ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
سأل سائل كيف يجوز أن يصطلم أمة من الأمم في عقر ناقة أبيح عقر جنسها وأي عدل ورحمة في الاقتصاص من ناس لبهيمة أم كيف يجوز توهم خروج ناقة من صخرة على الصفة التي يصفونها به وأي دابة تسد ماء جبلين حتى يضيقا عنها أو تشرب [١] ماء عين وتسقي أمة فأنكر ذلك كلّه وأباه ثمّ أخذ في التأويل فزعم أنه يحتمل أن يكون خروج الناقة من الصخرة حجة دامغة وسلطانا قاهرا من بعض العظماء أذعن له القوم واستدلوا بأن يكون شربها ماء العين إبطال تلك الحجة جميع من خالفهم واعتلاؤها عليهم [٢] بالوضوح والقوة وأن يكون عقرهم إياها معاندتهم لتلك الحجة وامتناعهم عن قبولها وكذلك قالوا في عصى موسى والتقافها عصى السحرة وأذكر أني سمعت بعضهم وهو يسأل عن ناقة صالح كيف خرجت من هضبة فقال يشبه أن يكون خبأها تحت الصخرة ثم أخرجها وسمعت غيره يزعم أن اسم الناقة [٨٣] كناية عن رجل وامرأة وهذه رحمك الله مذاهب الملحدين المنكرين معجزات الأنبياء ووجوب النبوة ومجيئهم
стр. 492
بالآيات الخارجة عن الحس وابعاده وفرقانا بينهم وبين المتنبئين المتقولين [١] المخترعين المتشكلين [٢] التي تبهر عندها العقول ويتحير في كيفيتها النفوس كذا حيرتها في إبداع أجسام هذا العالم بكليتها وأجزائها لا من غير سابق ولذلك قلنا أن أصل التوحيد يوجب إثبات النبوة ولا يلزم مسألة أيجاب النبوة من لم يقر بوجود البارئ سابقا لخلقه فإذا صح وجود هذا العالم محدثا بالدلائل البرهانية ولم ندر كيف جاز وجودها فكذلك ينبغي أن يرد إليه معجزات الأنبياء لأنها كلها منه وقد مضى لك هذا في غير موضع من الكتاب فليكن ذلك من بالك وباللَّه التوفيق ثم إنا نقول لو كان الأمر كما وصف فأية فائدة حينئذ في ذكر الناقة وعقرها وأي تعجيب بما هو جار في العادات معروف متعارف عند الجميع وأي فرق بين الصادق والكاذب والقادر والعاجز ولعمري ليس في القرآن خروج الناقة من الصخرة ولا أنها تسقى أمة ولا أنّ الفجّ تصدم جنبيها لانتفاخ بطنها ونحن لا نجاوز في هذا وأشباهه نص الكتاب وظاهر صحيح السنة من غير إنكار شيء ممّا يقع
стр. 493
تحت القدرة ويشبه أن يكون صالح عم أشار إلى ناقة من الإبل بأمر الله فجعلها علامة بينهم لطاعة المطيع ومعصية العاصي وامتحنهم بوردها وشربها ولو أشار إلى بقرة أو حجارة أو طير وهو مثلا لكان كذلك كما امتحن آدم بالشجرة امتحننا بالكعبة وأنواع الفرائض وقد كانت الملوك يفعلون مثل هذا في الزمن الأول اختبارا لطاعة العوام وتخويفا للرعية كما حكي عن النعمان ابن المنذر أنه كان أرسل كبشا في البيوت والأسواق وعلق مدية في عنقه وسماه كبش الملك يبلو بذلك طاعة الناس هل يجترئ عليه أحد بالعيث وإنما كانت الناقة لصالح ونسبت إلى الله لنهي الله عن عقرها وأما قولهم كيف جاز إهلاك قوم وإفناء أمة بناقة فإنهم أهلكوا بكفرهم وتكذيبهم وتظالمهم فيما بينهم وكانت الناقة حدا حاجزا عن هذه المعاصي فلما أشكوا حرمتها انتهك [١] كل ما كان محجوزا بها وأما إنكارهم أن يكون ناقة تسقي أمة فإن الأمة من بين الثلاثة إلى ما بلغ وإنكارهم مصادمة حافتي الفج جانبيها فكم عهدنا من شعب يضيق عن مسلك شاة عن مسلك ناقة وأمّا
стр. 494
تعجبهم من هلاكهم فهلاك الحيوان بأنواع الآفات والبلايا الطبيعية والسماوية من طغيان ماء أو نار أو ريح أو غير ذلك معاين مشهور لا ينكره أحد ولا يمكنه الإنكار وقد يجوز بل يمكن أن يكون عذاب عاد وثمود وقوم لوط وسائر المغلبين من الأمم ألح عليهم أياما وشهورا وأعواما ودام أوقاتا كثيرة وقد يجوز أن يكون حرفا واجتياحا فإذا جاز جميع ما ذكرنا فلا معنى لسرعة الرد والتكذيب والله المستعان، هذا ما وجدنا من القصص والأخبار بعد نوح إلى زمن ابراهيم عليهما [١] السلام وقد روينا في بعض التواريخ أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائتا سنة وأربعون سنة وروينا في بعضها [٨٣] أنه كان من الطوفان إلى مولد ابراهيم عم ألف سنة وتسع مائة سنة وسبعون سنة وروينا أنه كان بينهما عشرة قرون وعلماء المسلمين يرون أن الملك كان في زمن ابراهيم نمروذ الجبار صاحب الصرح ببابل والله أعلم،،،
قصة ابراهيم عم
[ورد] في الأخبار أنه ملك الأرض كلها أربعة نفر مؤمنان وكافران وسيملك من هذه الأمة خامس فأوّلهم
стр. 495
نمروذ بن كنعان [١] بن كوش بن حام بن نوح ويقال نمروذ بن كوش بن سنحاريب بن كنعان بن سام بن نوح والله اعلم والثاني اژدهاق ذو الحيتين والأفواه الثلاثة والأعين الست والعرب تسمّيه الضحاك هو نمروذ بعينه وإنما سمي ضحاكا لأنه ضحك كما سقط من بطن أمه فطرحته أمه بقفر وقبض له نمرة ترضعه لما أريد به وقيل بل جز ثدي أمه فاسترضعته بلبن نمرة فسمي نمروذ لذلك وقيل بل الثاني [٢] نصر وأهل اليمن يزعمون أن الثاني تبع بن ملكيكرب فأما المؤمنان فأحدهما سليمان بن داود عليهما السلم والفرس يزعمون أنه جم شاذ والآخر ذو القرنين وقد اختلفوا في ذي القرنين أهو الاسكندر الرومي أم غيره وفيهم يقول الشاعر [كامل]
ملكوا المغارب والمشارق كلها ... وتوثقوا لم يتركوا أمرا سدى
واعلم أنّ لو تكلفنا هذه الأخبار والأقاصيص كلها على وجهها وأتينا بها على كنهها لاحتجنا إلى أن نسرد الروايات كلها الحق منها والباطل والمحال والمجاز ثم لم يحصل الناظر فيها على
стр. 496
غير ما كان ممكنا من غير ذلك وإنما المراد في ذكر ما يجوز ويمكن ويتوهم مما اختلف فيه الناس وخالفه الملحدون وخفى ما فيه عن طلاب الحق وملتمسي الهداية فيما كان منها في كتاب الله ظاهرا جليّا كفى به هاديا ومفيدا وما كان في الصحاح من الأخبار فمنزل منزلة الكتاب في الإيمان والتصديق وما كان غير ذلك من آية مشكلة أو خبر مشتبه فالغرض في كشفه وحله مع أنا لا ندع الإتيان بجمل [١] منها لأن الكتاب عليها ولها أسس وبها رسم والله الموفق المعين، ذكر أهل هذا العلم أنه ابراهيم بن تارح بن ناحور [٢] بن ساروج [٣] بن ارغو بن فالج [٤] ابن عابر [٥] بن شالح بن ارفخشذ بن سام بن نوح وأنه لما أظل وقت ظهوره أخبرت المنجمة الكهان نمروذ بأنه يولد مولود في هذه السنة يكون هلاك ملكك على يديه وهذا يمكن لأنه يروى أن علم النجوم كان حقا إلى أن نسخ وأيضاً فإن علم الغيب الذي تفرد الله به واستأثر به نفسه دون خلقه
стр. 497
لا يتناوله [١] هذا الباب ويمكن أن يكون أدركوه في بعض كتب الله كما ذكر للنبي عم مشهوراً في الكتب قبله فأمر الملك بقتل كل مولود ذكر مخافة أن يقع تصديق ما قد ذكر وحملت أنيلة أم ابراهيم ويقال أبيونا فكتمت حملها إلى أن دنا حملها فوضعته وأخفته في سرب [٢] وجعلت تأتيه متخبئة ترضعه وتتعهده إلى أن فطمته وبلغ مبلغ المراهق خمسة عشر سنة واجتمعت لحيته وكان من حسن بيانه [٣] وسرعة شبابه يستغاب [٤] مولده وقت ذبح الولدان فنزل ومشى [٨٤] في الناس وطالع أحوالهم ومذاهبهم وما توزعتهم النحل به من عباداتهم فمنهم من عكف على حجر ومنهم من عكف على شجر فتفكر في مستحق العبادة منه لقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ من قَبْلُ وَكُنَّا به عالِمِينَ ٢١: ٥١ فدلته الفكرة والاجتهاد على صانعه ومدبره فصرف الرغبة إليه وأخلص العبادة له بقول الله تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ من الْمُوقِنِينَ ٦: ٧٥ ثم احتال في تعريف
стр. 498
القوم سوء احتيالهم وقبح اختيارهم وخطاء اعتقادهم بألطف الوجوه وأحسن الحيل بقول الله تعالى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قال هذا رَبِّي ٦: ٧٦ مخادعا مماكرا لهم أي إن كان هذا الصنم أو هذا الشخص لكم ربّا فهذا الكوكب في علو مكانه وشعاع نوره وحسن منظره وبعده من آفات الأرض ربي وهو أولى بالعبادة من غيره على هذه الشريطة ولعمري إن عابدي الأجرام العلوية أعذر من عابدي الأجرام السفلية في القياس فوقع للقوم أنه أحسن اختيارا منهم وأبعد معرفة وعلما يقول الله تعالى فَلَمَّا أَفَلَ قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ٦: ٧٦ لأنه علم أن الطلوع والأفول عرضان حادثان ولا يستحق العبادة الحادث العارض لأنه العاجز المنقوص المقارن بما لا يبقى ويزول ثم لما رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قال هذا رَبِّي ٦: ٧٧ فجعل ابراهيم يريهم النقص في عقولهم والنقض في مذاهبهم بما اجتنبه [١] على جهة الخبر عن نفسه مخادعا مماكرا لما قرر عندهم الحجة البالغة جاهرهم بالخلاف ونبه [٢] بالتوحيد فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ ٦: ٧٩
стр. 499
وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ ٦: ٧٩ ولهذا لما كان دين ابراهيم معقولا فطريا لا يحتاج في إدراكه ومعرفته إلى سماع وخبر حد الله عليه أنبياءه ورسله وأمرهم باتباعه وما من أهل دين إلا وهم يقولون [بدين] ابراهيم عم ويتبعونه في دعاءهم [١] قالوا وإن أباه آزر كان [٢] ينحت الأصنام ويتبعها ويعبدها فجادله ابراهيم عم كما حكاه الله تعالى عنه في القرآن يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ١٩: ٤٢ الآية ثم أظهر عيب آلهتهم والقدح فيهم والوضع من شأنهم وكان لهم عيد ومجمع يخرجون فاحتال ابراهيم عم في التحلف لتحلة يمينه فلما راودوه للخروج معهم نظر نظرة في النجوم يعني في علم النجوم وكان القوم يعلمون به وينزلون عند دلائله فقال إني سقيم أي أراني سأسقم وكانوا يتطيرون في كل ذي سقم وآفة فقال أني مطعون فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون يريد بكلامهم أن يظهر للسدنة والخدم عجزهم وضعفهم فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ٢١: ٥٨ وذلك حيلة منه في
стр. 500
تعريفهم خطاياهم عليه وإقرارهم بألسنتهم ضلالة أرائهم فلما رجعوا [قالُوا] من فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا ٢١: ٥٩ يا ابراهيم قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ٢١: ٦٣ غضبا وأنفا أن لا يعبد من هو دونه فَسْئَلُوهُمْ [] إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ٢١: ٦٣ هو فعله ويقال أراد بكسرهم نفسه لأنه فعله وجرى بينه وبينهم ما جرى إلى أن قال أُفٍّ لَكُمْ [وَلِما تَعْبُدُونَ] من دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ٢١: ٦٧- ٦٨ فأوقدوا ناراً عظيمة [١] وقذفوا ابراهيم فيها فجعلها الله بردا وسلاما عليه وأمره بالهجرة من أرض بابل إلى الشام فرارا بدينه [٨٤] وكان مولده بقرية من سواد الكوفة يقال لها كوثا ربّا [٢] فخرج إلى حران ومعه ابن أخيه لوط ابن هاران بن آزر وابنة أخيه سارة بنت هاران وكانت من أحسن نساء العالمين عقيما لا تلد وقيل أن سارة كانت ابنة عمّه توهر بن ناحور [٣] وزعم وهب أنه آمن بابراهيم يوم ألقى في النار رهط منهم هاران وشعيب وبلعم وهاجروا معه ثمّ خرجوا
стр. 501
من حران إلى أرض فلسطين ومر بحدود مصر وفرعونها يومئذ صاروف بن صاروف أخو الضحاك وقيل أنه كان غلاما لنمروذ بن كنعان على مصر ويقال هو سنان بن علوان أخو الضحاك فهم بأن يغصب إبراهيم امرأته سارة فتعوذ منه وقال إنها أختي أراد به أخوة الديانة والتشابه وقد قيل أنّه من كلماته الثلاث اللواتي تمنعه الشفاعة يوم القيامة وجاء في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات ما منهن واحدة إلا وهو تماحل عن الإسلام قوله لسارة [١] أنها أختي وقوله أني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا قالوا فأطلق عنها بعد ما أظهره الله من الآيات الموجبة له تخلية سبيلها فأعطاها نعماً ومالا وجارية كانت عندهم من سبي جرهم وقال خذيها أجرك فسميت هاجر وفي الحديث أن النبيّ ﷺ قال إذ افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم رحماً وذمة أراد بالرحم أمومة هاجر وبالذمة أمومة مارية فعاد إبراهيم عم إلى أرض فلسطين فسكنها وكثرت ماشيته ونعمه وغلمانه وابتاع مزرعة حبرون [٢] وفيها قبره وقبر إسحاق ويعقوب
стр. 502
وسارة ورفقا وليا وأما هو لأنسه بهم لم يرغب في الولد فقالت سارة لإبراهيم إني أراك لا يولد لك فخذ هذه الجارية تقع عليها لعلنا نصيب منها ولدا فحملت باسماعيل وعلقت به فلما وضعته شعف إبراهيم به وبأمه هاجر وغارت سارة غيرة شديدة وشق عليها مشقة عظيمة فحلفت ليقطعن منها ثلاثة أشرافها فأمرها إبراهيم عم أن تخفضها وتثقب أذنيها في تحلّة قسمها ففعلت وحملت سارة بإسحاق بعد عشر سنين من مولد إسماعيل وكان إبراهيم حمل إسماعيل وأمه إلى موضع الكعبة وأنزلهما به وهو طفل فرارا بهما من سارة بأمر الله تعالى ولما ماتت سارة تزوج إبراهيم امرأة من الكنعانيين يقال [لها] قطورا فولدت له أربعة نفر وتزوج امرأة أخرى فولدت له سبعة نفر وكان جملة ولده ثلاثة عشر رجلا وعاش فيما روى مائة وخمسا وسبعين سنة وزعم وهب أنه عاش مائتي سنة ومات فدفن في مزرعة حبرون [١] ،،،
ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
جاء في بعض الأخبار أن إبراهيم عم لما أخفته أمّه في السرب أتاه جبريل فأمصّه
стр. 503
السبّابة والإبهام فجعل يشرب من إحداهما لبناً ومن الأخرى عسلاً وروى عن نوف [١] البكالي أنه قبضت له ظبية ترضعه إذا أبطأت عليه أمه وفسر بعضهم قوله تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٦: ٧٥ أنه رفع فوق السموات حتى نظر إلى ما فيها وإليها وذكروا من صفة النار وعظم بنيانها [٨٥] وجمع الحطب لها سنين ما الله به عليم قالوا وقد كانت المرأة إذا حملت نذرت لئن وضعته ذكرا حملت مقدارا من الحطب إلى ذلك الموضع وانه لم يحمل شيء من الدواب ذلك الحطب إلّا البغل وأعقم الله نسله وحرثه وان الخطاف كانت تأتي بالماء فترشه على النار فجعلها آية ألوفاً للمساكن وأن الوزغة كانت تنفخ النار وتضرمها فأمر الله بقتلها وأنهم أوقدوا أياماً حتى احترقت طير السماء ونفرت الوحوش والسباع وإن إبليس جاءهم فعلمهم عمل المنجنيق فسووا ورَمَوا بإبراهيم عم في النار فقال الله يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ٢١: ٦٩ فبردت النيران كلها على وجه الأرض حتى لم ينضح كرعا وقال بعضهم حتى بردت نار جهنم قالوا ولو لم يتبع الله قوله
стр. 504
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ٢١: ٦٩ لتقطعت أوصاله من البرد فهذه أخبار جاءت ليس في الكتاب منها إلا قوله كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ٢١: ٦٩ وإنما جعلها معجزة لنبيه وإبانة لشرفه وإجهاضاً للكافر الذي يمكر به وقد زعم بعض من لم يخلص في الإسلام نيته أنهم لم يطرحوا إبراهيم في النار وإنما هموا به واحتج بأنه ليس في الكتاب ذلك قال وإنّما معنى قوله للنار كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ٢١: ٦٩ أنهم كانوا توامروا في إحراقه بالنار ثم بدا لهم خلافه فكان خلاف ما أرادوا بإبراهيم بردا وسلاما من النار والبلاء الّذي همّوا وزعم غيره من أشكاله أن إبراهيم عم سحرهم وأطلي ببعض الأدوية التي يبطل معها عمل النار واحتال في الفوت بنفسه وساق قصة لبعض الهند وشبهه بها وقال بعضهم بل النار مثلا لاجتماع كلمتهم عليه ومجادلتهم إياه وكونها بردا وسلاما عجزهم عن حجته وانكسارهم عن معارضته كما قال في عصى موسى وناقة صالح وسائر معجزات الأنبياء عم وقد مضى وجه الجواب لهذه الأشياء في غير موضع فلا فائدة في التكرار والله المستعان وجملة القول كيفية إبداع المعجزة غير معقولة فمن أقرّ بهذا لزمه الإقرار بالمعجزات قاسيا ومن أنكر المعجزة
стр. 505
فهو لحدث العالم منكر وأن أظهر خلافه والسلام ويقال أنه أوقد له النار ببرقوة [١] من أرض فارس وأن أثر الرماد باق إلى اليوم ويقال بل كان ذلك بكوثى [٢] ربا وذكروا أن نمروذ هو الذي حاج إبراهيم في ربه وهو أول من لبس التاج وبنى الصرح ببابل يقال سبعة آلاف [٣] درجة ويقال ثلاثة آلاف وشيء وجعل يرمي في السماء فيرجع نبله إليه مختضبا وذلك بعد ما عمل النسور وطارت به في السماء فزلزل الله بقواعده فهدمها من أصلها قالوا وعاش في ملكة مائتي سنة وسبعين سنة فأهلكه الله ببعوضة دخلت في خيشومه فجعلوا يضربون هامته بالجرز حتى تناثر دماغه وفي رواية الواقدي أنه لبث معمورا في ملكه سبعين سنة ويزعم بعض المتأولين أن بناء الصرح كان إرصادا منه للكوكب وطلبا لمعرفة سير النجوم ومطالعها والله أعلم.
قصة لوط بن هاران بن آزر
وهو ابن أخي إبراهيم عم وكان هاجر مع إبراهيم عم إلى الشام فلما نزل إبراهيم عم أرض فلسطين
стр. 506
بعثه الله إلى أرض سدوم وكاروما وعمورا [١] وصبوايم أربع قرى من فلسطين على مسيرة يوم وليلة قالوا وأجدبت الأرض واقحطت وكانت [٨٥] قرى لوط أخصب بلاد الله فانتابهم الغرباء ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم وسنوا تلك السنة الخبيثة ردعا للناس عن تناول شيء من ثمارهم وطعامهم ثم مرنوا على ذلك وأصروا وخرجوا مع ما كانوا فيه من الكفر باللَّه والظلم لعباده والاعتداء عليهم فنهاهم لوط عم وعرض عليهم تزويج البنات والاكتفاء بهن عن إتيان الذكور لما فيه من نفور النفس وانقطاع النسل فأبوا عليه وكفروا به وفي رواية سعيد عن قتادة عن الحسن قال عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا كانوا يأتون الرجال ويلعبون بالحمام ويضربون بالدفوف ويرمون بالجلاهق ويخذفون بالأصابع ويلبسون الحمرة ويصفقون بأيديهم ويصفرون بأفواههم ويشربون الخمر ويقصرون اللحى ويطولون الشوارب وروى غيره كانوا يضرطون في النادي وينزو بعضهم في وجه بعض ويمضغون العلك ومع ذلك يقطعون الطريق ويغصبون [٢]
стр. 507
الناس ويستهزءون بلوط ولما بعث الله الملائكة إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق أخبروا بأنهم مأمورون [١] بإهلاك قرى لوط وذلك قوله تعالى وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ٢٩: ٣١ إلى آخر الآيات كلها في شأنهم وقصصهم وكانت امرأة لوط تدل الناس على ضيفه وتخبرهم بمجيئهم فلما جاءت الرسل لوطا ذهبت العجوز تخبرهم وذلك قوله تعالى وَلَمَّا ١١: ٧٧ [أن] جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ١١: ٧٧ إلى تمام القصة وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ١١: ٧٨ إلى قوله فَاتَّقُوا الله وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ١١: ٧٨ قال قتادة لا والله لو كان فيهم واحد رشيد لما عذبوا فزلزل الله بهم الأرض وجعل عالِيَها سافِلَها ١١: ٨٢ وأمطر عليهم حِجارَةً من سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ١١: ٨٢- ٨٣ وأمر الله تعالى لوطا فلحق بإبراهيم مع ابنتيه رتبا ورعورا إلى أن قبضه الله تعالى وفيه يقول أمية بن أبي الصلت [خفيف]
ثم لوطا أخا سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها
стр. 508
راودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن يقيم قراها
عرض الشيخ عند ذاك بنات ... كظباء بأجرع فرعاها
غضب القوم عند ذاك وقالوا ... أيها الشيخ خطبة نأباها [١]
أجمع القوم أمرهم وعجوز ... خيب الله سعيها ولحاها
ارسل الله عند ذاك عذابا ... جعل الأرض سفلها أعلاها
ورماها بحاصب ثم طين ... ذي جروف مسوّم إذ رماها
ذكر اختلاف الناس في هذه القصّة
روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال كان في كل قرية من قرى لوط مائة ألف رجل مقاتل وأنهم كانوا إذا ارتكبوا من إنسان الفاحشة غرموه [٢] أربعة دراهم فسار المثل في حكم سدوم فأبوا وانّ ابليس أتاهم في هيئة غلام فدعاهم إلى نفسه فصار ذلك عادة لهم في الغرباء وزعم الكلبي أن جبريل أتاهم فأدخل جناحيه تحت الأرض فحمل القرية وحلق بها حتى سمع أهل السماء أصوات الكلاب [٨٦] والديكة ثم قلبها وأرسل الله الحجارة على شذاذهم ومسافريهم وروينا عن محمد بن كعب أن الذين
стр. 509
فعلوا منهم ذلك كانوا سبعة نفر رأسهم رجل يقال له نمروذ والله اعلم
قصة اسماعيل ﵇
قالوا ولما اشتدت غيرة سارة على إسماعيل وأمه أمر الله إبراهيم أن يسير بها إلى الحرم وأنبأه أن عمارة البيت على يديه وأنه ينبط لاسماعيل سقايته فسار بهما حتى أنزلهما موضع الكعبة اليوم ودعا لهما فقال رب إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ١٤: ٣٧ الآية ولا أشك أنه كان معهما من يخدمهما ويرعاهما وأقبل راجعا إلى الشأم قالوا وفحص إسماعيل برجله الأرض فنبع الماء من تحت عقبه وقيل بل أتاه جبريل فركضه ركضة فار منه الماء وجاء ركب [١] من جرهم إلى اليمن فرأوا بلدا ذا ماء وشجر فقالوا لهاجر لمن هذا قالت [لي] ولعقبي من بعدي فنزلوا حول البيت وهو يومئذ ربوة حمراء ولهاجر عريش في موضع الحجر فنشأ إسماعيل وسط جرهم وتكلم بلسان العربية وأعطوه عنزا من ثماني مائة وكان ذلك أصل [٢] ماله فلمّا بلغ تزوّج منهم امرأة وكان
стр. 510
إبراهيم عم يأتيه كل سنة معتمرا ومجددا بإسماعيل العهد وولد لإسماعيل اثنا عشر رجلا ثابت وقيدار واذبل ومنشى ومسمع وماش وماء وآذر وصهباء و [؟] طور ونبش وقيدما وأمّهم ابنة مضاض بن عمر [و] الجرهمي وجدهم من قحطان وقحطان أبو اليمن كلّها فمن ثابت وقيدر نشر الله العرب ولما ماتت هاجر دفنها إسماعيل في الحجر ثمّ لمّا مات إسماعيل دفنه بنوه مع أمّه في الحجر فقبورهما فيه وكان عمر إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة وهذا مكتوب في ترجمة التوراة،،،
ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
جاء في بعض الأخبار أن إبراهيم عم لما وضع هاجر وإسماعيل بموضع الكعبة وكر راجعا أقبلت عليه هاجر فقالت إلى من تكلنا قال إلى الله قالت حسبنا الله فرجعت وأقامت عند ولدها حتّى نفد ماؤها وانقطع درها فارتقت إلى الصفا حتى تنظر هل ترى عينا أو شخصا فلم تر شيئا فدعت ربها واستسقته ثم نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك ثم سمعت أصوات السباع فخشيت على ولدها فأسرعت تشتد [١] نحو إسماعيل فوجدته يفحص الماء بيده
стр. 511
عن عين قد انفجرت من تحت خده وقيل بل من تحت عقبه وزعم بعضهم أن جبرئيل أتاه فركض برجله الأرض ركضة وفيه تقول [١] صفيّة بنت عبد المطّلب [رجز]
نحن حفرنا لحجيج زمزم ... سقيا نبي الله في المحرم
ركضة جبريل ولما يفطم
فجعلته هاجر حسيا [٢] وروي لو لم يحطه لكان عينا معينا وفيه يقول قوم [رجز]
وجعلت تبنى لها الصفائحا ... لو تركته كان ماء سائحا
وقد أنكر هذا قوم وزعموا أنّ إسماعيل حفرها بمعول ومعالجة قالوا ويمكن أنه أسرع الماء إلى إجابته لقرب غزره لأن الوادي عميقه من كبس السيول وهذا من أيسر الأمور وأسهلها إن كان إسماعيل حفرها أو حفرت من أجله أو كانت نبعت بنفسها معجزة وكرامة كما كانت وليس شيء منه في الكتاب وإنما الأخبار [٨٦] وردت كما وردت والله أعلم.
стр. 512
قصّة إسحاق ﵇
قال الواقديّ ولدت سارة إسحاق بين العماليق بالشآم وهم الكنعانيون وكان بينه وبين إسماعيل ثلاثون سنة وفي كتاب أبي حذيفة أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بعشر سنين وتزوّج إسحاق ربقا [١] بنت بوهر فولدت له عيصو [٢] ويعقوب توأمين ويزعم أهل الكتاب أن عيصو سمي به لأنه عصى في بطن أمه وذلك أنه خرج قبل يعقوب وخرج يعقوب على إثره آخذا بعقبه فلذلك سمي يعقوب وهذا ما لا أعرف له تأويلا وأصلا اللَّهمّ إلا أن يكون مثلا وتشبيها وتزوج عيصو بسمة بنت إسماعيل وكان رجلا أشقر فولدت له الروم،،،
ذكر الذبيح
قال قوم هو إسماعيل واحتجّوا بأنّ الله لمّا فرغ من قصّة الذبيح استقبل قصّة إسحاق فقال وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ ٣٧: ١١٢ وروى الفرزدق الشاعر قال سمعت أبا هريرة على منبر رسول الله ﷺ يقول الذبيح هو إسماعيل وقال آخرون بل هو إسحاق ويروى عن العباس [٣] بن عبد المطلب وعبد الله بن
стр. 513
مسعود وأهل الكتاب لا يختلفون أنّه إسحاق وزعم بعضهم أنّه قرّب إسحاق مرّة ذبيحا ومرّة إسماعيل والله أعلم واختلفوا أين قرب فأكثر العلماء على أنّه كان بمنى وأن إبراهيم أري في المنام بمكة وهو وإسحاق مقيمان بها أن قرب ابنك إلى هذا قربانا وذلك بعد ما بنى البيت وروى عن عطاء أنه قال كان ذلك بالبيت المقدس واختلفوا في الذبح الذي فدى به فقال كثير من الناس أنه فدى بكبش كان يرعى في الجنة سبعين خريفا وكان الحسن يحلف باللَّه ما فدي إلا بكبش من الأروى [١] واختلفوا في معنى الذي أري في المنام ذلك لأجله فقال قوم لما بشر إبراهيم بالولد على كبر سنه [٢] نذر ليذبحنه للَّه قربانا فلما بلغ الغلام السعي أراه الله في نومه أوف بنذرك وقال آخرون بل أمر في المنام ابتلاء من الله واختبارا ليعلم الخلق حسن طاعته لربه وانقياده لأمره واستحقاقه شرف المنزلة وعلوّ الرتبة وليقتدوا به في طلب الوسيلة وابتغاء القربة والزلفة والله أعلم فأما القصة فكيف كان ذلك
стр. 514
وكيف خاطبه فواضحة وكيف نبت المدية [١] عنه يطول وقد ذكرها أميّة في شعره [خفيف]
ولإبراهيم الموفي بالنذر ... احتسابا [٢] وحامل الاجذال
أبنىّ إنّي نذرتك للَّه ... سحيطا فاصبر فدى لك حالي
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء للَّه غير انتحال
جعل الله جيده [٣] من نحاس ... إذ رآه زولا من الأزوال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال
قال خذه فأرسل ابنك عنه ... انّى ما قد فعلتما غير قال
ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحلّ العقال
وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة كما روى والله أعلم وأحكم،،،
قصة يعقوب
[٨٧] قال أهل هذا العلم فأكثر ما يرونه أهل الكتاب الأول والعلم القديم إلا ما نطق به كتابنا أو صحّ
стр. 515
الخبر فيه عن نبيّنا محمّد ﷺ أن إبراهيم لم يمت حتى بعث الله إسحاق إلى أرض الشام ويعقوب إلى أرض كنعان وإسماعيل إلى جرهم ولوطا إلى سدوم وكما يزعم وهب ينبغي أن يكون شعيب مبعوثا أيضا إلى مدين والله أعلم قالوا وكانت لخال [١] يعقوب ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل ورعى لهم في صداقها سبع سنين فلمّا كان ليلة الزفاف أدخل عليه ليا فأصبح مغروراً مدلسا عليه فخدم خاله سبع سنين أخر حتى دفع إليه راحيل وكان حينئذ يجوز الجمع بين الأختين فولدت له راحيل يوسف وابن يامين وولدت له ليا سائر الأسباط والأسباط اثنا عشر رجلا روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا ويساخر [٢] ودان ونفتالي وجاد [٣] واشترقفا وزبالون [٤] ويوسف وابن يامين وقد يعبر عن هذه الأسماء بخلاف ما ذكرنا وعاش يعقوب مائة وسبعين سنة،،،
قصة يوسف بن يعقوب
أعلم أنه لا يوجد في كتاب قصة أجمع
стр. 516
وأتم في موضع واحد من قصة يوسف ويذكر أنّها كذلك في التوراة وفي ذلك مقنع وبلاغ غير أنّا نسوق منها ما يضاهي غرض كتابنا إن شاء الله وروينا عن ابن مسعود أنه قال أعطى يوسف وأمه شطر الحسن وكان أحب ولد يعقوب إليه فرأى الرؤيا التي قص الله في القرآن وتأويلها وقوعهم له سجدا بمصر فقال أبوه يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ١٢: ٥ الآية وغاظ أخوة يوسف وجد [١] يعقوب به من بينهم وشفقته عليه دونهم فاحتالوا بالمكر به ف قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ١٢: ٨ الآية اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ١٢: ٩ الآية قال قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ١٢: ١٠ فقال هو روبيل أكبرهم وقال ابن جريج هو شمعون وليس يضر الجهل بمن كان منهم بعد أن علمنا أنه أحدهم وأقربهم إلى الرقة والرحمة وَأَلْقُوهُ في غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ١٢: ١٠ قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ ١٢: ١١ أرسله معنا غدا يرتع ويلعب قال إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا به وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ١٢: ١٣ وإنما قال لأنه كان رأى كأن ذئبا قد جاء فأخذ يوسف فأرسله
стр. 517
معهم بقول الله فَلَمَّا ذَهَبُوا به وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ١٢: ١٥ هذا وحي الإلهام والرؤيا لأنه لم يكن حينئذ بلغ مبلغ الرجال فينزل عليه الوحي ويجوز أن يكون كلمه الملائكة بذلك وليس كل كلام الملائكة نبوة فطرحوه في بئر وجاءت سيّارة يقال صاحبها مالك بن الذعر فأخرجوا يوسف من الجب فجاء اخوته فباعوه منهم يقال بعشرين درهما فلذلك لم يوزن وحملوه إلى مصر فاشتراه اظيفر بن رويحب العزيز وكان على خزائن مصر وامرأته زليخا وهي التي راودته عن نفسه وقدت قميصه لما استلبث الباب وهذه القصة لا تتم إلا بتفسير السورة على الولاء قال الله ثُمَّ بَدا لَهُمْ [٨٧] من بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ١٢: ٣٥ وذلك لما أرجف الناس بأمر زليخا وخبرها ومراودتها يوسف عن نفسه واحتالوا في حبسه ليكون [في] ذلك عذر للمرأة عند الناس فلبث في السجن بضع سنين إلى أن أرى الملك الرؤيا التي هالته وفسرها يوسف فدعاه وقلده أموره ونصبه منصب اظيفر وعم الجدب حتّى بلغ أرض كنعان ف جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ١٢: ٥٨ ممتارين فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ
стр. 518
مُنْكِرُونَ ١٢: ٥٨ فمارهم وردّ إليهم أثمان ما جاءوا به وطالبهم بأخيه ابن يامين فذهبوا ورجعوا بأخيه فاحتال في حبسه عنده زمانا بأن دس الصواع في رحله ثم صرح لأخيه بالنسب وكان ما قص الله في القرآن إلى أن جمع بينه وبين أخوته وأبويه وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقال يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ١٢: ١٠٠ قالوا ودخل يعقوب مصر وهم ثمانون إنسانا وخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف ونيف وطرح يوسف في الجب وهو ابن سبع سنين وحبس وهو ابن خمسة عشر سنة وأقام في السجن بضع سنين وكان غيتبه [١] عن أبيه أربعين سنة وعاش يعقوب بعد ما دخل مصر ثماني عشرة سنة ثم مات هو وعيصو في يوم واحد وسن واحد فحملهما يوسف إلى حبرون فدفنهما بها وعاش يوسف بعد موت يعقوب ثلاثاً وعشرين سنة وفي التوراة أن يوسف مات وهو ابن مائة وعشرون سنة وكان تزوج زليخا فولدت له اثنين افرايم بن يوسف جد يوشع بن نون وكان ولي عهد موسى من بعده ومنشا [٢] بن يوسف أبا موسى صاحب الخضر كما يزعم أهل الكتاب
стр. 519
وكان بين دخول يعقوب مصر إلى وقت خروج موسى بهم أربع مائة سنة ولما مات يوسف جعل في صندوق من رخام ودفن في جوف النيل حيث يتفرق الماء رجاء أن تمر عليه فتصيب الأرض بركة منه ثم استخرجه موسى عم لما خرج من مصر،،،
ذكر اختلافهم في هذه القصة
وزعم بعضهم أن بني يعقوب لما قالوا أكله الذئب كذبهم في دعواهم فذهبوا وأخذوا ذئبا وجاءوا به فقال له يعقوب بئس ما صنعت إذا أكلت ولدي فكلمه الذئب وأنكر ذلك وللقصاص في الذئب الآكل ليوسف عجائب في اسمه ولونه وكذلك في كلب أصحاب الكهف وقيل في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ به وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ١٢: ٢٤ أنه رأى يعقوب عاضا على شفته وقيل بل رأى جبريل يقول أتيت بعمل وأنت مكتوب عند الله من الأنبياء وروى محمد بن كعب القرظي قال رأى كتابا بالسريانية في صفحة الحائط وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ١٧: ٣٢ ومقتا وَساءَ سَبِيلًا ١٧: ٣٢ قال بعضهم خرجت شهوته من أنامله وكل واحد من ولد ولد له عشرة أولاد إلا يوسف فإنه ولد تسعة لانتقاض الشهوة وقالوا في قوله وَشَهِدَ شاهِدٌ
стр. 520
من أَهْلِها ١٢: ٢٦ انه كان صبيا في المهد نطق ببراءة ساحته وفي قوله وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ١٢: ٣١ حتّى أبى ولم يشعرن [و] في قوله قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ١٢: ٤١ انه كانا تحالما عليه ولم يكونا رأيا شيئا فوقع بهما التأويل وفي قوله [٨٨] نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ١٢: ٧٢ أنه كان ينقره فيطن فيقول إن هذا الصواع [١] يخبرني أنكم سرقتم أخا لكم من أبيكم فبعتموه وفي قوله لا تَدْخُلُوا من بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا من أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ١٢: ٦٧ أنه كان يخاف عليه العين وفي قوله اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ١٢: ٩٣ أنه كان قميص الحياة أخرجه آدم من الجنة وكساه الله إبراهيم فورثه يعقوب وعلقه على يوسف كالمعاذة وفي قوله فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ الله ١٢: ٨٠ لي أنه كان يهوذا وكان إذا غضب قامت شعرة بدنه يقطر منها الدم وإذا صاح لا تسمع صوته حامل إلا وضعت ولا يسكن غضبه ما لم يمسه أحد من ولد [٢] يعقوب فغضب يهوذا وهمّ بالصياح فأمر
стр. 521
يوسف ابنه منشا [١] أن يضع يده عليه ففعل وسكن غضبه فقال يهوذا إن بهذا الوادي مع أشياء يحكونها والأصح ما نطق به الكتاب من غير رد لما خرج من العادة من معجزات الأنبياء عم قالوا ولما مات اظيفر زوج زليخا شابت زليخا وكف بصرها وجدا بيوسف ومحبة له فدعا يوسف لها رد الله إليها شبابها وبصرها ونكحها فولدت له،،،
قصة أيوب عم
زعم وهب أنه هو أيوب بن موص بن رعويل وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم يوم حلق في النار وكان أيوب صهر يعقوب وكان تحته ابنة ليعقوب اسمها ليا وهي التي ضربها بالضغث وأم أيوب ابنة لوط وكانت له حوران والبثنية [٢] مدينتان ومال عظيم ونعم وشاء وثلاثة عشر ولداً وألف غلام في زرعه وضرعه وخدمته فابتلاه الله بالبلاء وضربه بالضر وهلكت أمواله وماشيته ومات ولده وكانت امرأته ليا تسعى عليه وتكتسب قوته فباعت خصلة من شعرها بطعام وأتته به فاتهمها أيوب فحلف ليضربنها مائة [ضرب] إن هو برأ من علّته
стр. 522
وقيل بل الشيطان أتاها فقال لها لو أن أيوب شرب شربة ماء لا يذكر اسم الله عليها لعوفي فأخبرت أيوب بذلك فحلف إلى أن انقضت المدة أتاه جبريل فقال له ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ٣٨: ٤٢ فركض فندا ماء فاغتسل فيه وشرب فبرأ وعوضه الله من ولده الثلاثة عشر ستة وعشرين [١] ولدا وذلك قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا ٣٨: ٤٣ وأمره أن يضرب امرأته بضغث فيه مائة عود ليبر قسمه وأثنى عليه بحسن الصبر فلا يزال يتلى [٢] ما قامت الدنيا وروى جوبير عن الضحاك أنه أيوب بن موص بن العيص فلم يزالوا متمسكين بالحنيفيّة إلى أن اختلفوا فبعث الله إليهم عيسى عم،،،
ذكر اختلافهم في هذه القصة
زعم وهب وما أراه كما زعم أن ابليس كان يصعد حتى يقف من السماء موقفا فصعد وقال يا رب إنك قد أعطيت أيوب ما أعطيت ووسعت عليه ولم تبتله ببلاء فينظر كيف صبره وتمسكه قال فسلطه عليه فجاء وهو في سجوده فنفخ في وجهه فصار كذا وكذا وتناطحت جنبات بيته فقتلت أولاده وموّتت [٨٨] وانتغش الدود في
стр. 523
جسده فجعل يختلف فيه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام وسبع ساعات وتأذى أهل القرية فطرحوه على كناسة ووارت امرأته عورته بالتراب فصبر في ذلك أحسن الصبر ولم يشك بتة إلى أحد إلا إليه بقول الله إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ٣٨: ٤٤ وقال بعضهم أن رجلا مظلوما لهف إليه واستغاث به وكان في الصلاة فلم يقطع صلاته حتى فاته ذلك وقتل الرجل وغصب فلم يرض الله ذلك منه وابتلاه كفارة لما كان منه وقيل في بلية يعقوب أنه ذبح شاة وشواها وأصاب رائحتها بعض الجيران فلم يطعمه فعوقب بغيبة يوسف وزعم بعضهم أن أيوب لما من الله عليه بالعافية أحيى [١] له ولده كلهم ومواشيه وغلمانه وقد روينا عن سعيد بن جبير أنه قال من زعم أنّ الله أحيى له ولده كلّهم ومواشيه وغلمانه فقد كذب قالوا وأظل الله عليه غمامة ونودي أن ابسط كساك فأمطر الله عليهم جرادا من ذهب من لدن العصر إلى أن توارت بالحجاب فجعل كل ما سقط من الكساء ناحية يحثوه ويضمه إليه فنودي ما هذا الحرص فقال
стр. 524
لا غناء عن بركاتك ومن يشبع من الخير هكذا الرواية والله أعلم،،،
قصة شعيب عم
زعم وهب أن شعيبا وبلعما كانا من ولد رهط واحد آمنا بإبراهيم عم يوم حلق في النار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما إبراهيم ببنات لوط بعد هلاك قومه وكل نبي بعد إبراهيم وقيل بنو [١] إسرائيل فمن أوليك الرهط وحده وأخذ شعيب ابنة لوط ولم يكن مدين قبيلة شعيب ولما لحقهم العذاب ذهب شعيب بن نويب بن رعويل بن هرا بن عنقا بن مدين بن إبراهيم ومن كان آمن معه بمكة حتى ماتوا وفي كتاب محمّد بن إسحاق انه هو شعيب بن نويب بن رعويل بن هرا بن عنقا بن مدين [بن] إبراهيم وفي التوراة اسم شعيب ميكائيل وكان فيما بين يوسف وموسى وقال بعض الناس أنه زوج ابنته من موسى عم ويقال كان أعرج أعمى فلذلك قال له قومه إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ١١: ٩١ وكان أهل مدين في كفرهم وتكذيبهم أهل بخس ونقص في مكاييلهم وموازينهم فنهاهم شعيب عن ذلك وجادلهم كما يسمع في القرآن وشعيب خطيب الأنبياء
стр. 525
لحسن محاورته وتأنّى مخاطبته قال ابن عبّاس ﵁ ما أهلك الله قوما على معصية حتى كفروا باللَّه وروينا عن محمد بن كعب أن قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم والدنانير وكانت مدين متجر الغرباء ومضرب الأعراب [١] زيوف ثم يشرونها بالبخس قال الله وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله ٧: ٨٦ قال الضحاك كانوا يعشرون أموال الناس وكان لهم كاهنان يزيّنان لهم صنيعهم يقال لأحدهما سمير وللآخر عمران وفيهم يقول قائلهم كما روى والله أعلم [بسيط]
يا قوم إن شعيباً مرسلاً فدعوا ... عنكم سميراً وعمران بن مداد
إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت ... تدعو بضرب الأصم [٢] ابنة [٣] الوادي
وروينا عن عكرمة أنه قال بعث شعيب إلى مدين مرة فأخذتهم الصيحة ومرة إلى أصحاب الأيكة [٤] ولم يكونوا من قبيله فأخذهم عذاب يوم الظلة وعند أهل الرواية أنهم أهل مدين ألح عليهم
стр. 526
الوهج والحمى [١] فالتجئوا إلى [٨٩] غيضة لهم ثم رفعت لهم سحابة فظنوا فيها ماء وبردا فتنادوا الظلة حتى إذا تيامنوا بطحتهم [٢] ،،،
اختلاف الناس في هذه القصة
زعم قوم أن اباجاد وهوز وحطي وكلمن أسماء ملوك مدين وهم من ولد محصن بن جندل بن مدين بن إبراهيم وفي هلاكهم يقول الشاعر [طويل]
ملوك بنى حطّى وسعفص في الندى ... [وهوز] سادات الثنية والحجر
وروى أن خالفه بنت كلمن رثته بعد موته [رمل]
كلمون هد ركني هلكه وسط المحلة ... سيد القوم أتاه [الحتف] ثاو [٣] تحت ظله
قصة موسى والخضر
زعم وهب أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن بالغ بن عابر بن ارفخشد بن سام بن نوح وكان أبوه ملكا وقال قوم الخضر بن عاميل من ولد إبراهيم وفي كتاب أبي حذيفة أن ارميا هو الخضر صاحب موسى وكان الله أخّر نبوّته إلى أن
стр. 527
بعثه نبيا زمن ناشية الملك قبل أن يغزو نصر بيت المقدس وكثير من الناس يزعمون أنه كان مع ذي القرنين وزيراً له وابن خالته وروى عن ابن عباس ﵁ أن الخضر هو اليسع وإنما سمي خضرا لأنه لما شرب من عين الجنة لم يدع قدمه بالأرض إلا اخضر ما حوله فهذا الاختلاف في الخضر قالوا وهو لم يمت لأنه أعطى الخلد إلى النفخة الأولى موكل بالبحار ويغيث المضطرين واختلفوا في موسى الذي طلبه فقيل هو موسى بن عمران وقال أهل التوراة أنّه موسى بن منشا [١] ابن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران [٢] كان قد قصّ الله خبرهما في القرآن المجيد عز من قائل وَإِذْ قال مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ١٨: ٦٠ إلى آخر القصة وقد ذكرتهما بمعانيها ودعاويها في المعاني،،،
قصّة ذي [٣] القرنين
قال الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ١٨: ٨٣ فأخبر الله تعالى أنه بلغ مطلع
стр. 528
الشمس ومغربها وبنى السد على ياجوج وماجوج واختلف الناس في اسمه وبلده وزمانه وسنته ودينه ونبوّته قال الضحّاك هو قيصر القياصرة وكان رجلاً صالحاً وملك مشارق الأرض ومغاربها وزعم مقاتل أنّه كان نبيا يوحى إليه طاف في الأرض وقال ابن إسحاق حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبان ابن مدربة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح وروى عن خالد بن معدان الكلاعي عن النبي ﷺ أنه قال ذو القرنين ملك مسح الأرض من تحت بالأسباب [١] قال وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا ينادي يا ذا القرنين فقال اللَّهمّ غفرا أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة وزعم وهب أن ذا القرنين ابن عجوز من عجائز الروم روينا عن الضحاك أنه [٢] كان بعد موت نمروذ بن كنعان وفي بعض التواريخ أنه كان قبل مولد المسيح بثلاثمائة سنة وقال بعضهم بل كان في الفترة وعند الفرس وأصحاب النجوم أنّه الإسكندر الّذي أزال ملك
стр. 529
العجم وقتل دارا بن دارا وفال قوم إنّما سمي ذا القرنين لأنه أتى عليه قرنان من الدهر وقيل كانت له ذؤابتان وقيل كانت صفحتا رأسه من نحاس وروينا عن على ﵁ [٨٩] أنه سئل عنه فقال عبد صالح ناصح الله ودعا قومه فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله ثم ضربوه على قرنه الآخر فمات وقد قال النبي ﷺ لعلي عم وانك لذو قرنيها وقيل بل كان رأى في المنام كأنه يتناول قرني الشمس وقيل بل سمّى به لبلوغ، في طوافه مشرق الشمس ومغربها وأهل النجوم يزعمون أنه عاش أربعا وعشرين سنة وفي كتاب أبي حذيفة رواية عن الحسن أن ذا القرنين وجد في الكتب أن رجلا من ولد سام بن نوح يشرب من عين البحر وهي من الجنة فيعطى الخلد إلى يوم القيمة فخرج في طلب تلك العين والخضر كان وزيره وابن خالته فهجم على تلك العين فشرب منها وتوضأ وأخبر ذا القرنين بذلك فقال أنا طلبت وأنت أصبت وقال ذاك الذي كان حمله على أن طاف في الأرض وهذا الخبر يتأوله [١] قوم على معنى وجود حقيقته علم مطلوب خفى ويروون عن أرسطاطاليس
стр. 530
ما قد مضى ذكره فيما قبل وأهون الأشياء فمنع هؤلاء الجهال بإنكار كل ما ليس في الكتاب والسنة الطاهرة فإن مثل هذه ما أسرع باناله القلوب وأرث الشبه والله المستعان وعليه التكلان،،،
قصة موسى وهارون ابني عمران
قال أهل هذا العلم أنه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وأمه اباخة من ولد لاوى بن يعقوب وفي التوراة أن اسم أمه يوخابذ [١] وأخت موسى مريم بنت عمران بن يصهر وكانت تحت كالب بن يوفنا [٢] بن فارص بن يهوذا بن يعقوب وامرأة موسى صفراء بنت شعيب وكان فرعون مصر في زمانه الوليد بن مصعب أبو مرة رجل من العماليق وكان ابن أخت فرعون يوسف وقيل بل كان فرعون موسى فرعون يوسف قال ابن إسحاق حدثني من لم اتهم أنه ملك أربع مائة سنة شاب السن أخضر الشارب لم يصدع ولم يصبه هم ولا ناواه عدو وقرأت في تأريخ اليمن أنه كان عاملا للضحاك على مصر وسمعت القصاص يزعمون أن فرعون كان من أهل بلخ وهامان