← История

История · id 12318

البدء والتاريخ

المطهر بن طاهر المقدسي

Полный текст (1 267 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وما جاز عليه أن يخاطب من لا يعنهم ولما ابتدى بشكواه التي قبض فيها خرج من الليل مع أبي مويهبة [١] حتى قام بين ظهراني [٢] القبور فقال ليهنئكم [٣] ما أصبحتم فيه ما أصبح الناس عليه اقبلت الغين كقطع الليل المظلم وفي رواية مجاهد عن ابن عباس ﵁ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ الآية قال أرواح الشهداء على بارق نهر الجنّة يأكلون من ثمارها ويشربون من مائها [٤] ويستنشقون روائحها وليسوا فيها وهذه الأخبار كلها وما شاكلها عند من يرى الجنة غير مخلوقة اليوم ولا موجودة [إلا] على الاستقبال فيما بعد ومنهم من يجيز أن يحدث الله الأرواح جنة يتنعم فيها غير الجنة الموعودة وكذلك النار وهي كلها حجة للقائلين بوجود الجنة والنار في الحال، ذكر ما جاء في القرآن والنص والدلالة على أحوال الأرواح

стр. 317

قال الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ٧٨: ٣٨ قال الحسن هو الخلق ذوو الأرواح وقيل هم خلق أكثر من الملائكة قال الله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ٤٠: ٤٦ فأخبر أن أرواحهم تعرض على النار قبل مصيرهم إلى نار جهنم وقال في صاحب ياسين قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٣٦: ٢٦ فلم يكن بقوله إلا روحه [١] لأن جسده كان مطروحاً لديهم وقال كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ٨٣: ١٨ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ٨٣: ٧ قال بعض المفسرين يعني أرواحهم قال إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ٧: ٤٠ وروى السري عن البراء بن عازب [٢] أن أرواح المؤمنين إذا قبضتها الملائكة رفعوها إلى السماء فلا تمر بملك من الملائكة إلا قالوا [٥٧] ريح طيب خرج عن نفس طيب حتى ينتهي بها إلى حيث يشاء الله فيسجد وروح الكافر إذا قبض رفع إلى السماء فلا يفتح له أبواب السماء ويقولون روح

стр. 318

خبيث خرج من نفس خبيثة فيرد إلى سجين في قصة طويلة وقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ٤٤: ٢٩ قال لكل مؤمن من السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يصعد فيه علمه وروحه فإذا مات انقطع ذلك فبكت السماء والأرض عليه وقال الله يَتَوَفَّى. الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ٣٩: ٤٢ وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ أن الرجل إذا مات قبض الله روحه وبقى نفسه لأن النفس موصولة بالروح فإذا أراد الله قبض روحه للموت قبض نفسه مع روحه فمات وإذا أراد الله بعثه رد إليه روحه وكان النبي ﷺ إذا آوى إلى فراشه قال اللَّهمّ باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما يحفظ به الصالحين وكان إذا استيقظ من نومه قال الحمد للَّه الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه المصير وروى ابن جريج عن ابن عباس ﵁ قال في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس والنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها اليقين والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه وروحه وقال مجاهد تجيء

стр. 319

الروح إلى الرجل في منامه فإذا لم يحضر أجله استيقظ وإذا حضر أجله ذهب الروحان وروى حصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كل نفس لها سبب تجري فيه فإذا قضى عليها الموت قامت حتى ينقطع السبب والتي لم تمت يرد وروى عن علي عليه السلم أنه قال إذا نام الإنسان امتد روحه مثل الخيط فيكون بعض أجزائه في النائم وبه يتنفس وبعضها مختلط بأرواح الأموات مقبوضاً معها إلى وقت انتباهه فترجع إليه وروى ابن عجلان عن سالم عن أبيه أن عمر ﵁ قال لعلىّ يا با الحسن وربما شهدت سهدة [١] وعتباً اسئلك عن ثلاثة أشياء قال وما هن قال الرجل يحب الرجل وما يرى منه خيراً والرجل يبغض الرجل وما يرى منه سوءاً قال نعم قال رسول الله ﷺ الأرواح جنود مجندة يلتقى فيشام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف قال عمر والرجل يحدث الحديث إذ ينساه فبينا هو [٢] قد نسيه إذ ذكره قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينا القمر

стр. 320

يضيء إذا غلبته السحابة فينسى أو تجلت عنه فذكره قال عمر والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من عبد ولا أمة ينام فيشتغل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فهي الرويا التي تكذب، ذكر قول أهل اللغة في الروح والنفس والحياة قد يسمى ذات الشيء وعينه كائناً ما كان [٥٧] من جسم أو عرض أو جوهر أو غير ذلك نفساً فيقال نفس هذا الخشب ونفس الأرض ونفس السماء ونفس الكلام ونفس الحركة قال الله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ٢٠: ٤١ وقال تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ٥: ١١٦ وسمى الهمة نفساً فيقال لفلان نفس وليس لفلان نفس وسمت نفسه إلى كذا كما يقال سمت همّته وكذلك يسمّى الطمع والحرص والمراد النفس قال [رجز] وأكذب النفس إذا حدّثتها وقال [كامل] والنفس راغبة إذا رغبتها، ... وإذا ترد إلى قليل تقنع

стр. 321

وقال [سريع] شاور [١] نفسي طمع ورهبة ... تقول هاتي لا وهاتيك بلى فشجعته نفس حرص طمعت ... وحذرته نفسه الأخرى الردى فسمى الجبن والشجاعة نفساً ويسمي الدم نفساً وكذلك قيل الهوام لها نفس سائلة ومنه نفاس المرأة لما سال من دمها ويسمى أصحاب العين النفس وقيل سميت النفس نفساً لتنفسها ويعبر عن القلب بالنفس كما قال الله تعالى فَأَسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ١٢: ٧٧ وقال أَوْ أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ ٢: ٢٣٥ هذه الوجوه كلّها خاصّة للنفس لا شركة بينها وبين الروح في شيء منها اللَّهمّ إلا في حالة واحدة قالوا خرجت نفسه وخرجت روحه إذا مات وقال الشاعر [طويل] سميت عياطاً ولست بعائط ... عدوا ولكن الصديق تعيط فلا حفظ الرحمن روحك حية ... ولا هي في الأرواح حين تغيط [٢] وأنشد ابو زيد الأنصاريّ [سريع]

стр. 322

اجتمع الناس وقالوا عرس ... ففقئت عين [١] وفاضت نفس واختلفوا في الروح فحكى ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال في الحديث لكل إنسان نفس وروح فأما النفس فتموت وأما الروح فيفعل به كذا وكذا وقد تسمى العرب الريح والروح والنفخ روحاً قال ذو الرمّة [طويل] فقلت له ارفعها إليك وأخيها ... بروحك وأفتنه [٢] لها فتنة [٣] قدرا ويسمى الهواء الروح والملك الروح والوحي الروح وكل لطيف خفيف متعال روحاً ويقال [٤] في الحيوانات أنها ذات أرواح وفلان خفيف الروح وفلان ثقيل الروح إذا كان يخف على القلوب أو يثقل ويقال لكل ما ينبت وما يشاهد كالملائكة والجان الروحانيون والأرواح تبقى والأنفس تموت ولا تبقى وأما الحياة فهي شيء يضاد الموت حيث ما حلت ارتفعت وهي

стр. 323

في الجملة على كل تام حساس ومتحرك من ذوي الأرواح وغيرها ألا ترى إلى قوله تعالى فَأَحْيَيْنا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ٣٥: ٩ فجعل الأرض حياة إذا نزل عليها الماء وقال وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ٢٢: ٦٦ فجعلنا بما أحيانا به وقال يُخْرِجُ الْحَيَّ من الْمَيِّتِ ٦: ٩٥ فمن قائل أنه الولد من النطفة والطير من البيض والنخلة من النواة فسمى النخلة لما فيها من قوة الحياة حياً ثم وصف نفسه بالحياة فقال هُوَ الْحَيُّ ٢: ٢٥٥ ولا يجوز أن يقال هو ذو روح وذو نفس لأن الحياة أعم وأعلى فيقال روح حي وقد أحييت روحي بكذا وكل ما له بقاء ودوام يدعى حياً كما قيل للشعر [٥٨] أنه كلام حي لبقائه ومروره على الألسن واختلفوا في مكان الروح والنفس والحياة من البدن ألكل واحد منها [١] موضع على حدته أو كلها متداخل أو متصل بعضها ببعض وأيها ألتابع للآخر وأيها المتبوع وكيف ما أنظر فلا أجد بداً من جمع [٢] ما يحتاج إليه في كتاب مفرد أسميه كتاب النفس والروح لأني إن أطنبت فيه إذ لا يغنى الاختصار والإيجاز نقضت ما

стр. 324

اشترطت في صدر الكتاب وهذا باب لا يصح الكلام فيه وإن طال وأما الموت فسكون دائم وخمود بانقطاع الحياة وذهاب الروح وقد سمى الله تعالى الجوامد مواتاً عند فقد النماء والحركة وقيل النوم أخو الموت وقالوا للشيء الخامل المنسي هذا ميت وأنشدني بعضهم [مجتثّ] نوم اللبيب بقدر ... رتبته ذا [١] المقيل والنوم موت قصير ... والموت نوم طويل وفي التوراة الفقر الأكبر وفي تأويل القرآن الكافر ميت والجاهل ميت، ذكر ما جاء عن أهل الكتاب في الأرواح زعم بعض أهل اليهود أن أرواح الخلائق متصلة في الهواء على شبه نار أو شعاع الشمس عند غروبها وطلوعها ومع ملك الموت سيف يقطع به أرواح من يريد أن يقبضه واحتجوا بقول شمويل في كتابه أن الله بعث الموت على بني إسرائيل فمات منهم بشر كثير فخرج داود ومشايخ بني إسرائيل فرأى داود ملك الموت واقفا

стр. 325

على قرب أوريشلم قد اتكأ على سيفه فسأل ربه أن يرفع السيف عنهم فرأى الملك قد أدخل سيفه في غلافه وسكن الموت وقالت فرقة منهم أنّ أرواح البررة الصديقين إذا فارقت جثتها صارت إلى الفردوس تحت شجرة الحياة وأرواح الفجرة والفسقة إلى ظلمة الأرض وأرواح ما كان بين ذلك إلى الهواء وقالت فرقة أخرى أن الله لم يوكل أحداً بقبض أرواح الخلائق ولكن إذا ذبل جسم الإنسان وضعفت أعضاؤه فارقتها وصارت أرواح الأبرار إلى الموضع الذي جاءت منه وأرواح الأشرار إلى ظلمة الأرض قالوا فلما إن صارت فيه من غير أن يدخلها أحد كذلك إذا كانت الأجساد عن قبول قوى النفس خرجت من غير أن يخرجها أحد وكثير منهم يقول أن أرواح الصديقين والصالحين إذا هي فارقت أجسادها جعلت في صرة وتركت إلى يوم القيامة وأرواح العاصين والمسيئين إذا فارقت أجسادها بقيت في ظلمة الأرض إلى يوم القيامة واحتجوا بقول سليمان بن داود في كتابه قوها أن ترجع الأجساد إلى التراب والأرواح إلى الرب الذي أعطاه وقال فيه أيضاً من كان منكم عالماً علم أن أرواح ولد آدم

стр. 326

صاعدة إلى الهواء والعلى وأن أرواح الذين يشبهون الدواب ينزل إلى أسفل الأرض واحتجوا بقول ابيغايل النبيه [١] وهو مكتوب في كتاب شمويل إذ تقول [٢] لداود روح سيدي داود مجتمع في صرة الحياة وروح أعدائه يرمي بها بالمقاليع [٣] وزعم بعضهم أن الروح مما خلق في الابتداء وقد روينا عن بعض علماء الأمة أن أول ما خلق الروح وروينا أن الأرواح خلقت من قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة والله أعلم وفي رواية عكرمة عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال لا يزال الخصومة يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد [٥٨] فيقول الروح يا ربّ إنّما كنت بمنزلة الريح لولا الجسد ويقول الجسد يا رب إنما كنت بمنزلة جذع ملقى لولا الروح فيضرب لهما مثلاً أعمى حمل مقعداً، ذكر مقالات سائر الأمم في الروح والجسد كانت العرب تزعم أن روح الميت تخرج من قبره فتصير هامة تزقو وتقول [٤]

стр. 327

اسقوني اسقوني وفيه يقول [ذو] الأصبع العدواني [١] [بسيط] يا عمرو إن لم تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتّى تقول الهامة اسقوني وقال [خفيف] سلط الموت والمنون عليهم ... فهم في صدى المقابر هام وقال ابو الغموص [وافر] أتخبر يا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حيوة أصداء وهام قال النبي ﷺ لا عدوى ولا هامة ولا صفر ومن ثم كان يستسقون للأموات وأما الهند فظاهر فيهم القول برجوع أرواح موتاهم في صدورهم ويزعمون أنهم يكلمونهم ويسألون بهم وأما الفرس فأيام الفروردجان عندهم أيام رجوع الأرواح فيهيئون ألوان الطعام ويبخرون المباذل بالطيب ويفرشون الرياحين ويقولون هم لا يصيبون من الطعام إلا الرائحة وروى المسلمون أن الميت يسمع كلام أهله وبكاهم عليه وأنّه يسئل في

стр. 328

قبره وهو يسمع خفق النعال وروى عن حذيفة أنه قال أن الجسد ليغسل والروح بيد ملك فإذا وضع في لحده سلك الروح فيه وروى أن الميت إذا حمل إلى حفرته فإن كان صالحاً قال عجلوا بي عجلوا بي وإن كان غير ذلك قال لا تعجلوا بي فإنكم لا تدرون على ما تقدمون بي وروى أن النبي ﷺ لما مات إبراهيم عم قال عصفور من عصافير الجنة وهذا كله دليل على حياة الروح وبقائه بعد النفس والناس قاطبة يندبون موتاهم وينادونهم ويخاطبونهم ولولا الأصل الموثل في حياة الأرواح لما اجتمعوا عليه وليس ينقص هذا مخاطبتهم الديار والآثار لأن هذا خاص في العرب وذلك عام في الأمم، ذكر اختلاف نظار أهل الإسلام في النفس والروح قال بعضهم النفس جسم لطيف له مساحة البدن على طوله وعرضه وعمقه وأنه متداخل بعضه في بعض وكل في كل واستدلوا على أن جميع أجزاء النفس في جميع أجزاء البدن بأنّك كلّما قطعت جزءاً من أجزاء البدن وجدت له ألماً ولولا النفس لم يألم وقال معمر أن النفس موجودة لا مساحة لها وليست بجسم ولا طول ولا عرض ولا عمق وليست بحاله في الأمكنة

стр. 329

ولا يحيط بها المواضع وقد يقال في مجاز اللغة أن النفس في البدن على التدبير والأحداث للأفاعيل ولا يقال هي البدن على السكون والحركة وذلك أن السكون والحركة إنما تجوز على كل ذي مساحة وجسم على ما يحويه الأمكنة ويجوز عليه النقلة من موضع إلى موضع ولا تجوز النقلة على شيء إلا بأحد أمرين إما بجسم يرفع الجسم من مكان إلى مكان فإذا لم يكن جسماً لم يمكن منه على الرفع والجر وقال إبراهيم النظام الروح هي الحياة المشابكة بهذا الجسم وقال هشام بن الحكم الروح نور من الأنوار والجسد موات وقال ابن الروندي الروح عرض والإنسان هو أعراض مجتمعة ومنهم من يقول الروح هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو لا في مكان [٥٩] ، ثم اختلف هؤلاء في الإنسان المكلف المثاب المعاقب من هو وما هو قال بشر ابن المعتمر وهشام بن الحكم وأبو الهذيل العلاف وأبو الحسين الخياط هو الروح مع هذا الشخص المرئي وقال إبراهيم النظام الإنسان هو الروح وهو الحياة المشابكة لهذا الجسم ولأنه لا شيء غيره وقال أحمد بن يحيى الإنسان مقدار ما في القلب من الروح وقال بعضهم الإنسان هو الجوهر بين

стр. 330

الجوهرين ومحصول أمرهم على قولين أحدهما أنه الروح وحده والآخر أنه الروح مع البدن واحتج من قال أنه الروح بقوله تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله ٣٩: ٥٦ ويا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٨٩: ٢٧ فكل ما وقع من الخطاب فمع النفس وهي الروح لا غير واحتج مخالفوهم بقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ٢٣: ١٢ الآية فأخبر أن الإنسان هو هذا المخلوق وأنه مختص مرئي واختلفوا أهل يحس الميت [١] بعد مفارقة روحه بشيء أم لا ثم اختلف قالوا أنه يحس أو روحه تحس بذلك أم جسده أم روحه مع جسده فأنكر بعضهم أن يكون الميت يشعر بشيء دون يوم القيامة واحتج بقولهم يوم البعث يا وَيْلَنا من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا هذا ٣٦: ٥٢ وبقوله وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ٧٨: ٤٠ وقال بعضهم تحسّ روحه واحتجّ بقوله النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ٤٠: ٤٦ وبسائر الآيات التي تلوناها في الشهداء والأخبار التي رويناها وقال ابن

стр. 331

الروندي بل يحس [١] الجسد والروح عرض قد بطل قال فالميت يعلم ضربين من العلم ويحس بضرب من الحس قال ولو لم يكن هكذا ما علم إذا أحس أنه كان ميتاً فاحتج بالخبر المروي أن الميت على النعش يسمع نوح أهله وهذه مناظرة جرت بين النظام وبين هشام بن الحكم سأل النظام هشاماً فقال لم زعمت أن الروح إذا بطل استعمالها للجسد رجعت ففعلت في نفسها إدراك الأشخاص والأشكال بالقوة الروحية قال هشام لأنها ليست بجسم فيدخلها التضاد الذي أحدهما مزيل للإدراك وهو السكون قال النظام فإذا لم يكن جسماً ولم يدخلها التضاد على قولك فما الذي يوجب لها إدراك ما ليس بحضرتها قال هشام قوة الانبساط وارتفاعهما على السترات وأنها لم تدرك الأشياء توهماً وتقديراً على الانفراد إذا كانت إنما تدركها [٢] ملامسة وحساً على الاجتماع قال النظام وهل يوجب التوهم والتقدير إيجاد الشيء وحضوره قال هشام إن كنت تريد ما يوجب مشاهدة إنه وإن وصفته إدراك فنعم قال النظام فإن كان يوجب إنه وإن وصفته ادراك

стр. 332

فما حاجته إلى الحاسة للإدراك قال هشام ليجتمع له إدراك المائية والصفة في الوهم والتقدير وفي المشاهدة والعيان قال النظام وما حاجته إلى هذا وإنما يطلب الإدراك الذي قد وجده بلا حاسة قال هشام ليعلم ما هيئته في الإعلان بالصفة والهيئة كما علمها في الضمير توهماً وتقديراً قال النظام وهل يزيده علمه بماهيّته علما بما في الضمير قال هشام نعم يزيده لأن الإدراك بالحواس أولاً والإدراك بالتوهم ثانياً وذلك إن من لم ير طولاً قط لا يتوهمه حتى يتصور في ضميره فإذا رآه ثم فقده كان مصوراً في الضمير قائماً لإدراك الروح إذا ترك استعمال الحاسة [وهذه مناظرة ثانية] [١] جرت بين من زعم أن الروح في البدن على معنى التدبير والأحداث [٥٩] للأفاعيل لا على معنى السكون والحلول فيه قالوا لهم خبرونا عن البدن إذا قطعت منه جارحة [٢] هل قطع من الروح شيء قالوا لا ولكن الجزء من الروح الذي كان ساكناً في اليد إذا قطعت صار في الذراع بمنزلة الشمس في الكوة إذا سدّ الكوّة عاد الشعاع

стр. 333

النافذ إلى جنسه وشكله قالوا فينبغي على قولك إذا قطعت الجوارح والأعضاء كلها أن يزداد بروحه قوة ما يبقى من أجزائه لجمعه فيه إذا كان الروح له مساحة من الطول والعرض والعمق في الجسم وهو جسم لزم أن يكون جسمان في مكان واحد قالوا نقول [١] بالمداخلة والمجاورة وهذه مناظرة ثالثة جرت بين النظام وبين مخالفيه قالوا له أخبرنا عن الإنسان هل يرى قال نعم قد يرى معقولاً قيل فهل يدرك بالبصر قال نعم يدرك بالبصر مفعولا كما يقول القائل قد رأيت الحائط ولم ير غير صفحته التي تليه ويقول رأيت على فلان سيفاً وإنما رأى غمده ويقول رأيت ميّتا وإنّما رأى بدنه قيل له فأخبرنا عن الإنسان ما هو قال لا يخلو هذا السؤال من أحد أمرين إما أن أردتم عن اسمه أو عن خواصه التي يعرف بها وبها يفصل بينه وبين غيره فإن أردتم الاسم فهذا إنسان وإن أردتم الخواص فهو الحياة والموت والنطق والضحك قال وليس نعني بهذا الكلام أنه أبداً ميت أو ضاحك أو ناطق أو حي وإنما نريد به أن من شأنه وغريزته أنه ممن يموت وأن من شأنه الحياة والضحك

стр. 334

وإن لم يضحك قالوا فأخبرنا عن هذا الإنسان الحي الذي وصفته بالحياة أهو هي أم غيره قال قد وصفته بحياة هي غيره وكذلك إذا مات وصفته بموت هو غيره وحياته وموته عرضان يتضادان فبأحدهما كان حياً وبالآخر كان ميتاً قالوا فما الحياة والموت قال أما الحياة فمعنى له أمكن أن يكون به محركاً لما حرك ومريداً لما أراد من أعماله التي يجوز أن يكون منه قيل له وما الأعمال التي يجوز أن يكون منه قال أما ما كان بالاستطاعة فالإرادة لاستخراج الأشياء والعلم والفكرة وما أشبههما وكل فعل كان منه على المفاجأة وليس قبله له فيه إرادة ولا تمثيل فإن ذلك لغريزة قال والموت بخلاف ذلك وهو إذا دخل بالحي بطل معه كل ما ذكرناه لأنه تبطل [١] بحلوله القدرة على ما كان تقدر عليه قبل ذلك فإذا أحياه الله فحي بطبعه وإذا أماته مات وفعله بطبعه قال وليس الموت فناء له لو كان فناء لم يجز أن يقوم الموت فيه وهو بشر وإنما الموت آفة حلّت به فحالت بينه وبين التدبير وهذه مناظرة رابعة

стр. 335

[جرت] [١] بين من أثبت [٢] الروح جسماً وبين من نفى أن يكون جسماً قالوا لهم ما الدليل على أنه ليس بجسم قالوا الدليل عليه أن الأجسام لا يخلو أن تكون ساكنة أم متحركة ولا يكون الساكن والمتحرك إلا بإسكان وتحريك من غيره فلو كان الإنسان جسماً لكان ساكناً أو متحركاً ولو كان المسكن له والمحرّك في مثل حاله لزمه ما يلزمه ووجب قود الكلام فيه إلى مسكن له أو محرك ليس بجسم قالوا فهل يسكنه الأعراض قال أما الأعراض التي هي إرادات وغضب [٣] وعلم وشهوة وألم وما أشبه ذلك فنعم وأما الأعراض [٦٠] التي هي ألوان وطعوم وأراييح فلا لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يدرك بالمذاقات ويرى بالأبصار ولحاذته الأمكنة قالوا فإذا قلتم إن الإنسان لا تحويه الأمكنة وليس بجسم ولا يوصف بطول ولا عرض ولا عمق قد [٤] شبهتموه باللَّه تعالى قال ليس التشبيه في نفي الأعراض والصفات وإنما التشبيه بين الأعيان بالأعراض المركبة فيها نحو الرجلين القائمين اللذين يوصفان بالقيام الّذي

стр. 336

هو غير هما فيكون كلّ واحد منهما مشبّها لصاحبه في قيامه أو يكون أحدهما جالساً والآخر قائماً فيخالفان بالأعراض المركبة فيهما بالتشابه يقع في الإثبات لا في النفي ولو كان التشابه يكون في النفي لكان الإنسان يكون مشبهاً للحيزية [١] إذا كان الحيزية [٢] تنفى [٣] عن الكلية وينفى [٤] ذلك عن الإنسان، ذكر أراء الفلاسفة في النفس والروح على ما حكاه افلوطرخس [٥] في حد النفس، زعم افلاطن أنه يرى النفس جوهراً عقلياً يتحرك ذاته وأن ارسطاطاليس يرى النفس كمال جسم طبيعي إلى حي بالقوة وإن فيثاغورس يرى النفس عدداً تحرك ذاته ويعني بالعدد العقل وأن تاليس يرى النفس طبيعة دائمة الحركة وأنها محركة ذاتها قال وبعضهم يرى النفس تأليف الأسطقسات الأربعة وامّا استعلوس الطبيب فإنه كان يرى النفس شيئاً يحدث تدرّب الحواسّ وارتياضها ولهم

стр. 337

اختلاف كثير في النفس ما هي أجسم أو جوهر وكم أجزاؤها وأين مسكنها من البدن وما جزؤها الرئيس وهل هي باقية بعد مفارقة البدن أم متلاشية ما يدل اختلافهم على قصور معرفتهم وعجزهم عن الإحاطة بها، ذكر أصوب الوجوه فيها يدل أن الروح والنفس معان مختلفة الأفعال والأعراض فكل ذي نفس ذو روح وحياة وكل ذي روح ذو [١] حياة وليس كلّ ذي حياة ذا روح ونفس لأن الأرض تحيا بالنبات وليست بذات روح والبهائم حيوانات ذوات أرواح وليست بذوات أنفس فالإنسان له نفس وروح وحياة فتمييزه وعقله وفطنته وفهمه من قبل نفسه وعيشه وبقاؤه ونماؤه من قبل روحه وحسه وإدراكه المحسوسات من قبل حياته فالذي يبطل بموته حياته والنفس والروح ينتقلان عنه إلى أن يأذن الله في البعث والحشر وقد جرى في هذا الباب من الأخبار ما فيه مقنع وكفاية وقد زعم إفلاطن فيما يحكى عنه لأن الروايات عنه مختلفة أنه قال أن النفوس المفارقة لأبدان الحيوان غير مائتة ولا فاسدة بل

стр. 338

لها أحوال تلذ فيها وتألم وحكى يحيى [١] النحوي عن افلاطن أنه قال النفس جوهر قائم بنفسه والنطق والحياة لها بذاتها فإذا فارقت بدنها وكانت خيرة بقيت مغبوطة مسرورة وإن كانت شريرة بقيت تائهة في الأرض متحيرة تحول حول قبر صاحبها إلى النشأة الأخرى وهذا قول سديد ورأي صواب يشبه أن يكون من مشكاة النبوة والوحي لأنه مقارب لقول الربانيين والله أعلم، [٦٠] ذكر قولهم في الحواسّ قال افلاطن أنّ الحواسّ اشتراك النفس والبدن في إدراك الشيء الذي من خارج وإن القوة للنفس والآلة للبدن واختلفوا في البصر كيف يبصر فزعم بعضهم أن الشعاع يخرج من العين وينبسط في المبصرات فيكون كاليد التي تلمس ما كان خارجاً عن البدن ويؤدي ذلك إلى القوة البصرية وافلاطن يرى ذلك اجتماع الضياء ويقول أن البصر يكون باشتراك الضوء البصري والضوء الهوائي وسيلانه فيه بالمجانسة التي بينهما وأن الضوء الذي ينعكس عن الأجسام ينبسط في الهواء لسيلانه وسرعة استحالته فيلقى

стр. 339

الضياء الناري البصري واختلفوا في السمع فزعم بعضهم أن السمع يكون بالخلاء الذي يكون داخل الأذن ومنهم من يزعم أن الهواء يدخل الأذن في صورة الصنوبرة وتصادمها وافلاطن يرى أن الهواء الذي في الرأس يصدمه الهواء الخارج فينعطف إلى العضو الرئيس فيكون من ذلك حسّ السمع واختلفوا في الصوت كيف هو فزعم بعضهم أنّ الصوت جسم واحتجوا بأن كل فاعل وكل مفعول جسم وأن الصوت يفعل لأنا نسمعه ونحس به وألحان الموسيقى تحركنا والأصوات التي ليست على الموسيقى تؤذينا والصوت يتحرك ويصدم المواضع اللينة ويرجع عنها مثل الكرة التي يضرب بها الحائط وافلاطن يرى أن الصوت ليس بجسم لأنه يعرض في الهواء وينبسط وكل بسيط فغير جسم واختلفوا في الشم كيف يشم فزعم بعضهم أن العضو الرئيس يكون في الدماغ وأنه يجذب الروائح بالنفس وزعم آخرون أن الشم يكون بممازجة هواء النفس ببخار الشيء المشموم واختلفوا في الذوق كيف هو فزعم بعضهم أن الذوق يكون بممازجة [١] الجوهر الرطب الّذي في اللسان بالجوهر الرطب

стр. 340

الذي في الشيء الذي يذاق وزعم آخرون أن الذوق يكون بالتخلخل واللين اللذين يكونان في اللسان بالعروق التي ينبعث إليه من الفم بقول الله تعالى وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ١٦: ٧٨ فنبهنا على هذه الحواس وبعثنا على شكرها ولم يبين لنا علل إدراكها ولا كيفية تركيباتها وقد تحار العقول إذا نظرت فيها وترتد خاسرة [١] لعظم أمرها وصعوبة شأنها وما هي إلا بمنزلة النفس والروح اللذين يعجز الخلق عن إدراكها فإن كان شيء مما قالوا حقاً فهو الصواب وإن كان غير ذلك فاللَّه أعلم،

стр. 341

الفصل التاسع في ذكر الفتن والكوائن وقيام الساعة وانقضاء الدنيا وفناء العالم ووجوب البعث اعلم أن الناس مختلفون في هذا الفصل بحسب اختلافهم في إحداثه وابتدائه فمن أنكر له ابتداء أنكر أن يكون له انتهاء وعلة جواز الابتداء حدوث الابتداء وقد دللنا على وجوب الابتداء للحوادث فليس بواجب وجود انتهاء لها لكن جائز عليه ذلك ثم واجب بورود الخبر الصادق فيه مع أن جميع ما دل على حدث العالم دال على تناهي ذاته ومساحته لأن دليل حدثه [٦١] قد دل على إنقطاع ما حدث منه إلى هذا الوقت وما انقطع حدوثه فهو متناهي الأجزاء لأنه لو أضيف إليه حادث كبعضه لكان زائداً مقدار أجزائه ولكان بوجود ذلك الزائد أكثر مما كان قبل حدوثه ولو كان العالم غير متناهي الذات لكان السائر منا من وسط الأرض لو سار تلقاء

стр. 342

وجهه ألف فرسخ لم يكن ما خلف وراءه من العالم أكثر مساحة مما بين يديه منه ولو كان ذلك كذلك لكان لو أحدث الله تعالى أجساماً بمقدار ألف فرسخ لم يكن العالم بعد زيادة ذلك أكثر مساحة منه قبل تلك الزيادة ولو كان هذا جائزاً لجاز مثله في عدد الناس والدواب والشجر حتى لو خلق الله في هذا الوقت مائة ألف إنسان ودابة وشجرة لم يزد بذلك في الناس أحد ولا في الدوابّ دابّة ولا في الشجر شجرة ولكان من نظر إلى جبال يابسة وصحارى [١] ملس لا نبات فيها ولا شجر ثم نظر أيام ربيع في عشبها ولمع زهرها لجاز له أن يحكم بأنه ما زاد في هذه الجبال والصحارى شيء البتة وكذلك لو نظر إلى نخلة تولدت من نواة وإنسان تولد من نطفة بأنه لم يزد في النواة والنطفة شيء وهذا ظاهر الإحالة والفساد فدل وجود الزيادة على وجود النقصان ووجود الابتداء على وجود الانتهاء وانقطاع حادث بعد حادث على انقطاع الحوادث ومن زعم أن البارئ علة للعالم والعالم معلول لا يجوز وجود العلّة بلا معلول ولولا البارئ جل وعز لم يكن العالم موجوداً وليس لولا العالم لم

стр. 343

يكن البارئ موجوداً عورض ما الفصل بينك وبين من زعم أن العالم هو العلة والبارئ هو المعلول ولولا العالم لم يكن البارئ موجوداً وليس لولا البارئ لم يكن العالم موجوداً ليعلم أن اعتلالهم عند أهل النظر مبهرج ساقط والقول في حدوث آخر العالم وأن البارئ له علة متناقض لأن العلة لا تفارق المعلول وكأن قال قديم وقديم أحدهما محدث وأدنى ما يلزمه القول بحدوث العلّة كما قال بحدوث المعلول وإن زعم أنّه لا يعقل حدوث شيء لا من شيء وإنما هو لكون الخاتم من الفضّة والسرير من الخشبة وما أشبه ذلك والحادث هيئة وصنعة لم يحدث من نفس الفضة ولا من نفس الخشبة لأن [١] نفس الفضة والخشبة قد كانت موجودة والهيئة معدومة وإنما حدثت من فاعلها الحقيقة على معنى أنه اخترعها وأوجدها بعد أن لم يكن من شيء فإذا جاز حدوث عرض لا من شيء فلم لا جاز حدوث جسم لا من شيء مع أن كثيراً من الناس يقولون ليس الجسم غير أعراض مجتمعة وإنما النكتة في نفس ظهور الشيء أحادث أم غير حادث فإن كان غير حادث فظهوره محال لأنّ

стр. 344

الظهور حادث وإن كان حادثاً فقد تبينت المراد وبعد فلم يوجد جسم إلا من جسم ولا عرض إلا من عرض لوجب أن لا يوجد جسم ولا عرض البتة ولوجب أن لا يوجد في الرطب لون ولا طعم يخالف البسرة ولا في البسرة ما يخالف الطلع ولا في الطلع ما يخالف النخلة ولا في النخلة ما يخالف النواة ووجود خلاف ما ذكرنا دليل على حدوث تلك الألوان والطعوم وسائر الزيادات التي ليست من النواة وأنها ليست من نفس تلك النواة [٦١] وإن أنكروا الأعراض لزمهم أن ينكروا الصيف والشتاء والليل والنهار وأن يكون الليل سرمداً والنهار سرمداً والشتاء دائماً والصيف كذلك فإن زعموا أن هذا لا يلزمهم لأن النهار ظهور الشمس والليل غيبوبتها والشتاء نزول الشمس بعض البروج والصيف كذلك قيل إذا كنتم لا ترجعون في ظهور الشمس وغيبوبتها وقربها وبعدها فيلزمكم أن يكون من أمر إنساناً أو أراده منه فقد أمره بنفسه أو بنفس جسم من الأجسام وكذلك إذا حمده على شيء أو ذمه أن يكون ذلك نفسه من غير سبب أوجب فيجب أن لا يزال حامدا دائما أو يكون حمده وذمه لجسم من الأجسام وهذا كله دليل على

стр. 345

حدوث الأعراض وأنها غير الأجسام وإن الأجسام لا تعرى منها وكل حادث فله ابتداء وانتهاء لا محالة وهذه المسألة قد مرت في صدر الكتاب على الإتقان والإحكام وأمّا قولهم بجوهر قديم لم يزل عارياً من الأعراض التي هي الصور والهيئات والحركة والسكون وغير ذلك فإنّه كلام فاسد لأنه لو جاز ذلك على الأجسام فيما مضى لجاز أن يعرى منها فيما يستقبل وأن يكون بحضرتنا أجسام غير ذات طول ولا عرض ولا عمق ولا تأليف ولا تركيب ولا لون ولا رائحة ولا طعم ولا حركة ولا سكون حتى تكون مبنية موجودة [١] قائمة بلا عرض ولو جاز ذلك لجاز أن يوجد إنسان منا مخلي السرب غير ممنوع أن يخلو من الحركة والسكون والقيام والقعود والمشي والفعل والإرادات والألوان والحياة والموت وغير ذلك فهذا ظاهر الفساد فإن زعم أن ذلك كله كامن فيه بالقوة قيل وظهور هذا الكامن أزلي منه فإن زعم أنه فيه لزمه أن يكون هذه الكوامن فيه ظاهرة لم تزل وإن زعم أن ظهور الكوامن بالقوة فيه كما أن هذه الأشياء التي عددنا بالقوة

стр. 346

فيه سئل عن هذه القوة ما هي وكيف هي وأين هي ومم هي أفيه هذه القوة أم لا فإن زعم أنها فيه لزمه أن يكون العوارض التي عددناها كلها ظاهرة لم يزل لأن القوة والظهور علة لها وهي كالمعلول والعلة معها والعيان إلا ما ترى في النطفة والبيضة والنواة إذ تراها تحدث الشيء بعد الشيء وإن زعم أنها ليست فيه وإنما حدثت بعده وأحدثها محدث فقد أقر بالحدث وأن الجواهر لا تخلو من الحوادث ومن أقر بالحدث فقد أقر بالمحدث والسلام وإن زعم أن العالم حكمة بارئ وجوده وفضله وغير جائز أن يوصف بحل [١] حكمته وإبطال جوده [٢] وفضله لزمه لا يجوز على البارئ إحداث ضد لشيء من موت بعد حياة وسقم بعد صحة وليل بعد نهار وضعف بعد قوة وقبح بعد حسن لأن في هذا كله إبطال الحكمة في قولهم فإن قال ليس يكون شيء من ذلك حكمة إلا وقت وجوده دون وجود ضده قيل فكذلك يجب أن ينكروا أن يكون العالم على ما هو عليه لأنّ حكمه في وقت

стр. 347

وجوده دون وقت فنائه وانتقاله من حال إلى أخرى أو ليس ينسج الإنسان الثوب ثم يقطعه خرقاً لضرب من المصلحة ويهيئ المائدة وينضد عليها الألوان من الأطعمة ثم يشوشها ويفسدها بالأكل والتكسير ولا يكون ذلك قبيحاً ولا إبطالاً للحكمة بل هو من أحسن الأشياء وأولاها بالحكمة فمن أين أنكرتم أن ينقض البارئ هذا العالم في الوقت الذي يكون [٦٢] نقضه [١] أولي بالحكمة وأبين في التدبير وأن يعيد الناس في دار سوى هذه الدار ليجازيهم على أعمالهم فإن قيل أن الأجسام باقية والباقي لا يجوز فناؤه إلا بضد يحله وذلك الضد لا يخلو من أن يكون جسماً أو عرضاً فإن كان جسماً فحيزه غير حيز هذا الجسم وكيف يضاده وإن كان عرضاً وجب أن يقوم فيه وكيف يقوم فيه في حال [٢] يكون الجسم فيها فانياً معدوماً قيل لهم كيف جاز لكم أن تتطرقوا إلى إبطال القوة لفناء الأجسام مع قول من يقول من المسلمين أن فناء الجسم عرض لا يحتاج إلى محل وأن في حال وجوده انتقال الجسم

стр. 348

وعدمه ومن يقول منهم أن الجسم يفنى بفقد بقائه وأن لا يحدث الله بقاء ومن يقول منهم أن فناء الجسم يوجد في الجسم فيصير فائتاً في الحال الثانية وبعد فما معنى إنكاركم فناء الأجسام وإنما ينكرون حياة الموتى وامر الموتى وخبر الجنة والنار وهذا كله غير ممتنع كونه مع بقاء الأجسام وتبديل صورها ونقض بنيتها [١] إلى بنية [٢] أخرى يكون منها جنة ونار ودار على خلاف سبيل هذه الدار وإن كنا نخالفكم في أشياء منها وقد يشاهدون الاستحلال [٣] والفساد في الأركان فيما يؤمنكم إشاعة الفساد في كلياتها وأجزائها كما زعمتم في أجزائها وأبعاضها وأن يكون طبيعة العالم موجبة للإنقاض بعد مدة من المدد والتغيير من هيئة إلى هيئة كالإنسان مثلاً إذا بلغ أقصى ما في طبيعته في بلوغه تفرقت عناصره ولحق كل نوع من جسده بشكله ثم يتركب أجزاؤه بعد ذلك على ضرب آخر فيكون كذلك العالم على هذا الترتيب إذا بلغ أقصى مدّته انتقض [٤]

стр. 349

وانقلب إلى هيئة أخرى يكون منه جنة ونار بل يلزمكم أعظم من هذا وهو إجازة فناء العالم وعدم ذاته ثم عوده ورجوعه بعد ذلك وتكونه وتكون طبيعته هو الذي يوجب له ذلك إذا كان ليس موجب وجوب بقائه من وجوب فنائه بطبعه فإن زعموا أن هذا لا يصح لنا على مذهبنا لأنا نقول بتركيب الأجسام من هذه الأركان وانحلالها إليها وكذلك الأركان من الأسطقسات غير المركبة البسائط من الهيولى قيل وأجود لنا أن يكون مناقضتكم من نفس مذهبكم وقد أريناكم فساد مذهبكم في الهيولى وفي فساد ذلك وجوب صحة القول بحدث الأجسام وكل حدث غير مستنكر له الانحلال والدثور والعود إلى حال التلاشي والبطلان وإذا فنى وبطل فأعاده خلق كابتدائه بل هو أهون، ذكر من قال من القدماء بفناء العالم على ما حكى أفلوطرخس [١] زعم اماشهيدوس الملطي أن مبدأ الموجودات هو الذي لا نهاية له وإليه ينتهي الكل ويفسد ويرجع إلى الّذي عنه كان [٢] وان انقمامس يرى مبدأ الموجودات هو الهواء

стр. 350

منه كان الكل وإليه ينحل قال الروح والهواء يمسكان العالم والروح والهواء يقالان على معنى واحد قولاً متواطئاً وإن تاليس الملطي يرى المبدأ الماء وإليه ينحل وهؤلاء قد أقروا بفساد العالم وإن كانوا رأوا له صلاحا يرجع إليه وحكى عن أ [؟] ثاغورس أنه كان يرى العالم يكون والله يكون ذاته وأنه إما من قبل الطبيعة ففاسد لأنه محسوس جسم مجسم وإما من سياسة الله وحفظه فقير فاسد وهؤلاء قد حكموا عليه بالفساد من قبل طبعه وأجازوا أن لا يفسده الله وكذلك المسلمون [٦٢] يجيزون ذلك إلا أن الخبر ورد بخلافه وأما ارسطاطاليس فإنه يرى الفساد في الحر المنفعل الذي تحت فلك القمر وحكى عن جماعة منهم أنهم يقولون بالكون والفساد وهذا كله من الدليل على ابتداء الحدث وجواز انتهائه من مذهبهم وقد احتج من احتج منهم في إبطال العالم أنه من الاسطقسّات الأربع ولا بدّ لها من التمايز والانحلال كما الإنسان مجموع من الطبائع الأربع وتمايزها سبب هلاكه وفنائه وأما الثنوية فإنهم يقولون ببطلان من امتزاج الكونين وجواز افتراقهما وتباينهما بعد امتزاجهما حتى تعود

стр. 351

كما كانا بلا حادث من مزاج وأما الحرانية فيقولون بالثواب والعقاب ولا أدري كيف قولهم في فناء العالم غير أنهم ينتمون إلى اغثاديمون [١] وهرمس وسولون [٢] جد افلاطن لأمه ومن هؤلاء من كان يقول بفناء العالم والبعث وكثير من المجوس يقرون بالبعث والنشور وخبرني بعض مجوس فارس أنه إذا انقضى ملك اهرمن وأفضى الأمر إلى هرمز ارتفع الكد والعناء والظلمة والموت والسقم والكراهة وصار الخلق كلهم روحانيين باقين خالدين في ضياء دائم وسكون دائم ولا أعرف مذاهب فرقهم ولا اختلاف أرائهم وكلمتهم وسمعت بعضهم يقول إذا انقضت للعالم تسعة آلاف تساقطت النجوم وفتّتت [٣] الجبال وغاضت المياه وصار كذا وكذا بصفات هائلة، ذكر قول أهل الكتاب في هذا الباب اعلم أن قولهم وقول أهل الإسلام سواء في انقضاء الدنيا وفناء العالم وكون البعث والحساب ووجوب الجزاء من الثواب والعقاب لا خلافا

стр. 352

في شيء من الصفات وقع من جهة التأويل وأجمعت اليهود أن المسيح لم يجيء بعد وأنه جاء لا محالة في زمان يأجوج ومأجوج واختلفوا بعد ذلك فزعمت فرقة منهم أن ملك المسيح يكون ألف سنة ثمّ ينفخ في الصور وزعم آخرون أنّ ملك المسيح ألف سنة ومائتا سنة وخمس وتسعون سنة وقد كان كثير من مشركي العرب يؤمنون بالبعث والنشور ويزعمون أن من عقرت مطيته على قبره يحشر عليها وفيه يقول جريبة [١] بن الأشيم الفقعسيّ [كامل] يا سعد إما أهلكن فإنني ... أوصيك إن أخا الوصية أقرب لا تتركن أباك يعثر خلفكم ... تعباً يجر على اليدين وينكب وأحمل أخاك على بعير صالح ... ويقى [٢] الخطيئة إنه هو أقرب ولعل ما قد [٣] تركت مطية ... في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا وكان أمية بن أبي الصلت قد قرأ الكتب واتّبع أهل الكتاب وهو يقول [بسيط]

стр. 353

والناس راث عليهم أمر ساعتهم ... فكلهم قائل للدين إيانا أيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له ودّا وقربانا هم ساعدوه كما قالوا إلههم ... وأرسلوه كسوف الغيب دسفانا [١] وهو يقول أيضا [بسيط] [٦٣] ويوم موعدهم أن يحشروا زمراً ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر مستوسقين مع الداعي كأنهم ... رجل الجراد [٢] رقته الريح تنتشر وأبرزوا بصعيد مستو حزر ... وأنزل العرش والميزان والزبر وحوسبوا بالذي ما يحصه أحد ... منهم وفي مثل ذاك اليوم معتبر فمنهم فرح راض بمبعثه ... وآخرون عصوا مأواهم السقر يقول خزانها ما كان عندكم ... ألم يكن جاءكم من ربّكم نذر قالوا بلى فأطعنا سادة بطروا ... وغرنا طول هذا العيش والعمر قالوا أمكثوا في عذاب الله ما لكم ... إلا السلاسل والأغلال والسعر فذاك عيشهم لا يبرحون به ... طول المقام وإن صحوا وإن ضجروا ذكر ما جاء في مدّة الدنيا وكم مضى منها وكم بقي من أنكر

стр. 354

ابتداء العالم وانتهاءه أنكر أن يكون لما مضى عدد [١] ويكون لما بقي أمد وزعم أن الحركة الثانية هي الحركة الأولى معادة وقد مضى من النقض على هذه المقالة ما فيه كفاية روى في الخبر أن الله وضع الدنيا على سبعة أيام من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة وروى ثمانية أيام وروى ستة أيام وروى خمسون يوماً وروى مائة ألف سنة وخمسون ألف سنة هذا ما رواه المسلمون وأما اختلاف أهل الأرض في سني العالم في الكثرة والقلة وكمية ما يقع فيه من الاجتماعات والقرانات فشيء يطول وصفه وقد ذكر ابن عبد الله القسري في كتاب القرانات قول خمس فرق أوّلهم السند والهند الذين ادّعوا أنّ أصل كلّ فرقة مأخوذ من أصلهم وأن عدد سني عالمهم وأدوارهم أربعة ألف ألف ألف وثلاثمائة وعشرون ألف ألف سنة وهذا رسمه ٥٥٥٥٥٥٥ حم ححم عم والصنف الثاني أصحاب الارجبهز [٢] جعلوا سني عالمهم أربع مائة ألف واثنين وثلاثين ألف سنة وسنو هذه الفرقة جزء من عشرة ألف جزء من السند والهند والصنف الرابع أهل الصين جعلوا سنىّ عالمهم مائة وخمسة

стр. 355

وسبعين ربوة وثلث ربوة ونصف عشر ربوة كلّ ربوة عشرة آلاف سنة يكون سني المدار ألف ألف وسبع مائة ألف وثلاثون [١] ألف وثماني مائة وثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر والصنف الخامس الفرس وأهل بابل وكثير من الهند والصين معهم جعلوا سني عالمهم ثلاثمائة وستين ألف سنة وهذه السنون مناسبة لدرج الفلك وإذا قسمتها على عشرة خرج ستّة وثلاثون ألف سنة مقدار ما يقطع الكواكب الثابتة جميع الفلك لأن الكواكب الثابتة يقطع كل برج في ثلاثة آلاف سنة قال ووقع الطوفان في نصف سنة العالم في أول دقيقة من الحمل فعلمت العلماء عليه وجعلوا هذه السنة أصلاً محفوظاً عندهم وسموه سنى الألوف المغيرة للزمان [٦٣] والدهور والأديان والملل والأحداث العظيمة في العالم من خراب وعمارة وزوال ملك على ما ذكره أفلاطن وارسطاطاليس ومن قبلهما من اليونانيين قال ويقال أن هذه الأحداث لم يزل تأثيره قديماً مذ أول خلق الله أيام العالم إلى وقتنا هذا وأنه كان قبل آدم أمم كثيرة وخلق وآثار ومساكن وعمارات وأديان وملك
следующие страницы →