مر هو وصاحب له بقبر فقال أبو هريرة سلم فقال الرجل اتسلم على قبر فقال أبو هريرة أن كان رآك في الدنيا يوماً قط فانّه يعرفك الآن وروى ابن المؤمن لا يزال يسمع الآذان في قبره ما لم يطين ومر النبي ﷺ بالبقيع فقال السلم عليكم أهل ديار قوم مؤمنين وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ولما دفن عثمان بن مظعون [٢] وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة قال ﷺ خرجت ولم تتلبّس [٣] منها بشيء
стр. 316
وما جاز عليه أن يخاطب من لا يعنهم ولما ابتدى بشكواه التي قبض فيها خرج من الليل مع أبي مويهبة [١] حتى قام بين ظهراني [٢] القبور فقال ليهنئكم [٣] ما أصبحتم فيه ما أصبح الناس عليه اقبلت الغين كقطع الليل المظلم وفي رواية مجاهد عن ابن عباس ﵁ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ الآية قال أرواح الشهداء على بارق نهر الجنّة يأكلون من ثمارها ويشربون من مائها [٤] ويستنشقون روائحها وليسوا فيها وهذه الأخبار كلها وما شاكلها عند من يرى الجنة غير مخلوقة اليوم ولا موجودة [إلا] على الاستقبال فيما بعد ومنهم من يجيز أن يحدث الله الأرواح جنة يتنعم فيها غير الجنة الموعودة وكذلك النار وهي كلها حجة للقائلين بوجود الجنة والنار في الحال،
ذكر ما جاء في القرآن والنص والدلالة على أحوال الأرواح
стр. 317
قال الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ٧٨: ٣٨ قال الحسن هو الخلق ذوو الأرواح وقيل هم خلق أكثر من الملائكة قال الله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ٤٠: ٤٦ فأخبر أن أرواحهم تعرض على النار قبل مصيرهم إلى نار جهنم وقال في صاحب ياسين قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٣٦: ٢٦ فلم يكن بقوله إلا روحه [١] لأن جسده كان مطروحاً لديهم وقال كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ٨٣: ١٨ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ٨٣: ٧ قال بعض المفسرين يعني أرواحهم قال إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ٧: ٤٠ وروى السري عن البراء بن عازب [٢] أن أرواح المؤمنين إذا قبضتها الملائكة رفعوها إلى السماء فلا تمر بملك من الملائكة إلا قالوا [٥٧] ريح طيب خرج عن نفس طيب حتى ينتهي بها إلى حيث يشاء الله فيسجد وروح الكافر إذا قبض رفع إلى السماء فلا يفتح له أبواب السماء ويقولون روح
стр. 318
خبيث خرج من نفس خبيثة فيرد إلى سجين في قصة طويلة وقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ٤٤: ٢٩ قال لكل مؤمن من السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يصعد فيه علمه وروحه فإذا مات انقطع ذلك فبكت السماء والأرض عليه وقال الله يَتَوَفَّى. الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ٣٩: ٤٢ وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ أن الرجل إذا مات قبض الله روحه وبقى نفسه لأن النفس موصولة بالروح فإذا أراد الله قبض روحه للموت قبض نفسه مع روحه فمات وإذا أراد الله بعثه رد إليه روحه وكان النبي ﷺ إذا آوى إلى فراشه قال اللَّهمّ باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما يحفظ به الصالحين وكان إذا استيقظ من نومه قال الحمد للَّه الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه المصير وروى ابن جريج عن ابن عباس ﵁ قال في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس والنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها اليقين والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه وروحه وقال مجاهد تجيء
стр. 319
الروح إلى الرجل في منامه فإذا لم يحضر أجله استيقظ وإذا حضر أجله ذهب الروحان وروى حصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كل نفس لها سبب تجري فيه فإذا قضى عليها الموت قامت حتى ينقطع السبب والتي لم تمت يرد وروى عن علي عليه السلم أنه قال إذا نام الإنسان امتد روحه مثل الخيط فيكون بعض أجزائه في النائم وبه يتنفس وبعضها مختلط بأرواح الأموات مقبوضاً معها إلى وقت انتباهه فترجع إليه وروى ابن عجلان عن سالم عن أبيه أن عمر ﵁ قال لعلىّ يا با الحسن وربما شهدت سهدة [١] وعتباً اسئلك عن ثلاثة أشياء قال وما هن قال الرجل يحب الرجل وما يرى منه خيراً والرجل يبغض الرجل وما يرى منه سوءاً قال نعم قال رسول الله ﷺ الأرواح جنود مجندة يلتقى فيشام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف قال عمر والرجل يحدث الحديث إذ ينساه فبينا هو [٢] قد نسيه إذ ذكره قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينا القمر
стр. 320
يضيء إذا غلبته السحابة فينسى أو تجلت عنه فذكره قال عمر والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عبد ولا أمة ينام فيشتغل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فهي الرويا التي تكذب،
ذكر قول أهل اللغة في الروح والنفس والحياة
قد يسمى ذات الشيء وعينه كائناً ما كان [٥٧] من جسم أو عرض أو جوهر أو غير ذلك نفساً فيقال نفس هذا الخشب ونفس الأرض ونفس السماء ونفس الكلام ونفس الحركة قال الله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ٢٠: ٤١ وقال تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ٥: ١١٦ وسمى الهمة نفساً فيقال لفلان نفس وليس لفلان نفس وسمت نفسه إلى كذا كما يقال سمت همّته وكذلك يسمّى الطمع والحرص والمراد النفس قال [رجز]
وأكذب النفس إذا حدّثتها
وقال [كامل]
والنفس راغبة إذا رغبتها، ... وإذا ترد إلى قليل تقنع