← История

История · id 12318

البدء والتاريخ

المطهر بن طاهر المقدسي

Полный текст (1 267 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أنه كان قبل خلق آدم نبي بعثه الله إلى أرض اليمن ومنهم بنو الجان اسمه يوسف فهولاء ثمانون نبيا على ما حكى وروى عن أهل الكتاب وغيرهم والله أعلم وقد روينا عن الحسن أنه قال كان العجائب في بني إسرائيل وكانوا يقتلون مائة نبي في غداة واحدة ثم يقوم يسوق أهلهم [٧٦] ولا يكترثون وأولو العزم من الرسل خمسة نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلم كانوا أهل أمم وكتب بقول الله وَإِذْ أَخَذْنا من النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمن نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً، ٣٣: ٧ ذكر أراء المجوس وسائر الملل في الرسل ، أعلم أنهم يقرّون بنوّة جم شاذ ونبوة كيومرث ونبوة افريذون ونبوة زردشت وكتابه [أ] لابسطا ومنهم طائفة يقرون بنبوة به افريذ معناه خير ما خلق وفي كتابهم أنه كان بعد زردشت ثلاثة من الأنبياء فآمنوا بهم وأتبعوهم وأما الحرانية فإنهم يقولون لن تحصى أسماء الرسل الذين دعوا إلى الله وان مشهور هم أراني واغثاذيمون [١] وهرمس

стр. 457

وسولن [١] جد أفلاطن لأمه ومن القدماء من يقول بنبوّة افلاطن وسقراط وأرسطاطاليس وهؤلاء يقولون النبوة علم وعمل وأما الهند فمن أثبت منهم الرسالة فإنهم يزعمون أن الرسل ملائكة فمنهم بهابود وتبعه البهابودية وشب وأمته الكابلية ورامان وأمته الرامانية وراون وأمته الراونية وناشد وأمّته الناشديّة وهؤلاء فرق البراهمة الذين يثبتون [٢] الرسالة ومنهم مهادر وأمّته المهادرية مع فرق وأهواء كثيرة يمر بك في موضعها وأما الثنوية فإنهم يقولون بنبوة ابن ديصان [٣] وابن شاكر وابن ابى العوجاء وبابك الخرّمى وعندهم أن الأرض لا تخلو من نبي قط ومن المسلمين من يقول أن في الجن أنبياء كما في الإنس ويحتج بقوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ٦: ١٣٠ وزعم ابن حائط أن في كل خلق من الخلائق أنبياء حتى في الحمر والطير والبراغيث واحتج بقوله

стр. 458

وَما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ٦: ٣٨ وبقوله وَإِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ٣٥: ٢٤ وكان يقول بالتناسخ وجملة القول في الأنبياء والنبوة أنها كلها من مشكاة واحدة لا يجوز عليها أن يختلف في أصل الديانة والتوحيد ولا فيما يأتى به من الأخبار وإن اختلفت فروعه وانتسخت شرائع بعضهم ببعض بقول الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ٤٢: ١٣ وقال تعالى وَسْئَلْ من أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رُسُلِنا أَجَعَلْنا من دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ٤٣: ٤٥ فما روى قوم من شيء يخالف أصل الديانة والتوحيد مثل كفر النعم والإشراك باللَّه واستحلال الظلم والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ولا دعوة من قبل نبي أو رسول فهم [١] كاذبون في دعواهم أو نبيهم كاذب متنبئ لأن هذا خلاف التوحيد ومجيزو العقل ما رووا من شريعة يجوز أن بتعبد الله بها وبضدها فلم نجدها في كتابنا [٢] ولا فيما [في] أيدي أهل الكتاب أمررناها على وجهها لأنه ممكن أن يكون ذلك شريعة نبيّ إذ لم يبيّن

стр. 459

لنا شرائع جميع الأنبياء وأخبارهم ولا وقفنا على جميع أسماءهم والله أعلم، قصة آدم عم ، قد مضت أخباره عم عند ذكر خلقه يقال له آدم بن التراب وكنيته أبو البشر وأبو محمد وجاء في الحديث أنه كان نبيا مرسلا وكلمه الله قيلا وأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة وخلقه بيده [٧٧] ثم هبط إلى الأرض فتناسل وأعقب فلما كثروا [و] أولدوا وعمّروا الأرض نبّأه الله إلى ولده بعد مضي خمس مائة سنة [١] من عمره وكان يكلمه من السماء بلا واسطة وينزل عليه مع ذلك الوحي وأنزل عليه احدى وعشرين صحيفة فيها تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وهو أول من علمه الله الخط بالقلم ثم لم يكتب من ولده أحد إلى زمن إدريس عم وفرضت الصلاة عليه خمسين ركعة وفي بعض الروايات أنه لم يكن له شريعة غير التوحيد والله أعلم وكان من معجزاته نظره إلى جسده وهو تجري فيه الروح وخلق زوجته من ضلعه وسجود الملائكة له وسكونه الجنة وكلام الله له قيلا وزعم وهب أنّ آدم كان أجمل

стр. 460

خلق الله وأنه كان أمرد وإنما نبتت اللحية لولده وأنه عاش ألف سنة وفي التوراة كان عمر آدم عم ألف سنة إلا سبعين سنة والله أعلم، قصة شيث بن آدم ، زعم أهل الكتاب أن ترجمة شيث العوض والهبة وذلك أنه لما قتل قابيل هابيل عوض الله آدم من هابيل شيث وانقرض نسل قابيل وجملة [١] أسباب سائر ولد آدم إلا شيث وكان وصى آدم وولي عهده وخليفته من بعده، قصة ادريس النبي عم ، يزعم أهل هذا العلم أنه أخنوخ بن يارد [٢] بن مهلائيل بن قينان [٣] بن انوش [٤] بن شيث بن آدم وأمه بركيا بنت الدرمسيلا بن محويل [٥] بن أخنوخ بن قين بن آدم وإنما سمي إدريس لكثرة درسه وهو أول نبي أعطي الرسالة بعد آدم وكان مستخلفا خلافة نبوة لا خلافة رسالة وإدريس أول من خط بالقلم بعد آدم وأول من خاط الثياب ولبسها

стр. 461

وكان من قبله يلبسون الجلود وكان ولد آدم حي ونبأه [١] الله بعد وفاة آدم وأنزل عليه النجوم والطب واسمه عند اليونانيين هرمس وكان يصعد له من العمل في كل يوم مثل عمل بني آدم كلهم فشكر الله ذلك له فرفعه مكانا علياً واختلف الناس كيف رفع، في كتاب أبي حذيفة أن الملائكة كانوا يصافحون بني آدم في زمن ادريس ويزورونهم في رحالهم ومجالسهم لطيب الزمان وصلاح أهله فاستأذن ملك الشمس في زيارته فأذن له فسأله ادريس أن يرفعه إلى السماء ليعبد الله فيها مع الملائكة فرفعه الله فهو في السماء الرابعة وروى عن عبد الله بن الع [باس] أنه سأل ملك الشمس أن يعلمه الاسم الذي يصعد به إلى السماء فعلمه فرقى به إلى السماء الرابعة وبعث الله ملك الموت فقبضه هناك وروى أنه رفع إلى السماء الدنيا كما رفع عيسى وروى عن زيد بن أرقم خلاف هذا كله أنه رفع الى الجنة وفي حديث أنه أذيق الموت وأورد النار فإن صحت الرواية فبها ونعمت لأن هذا الخبر نظائر دخول آدم وزوجته الجنّة ورفع عيسى فإن

стр. 462

استعظم رفع أجسام إلى السماء فأعظم منه هذا الغيم الراكد في الجو وهذه الأرض في ثقلها وكثافتها واقفة في السماء كما ترى ولن يعتل بهذا شيء إلا أمكن صرفه إلى ذلك مع أن كثيرا من نظار المسلمين يرون الرفع للأرواح دون الأشباح أو يكون رفع القدر وتعظيم المنزلة كما قال الله تعالى يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ٥٨: ١١ وقال تعالى في الشهداء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ وأجسامهم في الأرض جيف [٧٧] وروى أن النبي ﷺ رأى ابراهيم وموسى وعيسى ونوحا وآدم ليلة المعراج وهي ليلة عرج به إلى السماء لم يختلفوا أنهم لم يرفع أجسامهم فهذا هو الحق وذلك ممكن والله أعلم ويدل على أن هوشنك الملك كان قبل ادريس أو في زمنه أن الفرس زعمت أنه أول من أمر بقتل السباع الضارية وأن يتخذ من جلودها ملابس ومفارش ويدل أيضا أن طهمورث الملك كان في زمنه وعهده وان كان عاش بعده كيومرث الذي هو بمنزلة آدم عند أكثرهم ويزعمون أنه أول من كتب الكتاب وفطر الناس إليه كما يقول أهل الإسلام أن ادريس أول من خط بالقلم وفي زمانه قصة هاروت وماروت،

стр. 463

قصة هاروت وماروت ، اختلفوا المسلمون [١] فيه اختلافا كثيرا فروى بعض أهل الأخبار أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ٢: ٣٠ فلما خلق آدم وتعاطت ذريته الفساد قالت الملائكة يا ربّ أهؤلاء الذين استخلفتهم في الأرض فأمرهم الله أن يختاروا من أفاضلهم ثلاثة ينزلهم إلى الأرض ليحملوا الناس على الحقّ ففعلوا وقالوا جاءتهم امرأة فافتتنوا بها حتى شربوا الخمر وقتلوا النفس وسجدوا لغير الله سبحانه وعلموا المرأة الاسم الذي كانوا يصعدون به إلى السماء فصعدت حتى إذا كانت في السماء مسخت كوكبا وهي هذه الزهرة قالوا وخيّر الملكان من عذاب الدنيا والآخرة فاختاروا عذاب الدنيا فهما معلقان بشعورهما في بئر بأرض بابل يأتيهم السحرة فيتعلّمون منهما السحر وأهل النظر لا يثبتون كثيرا من هذه القصّة منها أمر الزهرة لأنها من الكواكب الخنس التي جعلها الله قطبا وقواماً للعالم ومنها ركوب الملائكة مثل هذه الفواحش مع ما وصفهم

стр. 464

الله به من طول العبادة وابتغاء الزلفة ثم هم ليسوا بذوي أجسام شهوانية مجوفة فيجوز عليهم مثل هذا وقد قال قوم أنهم أعطوا الشهوة وجعل لهم مذاكير ومنها تعليمهم الناس السحر وهم في العذاب والأولى بمن تلك حالته طلب التوبة والمخلص ولا توبة للمذنب ما لم يقلع فإن كان هاروت وماروت ملكين كما يزعمون فإنهما أنزلا ليبينا للناس وجوه السحر ويحذراهم وبيل عاقبته لا غير وكان الحسن يقرأ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ٢: ١٠٢ بكسر اللام ويقال علجان ببابل وأما الزهرة فإن كان من أمرها شيء فإنها أفتن بها أناس يعبدونها كما افتتنوا بالشمس والقمر وكوكب الشعري وقد روينا عن الربيع بن أنس أنه قال في هذه القصة كانت امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة مع أنه ليس في كتاب الله شيء من هذا وبمثل هذه الأخبار ينظرون الملحدون إلى فساد القلوب والله المستعان وقد استقصينا هذه القصة في كتاب المعاني والله ولي الإعانة وولي التسديد والتوفيق، قصة نوح النبي ، يقال هو آدم الأخير واسمه سكن لأن الناس سكنوا إليه بعد آدم وانما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه

стр. 465

وقومه وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وأمه قينوش [١] بنت براكيل [٢] بن محويل [٣] بن قين بن آدم قال وهب وكان رجلا نجارا دقيق الوجه طويل اللحية غليظ الفصوص في رأسه طول قال جوبير أنه كان ولد في حياة آدم وذلك أن آدم لما كبر سنه ودق عظمه قال يا رب إلى متى أكد وأشقى قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فيولد نوح بعد عشرة أبطن وادم حينئذ ابن ألف سنه إلا خمسين عاما ثم مات آدم وكثرت الجبابرة وضيعوا وصاة الأنبياء ونصبوا صور المتوفين من آبائهم وأخوتهم يسجدون لها ويعبدونها بعد ما كانوا يتسلون بالنظر إليها ويتعزون بلقائها فنبأ الله تعالى نوحا وأرسله إليهم يأمرهم بعبادة الله وحده والكف عن المظالم فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فما آمن معه إلا قليل يقال ثمانون إنسانا أربعون رجلا وأربعون امرأة وروينا عن الأعمش أنه قال كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين وثلاث كنائن [٤] وأما ابن إسحاق فإنّه

стр. 466

روى أنه كان نوح وحام وسام ويافث وأزواجهم وستّة أناس فأمر الله بعد ما دعا على قومه باتخاذ السفينة فبناها وسواها وحمل فيها من كل زوجين اثنين إلا امرأته وابنها ويقال بل كان ابنه واسمه يام ويقال كنعان وأمره أن يركب السفينة إذا فار التنور بناحية الكوفة ويقال بأرض الهند وكان ذلك علما للغرق ففعل كما أمره الله واغرق الله الظالمين قال الضحاك إن من غرق من الولدان مع أبائهم بذنبهم وليس كذلك وإنما هو بمنزلة الطير [١] من البهائم وسائر ما غرق بغير ذنب ولكن بآجالهم وقال قوم قبض الله أرواح الحيوان والأطفال قبل الغرق وأغرق الله الكافرين عقوبة لهم وقال آخرون أعقم أرحام نسائهم فلم يحمل منهن واحدة خمس عشرة سنة حتى لم يأت الغرق إلا على مستحق العذاب وقد أستعظم أمر الطوفان وما ذكر من طول مدة عمر نوح وسائر مدة عمر المعمرين وطول ما يروون من قامة آدم وقامات عاد وغيرهم مما جاءت به الأخبار حتى أنكره قوم رأسا وصرفه قوم إلى تأويل منحول والموحّد

стр. 467

المصدق بابتداع هذه الأجسام لا من شيء واضع ما يرد عليه من مثل هذا إذا كان من مخبر صادق على حد الإمكان والجواز ويزداد قوة بما يجد له من نظير أو تمثيل مع أن كتاب الله أصدق شاهد وأطباق الأمم أوثق عصمة وليس ممتنع وقوع الطوفان في العقل ولا مكث الناس في السفينة ولا هلاك قرن وابتداء نشو ولا بعجيب امتداد الحياة ببعض الناس وإن كان خارجا عن العادة والطبع المعهود وقد قالت المنجمة أن الطوفان الذي وقع أيام نوح كان [١] في القران الأعظم وكانت الكواكب مجتمعة في دقيقة من الحوت والعدد متناسبة من السنة الألفي والقراني فأقروا بالطوفان وإن لم يذكروا السبب الموجب له من قبل العباد وحكي عن ارسطاطاليس وافلاطن أن الطوفان قد وقع دفعات كثيرة فمنها ما دام يوما أو يومين أو أكثر وزعمت طائفة منهم أن الطوفان [٢] لم يعمّ الأرض كلّها ولعمري ليس ذلك في كتابنا وإنما يروى أنه عم الأرض كذا صباحا وحكم العاقل أن لا يعد [٣] هذا مثل نصّ الكتاب

стр. 468

ومعروف الخبر في مخاطبة المخالف له وما حاجته إلى تمحل الحجج [١] لرواية كفاه الله مئونتها وأزال عنه شغلها فإن كان الطوفان عم الأرض وغمرها والتقى ماء الأرض وماء السماء كما روى فممكن وغير بديع من قدرة الله وأن علا بقعة من البقاع وأباد قوما من الأقوام وكذلك والله أعلم آمنا بما صح منها وصدقنا بقول الله فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ ٧: ١٣٣ وأجمعوا أنه لم يعم الأرض كلها فإن قال قائل كيف يجوز في العقل هلاك قوم على ذنب يسير كما أجاز العقل بل أوجب هلاك كل مفسد وفاسد وقد روينا عن ابن عباس ﵁ أنه قال ما أهلك الله قوما على شرك ما لم يتظالموا بقول الله تعالى وما كان الله مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [٢] وإذا جاز أن ينالهم من تأثير الكواكب فيهم ما يغرقهم على مذهب قوم هلا جاز أن يحملهم بتأثيرها فيهم على عمل يستحقون به الغرق والعقوبة وأما مدة عمر نوح فمختلف فيها [٣]

стр. 469

بقول الله تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاما ٢٩: ١٤ ومعلوم أنه عاش بعد الطوفان مدة فزعم وهب أن نوحا بعث وهو ابن خمسين سنة وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين [١] سنة وروى ابن إسحاق عن أهل التوراة أنهم يزعمون أن نوحا بعث وهو ابن أربع مائة سنة وستين سنة وعاش بعد الغرق سبعين سنة وكثير من القائلين بالطباع أجازوا أن يكون في الأيّام [٢] السالفة والزمان الماضي أعمار الناس وأشخاصهم أطول وأعظم ممّا في زماننا هذا وزعموا أنّه ما دام الحكم الأغلب لزحل كانت الأعمار أطول والقامات أتم ثم [لما] صار إلى المشتري انتقص ذلك لأنه دونه وكذلك لم يزل يتراجع درجة درجةً إلى زماننا هذا وهم يجيزون انتقاص أعمار الناس عما هي عليه اليوم إذ صار الحكم على قولهم للقمر ثم حار الحور [٣] يراجع فصح إلى أقصى غاية النقص والقصر وهذا إن كان هكذا فاللَّه فاعله بهذه الأسباب التي جعلها الله مؤثّرة فيه وإذا جاز أن يسكن إلى

стр. 470

مثل هذا ساكن كان السكون إلى ما وردت به كتب [١] الله ورسله وشاهدت القرون والأمم أجوز ثم مع ذلك غير ممتنع أن يختص نوع من أنواع الجنس بشيء تباين فيه طبع جنسه ويعمى الناس عن معرفة علّته كالخواصّ المعدودة المعهودة التي خفيت علتها ولم يوقف على أسرارها أو ليس قد قالت كثير من فلاسفتهم في فشاراتهم بأن الفلك حي ناطق لحم ودم فكيف أجاز عليه البقاء ولم يجزه على ما هو في حكمه أو ليس الأركان أشياء متضادة [٢] ثم ما هي باقية على اختلافها وتعاديها وهل الإنسان غير الأخلاط الأربعة [٧٨] وقد أجمع هؤلاء أنه غير جائز في موجب الطبع زيادة عمر ساعة واحدة على مائة وعشرين سنة لعلل ذكروها فشاهدنا وشاهد من قلنا يقضى عليهم بخلاف قولهم فإذا جاز وجود الزيادة القليلة فيما يوجبه الطبع لم لا جاز وجود الزيادة الكبيرة مع أن المسلمين يستغنون عن مثل هذه الحجج [٣] بإخبار الله وإخبار

стр. 471

رسوله ومعرفتهم بقصور علمهم عن أسرار حكم الله في خلقه ونفاذ قدرته فيهم وكما قلنا في الأعمار فكذلك في الأجسام والقامات والأمم وما يرى من فضل ذي طول على ذي قصر يجوز لنا الحكم بأطول من كل طويل يتوهمه حتى يبلغ به المقدار الذي ورد به الخبر في آدم والصحيح أنه كالنخلة السحوق وكم من نخلة دون قامة الرجل فإذا زادت عليها فهي سحوق والذي روى ستون ذراعا فممكن أنه تفسير الراوي والله أعلم ومما يدل على جواز هذا تفضل [١] هذا النوع في الأشخاص والصور كحوت وحوت كم بينهما في المقدار وهو نوع من الجنس وقد زعم زاعم أن سفينة نوح مثل لدينه ولبثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما مثل لبقاء شريعته واحتج بما روى أن النبي صلى الله عليه قال مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك فلزمه أن يتأول جميع ما في القرآن من قصة نوح وخبره على خلاف ظاهره مثل قوله تعالى فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ٥٤: ١١- ١٣ وقوله

стр. 472

تعالى يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قال سَآوِي إِلى جَبَلٍ [١] ١١: ٤٢- ٤٣ إلى قوله وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ من الْمُغْرَقِينَ ١١: ٤٣ وما أشبه ذلك وإذا جاز لنا أن نتأول السفينة دينا جاز لنا أن نتأول القصر والحبل والسلاح والكراع والمال والطعام دينا لأن في هذه نجاة ظاهرة كما في السفينة مع أن هذه الطبقة قل ما يؤمنون بالكتاب ولكنه من دساتين الزنادقة يتلعبون بالدين ويتقلبون في التلبيس ولقد سمعت بعض الناس يقول معناه لو لبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما لأخذهم الطوفان ولا بدّ أن الطوفان كان آخذا لهم لأنهم كانوا لا يؤمنون وشبهه بقوله يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ من الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ٢: ٩٦ قالوا واستثناءه الخمسين من الألف لأنه بعث على رأس خمسين من عمره ولا يعلم في لغة العرب إضمار حروف الشرط وإظهار فعله وجاء في الخبر أن نوحا عم لم يدع [٢] بقوله لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ من الْكافِرِينَ دَيَّاراً ٧١: ٢٦ الآية إلا بعد وحي الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وتدلّ تواريخ الفرس

стр. 473

أن الملك في زمن نوح كان جم شاذ أخو طهمورث أو طهمورث نفسه لموافقة بعض أخباره والله أعلم وزعم وهب أن نوحا خرج من السفينة يوم عاشوراء وبنى قرية بقردا [١] وسماها ثمانين [٢] وقد احتج أصحاب هذا العلم بأشعار المتقدمين في هذه القصص فمنها قول أمية بن أبي الصلت [طويل] إلى أن يفوت المرء رحمة ربه ... وإن كان تحت الأرض سبعين واديا [٧٩] كرحمة نوح يوم حل سفينة [٣] ... لشيعته كانوا جميعا ثمانيا فلما استنار الله تنور أرضه ... ففار وكان الماء في الأرض ساحيا فهذا يقوّى مذهب من زعم أنهم كانوا ثمانية أنفس وقوله أيضا [خفيف] منج ذي الخير من سفينة نوح ... يوم بادت لبنان من أخراها فار تنوره وجاش بماء ... طمّ فوق الجبال حتّى علاها

стр. 474

قيل للعبد سر فسار وباللَّه ... على الهول سيرها وسراها قيل فأهبط فقد تناهت بك الفلك ... على رأس شاهق مرساها وقوله أيضا [وافر] وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تزل على المهالك لا تهاب [و] تلمس هل ترى في الأرض عينا ... به تيبس أو اضطراب فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليه الثلط والطين الكتاب فلما فرشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب إذا ماتت تورثها بنوها ... وإن قتلت فليس لها استلاب فجازى [١] الله بالأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس لها كذاب بما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت القلاب . وفيها من أرومته عيال ... لذيه لا لظمآء ولا السّغاب وإذ هم لا لبوس لهم عراة ... وإذ صخر السلام لهم رطاب عشيّة أرسل الطوفان تجرى ... وفاض الماء ليس له جراب على أمواج أخضر ذي حبيك ... كأن سعار زاخرة الهضاب بأنه [٢] قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب

стр. 475

قصة من كان بعده إلى [١] زمن عاد ، قرأت في ترجمة التوراة أنّه ولد لنوح سام وحام ويافث بعد خمس مائة سنة مضت من عمره وأما المتخلف عنه المخالف لأمره فهو يام والناس من ولده الثلاثة وسأل عمر بن الخطّاب ﵁ كعب الأحبار لأي ابنى آدم كان النسل قال ليس لواحد منهما نسل فأما المقتول فقد درج وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان والناس من بني نوح ونوح من بني شيث بن آدم فسكن حام الجنوب ومنه السودان وسكن يافث الشمال ومنه الشقران وسكن سام وسط الأرض ومنه العرب وفارس وذكر ابن إسحاق فيما حكى عن أهل التوراة أنه نكح يافث بن نوح اريسيمه [٨٠] بنت مرازيل بن الدرمسيل بن أخنوخ بن قين [بن] آدم وولدت له سبعة رجال وامرأة جومر ومارح ووائل وحوار وتوبل [٢] وهوشل [٣] وترس وسبكه بنت يافث فمنهم الترك والخزر والصقالبة وبرجان واشبان [٤] وياجوج وماجوج ستة وثلاثون لسانا ونكح حام بن نوح حل بنت يارب بن

стр. 476

الدرمسيل بن محويل بن أخنوخ بن قين بن آدم فولدت له ثلاثة نفر كوش وفوط [١] وكنعان فولد كوش الحبشة والسند والهند وولد كنعان السودان [و] نوبة وفزان والزنج وزغل وزغاوة وبربر وولد فوط [١] القبط وفيهم سبعة عشر لسانا ونكح سام بن نوح صليب بنت ثوايل بن محويل بن أخنوخ بن قين بن آدم فولدت خمسة نفر ارفخشذ [٢] وأشور [٣] ولاوذ وارم [٤] وعويلم وفيهم تسعة عشر لسانا فمن ولد لاوذ اجناس الفرس كلها وجرجان وطبرستان وطسم وجديس وعملاق وأميم وأما عملاق فأبو العمالقة تفرقت منهم الجبابرة والعتاة الذين كانوا بأرض الشام يقال لهم الكنعانيون ومنهم فراعنة مصر إلى فرعون يوسف وموسى ﵉ ومنهم ملوك فارس وخراسان وعظماء المشرق ومنهم أمة كانوا بعمان يسمون جاسم [٥] ومنهم بالحجاز بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق ومنهم بنجد بديل وراحل وغفار

стр. 477

قالوا وكان نزل عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح أكناف الحرم ومصر والشام ونزل طسم وجديس جو اليمامة وما يليها ونزل ولد ارم بن سام بن نوح الاحقاف إلى عالج ويبرين والحجر بين الحجاز والشام قال ابن إسحاق ولد ارم بن سام بن نوح ثلاثة نفر عوص [١] وغاثر [٢] وحويل فولد عوص عادا وعبيلا وولد غاثر ثمود وجاسم [٣] وطسم وجديس فأما عاد وثمود فقد ذكر في القرآن هلاكهما وأما جديس فكثرت وتربت ورئيسها رجل منهم يقال له الأسود بن غفار وكان ملكهم إذ ذاك رجل من طسم يقال له عمليق وكان يبدأ بالعروس قبل زوجها حتى تزوجت غفيرة بنت غفار وأراد عمليق أن يصيبها فاستصرخت أخاها الأسود بن غفار وخرجت حاسرة وهي تقول [سريع] لا أحد أذل من جديس ... ، أهكذا يفعل بالعروس ، فأحفظ صراخها جديس، وأزعجهم فخرجوا مع الأسود بن غفار ففتكوا بطسم فقتلوهم كلهم وملكهم إلا رجلا واحدا أفلت بخديعة دقيقة [٤] حتّى أتى

стр. 478

ملك اليمن وهو ذو غسان بن تبع الحميري فاستنجده فوجه [١] ذو غسان بن تبع جيشا إلى جديس يطلب بثأر طسم وكانت في جديس جارية زرقاء يقال لها اليمامة وبها سميت اليمامة وكانت كاهنة تبصر الراكب من مسيرة يوم ويقال من مسيرة ثلاث فخاف الجيش أن تبصرهم اليمامة فتخبر القوم بهم فقطعوا الشجر وجعل كل رجل بين يديه شجرة يمشي خلفها يستتر بها عن اليمامة ونظرت اليمامة فرأت الشجر فنادت يا آل جديس سارت إليكم الشجر أو أتتكم حمير قالوا وما ذاك قالت أرى رجلا في يده كتف [٢] يأكلها أو نعل يخصفها فكذبوها فصبحتهم الخيل فقتلتهم وأقصتهم وانقضى أمر جديس وطسم وفيه يقول الأعشى [بسيط] [٨٠] قالت أرى رجلا في كفه كتف [٢] ، ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا فكذبوها بما قالت فصبّحهم، ... ذو آل غسّان يزجى [٣] السمر والسلعا

стр. 479

فاستنزلوا أهل جوّ من مساكنهم، ... وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا قالوا وسار وبار بن أميم فنزل بأرض وبار برمل عالج فهلكوا وأما ابن إسحاق فإنه يزعم أن بني أميم بن لاوذ بن سام بن نوح نزلوا وبار فكثروا وربلوا [١] وعصوا فأصابتهم من الله نقمة فهلكوا وبقيت منهم بقية يقال لهم النسناس للرجل منهم يد ورجل من شق واحد ينقزون نقز الظباء ووبار بلاد لا يطأها أحد من الإنس لما فيها من حسّ الجن وهي أكثر أرض الله نخلا وشجرا فيما يزعمون وحكي أن رجلا وقف في الجاهلية بعكاظ على بعير له مثل الشاة وهو يقول [طويل] ومن يعطني ستا وستين بكرة ... هجانا وأدما أهده لوبار ثم ضرب بعيره فتلمع به تلمع البرق وفيه يقول الأعشى من بني قيس والله أعلم [منسرح] ومر دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار وحال على جديس يوم [٢] ... من الدهر مستطار

стр. 480

وأهل جو أتت عليهم ... فأفسدت عيشهم فبادوا وقبلهم غالت المنايا ... طسما ولم ينجهم حذار بادوا كما باد أولوهم ... عفا على إثرهم قدار قالوا إن فارس والعرب والروم يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح غير أن فارس لم تحفظ [١] أنسابها إلا ما يذكر من ملوكهم على اختلاف وانقطاع وأما العرب فإنّهم يسردونها إلى قحطان ابن عابر فولد فوط [٢] جرهم وجديل فاقرضوا وأما جرهم فنزلوا مكّة وصاهروا إسماعيل بن ابراهيم عم، قصة عاد الأولى وهم عشر قبائل ، عاد بن عوص [٣] بن ارم بن سام ابن نوح وكانوا قدماء قد أعطوا بسطة في الخلق وقوّة في البسط والبطش نزلوا بهذا الرمل من عمان إلى حضر موت وهي إذ ذاك أخصب بلاد الله وأمرعها فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز ورمالا وغياضا وذلك أنهم نصبوا الأوثان يعبدونها فمما يذكر من أسمائها صمود، صدا، دهنا، وأخذوا مع عبادة الأوثان في

стр. 481

ظلم الناس بفضل قوتهم فبعث الله اليهم هودا عم وهو من أوسطهم حسبا وأفضلهم موضعا وقال وهب كان هود رجلا تاجرا جميل المحيا أشبه خلق الله بآدم وهو هود بن عبد الله بن رباح بن حاور بن عاد بن عوص [١] بن ارم فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته وحده لا شريك له وأن يكفوا عن ظلم الناس وقد يبين الله في القرآن تذكيره إياهم ومراجعتهم له بما فيه كفاية فلمّا أبطئوا عليه بالإيمان والإجابة وعتوا على الله أمسك عنهم القطر حتّى أجهدهم الجدب فبعثوا وفدا إلى الحرم يستسقون فيهم لقمن [٨١] بن عاد ولقيم بن هزال وقيل ابن عثر [٢] ومرثد بن سعد وكان مسلما يكتم إيمانه وكان الناس إذ ذاك إذا نزل بهم بلاء أو جهد فزعوا إلى الدعاء في الحرم فسار الوفد حتى نزلوا على خالهم معاوية بن بكر وأقاموا عنده يشربون الخمر ويغنيهم الجرادتان وهما قينتان له ثمّ هيّأ معاوية ابن بكر شعرا ودسه إلى الجرادتين لتغنياه [٣] قومه [وافر] ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يصبحنا الغماما

стр. 482

فيسقي أرض عاد [١] إن عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما فإن الوحش يأتيهم جهارا ... ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما فلما غنتهم الجرادتان تلاوموا في تمكثهم وخرجوا يستسقون فنشأت ثلاث سحائب بيضاء وسوداء وحمراء ثم نودي من السحاب يا قيل اختر لنفسك ولقومك فاختار السوداء لأنها أكثر ماء فنودي اخترت رمادا رمددا [٢] لا يبقى من عاد أحدا [٣] إلا بنو اللوذية وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال وكانوا نزلوا بمكة مع أخوالهم و [هم] عاد الأخرى في الخبر ومثل هذا جائز في زمن الأنبياء مع أنه ليس في القرآن منه شيء فإن صح الخبر فمعنى النداء من السحاب ما رئي فيه من اثر المطر لا غير وساق الله السحابة السوداء فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ٤٦: ٢٤ كقول الله تعالى لهم أو نبيهم بَلْ هُوَ ٤٦: ٢٤

стр. 483

ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ورجع الوفد إلى معاوية ابن بكر فأتاهم راكب مسيرة ثالثة فأخبرهم بمصاب عاد قالوا وكان تخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد ثم قدما بعد الوفد فقيل لهما أعطيتما مناكما فاختارا لأنفسكما إلا أنه لا سبيل إلى الخلد فقال مرثد أعطني يا رب برا وصدقا فأعطاه وقال لقمان أعطني يا رب عمرا فقيل له اختر لنفسك أبعار ضأن عفر في جبل وعر لا يغالبه إلا القطر أو سبعة أنسر إذا مضى نسر خلوت إلى نسر فاختار النسور فجعل يأخذ منه الفرخ حتى إذا مات أخذ آخر فلم يبق إلا السابع فقال له ابن أخ له يا عم ما بقي من عمرك غير هذا فقال يا ابن أخي هذا اللبد ولبد بلسانهم الدهر وزعموا أن النسور تعيش خمس مائة سنة هكذا في الخبر وفي كتاب المعمرين من قصة لقمان وخبره شيء كثير ومن شهرة أمره في العرب كالإجماع على ذلك لكثرة ما يذكرونه في وصاياهم وخطبهم وأشعارهم فإن كان الخبر حقا احتمل أن يكون التأويل أنه تمنى ذلك فخطر بقلبه خاطر وقاله بذلك أو أرى في المنام أو رأى آية أو علامة دلته على ما خبر به عنه فعمل ذلك بأكثر الرأي

стр. 484

فأصاب فيه مناه وهذا كثير مما يقع بالاتّفاق والجدّ وغير بديع ان يعمّر إنسان عمر مائة سنة ومن حكم للنسر بعمر مقصور على مقدار لا يزيد ولا ينقص وفيه يقول الشاعر وهو أعشى من بنى قيس بن ثعلبة [طويل] وأنت الذي ألهيت قيلا بكأسه ... ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر [٨١] فقلت منيت الضأن يبحث في الشرى ... بأرعن ينفي رأسه ليلة القطر لنفسك أو تختار [١] سبعة أنسر ... إذا ما خلا نسر خلوت إلى نسر فقال نسور حين خال بأنه ... خلود وهل تبقى النفوس على الدهر فقال له لقمان إذ خل [٢] ريشه ... هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري فأصبح مثل الفرخ أطول ريشه ... قصار القدامى بعد مطرد حشر وفيه يقول أيضا [منسرح] ألم تروا إرما وعادا ... أودى بها الليل والنهار بادوا كما باد أوّلوهم ... غدا على إثرهم قدار لخلفه من أبي رباح [٣] ... يسمعها الاهة [٤] الكبار

стр. 485

إن لقيما وإن قيلا ... وإن لقمان حيث ساروا لم يدعوا بعدهم عريبا ... ففنيت بعدهم نزار وفي كتاب أبي حذيفة أنّ هودا عم عاش أربع مائة وأربعين سنة وزعم وهب أن عادا لما أهلكت لحق هو بمكة حتى مات وروى ابن إسحاق عن عليّ عم أنّ قبر هود بحضر موت تحت كثيب أحمر عند رأسه شجرة تقطر إما سدر وإما سلم وسمعت غير واحد من السياحين يخبرون [١] بموضع قبره وكان هلاك عاد وثمود إذ ذاك بأرض حجر [٢] وقرح وهي وادي القرى وبين هود وثمود مائة سنة، قصّة عاد الأخرى ، ذكر ابن إسحاق عن اثر عاد الأولى وعاد الأخرى ولم يحك كلامهم وإنما ذكر حربا كانت بينهم ثم اصطلحوا قال وكان من حديثهم أن سالم بن هذيمة من بني هذيمة بن لقيم سب لقمان بن عاد أحد بني عمرو بن لقيم وهاج الشر بينهم ثم حكّموا بينهما درما الطسمي فأصلح بينهم وقال الحسن عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى قوم لقمان الجبّار

стр. 486

وحكي عن عاد الأولى أنهم لما هاجت الريح قام نفر منهم فأدخلوا عيالهم شعبا من شعاب الجبل ثم اصطفوا على باب الشعب ليردوا عنهم الريح فلما ألحت عليهم حفروا [الأرض] بسيوفهم وغاصوا فيها إلى أنصافهم وكان للقوم قامات وأجسام لقول الله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في الْبِلادِ ٨٩: ٦- ٨ يقال أنه كان يبلغ طول أحدهم اثنتي عشرة ذراعا وفي كتاب أبي حذيفة ستين ذراعا والله أعلم فجعلت الريح تقلعهم وتجعفهم لقول الله تعالى تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، ٥٤: ٢٠ قصة ثمود وهم ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح قال ابن إسحاق فلما هلكت عاد عمرت ثمود بعدها وكثروا وربلوا وانتشروا ومنازلهم بين المدينة والشام ونحتوا البيوت في الصخور لطول أعمارهم ثم عتوا على الله وعبدوا غيره وتغالبوا وتظالموا [٨٢] فبعث الله إليهم صالحا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا وزعم وهب أن صالح بن عبيد بن عامر بن سام بن نوح وكان رجلا أحمر إلى البياض قال فخرجوا إلى عيد لهم ومعهم صالح فقال له [١]

стр. 487

عظيم ثمود جندع بن عمرو إن أخرجت لنا من هذه الصخرة مخترجة [١] جوفاء [٢] وبراء عشراء والمخترجة [٣] ما شاكلت البخت آمنا بك واتبعناك فنظروا إلى الهضبة تمخض بالناقة [٤] تمخض النتوج بولدها ثم انتقضت [٥] فانصدعت عن ناقة كما سألوا بين جنبيها [ما] لا يعلمه إلا الله فآمن به جندع ومن كان معه قال فمكثت الناقة ترعى ما شاء الله من الشجر ويشرب اللبن ثم ينتج لها فيحتلبون ما شاء الله من لبن وكان امرأتان من أشراف ثمود ذواتي أموال من المواشي يقال لإحديهما عنيزة بنت غنم وللأخرى صدوف بنت المحيا أضر بهما شرب الناقة الماء فاحتالتا في عقر الناقة فدعت صدوف مصدع بن بهرج لعقر الناقة وعرضت نفسها عليه ودعت عنيزة قدار بن سالف وكان لها بنات فائقات في الحسن والجمال فقالت أزوجك أي بناتي شئت إن أنت عقرت الناقة فانطلق قدار ومصدع

стр. 488

واستغويا تسعة نفر كما قال الله تعالى وَكانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ٢٧: ٤٨ قال فرصدوا الناقة حين صدرت إلى الماء وقد كمن لها قدار بسهم فانتظم [١] عضلة ساقها ثم كشف قدار عرقوبها [٢] فخرت ورغت رغاء واحدة تحذر سقبها [٣] ثم نحروها وعضبوها وانطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا لاذ به ففزع من آمن [من] قوم صالح إليه وقد كان حذرهم عقر الناقة ووعدهم العذاب إن هم مسوها بسوء فقال لهم أدركوا السقب فان أنتم أدركتم السقب فلعل العذاب يؤخر عنكم فراموا كل المرام وتشامخت [٤] بهم الصخرة ودعت عليهم ثلاث دعوات فأخبر صالح بذلك فقال ابشروا بالعذاب قالوا ومتى هو قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فأصبحوا غداة يوم المؤنس وجوههم مصفرة وأصبحوا يوم العروبة وجوههم محمرة وأصبحوا يوم شيار وجوههم مسودة ثم صبحهم العذاب غداة يوم أول وهو صيحة وريح وهدة أهلكتهم ولهم في قصة عاد وثمود وطسم وجديس أشعار كثيرة

стр. 489

لأنّ هؤلاء كانوا عربا عادية وقد ذكرت تلك الأشعار في قصصهم فمنها قول بعضهم [وافر] وقالت أم غنم يا قدار ... عزيز ثمود شد ولا تهابا ولا تجبن فإن الجبن عيب ... وكان أبوك يكره أن يعابا إن أنت عقرتها وأرحت منها ... بلاد ثمود أنكحك [١] الدّبابا فأهوى [٢] سيفه للخر طعنا ... وفرّ السقب يطّلع الشعابا وحنّت بعد ما خرّت [٣] صويتا ... تحذّر [٤] سقبها كيلا يصابا فأتبعه غواة بني عدي ... ونادوا مصدعاً وأخاه ذابا [٨٢] فيرميه شقي بني عبيد ... بسهم لم يريشه لغابا ونادى صالح يا رب أنزل ... بآل ثمود [منك] غدا عذابا فكانت صيحة تركت ثمودا ... ديارهم لثالثة خرابا وقال أمية بن أبى الصلت [خفيف] كثمود الّتي تفتّكت الدّين ... عتيّا وأمّ سقب عقيرا

стр. 490

ناقة للإله تسرح في الأرضِ ... وينتاب حول ماء مديرا فأتاها أحيمر كأخي السهم ... بعضب فقال كوسى عقيرا فأبت [١] العرقوب والساق منها ... ومضى في صميمه مكسورا فرأى السقب أمه فارقته ... بعد إلف حنية وظؤورا فأتى صخرة فقام عليها ... صعقة في السماء تعلو الصخورا فرغا [٢] رغوة فكانت عليهم ... رغوة السقب دمروا تدميرا فأصيبوا إلا الذريعة فاتت [٣] ... من جواريهم وكانت جرورا سنفة أرسلت تخبر عنهم ... أهل قرح بأن قد أمسوا ثغورا فسقوها بعد الحديث فماتت ... وانتهى دبنا [٤] واوفى حقيرا وفي كتاب أبى حذيفة أنّ صالحا عاش ثلاثمائة سنة إلا عشرين عاما وزعم وهب أن ثمود لما هلكت أحرم صالح بن موسى قومه وأتوا مكة وأقاموا بها إلى أن ماتوا وأصيب في كتاب تأريخ ملوك اليمن أن الله بعث هودا إلى عاد وصالحا إلى ثمود في زمن جم شاذ الملك بأرض بابل والله أعلم،،،

стр. 491

ذكر اختلاف الناس في هذه القصة سأل سائل كيف يجوز أن يصطلم أمة من الأمم في عقر ناقة أبيح عقر جنسها وأي عدل ورحمة في الاقتصاص من ناس لبهيمة أم كيف يجوز توهم خروج ناقة من صخرة على الصفة التي يصفونها به وأي دابة تسد ماء جبلين حتى يضيقا عنها أو تشرب [١] ماء عين وتسقي أمة فأنكر ذلك كلّه وأباه ثمّ أخذ في التأويل فزعم أنه يحتمل أن يكون خروج الناقة من الصخرة حجة دامغة وسلطانا قاهرا من بعض العظماء أذعن له القوم واستدلوا بأن يكون شربها ماء العين إبطال تلك الحجة جميع من خالفهم واعتلاؤها عليهم [٢] بالوضوح والقوة وأن يكون عقرهم إياها معاندتهم لتلك الحجة وامتناعهم عن قبولها وكذلك قالوا في عصى موسى والتقافها عصى السحرة وأذكر أني سمعت بعضهم وهو يسأل عن ناقة صالح كيف خرجت من هضبة فقال يشبه أن يكون خبأها تحت الصخرة ثم أخرجها وسمعت غيره يزعم أن اسم الناقة [٨٣] كناية عن رجل وامرأة وهذه رحمك الله مذاهب الملحدين المنكرين معجزات الأنبياء ووجوب النبوة ومجيئهم

стр. 492

بالآيات الخارجة عن الحس وابعاده وفرقانا بينهم وبين المتنبئين المتقولين [١] المخترعين المتشكلين [٢] التي تبهر عندها العقول ويتحير في كيفيتها النفوس كذا حيرتها في إبداع أجسام هذا العالم بكليتها وأجزائها لا من غير سابق ولذلك قلنا أن أصل التوحيد يوجب إثبات النبوة ولا يلزم مسألة أيجاب النبوة من لم يقر بوجود البارئ سابقا لخلقه فإذا صح وجود هذا العالم محدثا بالدلائل البرهانية ولم ندر كيف جاز وجودها فكذلك ينبغي أن يرد إليه معجزات الأنبياء لأنها كلها منه وقد مضى لك هذا في غير موضع من الكتاب فليكن ذلك من بالك وباللَّه التوفيق ثم إنا نقول لو كان الأمر كما وصف فأية فائدة حينئذ في ذكر الناقة وعقرها وأي تعجيب بما هو جار في العادات معروف متعارف عند الجميع وأي فرق بين الصادق والكاذب والقادر والعاجز ولعمري ليس في القرآن خروج الناقة من الصخرة ولا أنها تسقى أمة ولا أنّ الفجّ تصدم جنبيها لانتفاخ بطنها ونحن لا نجاوز في هذا وأشباهه نص الكتاب وظاهر صحيح السنة من غير إنكار شيء ممّا يقع

стр. 493

تحت القدرة ويشبه أن يكون صالح عم أشار إلى ناقة من الإبل بأمر الله فجعلها علامة بينهم لطاعة المطيع ومعصية العاصي وامتحنهم بوردها وشربها ولو أشار إلى بقرة أو حجارة أو طير وهو مثلا لكان كذلك كما امتحن آدم بالشجرة امتحننا بالكعبة وأنواع الفرائض وقد كانت الملوك يفعلون مثل هذا في الزمن الأول اختبارا لطاعة العوام وتخويفا للرعية كما حكي عن النعمان ابن المنذر أنه كان أرسل كبشا في البيوت والأسواق وعلق مدية في عنقه وسماه كبش الملك يبلو بذلك طاعة الناس هل يجترئ عليه أحد بالعيث وإنما كانت الناقة لصالح ونسبت إلى الله لنهي الله عن عقرها وأما قولهم كيف جاز إهلاك قوم وإفناء أمة بناقة فإنهم أهلكوا بكفرهم وتكذيبهم وتظالمهم فيما بينهم وكانت الناقة حدا حاجزا عن هذه المعاصي فلما أشكوا حرمتها انتهك [١] كل ما كان محجوزا بها وأما إنكارهم أن يكون ناقة تسقي أمة فإن الأمة من بين الثلاثة إلى ما بلغ وإنكارهم مصادمة حافتي الفج جانبيها فكم عهدنا من شعب يضيق عن مسلك شاة عن مسلك ناقة وأمّا

стр. 494

تعجبهم من هلاكهم فهلاك الحيوان بأنواع الآفات والبلايا الطبيعية والسماوية من طغيان ماء أو نار أو ريح أو غير ذلك معاين مشهور لا ينكره أحد ولا يمكنه الإنكار وقد يجوز بل يمكن أن يكون عذاب عاد وثمود وقوم لوط وسائر المغلبين من الأمم ألح عليهم أياما وشهورا وأعواما ودام أوقاتا كثيرة وقد يجوز أن يكون حرفا واجتياحا فإذا جاز جميع ما ذكرنا فلا معنى لسرعة الرد والتكذيب والله المستعان، هذا ما وجدنا من القصص والأخبار بعد نوح إلى زمن ابراهيم عليهما [١] السلام وقد روينا في بعض التواريخ أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائتا سنة وأربعون سنة وروينا في بعضها [٨٣] أنه كان من الطوفان إلى مولد ابراهيم عم ألف سنة وتسع مائة سنة وسبعون سنة وروينا أنه كان بينهما عشرة قرون وعلماء المسلمين يرون أن الملك كان في زمن ابراهيم نمروذ الجبار صاحب الصرح ببابل والله أعلم،،، قصة ابراهيم عم [ورد] في الأخبار أنه ملك الأرض كلها أربعة نفر مؤمنان وكافران وسيملك من هذه الأمة خامس فأوّلهم

стр. 495

نمروذ بن كنعان [١] بن كوش بن حام بن نوح ويقال نمروذ بن كوش بن سنحاريب بن كنعان بن سام بن نوح والله اعلم والثاني اژدهاق ذو الحيتين والأفواه الثلاثة والأعين الست والعرب تسمّيه الضحاك هو نمروذ بعينه وإنما سمي ضحاكا لأنه ضحك كما سقط من بطن أمه فطرحته أمه بقفر وقبض له نمرة ترضعه لما أريد به وقيل بل جز ثدي أمه فاسترضعته بلبن نمرة فسمي نمروذ لذلك وقيل بل الثاني [٢] نصر وأهل اليمن يزعمون أن الثاني تبع بن ملكيكرب فأما المؤمنان فأحدهما سليمان بن داود عليهما السلم والفرس يزعمون أنه جم شاذ والآخر ذو القرنين وقد اختلفوا في ذي القرنين أهو الاسكندر الرومي أم غيره وفيهم يقول الشاعر [كامل] ملكوا المغارب والمشارق كلها ... وتوثقوا لم يتركوا أمرا سدى واعلم أنّ لو تكلفنا هذه الأخبار والأقاصيص كلها على وجهها وأتينا بها على كنهها لاحتجنا إلى أن نسرد الروايات كلها الحق منها والباطل والمحال والمجاز ثم لم يحصل الناظر فيها على
следующие страницы →