عن ابن عباس ﵁ [١] قال تهيج [٢] الساعة والرجلان يتبايعان قد نشرا ثوبهما [٣] فلا يطويانه [٤] والرجل يلوط حوضه فلا يسقى [٥] منه والرجل قد انصرف بلبن لقحته [٦] فلا يطعمه والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها ثم تلا تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ٣٦: ٤٩ وقال لا تأتيهم إلا بغتة
، النفخة [٧] الأولى
يقال أن [٨] صاحب الصور [٩] إسرافيل [١٠] وهو أقرب الخلق إلى الله [١١] وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش
стр. 422
على كاهله وإن [١] قدميه قد مرقت [٢] الأرض السفلى حتى بعدتا [٣] مسيرة مائة عام على ما رواه وهب ومثل هذا مما يزيد [٤] في يقين [٥] العامي ويبلغ في تجويفه [٦] وتعظيمه لأمر الله تعالى وقد بينا في صفة الملائكة أنهم روحانيون الروح بسيط لا يضيق الصدر في صفة الأجسام المركبة قيل صاحب [٧١] [الصور] عزرائيل [٧] و [٨] عن النبي ﷺ فيما روى [٩] كيف أنعم [١٠] وصاحب الصور قد التقمه وحنى جبهته [١١] ينظر [١٢] متى يؤمر [١٣] فينفخ [١٤] ،
стр. 423
ذكر ما جاء في [١] الصور
روى أنه كهيئة قرن فيه بعدد كل ذي [٢] روح [٣] داره [٤] وله ثلاث شعب شعبة تحت الثرى يخرج [٥] منها الأرواح [٦] وترجع إلى الأجساد [٧] وشعبة تحت العرش منها يرسل الله الأرواح إلى الموتى وشعبة في فم الملك فيها ينفخ قالوا [٨] فإذا مضت الآيات والعلامات التي ذكرنا أمر صاحب الصور أن ينفخ نفخة الفزع ويديمها ويطولها فلا تعتر [٩] كذا عاماً وهي التي يقول الله [١٠] ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها من فَواقٍ ٣٨: ١٥ ويقول [١١]
стр. 424
وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله ٢٧: ٨٧ قالوا [١] فإذا بدأت [٢] الصيحة فزعت الخلائق وتحيرت وتاهت [٣] وهو يزداد [٤] كل يوم فظاعة [٥] وشناعة فيحار [٦] أهل البوادي والقبائل إلى القرى والمدن ثم يزداد [٧] الصيحة حتى ينتقلوا [٨] إلى أمهات الأمصار ويعطلوا الرواعي والسوائم [٩] وجاءت [١٠] الوحوش والسباع [١١] من هول الصيحة فاختلطت [١٢] بالناس
стр. 425
واستأنست [١] بهم وذلك قوله [٢] وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ٨١: ٤- ٥ ثم تزداد الصيحة [٣] حتى تسير الجبال عن [٤] وجه الأرض وتصير سراباً جاريا وذلك قوله تعالى وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ٨١: ٣ وقوله [٥] وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ١٠١: ٥ وتزلزلت [٦] الأرض وانتقضت [٧] وذلك قوله تعالى إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ٩٩: ١ وقوله إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [٨] ٢٢: ١ ثم تكور [٩] الشمس وتنكدر النجوم وتسجر البحار والناس أحياء [١٠] ينظرون إليها وعند ذلك يذهل [١١] المراضع عما أرضعت [١٢] وتواضع الحوامل
стр. 426
حملها [١] ويشيب [٢] الولدان وترى الناس سكارى من الفزع [٣] وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [روى عن] أبي [٤] جعفر الرازي عن أبيه [٥] عن الربيع [٦] عن أبي العالية عن أبي ابن كعب قال بينا [٧] الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس [٨] وبيناهم [٩] كذلك إذ تناثرت النجوم وبيناهم [٩] كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض وبيناهم [٩] كذلك إذ تحركت الأرض فاضطربت لأن الله تعالى جعل الجبال أوتادها ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلفت [١٠] الدواب والطيور والوحوش فماج بعضهم في بعض فقالت [١١] الجن نحن نأتيكم
стр. 427
بالخبر [١] فانطلقوا فإذا هي نار تتئج [٢] فبينا هم [٣] كذلك إذ جاءتهم ريح فأهلكتهم وهذه كلها [٤] من نص [٥] القرآن ظاهرة لا يسع [٦] لأحد مؤمن ردها والتكذيب بها وفي هذه الصيحة يكون [٧] السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ٧٠: ٨- ١٠ وفيها ينشق [٨] السماء فيصير [٩] أبواباً وفيها تحيط [١٠] سرادق من النار [١١] بحافات الأرض فتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي أقطار السموات [١٢] فتتلقّاها [١٣]
стр. 428
يضربون [١] وجوهها [٢] حتى يرجعوا وذلك قوله يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا من أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ٥٥: ٣٣ الآية قالوا [٣] والموتى [٤] لا يشعرون بشيء [٥] من هذا ثم النفخة الثانية،
ذكر النفخة الثانية وهي نفخة [٦] الصور
وذلك قوله تعالى في نفخ الصور [٧] فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله ٣٩: ٦٨ قالوا [٨] فيموتون في هذه النفخة إلا من تناولته الشاء [٩] من الله وهم مختلف فيهم فزعم بعض أهل الكتاب أن قبض الأرواح والله اعلم واختلف أهل الكتاب في صفة ملك الموت [٧١] فزعم بعضهم أنّ الله جعل قبض الأرواح
стр. 429
إلى فاني وهو الذي يسمى ملك الموت وقال بعضهم أن ملك الموت معه سيف إذا شهر سيفه لم يره أحد إلا مات على مكانه وقال بعض منهم أنّه يقطع بذلك السيف الأرواح من السماء وكثير منهم خالفوهم وقالوا أنّ الله لم يوكّل أحداً بقبض الأرواح ولكن إذا ذبل جسد الحيوان وضعفت أعضاؤه القابلات للفعل فارقها الروح فأما المسلمون فمنهم من يقول الدنيا بين يدي ملك الموت كالسفرة أو كالطست أو كالآنية يتناول منها حيث شاء ومنهم من يقول له أعوان ينتزعون الأرواح فإذا بلغت التراقي تولاها بنفسه ومنهم من يقول بل جعل طبعه ضدّا للحياة فحيث ما حضر بطلت الحياة عنده والله أعلم،
ذكر ما بين النفختين [١]
يقال هو [٢] أربعون سنة تبقى الأرض على حالتها [٣] بعد ما مرّ لها [٤] من الأهوال [٥] والزلازل
стр. 430
تمطر [١] سماؤها وتجري مياهها وتطعم أشجارها ولا حي على ظهرها [٢] ولا في بطنها ثم يحييهم الله للبعث،
ذكر اختلافهم [٣] في قوله تعالى هو الأول والآخر
وقال تعالى [٤] كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ٢١: ١٠٤ وقال تعالى [٥] كُلُّ من عَلَيْها فانٍ [٦] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٥٥: ٢٦- ٢٧ وقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ٢٨: ٨٨ وقال [٧] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٣: ١٨٥ فبدلت [٨] هذه الآيات على هلاك كل شيء دونه لما [٩] قال تعالى [١٠] وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله ٣٩: ٦٨ دل أنه لا تعم الصعقة [١١] جميع الخلائق
стр. 431
فالتمسنا التوفيق بين الآيات بعد أن أمكن أن تكون آية الاستثناء مفسرة لتلك الآي فقلنا الإستثناء عند نفخة الصعق وعموم الفناء بين النفختين كما جاء في الخبر لئلا يظن ظان أن القرآن متناقض وروى الكلبي [١] عن أبي صالح [٢] عن ابن عباس ﵁ في قوله [٣] كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ٢٨: ٨٨ قال كل شيء وجب عليه الفناء إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والحور العين والأعمال الصالحة وقيل في قوله [٣] إِلَّا من شاءَ ٣٩: ٦٨ الشهداء حول العرش سيوفهم [٤] بأعناقهم وقيل الحور العين وقيل موسى عم لا [٥] صعق مرة وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل [٦] وملك الموت [٧] وحملة العرش [٨] قالوا فيأمر الله
стр. 432
تعالى ملك الموت فيقبض أرواحهم ثم يقول [١] مت فيموت فلا يبقى [٢] حي إلا الله تعالى [٣] فعند ذلك يقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ٤٠: ١٦ فلا يجيبه أحد فيقول لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ٤٠: ١٦ هكذا روى في الأخبار [٤] والمسلمون يختلفون منه في أشياء،
ذكر المطرة التي تنبت أجساد الموتى [٥]
قالوا فإذا مضى بين النفختين أربعون عاماً أمطر الله [٦] من تحت العرش ماء خاثراً كالطلاء وكمنى [٧] الرجال يقال له ماء الحيوان فينبت [٨] أجسامهم كما ينبت البقل قال كعب ويأمر الله الأرض والبحار وتؤمر [٩] الطير والسباع [بأن] تردّ [١٠] ما اكلت
стр. 433
من [١] بني آدم حتى الشعرة [٢] فما فوقها حتى [٣] تتكامل [٤] أجسامهم قالوا وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجراد [٥] لا يدركه الطرف فينشئ الله [٦] الخلق منه [٧] وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في [٨] الشمس فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر ثم قام [٩] ،
ذكر النفخة الثالثة [١٠]
وذلك قوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ٣٩: ٦٨ وقوله إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ٣٦: ٥٣ ويجمع الله أرواح الخلائق في
стр. 434
الصور ثم يأمر الملك أن ينفخها [١] فيهم [٢] ويقول [٣] أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة [٤] والشعور المتمزقة [٥] إن الله [٦] يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيجتمعن ثم ينادي قوموا للعرض على الجبار فيقومون وذلك قوله [٧] يَوْمَ [٨] يَخْرُجُونَ من الْأَجْداثِ سِراعاً [٩] كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ٧٠: ٤٣ وقوله [١٠] يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ٥٠: ٤٤ فإذا خرجوا من قبورهم يلقى المؤمن بمركب [١١] من رحمة الله كما وعد [١٢] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ١٩: ٨٥
стр. 435
والفاسق يمشي على قدمه [١] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [٢] ١٩: ٨٦ وفي القرآن من آثار الحشر ودلائل البعث ما لا يوجد في شيء من كتب الله المنزلة لأن القوم كانوا منكرين له،
ذكر بعث الخلق
روى الحسن ﵀ أن النبي ﷺ قال يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة بهما عزلاً فقالت إحدى نسائه أما يستحيون فقال لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٨٠: ٣٧ وعن سعيد بن جبير في قوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ٦: ٩٤ قال يرد كل واحد إلى ما انتقض منه حتى الظفر قص والشعرة سقطت وفي رواية معاذ بن جبل والمقدام بن معديكرب عن النبي ﷺ قال يبعث الناس يوم القيامة أولهم وآخرهم ما بين السقط إلى الشيخ الفاني كأنها ثلاث وثلاثين سنة وهو سنّ عيسى عم ومما احتج الله به على منكري البعث قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ من الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ من تُرابٍ ثُمَّ من نُطْفَةٍ ثُمَّ من عَلَقَةٍ ثُمَّ من مُضْغَةٍ ٢٢: ٥
стр. 436
إلى قوله وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٢٢: ٥ فشبه حياة الخلق بعد موتهم ونشورهم من قبورهم بحياة الأرض بعد موتها ونبات عشبها وشجرها وقال أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من نُطْفَةٍ ٣٦: ٧٧ إلى قوله قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ٣٦: ٧٩ وقال تعالى ذكره وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ١٧: ٤٩- ٥٠ فانّى باعثكم وقال تعالى ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ٣١: ٢٨ وقال وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، ٣٠: ٢٧
ذكر اختلافهم [١] في كيفيت الحشر
لا خلاف بين أهل الأديان قاطبة في أصل البعث والحشر ولا ينكره أحد من أهل الأرض إلا الملحد المعطل الذي لا يعد [٢] قوله خلافاً وإنما الاختلاف في أشياء من صفاته نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى فإن النفس على أخذ [٣] أمر النشأة الأخرى فليقسها على
стр. 437
نشأة أول الخلق من جمع طين وما ضم إليه من حرارة الحياة وحرك بمادة الروح وأنطق بالنفس المميزة فصار إنساناً يسعى وقد جاء في الخبر من نظر إلى الربيع فليكثر ذكر النشور ونبات أهل القبور وروى ما أشبه الربيع بالنشور وأكثر أهل الإسلام على أن يحشر أصناف الخلائق من الجنّ والإنس والبهائم للقصاص والانتصاف وقد روينا عن الحسن وعكرمة أنهما كانا يقولان حشر البهائم موتها فكانا لا يريان لها بعثاً وزعم قوم من أهل الكتاب أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله إسرافيل أن يجمع أرواح من كان مستحقاً للثواب والعقاب في سفود ثم ينفخ فيه وأنكروا بعث البهائم والأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وقوم منهم ينكرون الصور والصراط والميزان وقالوا [٧٢] إذا مات الناس بعث المسيح فأحياهم وصار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وقال كثير من علمائهم البعث للأرواح دون الأجساد على غير هذه الخلقة التي تراها ولكن على خلقه الخلود البقاء الأبدي وليس الإنسان جسداً وروحاً لا غير ولكن روح وريح ونفس وصورة وعدم وقوة ونطق وحياة تسعة أشياء العاشر وهو هذا الهيكل الأرضىّ
стр. 438
المظلم وقد نشاهد من أحوال الجواهر وإن كانت منبعثة من الأرض ثمّ إذا سبكت وأذيبت وصفيت تحولت إلى حالة ألطف منها وأكرم وأشرف وكذلك الإنسان لا ينكر أن يكون فناؤه وبلاؤه وحشره معنى يزيده لطافة ورقة وحالاً غير هذه الحالة لأنه يخلق للخلود والله أعلم،
ذكر الموقف [١]
روى المسلمون أن الناس يحشرون إلى بيت المقدس وروى أن النبي ﷺ قال هو المحشر والمنشر وكذا يقول كثير من اليهود [٢] وروى عن كعب أن الله [٣] نظر إلى الأرض فقال [٤] إني واطئ على بعضك فاستبقت [٥] الجبال وتضعضعت الصخور [٦] فشكر الله لها ذلك فقال هذا مقامي ومحشر خلقي وهذه [٧] جنّتى وهذه ناري وهذه [٨] موضع ميزاني
стр. 439
وأنا ديان يوم الدين وقال بعضهم فصير [١] الله الصخرة [٢] من مرجانة [٣] طباق الأرض يحاسب [٤] عليها الخلق [٥] وسمعت من يقول هذا من موضوعات أهل الشام يبعث الله الخلق إلى حيث يشاء،
ذكر تبديل الأرض [٦]
قال الله تعالى [٧] يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [٨] ١٤: ٤٨ أي قد برزوا قال قوم التبديل أن يرفع الله هذه الأرض ويبسط غيرها كما جاء في الخبر تمد أرض بيضاء كالأديم العكاظى لم يسفك عليها دم حرام ولم يعمل بالخطيئة وقيل تبسط أرض من فضّة كنقىّ [٩]
стр. 440
الملة يأكلون من تحت أقدامهم وروى أن عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ عن هذه الآية وقالت أين تكون [١] الناس قال على جسر جهنم وروى أنه قال أضياف الله فلن يعجزوه وعن عكرمة أنه قال تطوى هذه الأرض وإلى جنبها أرض يحشر الناس عليها وقال آخرون تبديل الأرض تغيير صفاتها وهيأتها من تسيير جبالها وتغوير مياهها وذهاب أشجارها وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ أنه قال كما يقال للرجل تبدلت وإنما تبدلت ثيابه واحتج بقول العباس ابن عبد المطلب [طويل]
إذا مجلس الأنصار حف بأهله ... وفارقها فيها غفار وأسلم
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعلم
وقال قوم تبدل ثم يرفع لقول الله الفناء عليها وكل هذا جائز لأنه أقررنا بأن الله تعالى أوجدها من عدم لا من غير سابقة [٢] لزمنا أن نجيز عليه أن يعيدها كما بدأها والله أعلم،
стр. 441
ذكر طي السماء
قال قوم طيها تغيير شمسها وقمرها ونجومها وهيأتها وهي باقية وكذلك الأرض واحتجوا بقول الله تعالى في بقاء الجنّة والنار ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ١١: ١٠٧ قالوا وليس في القول ببقائهما نقض [١] [٧٣] للدين فقد قلنا ببقاء العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار والأرواح والأعمال الصالحة ومن خالفنا ألزمه أن يكون الأرواح إذا أفنيت فأعيدت غير ما كانت لأنها لو كانت هي لما أفنيت وإن كانت أفنيت ثم أعيدت أرواحاً آخر كان الثواب والعقاب واقعين على غير استحقاق منها وكذلك الأجساد قد تعاد من تربتها التي كانت خلقت منها ثم تبقى في الجنة والنار على الأبد السرمد وزعم قوم أن السماء ليست بجسم ولا يكون معنى طيها إلا ما ذكرنا وقال آخرون بل هي جسم يطوى كطىّ الكتب بظاهر قول الله سبحانه كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا ٢١: ١٠٤ وقوله الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ٣٩: ٦٧ حتى روى بعضهم وأشار بكفه وقد قبضها أنّها يفضل من هاهنا ومن هاهنا شيء وتختلف أحوال السماء وتصير
стр. 442
كالمهل وكالوردة وتنشق وتصير أبواباً [١] ثم تطوى بعد ذلك فهذا من القول ظاهر وذلك ممكن وقد قال قوم ممن يذهب مذهب الطائفة الأولى كما ذكر من أمر السماء والأرض وتغيير أحوالهما فإنه يراد به أهلهما وهما مقرران كما هما والله أعلم،
ذكر يوم القيامة
يقال أن طول ذلك اليوم ألف سنة من مقادير أيام الدنيا بقول الله تعالى وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ٢٢: ٤٧ فيصف ذلك اليوم من حكم الدنيا وهو من النفخة الأولى إلى أن يفضي الله بين خلقه فيدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم بعد ذلك من حكم الآخرة وكذا سمعت بعض أهل العلم بقوله وزعمت فرقة أن قوله في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ٧٠: ٤ أنه يوم القيامة وأكثرهم على أنه من التمثيل من الشدة والمكروه الذي يصيب بعض الناس حتى يعده [٢] خمسين ألف سنة وقيل ذلك اليوم خمسون موقفاً يسأل العبد فيها فإذا جمعهم الموقف ردّت الشمس إليهم
стр. 443
وضوعف حرّها وأذيبت من فوق رءوسهم حتّى يلجمهم الفرق ثمّ ينزل العرش بحملة الملائكة ثم تعلق الميزان ويؤتى بالجنة والنار وينصب الصراط ويأتي الله كيف شاء بقول الله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا ٢٥: ٢٥ ويقول [١] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الْأُمُورُ ٢: ٢١٠ قال المسلمون ثم يبقى أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار خالدين مخلدين ودائمين أبد الآبدين ولا يدري هل يحدث الله خلقاً جديداً أو عالماً آخر وأرضاً وسماء ويبعث إليهم الرسل ويكلف بما كلف من كان قبلهم أم لا وقد روى عن بعضهم أنه كان يرى فناء أهل النار بعد ما مضى أحقاب ومن أهل الكتاب قوم يزعمون أنه إذا مضى للجنة والنار ألف سنة بادتا وفنيتا وصار أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً وحدثني رجل من علماء اليهود أن فيهم فرقة يزعمون أن العوالم [٢] لا يدري كم مضى منها وكم بقي وأن مدة كل عالم ستة ألف سنة ثمّ يحشر الخلائق
стр. 444
ويحاسبون وذلك يوم السابع قال يوم السبت فيدخلون الجنة والنار ثم يصير [١] أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً ويعاد خلق آخر [٧٣] وأمر آخر لا يزال كذلك وكل سبت عندهم قيامة كذا ومن القدماء من يزعم أن خلق الخلق بفضل وجود وامتنان ولا يجوز على الجواد المفضل أن يظهر جوده في كل وقت ولكنه إذا أفنى هذا العالم ابتدع عالماً آخر وكم من عالم قد ابتدعه وأفناه ومنهم من يقول بنقل [٢] الخلق إلى الآخرة فكل يوم قيام قيامة وابتداء عالم وسمعت منهم من يحتج بالخبر المروي عن المغيرة بن شعبة من مات فقد قامت قيامته،
ذكر ما حكى عن القدماء في خراب العالم
حكى جابر بن حيان [٣] أنه إذا انتهى مسير الكواكب إلى غاية وتفرقت في أبراجها وتشوشت حركات الفلك واضطربت كما كانت قبل اجتماع الكواكب في أوّل دقيقة من الحمل اختلفت أحوال العالم وتفاوتت أرباع السنة وفصولها فلا يستقرّ شتاء [٤] ولا صيف
стр. 445
وتهبّ [١] الرياح العواصف وتهلك الحيوان والنبات لمجيء الأمطار في غير وقتها وشدة الزلازل وكثرة الرياح وتعادي الأركان فيغلب الماء على اليبس واليبس على الماء والنار على النبات والحيوان ويفسد مزاج التركيبات ويقفر الأرض ويخلو إلى أن تجتمع الكواكب في حيث منه تفرّقت وعنده بدء الخلق والنشوء ثانياً وحكى أفلاطن في كتاب سوفسطيقا [٢] في ذكر النفوس وأحوالها بعد مفارقة الأبدان قال وإن النفس الشريرة إذا تفردت عن البدن بقيت تائهة متحيرة في الأرض إلى وقت النشأة الآخرة قال وفي هذا الوقت تسقط الكواكب من أفلاكها ويتصل بعضها ببعض فيصير حول الأرض كدائرة من نار فتمنع تلك النفوس من الترقي إلى محلها وتصير الأرض سجناً لها قال المفسر عن شرح [٣] افلاطن بالقيامة والبعث والنشأة الآخرة وكذا رأى ارسطاطاليس في بقاء ما فوق فلك القمر وأنه لا يقبل الاستحالة وأنه أراد به إلى ذلك الوقت ولا
стр. 446
تلتفت إلى تأويل كفار المتفلسفة لأرائهم مع شهادة الدلائل على ما قلنا ومعاونة كتب الله وأخبار رسله في ذلك واعلم رحمك الله أن كل ذي عقل محجوج بعقله مضطرّ إلى الإقرار بالابتداء للخلق وابتداعه وتجويز فنائه وانقضائه هذا ما لا بدّ منه فأما معرفة ذلك كيف أبغلبة إحدى الطبائع أو بشمول فاسد أو وقوع قحط وموتان أو قتل أو ما كان على نحو ما حكاه أهل الإسلام وأهل الكتاب أو من دونهم فشيء سبيله الخبر والسمع يقع فيه الاختلاف والتفاوت ولا يبطل وقوع الاختلاف فيه ما توجبه العقول وأما الأخبار التي روينا فهي شعار الدين ومحض الديانة وصريح الحق ومن لم يعتقدها على وجهها ظاهراً أو باطناً ولم يعتصم بها ولا رأي اليدين بحقيقتها والنجاة فيها وإن كان أكمل الناس عقلاً وأيقنهم [١] فهماً وأصوبهم رأيا وأصلبهم عوداً وأكرمهم حسباً وأسناهم بيتاً وأقدمهم شرفاً وأغيرهم غيرةً وأحماهم حمية وأحمدهم سيرة وأعظمهم حياء وأرقهم فؤاداً وأسخاهم نفساً وأطلبهم للخير وأعمّهم نفعا وأموتهم حقداً وأحملهم للضيم وأقنعهم بالكفاية وأكفهم أذى وأبدلهم
стр. 447
ندى [٧٤] وأهداهم للفضائل وأقدرهم عليها وأبسطهم يداً وأجمعهم لكل خصلة حميدة ومأثرة كريمة مع شدة رغبة في اقتناء الخير وإبقاء الذكر الجميل وادخار الثناء الحسن فهو إلى النقص والسفه وضعف العقيدة ومخالفة الظاهر للباطن واتباع الهوى وإيثار الرياء والإمام بالفواحش والاستخفاف بمعتقدي خلافهم واستجمالهم ونكس ما عددنا من الفضائل إلى الرذائل وقلبها إلى الأضداد [١] أقرب وأدنى وبها أحق وأولى لأن المراد لم يكن له باعث من نفسه وحاقر من ذنبه فهو [إلى] ما يصطنعه وينتزع به غير نشط ولا صادق الرغبة ولا متسارع ولا متشح [٢] منافس ومن كان كذلك لم يكن لعلمه رونق ولا لمذهبة بهاء ولا عند ذوى الصنائع قبول وتزكية وناهيك من دين معتقد الديانة وإن قلت أفعاله وقصرت يداه من حسن هيأته وخمود شرته وسكون أطرافه وجميل تواضعه وحسن بشره وشدة سطوته على من خالف دينه أو يتأوّل بنيّته [٣] وبذله
стр. 448
ماله ومهمة دونه فاحذروا عباد الله أنفسكم وأهواءكم وأصنافاً من أشباهكم أنا واصفها لكم في نحل المسلمين إن شاء الله وألزموا الدين الذي أحل [١] الله خلقه ودعاهم إلى التمسك به وأخذ عليهم المواثيق والعهود في المحافظة عليه وأنزل به الكتب وأرسل الرسل ووعد من أجاب إليه وأوعد من حاد عنه فقد وضحت دلائل برهانه وصحت آثار حكمته وإياكم والاغترار بالجهل والمجان والخلعاء ومستنقلي الأمانة لغلبة حظ البهيمية والسبعية عليهم حتى صار أقصى همة أحدهم امتلاء بطن واكتساء ظهر ومنال شهوة وإنفاذ غيظ والنكابة في عدو فموهوا أباطيل مزخرفة وأساطير مزورة ظاهرها التشكيك والتلبيس وباطنها الكفر والإلحاد يقتنصون بها الأغمار والأحداث ويحيرون العوام الذين ليس عندهم فضل معرفة ولا كثير تميز ومهما اشتبه عليكم من أمرهم شيء فلا تغفلوا عن فعل الله بهم مذ قامت الدنيا على ساقها لم يطمح منه طامح في جاهلية ولا في الإسلام إلا وهضه الله بقارعة ولا أقاموا راية إلا وهلها الله بالنكس والخمول ولا نجم ناجم
стр. 449
إلا سلط الله عليه أضعف خلقه ولا كاد للدين كيداً إلا رده الله في نحره ينجز وعده منه تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ٩: ٣٣ فأصل ديانة كل ذي دين من أهل الأرض أن الله خالقه ومفنيه ومحييه ومميته وهو يأمره بالعدل والإحسان وينهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي ويبعثه بعد موته فيجاوبه [١] الثواب على إحسانه والعقاب على سيئاته لا يختلف فيه مختلف إلا المعطلة الدهرية وهم شرذمة قليلة وأما أهل الكتب فلزمهم أن يعتقدوا ما ذكرنا أن الله سابق خلقه خلق كل شيء دونه وأنه واحد لا شريك له ولا شيء قديم معه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالبشارة والإنذار وأنه يفنى الخلق ويبيده ثم يعيده كما أبداه إذا شاء [٢] فمن كان هذا عقيدته رجى له أن يكون من الفائزين الأمنين الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. ١٠: ٦٢
تمّ الجزء الثاني
стр. 450
المجلد الثالث
الفصل العاشر في ذكر الأنبياء ومدة أعمارهم وقصص أممهم وأخبارهم على نهاية الإيجاز والاختصار
[٧٥] في أخبار المسلمين أنه كان مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي والجم الغفير منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيا مرسلا ويقال خمسة عشر وقال وهب منهم خمسة عبرانيون آدم وشيث وادريس ونوح وابراهيم وخمسة من العرب هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمّد ﷺ قال وكان أنبياء بني إسرائيل ألف نبي أوّلهم موسى وأخرهم عيسى قال وقد قال رسول الله ﷺ يوم بدر لأصحابه انتم على عدة أصحاب طالوت وعلى عدة الرسل فمن الأنبياء من يسمع الصوت ومنهم من يوحى
стр. 451
إليه في المنام ومنهم من يكلم وفي الحديث أن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوف باللؤلؤ واليواقيت رأسه كالحبك وشعره كالمرجان ولونه كالثلج جناحاه أخضران ورجلاه مغموستان في الخضرة وكيت وكيت،،،
ذكر عدد ما نزل من الكتب
قال وهب والكتب الذي أنزلت من السماء على جميع الأنبياء مائة كتاب وأربعة كتب منها على شيث بن آدم كتاب في [١] خمسين صحيفة وعلى ادريس كتاب في ثلاثين صحيفة وعلى موسى التوراة وعلى داود الزبور وعلى عيسى الإنجيل وعلى محمّد ﷺ القرآن وروينا عن غير وهب أن الله تعالى أنزل على آدم إحدى وعشرين صحيفة فيها تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقيل لم يكن فيها غير الحروف المقطعة وهي كل حرف يلفظ بها اللافظ من العربية والعجمية فيها ألف لغة من أمهات اللغات حدّ الله تعالى عليها الألسنة كلّها والتوراة تجمع كتبا كثيرة للأنبياء وهي خمسة أسفار وأربعة وعشرون وقد روى ثمانية عشر كتيفى [٢] يعنون كتب الأنبياء وقد قص الله تعالى في القرآن ما أوحى إلى
стр. 452
نوح وهود ولوط وغيرهم من الأنبياء عم فلا أدري إنهم لم يؤمروا بنسخها والتحفظ لها أو كانت مثبتة عندهم فنسخت بكتاب بعدها أو كان الوحي والصوت لا يعد كتابا أو كان علمهم وأحكامهم على موجب العقل أو كانوا يتبعون صحيفة آدم وسنته لأن هذا كله محتمل بقول الله تعالى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ٢: ٢١٣ فعموم هذه الآية يوجب أن يكون لكل نبي كتاب يعمل به وراثة عن من قبله وتخصيصا به وحده وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى [٧٦] يعلّمون بالتوراة ويحكمون بها إلى أن أنزل الفرقان ومع ذلك يوحى إليهم وينزل الكتب عليهم،
ذكر عدد الأنبياء جملة
قال الله تعالى مِنْهُمْ من قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ من لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ٤٠: ٧٨ فممن سماه [١] لنا القرآن قوله بعد ذكر إبراهيم عم وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا من قَبْلُ وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ٦: ٨٤- ٨٥
стр. 453
وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ [١] من الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ٦: ٨٤- ٨٦ وسمى لنا آدم ومحمدا وهودا وصالحا وشعيبا وذا الكفل وعزيزا [ومن] لم يسمه لنا منهم قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ من بَنِي إِسْرائِيلَ من بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ في سَبِيلِ الله ٢: ٢٤٦ قال أهل التفسير اسمه اسماويل بن هلقانا [٢] وقالوا في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا من دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ٢: ٢٤٣ أن نبيهم حزقيل بن بوزى [٣] وقال قوم في قوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ٢: ٢٥٩ أنه ارميا وقيل بل هو عزيز وقال في أسماء الأسباط وهم [٤] اثنا عشر رجلا روبيل وشمعون ولاوى ويهودا ويستاخر [٥] وذان [٦] ونفتالى [٧]
стр. 454
وجاد [١] واسترقفا وزبالون [٢] ويوسف وابن يامن كلهم أنبياء وزعم بعضهم في قوله تعالى إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ٣٦: ١٤ انهم كانوا أنبياء بعد عيسى عم ومنهم من يزعم أنهم [٣] كانوا رسل عيسى وهم يحيى وتومان [٤] وشمعون وذكر أهل الأخبار أن شيث بن آدم كان نبيا وموسى بن ميشي بن يوسف كان نبيا قبل موسى بن عمران وذو القرنين كان نبيا وبلعم بن باعوراء كان نبيا ثم ذهبت نبوته ويوشع بن نون وكالب بن يوفنا [٥] وبوشاماسن بن كالب وشعيا بن [آ] موص وجرجيس كانوا أنبياء وأما أهل الكتاب فيزعمون أنّ دانيال وعلياء ومشيائيل وعيلوق وحبقوق أنبياء وفي التوراة سفر لأثني عشر نبيا كانوا في زمن واحد عد أسماءهم إلى رجل من اليهود هو يسع ويوايل [٦] وعاموس وعوديا [٧] وميخا [٨] وناحوم
стр. 455
وحبقوق [١] وصفنيا [٢] وهكاي وزخريا وملاخي وفي كتب بعض الحواريين أنه كان بعد المسيح بانطاكية أنبياء منهم برنبا ولوقيوس [٣] وماثانيل واغابوس [٤] ويزعمون أنّ عدّة من النساء تنبّأت منهن [٥] مريم المجدلانية وحنا بنت فانوئل وابيغايل [٦] وغيرهن ممن ذكرنا أسماءهن وذكروا نبيا يقال له شمسون وفي كتاب أبى حذيفة أن ادرياسين كان نبي المجوس وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ ذكر أصحاب الكهف فقال كان المجوس أهل كتاب ولهم نبي وساق القصة إلى آخرها وقد قال بعض المحدثين أن الخضر كان نبيّا وزعم وهب أنّ الله بعث ثلاثة وعشرين نبيا إلى سبا فكذبوهم وروى في الأخبار أنه كان نبي باليمن يقال له حنظلة [٧] بن افيون الصادق وكان في الفترة نبي يقال له خالد بن سنان العبسىّ وروى جبير [٨]
стр. 456
أنه كان قبل خلق آدم نبي بعثه الله إلى أرض اليمن ومنهم بنو الجان اسمه يوسف فهولاء ثمانون نبيا على ما حكى وروى عن أهل الكتاب وغيرهم والله أعلم وقد روينا عن الحسن أنه قال كان العجائب في بني إسرائيل وكانوا يقتلون مائة نبي في غداة واحدة ثم يقوم يسوق أهلهم [٧٦] ولا يكترثون وأولو العزم من الرسل خمسة نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلم كانوا أهل أمم وكتب بقول الله وَإِذْ أَخَذْنا من النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمن نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً، ٣٣: ٧
ذكر أراء المجوس وسائر الملل في الرسل ،
أعلم أنهم يقرّون بنوّة جم شاذ ونبوة كيومرث ونبوة افريذون ونبوة زردشت وكتابه [أ] لابسطا ومنهم طائفة يقرون بنبوة به افريذ معناه خير ما خلق وفي كتابهم أنه كان بعد زردشت ثلاثة من الأنبياء فآمنوا بهم وأتبعوهم وأما الحرانية فإنهم يقولون لن تحصى أسماء الرسل الذين دعوا إلى الله وان مشهور هم أراني واغثاذيمون [١] وهرمس
стр. 457
وسولن [١] جد أفلاطن لأمه ومن القدماء من يقول بنبوّة افلاطن وسقراط وأرسطاطاليس وهؤلاء يقولون النبوة علم وعمل وأما الهند فمن أثبت منهم الرسالة فإنهم يزعمون أن الرسل ملائكة فمنهم بهابود وتبعه البهابودية وشب وأمته الكابلية ورامان وأمته الرامانية وراون وأمته الراونية وناشد وأمّته الناشديّة وهؤلاء فرق البراهمة الذين يثبتون [٢] الرسالة ومنهم مهادر وأمّته المهادرية مع فرق وأهواء كثيرة يمر بك في موضعها وأما الثنوية فإنهم يقولون بنبوة ابن ديصان [٣] وابن شاكر وابن ابى العوجاء وبابك الخرّمى وعندهم أن الأرض لا تخلو من نبي قط ومن المسلمين من يقول أن في الجن أنبياء كما في الإنس ويحتج بقوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ٦: ١٣٠ وزعم ابن حائط أن في كل خلق من الخلائق أنبياء حتى في الحمر والطير والبراغيث واحتج بقوله
стр. 458
وَما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ٦: ٣٨ وبقوله وَإِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ٣٥: ٢٤ وكان يقول بالتناسخ وجملة القول في الأنبياء والنبوة أنها كلها من مشكاة واحدة لا يجوز عليها أن يختلف في أصل الديانة والتوحيد ولا فيما يأتى به من الأخبار وإن اختلفت فروعه وانتسخت شرائع بعضهم ببعض بقول الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ٤٢: ١٣ وقال تعالى وَسْئَلْ من أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رُسُلِنا أَجَعَلْنا من دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ٤٣: ٤٥ فما روى قوم من شيء يخالف أصل الديانة والتوحيد مثل كفر النعم والإشراك باللَّه واستحلال الظلم والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ولا دعوة من قبل نبي أو رسول فهم [١] كاذبون في دعواهم أو نبيهم كاذب متنبئ لأن هذا خلاف التوحيد ومجيزو العقل ما رووا من شريعة يجوز أن بتعبد الله بها وبضدها فلم نجدها في كتابنا [٢] ولا فيما [في] أيدي أهل الكتاب أمررناها على وجهها لأنه ممكن أن يكون ذلك شريعة نبيّ إذ لم يبيّن
стр. 459
لنا شرائع جميع الأنبياء وأخبارهم ولا وقفنا على جميع أسماءهم والله أعلم،
قصة آدم عم ،
قد مضت أخباره عم عند ذكر خلقه يقال له آدم بن التراب وكنيته أبو البشر وأبو محمد وجاء في الحديث أنه كان نبيا مرسلا وكلمه الله قيلا وأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة وخلقه بيده [٧٧] ثم هبط إلى الأرض فتناسل وأعقب فلما كثروا [و] أولدوا وعمّروا الأرض نبّأه الله إلى ولده بعد مضي خمس مائة سنة [١] من عمره وكان يكلمه من السماء بلا واسطة وينزل عليه مع ذلك الوحي وأنزل عليه احدى وعشرين صحيفة فيها تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وهو أول من علمه الله الخط بالقلم ثم لم يكتب من ولده أحد إلى زمن إدريس عم وفرضت الصلاة عليه خمسين ركعة وفي بعض الروايات أنه لم يكن له شريعة غير التوحيد والله أعلم وكان من معجزاته نظره إلى جسده وهو تجري فيه الروح وخلق زوجته من ضلعه وسجود الملائكة له وسكونه الجنة وكلام الله له قيلا وزعم وهب أنّ آدم كان أجمل
стр. 460
خلق الله وأنه كان أمرد وإنما نبتت اللحية لولده وأنه عاش ألف سنة وفي التوراة كان عمر آدم عم ألف سنة إلا سبعين سنة والله أعلم،
قصة شيث بن آدم ،
زعم أهل الكتاب أن ترجمة شيث العوض والهبة وذلك أنه لما قتل قابيل هابيل عوض الله آدم من هابيل شيث وانقرض نسل قابيل وجملة [١] أسباب سائر ولد آدم إلا شيث وكان وصى آدم وولي عهده وخليفته من بعده،
قصة ادريس النبي عم ،
يزعم أهل هذا العلم أنه أخنوخ بن يارد [٢] بن مهلائيل بن قينان [٣] بن انوش [٤] بن شيث بن آدم وأمه بركيا بنت الدرمسيلا بن محويل [٥] بن أخنوخ بن قين بن آدم وإنما سمي إدريس لكثرة درسه وهو أول نبي أعطي الرسالة بعد آدم وكان مستخلفا خلافة نبوة لا خلافة رسالة وإدريس أول من خط بالقلم بعد آدم وأول من خاط الثياب ولبسها