ثم ملك افراسياب التركي
فعاث وأفسد وخرب الديار وعور الأنهار وقال قوم ملك الساعون في هلاك البرية سعيا أن ينشا له خلق جديد فقد طال مكثهم قالوا وحبس المطر عن الناس والحيوان ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك يقال له زر بن طهماسب فطرد افراسياب [١] وألحقه ببلاده ثمّ ملك كيقباد من ولد افريذون مائة سنة ثم ملك كيكاوس ابن كايونة بن كيقباذ وهو الذي سار إلى حمير لقتالهم فأسروه وحطوه في جبّ وأطبقوا عليه حجرا فيه ثقبه يطرح له كل يوم شيء من الطعام وكانت سعدى بنت ملك حمير تلاطفه وتطعمه [٢] إلى أن خرج رستم من سجستان لنصرته فاستنقذه ويذكرون في صفته من العجائب،،،
قصة رستم كيف استنقذ كيكاوس من وثاق حمير
زعموا أن كيكاوس كان مظفرا مصنوعا له في كل حال فخطر منه الإطلاع إلى السماء ثقة منه بما كان الله أتاه من العز والظفر خطرة ضلال فبنى الصرح الذي ببابل وصعده فغضب الله عليه وتخلّى
стр. 597
فاتّضعت رفعته وافتقرت مقدرته وبعث الله ملكا فضرب بناءه بسوط من نار فقطعه وهده واستعصت عليه الملوك فخرج إلى ملك اليمن وقاتله وكانت الدائرة [١] عليه فأخذوه وأسروه واستوثقوا منه كما ذكرنا وفي هذه القصّة مشابهة من قصة نمروذ كما يروى قالوا فخرج رستم من سجستان في جمع عظيم وسأل العنقاء أن تخرج [٢] معه فقالت هذه ريشة من جناحي [٣] فإن احتجت إلي فدخنها حتى آتيك في يومك ومر رستم حتى ورد اليمن وقاتلهم قتالا شديدا قالوا وكان ملك حمير ساحرا فاحتمل مدينته بسحره وعلقها بين السماء والأرض فدخن رستم ريش العنقاء فإذا هو بها فحملت رستم على ظهرها وأخذت فرسه بمخالبها وطارت في جوّ السماء حتّى إذا حاذت المدينة انقضّت ولها دوى فنزلت بهم فقتل منهم رستم مقتلة عظيمة وأخرج كيكاوس من الجب وأخرج سعدى معه وردهما إلى أرض بابل ثم ذكروا حالا وقعت بين سعدى وبين سياوش بن
стр. 598
كيكاوس مثل قصة يوسف وزليخا التي راودته عن نفسه سواء قالوا وإن سعدى شعفت به واحتالت في استمالته وإن لم يجبها إلى ما سألته فسعت به إلى أبيه حتى حبسه وهم بقتله وبلغ الخبر رستم فعلم أنه من كيد [١] سعدى ومكرها فجاء واستخرجها من بيتها وقطع رأسها ثم إن سياوش قتل بأرض الترك وكان ملك كيكاوس مائة وخمسين سنة وكل ما ذكرنا في هذه القصة ممكن غير ممتنع إلا قصة عنقاء وقد حكي أن في جهة الجنوب طيرا يحمل دابّة مثل الفيل أو أعظم منها ويذكر في باب القضاء والقدر خبر أن جارية [١٠١] حملتها عنقاء في عهد سليمان عم والله أعلم ثم ملك بعد كيكاوس [٢] كيخسرو بن سياوش بن كيكاوس [٢] ستين سنة ثم ملك كيلهراسب الجبار مائة وعشرين سنة وهو الذي اخرب بيت المقدس وشرد من كان بها من اليهود وهو الذي بنى مدينة بلخ الحسناء ثم ملك بعده ابنه گشتاسب بن كيلهراسب وفي زمانه ظهر زردشت نبي المجوس ودعا الناس إلى المجوسية فأجابه ودان
стр. 599
له ثم وضع بيت النيران ووكل بها الهرابذة وقتل من خالفه وهو الذي سمي بهران جد بهرام جوبينه بالري إلى شرف المرتبة ثم ملك بهمن بن اسفنديار بن گشتاسب مائة واثنتي عشرة سنة ثم ملكت هماي بنت بهمن ثم ملك دارا بن بهمن وهو دارا الأكبر،،،
قصة هماي ودارا
زعموا أن هماي كانت حاملا من أبيها بهمن عند هلاكه وأنها لما وضعت حملته في مهد واسترضعته في قوم وأعطتهم مالا جليلا وأخرجتهم من دار ملكها فخرج القوم بابنها وركبوا السفينة حتّى إذا بلغوا المذار عصفت بهم الريح فغرقت السفينة ومن فيها وطفا المهد فوق الماء حتى وقع إلى قصار على شاطئ دجلة يغسل الثياب فأخذ المهد فإذا فيه صبي وبجنبه سفط فيه من الجواهر النفيسة والياقوت الأحمر ما لا يقدر قدره فحمله الرجل إلى منزله وجعلت امرأته ترضعه إلى أن ترعرع ونشأ مع صبيانهم ثم سلموه إلى الأدب فتأدب وكان ذكيا نقيا فنازعته نفسه إلى أدب الفرسان وتحرك إلى ذلك عرقه فلما رأى القصار ذلك صرفه إليهم فنفذ في ذلك أياما وحذق وفاق أستاذيه ثم لما بلغ نظر في نفسه وفي ولد
стр. 600
القصار فلم ير فيهم أحداً يشبهه ويشاكله فساءه ذلك ونفرت نفسه منهم وقال للقصار لست أشبهكم ولا تشبهونني فاصدقني عن نفسي وعن نفسك وكان ينسب إليه فأخبره بخبره كيف كان فهيأ الغلام وأخذ سلاحه وركب فرسه وقصد باب الملكة [١] هماي وهي متصيفة بماسبذان [٢] قد هيئت ميدانا للفرسان يلعبون فيه بالصوالجة ويرمون بالنشابة وهي مشرفة عليهم فوق مظلة فمن أصاب وأجاد أجزلت له الجاه والتكرمة فدخل الغلام الميدان فقالوا له من أنت فقال لا عليكم أن تسألوني عن نسبي حتى يتبين لكم أثري وذلك أنه استحيا أن يعتزى إلى القصار فالتقف من أيديهم الكرة فبلغ به الشأو في ركضه أخذه ثم أخذ القوس والنشابة ونضلهم ثم أخذ الرمح فثقفهم ثم راكضهم فسبقهم وهماي في المنظرة مشرفه عليهم معجبة به مع صباحة وجهه وحداثة سنه وكثرة شبهه بها فقال إن رأت الملكة أن تعفيني من هذه الخصلة فإني والناس كلهم عبيدها ثم در ثدياها وتحركت نفسها فنهضت من مجلسها وقالت للحاجب ائذن له فدخل وقالت أصدقني عن نفسك فقد
стр. 601
أنكرت نفسي فيك فاخبرها بما أخبره به القصار فوثبت إليه وعانقته وقالت ابني والله ودعت الناس وأخبرتهم القصة ووضعت التاج على رأسه وقالت هذا ملككم وكان ملكها ثلاثين سنة ودارا كان شجاعاً حازماً فضبط المملكة وغزا الروم فقتل مقاتلها وسبى ذراريها وأتى بملكها أسيرا حتى مات في حبسه حتف أنفه ووظف عليهم الفدية وكان ملكه اثنتي عشر سنة ثم ملك ابنه دارا بن دارا الأصغر الذي بنى مدينة دارا بأرض نصيبين وبنى دارا بجرد بأرض فارس وهو الّذي قتله الإسكندر،،،
[١٠٢] وهذه قصة دارا والاسكندر
قالوا أن دارا الأكبر قتل ملك الروم وأخذ منهم الفدية فلما مات وصار الأمر إلى ابنه دارا الأصغر كتب إلى فيلقوس أبي الاسكندر وكان ملك بلاد اليونانيين فبعث إليه بالجزية وكانت ارض الروم حينئذ طوائف لم يكن لهم ملك بجمعهم فلما مات فيلقوس وصار الأمر إلى الاسكندر جمع ملك الروم إلى نفسه ولم يحمل إلى دارا الخراج الذي كان يؤديه أبوه فكتب إليه دارا يونبه بسوء صنيعه ويعيره بحداثة سنّه وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز
стр. 602
سمسم يريد به أنك صبي تلعب وأن عسكري في عدد السمسم كثرة فنظر إليه الاسكندر واعتذر إليه وحلف أنه لم يأمر به ولم يأت لقتله وإنما كان يطلب الفدية [١] كما كان آباؤهم يؤدونها إليه فزوجه دارا ابنته روشنك وقال أنها ملكة وأنت ملك كفو لها وسأله أن يقيد من قاتله وأن لا يهدم بيوت [٢] النيران ولا يهيج الهرابذة قالوا فملك الاسكندر أربعة عشر سنة وهدم بيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتاب دينهم الذي جاءهم به زردشت وقيل أنه كان مكتوبا في اثني عشر ألف جلد من جلود البقر فيه مذكور كل ما كان وما هو كائن إلى قيام الساعة حتى ملك العرب ومدة أيامهم قالوا وهم الاسكندر بقتل ملوك المشرق لما رأى من هيئاتهم وعددهم فكتب إلى معلمه ارسطاطاليس وكان خلفه لكبر سنه إبقاء أو شفقة عليه يستشيره ويوامره فيهم فكتب إليه أن الأحرار وذوي الاحساب أنصح للملوك وأوفى عهدا من سلفهم وعبيدهم وممارسة الرؤساء أيسر من ممارسة
стр. 603
الأخسّاء ولكن فرقهم وعصب بينهم واجعلهم طوائف قال فصير ما بين فرغانه وقشمير إلى أرض الشام سبعين ملكا لا يكون لأحدهم على الآخر طاعة ثم رفع البلاد وفتح الهند وغلب على الصين وكثير من الناس يرون هذا ذا القرنين وكان قيل له أن موتك يكون بأرض بابل على أرض من حديد تحت سماء من ذهب فلما استوسقت له الأمور وألقت اليها بأزمّتها أراد أن يقطع البرية إلى الاسكندرية وتطير من دخول بابل فرارا من القدر فانتهى إلى ناحية السواد وغلبة النوم فطرحت تحته الأمة [درعا] فاضطجع عليها واظل عليها بمحفة من ذهب فلما انتبه نظر إلى حالته فاستيقن بالموت فأوصى أن تجعل جثته في تابوت من زجاج ويحمل إلى الاسكندرية وكتب إلى والدته كتابا بالوصاة [١] والتعزية وجعله درج كتاب، مضمون ما في الدرج إذا أتاك كتابي هذا فاصنعي طعاما وادعي الناس إليه ولا تأذني لأحد في تناول شيء من طعامك إلا من لم يصب بأب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا ابن ولا ابنه ولا قريب ولا حبيب ثم فكي الكتاب المدرج فيه واعملي
стр. 604
عليه واتعظي باللَّه والسلم ففعلت الوالدة كما أمر فلم يمس أحد من الناس شيئا من الطعام ثم فكت الكتاب وقرأته ولم تدمع عينها ولا تغيرت حالتها لبليغ عظته وحسن وصيّته قالوا ولمّا وضع الاسكندر في تابوته قامت الحكماء الذين كانوا يصاحبونه ويسايرونه فتكلم كل واحد بكلام وخبر بليغ وبقى ملوك الطوائف على ما صيرهم عليه مائتي سنة وستا وستين سنة ويقال أربع مائة سنة وكانوا يعظمون اشك بن دارا ويسمونه الملك وكان في يده من الموصل إلى الري واصبهان،،،
[١٠٢] ذكر ملوك الطوائف يقال الأشغانيون
ملك اشك الاشغاني عشر سنين ثم ملك شابور الاشغاني ستين سنة وفي زمانه ظهر عيسى عم بأرض فلسطين وغزا ططوس بن اسفيانوس ملك الرومية بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى فقتل المقاتلة وسبى الذرية وهدم البناء حتى لم يدع حجرا على حجر فلم يزل كذلك إلى أن أقام الإسلام وولى عمر بن الخطّاب ﵁ بقول الله تعالى وَمن أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ الله أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى في خَرابِها ٢: ١١٤ الآية ثم ملك جوذرزين عشر سنين ثمّ ملك بيزن [١]
стр. 605
إحدى وعشرين سنة ثم ملك جوذر تسع عشر سنة ثم ملك نرسي الاشغاني أربعين سنة ثم ملك هرمز سبع عشرة سنة ثم ملك اردوان اثنتي عشرة سنة ثم ملك كسرى الاشغاني أربعا وأربعين سنة ثم ملك بلاس أربعا وعشرين سنة ثم ملك اردوان الأصغر ثلث عشرة سنة تمّ ملوك الطوائف وصار الأمر إلى بني ساسان وأوّل من ملك من بني ساسان اردشير بن بابك بن ساسان الجامع وهو من ولد دارا فيكون مدتهم في هذا الحساب مائتين وسبعين سنة،،،
ثم ملك اردشير الجامع ويقال له شاهنشاه
قالوا وكان اردشير رجلا بين الفضل في بعد رأيه وذكاء لبه مع صرامته وبأسه ونجدته ولما أفضى الأمر إليه أمر أهل الفقه بجمع ما قدروا عليه من كتب دينهم التي احترقت وتأليفها وتقييدها فانه لا يجمع القلوب المتعادية والأهواء المتنافرة إلا الدين فجمعوا ما أصابوا منها وهو الذي في أيديهم اليوم قالوا ثم عمد إلى كتب الطب والنجوم فجددها وأعادها وبث كتبه في من قرب منه ونأى عن الملوك يأمرهم بإقامة الدين والسنة ويحذرهم معصيته ومخالفته فصفت له المملكة أربع عشر سنة وستة أشهر،،،
стр. 606
ثم ملك شابور بن اردشير
فغزا الروم وسبى منهم سبيا كثيرا وأنزلهم في مدينة سابور بفارس ومدينتي جنديسابور [١] وتشتر بالأهواز فمن ثم كثر علم الطب والأطباء في هذه المدن وفي زمان شابور بعث الله على سبا سيل العرم فتفرقوا في البلاد بقول الله وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ٣٤: ١٩ وفي زمانه ظهر ماني الزنديق وذلك أن أول ما ظهر في الأرض من أمر الزندقة إلا أن الاسامي يختلف عليها إلى أن سمي اليوم علم الباطن والباطنيّة وفي زمانه قتلت الزباء جذيمة الأبرص وهو الذي حاصر الضيزن [٢] ملك الحضر [٣] فأشرفت عليه النضيرة [٤] بنت الضيزن وهويته فكتب في سهم يدل على عورة الحصن فأتتها من مدخل الماء ورمت بالسهم إليه فقطع الماء عنهم حتى أجهدهم العطش ثم استندبهم على حكمه وقتل النضيرة [٥]
стр. 607
لغدرها بأبيها وهذا يسمى سابور الجنود لكثرة جنوده ودوام مسيره وقيل أنّه أمر بذؤابتها فشدت في ذنب مهر غير مروض وضرب وجهه وفيها يقول عدىّ بن زيد [منسرح]
[١٠٣] والحضر صبت عليه داهية ... شديدة أيد مناكبها
ربيبة لم ترق والدها ... لحبها إذا ضاع راقبها
وكان حظّ العروس إذ جشر ... الصّبح دماء تجري سبائبها [١]
قالوا وكان ملكه ثلاثين سنة،،،
ثمّ ملك بعده هرمز البطل
ويقال له هرمز الجريء وأتاه ماني يدعوه إلى الزندقة فقال إلام تدعوني فقال إلى خراب الدنيا وترك العمارة فيها للآخرة فقال لأخربن بدنك فأمر به فقتل وحشى جلده تبنا وصلب بباب جنديسابور فهو إلى اليوم يسمى باب ماني ويقال أنه سلب بباب نيسابور بخراسان وكان ملكه سنة وعشرة أشهر ويقال أن ابنه بهرام بن هرمز قتل ماني وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم ملك ابنه بهرام ابن هرمز وهو الذي يقال له بهرام الصلف وكان فظا [٢] غليظا هان
стр. 608
عليه الناس واستخف بهم حتى فزعوا إلى موبذ موبذان فقال إذا أصبحتم فالزموا بيوتكم ومنازلكم ولا يخرج إليه أحد ولو رآه قائما على بابه وأمر غلمانه وحاشيته أن لا يقوم على رأسه ولا يجيبه إذا دعاه ولا يطيعه فيما أمره ففعلوا ذلك وأصبح بهرام من غده على سجيته وجاء حتى قعد على سريره فلم ير أحداً من غلمانه ومرازبته ونظر إلى مجلس الوزراء والكتّاب فلم ير فيه أحدا ثم نادى بالحاجب فلم يجبه ودعا بالغلمان فلم يجيبوه فهاله ذلك وارتاع له ولم يدر ما السبب فبينما هو متفكر في نصيبه متعجب من أمره إذ دخل عليه موبذان موبذ ففرح به لما رآه وافرح عنه روعه وسأله عن الحال فقال تعلم أنك ملك ما أطاعوك ولا يطيعك الجماعة بغير رفق ففطن لهم بهرام وراجع نفسه وهجر الفظاظة ولزم الرفق ثم ملك بهرام بن بهرام أربعة أشهر ثم ملك نرسى بن بهرام تسع سنين ثم ملك هرمز بن نرسى سبع سنين وخمسة أشهر ثم ملك ابنه شابور ذو ولا كتاف،،،
وهذه قصة شابور ذي [١] الأكتاف
قالوا وهلك هرمز ولا
стр. 609
ولد له فوجدوا ببعض نسائه حبلا فسألوها عن حالها فقالت إني أرى من نضارة لوني وحركة الجنين في الشق الأيمن ما أرجو أن يكون تحقيقا لما قال المنجمون فأقعدوا التاج على بطن المرأة ثم لما وضعته سموه شاه شابور وجعل الوزراء يدبرون أمره والأعداء يزحفون إليه من كل جانب قالوا فلما أينع الغلام وترعرع سمع ضجيج الناس وأصواتهم وصراخهم فقال ما هذا فقيل ازدحم الناس على الجسر فقال هلا جعلتم جسرين أحدهما للذاهبين والآخر للجائين فلا يزحم بعضهم بعضا فاعجب من حضره من مقالته وحسن فطنته في صباه وصغر سنه قالوا فلم تغرب الشمس من يومهم حتى عقدوا جسرا آخر ثم لما بلغ خمس [١] عشرة سنة وأطاق ركوب الخيل وحمل السلاح خرج لمحربة الأعراب التي زحفت من كاظمة البحرين وتطرقوا نواحيه يغيرون عليها ويفسدون فيها وجعل يقتلهم وينزع أكتافهم ويتبعهم في بواديهم وديارهم حتى أفنى إيادا خاصة إلا من بالروم [١٠٣] وروى أن معاوية لما كتب إلى تميم يغريهم بعلي عم ويأمرهم بالوثوب عليه خطب علي ثمّ قال في كلامه [خفيف]
стр. 610
ان حيا يرى الصلاح فسادا ... ويرى الغي للشقاء رشادا
لقريب من الهلاك كما أهلك ... شابور بالسّواد إيادا
قالوا ولم يكف شابور عن قتلهم حتى جلست عجوز على طريقه وصاحت به وكانت سيرة الملوك من صاح بهم وقفوا عليه فقالت إن كنت تطلب ثأرا فقد أدركته وإن كنت تقتل سرفا فإن لهذا قصاص فكف حينئذ عن القتل ولقد سمعت غير واحد من أهل العلم يقول عنت العجوز بقولها أمر النبيّ ﷺ وادراكه من الفرس ثأر العرب قالوا ثم دخل شابور الروم متنكرا متجسسا أخبارهم ويطلع على عورة بلادهم ووافقته وليمة لقيصر فدخل عليها على هيئة السؤال ليشاهد أحوالهم وأخلاقهم فبينما هو واقف عليهم إذ أتى بإناء فيه تمثال شابور منقش فقال رجل من حكمائهم إن هذا التمثال يشبه صورة هذا السائل فقبضوا عليه وألحوا وخوفوه بالقتل حتى أقر فجعلوه في جلد بقرة وكتبوا إلى عظماء فارس انا قد ظفرنا بملككم فإما أن نقتله وإما أن تفتدوه فأرسلوا إليهم بأموالهم وخزائنهم وما ملكته أيديهم فأخذوا المال ولم يخلوا عنه
стр. 611
ثم سار قيصر إلى بلادهم فقتل المقاتلة وأخرب المدن وعقر النخل وشابور معه في تابوت يسير حيث سار حتى انتهى إلى جنديسابور فنزل بساحتهم وقد تحصن أهله فحاصرهم شهورا قالوا وأتت ليلة عيدهم فغفلوا عن شابور ونامت عنه الرقباء ونظر شابور إلى قوم أسارى وزقاق من زيت فقال لبعضهم أفرغوا على من هذا الزيت فأفرغوا عليه فلانت الجلدة عليه وانسلخت عنه وقام يدب على الأربع كالدواب حتى أقتحم سور المدينة ونادى أنا شابور الملك فاجتمعوا عليه وتباشروا به وخرج من ليلته والقوم في شغل من عيدهم فقتلهم أبرح قتل واستباح أموالهم وأسر قيصر ملكهم قال أني مستجبيك كما استجبيتني وأخذه برد ما أخذ من الأموال وإصلاح ما خرب من المدن من سرة [١] بلاده وأن يغرس مكان كل نخلة عقرها زيتونة ولم يكن بالعراق حينئذ شجر الزيتون فحملوا الطين من أرض الروم في السفن والعجلات حتى عمروا ما خرب بأيديهم ثم رتقه وقطع عقبه وخلى سبيله وفيه يقول الشاعر [وافر]
стр. 612
هم ملكوا جميع الناس طرا ... وهم رتقوا هرقلا بالسواد
وهم قتلوا أبا قابوس غضبا ... وهم كشفوا البسيطة عن إياد
وكان ملكه اثنين وسبعين سنة وملك الحيرة في أيامه امرؤ القيس الأول ثم ملك اردشير بن هرمز أخو شابور ذي الأكتاف إحدى عشرة سنة،،،
وهذه قصة يزدجرد الأثيم [١]
ثم ملك يزدجرد الأثيم ويقال له الخشن وهو يزدجرد بن بهرام بن شابور ذي الأكتاف وكان فظا غليظا مهيبا للناس سفاكا للدماء ركوبا للمآثم فشكوا إلى الله ودعوا الله عليه فجاء فرس لم ير مثله في حسنه وكمال تقطيعه حتى وقف ببابه فلما خرج رمحه رمحة فقضي عليه وملأ فروجه جريا فلم يدرك [١٠٤] فقالت الفرس هذا ملك جاء فأراحنا منه وكان له ابن اسمه بهرام تربى في حجر آل المنذر بأرض العرب،،،
وهذه قصة بهرام جور [٢]
ثم ملك ابنه بهرام جور فأحسن السيرة وأحيا الناس قالوا وقصده خاقان ملك الخزر [٣] من نحو باب
стр. 613
الأبواب [١] في مائة ألف فخرج بهرام [٢] يشبه المتصيد في رابطته وبلغ الخبر خاقان بأن بهرام قد هرب وخلى مملكته لما سمع من كثرة جيوشك فاغفل الحذر وترك الحزم فانقض عليه بهرام من جبال أذربيجان فقتلهم أبرح قتل وجاء برأس خاقان وهو الذي يقول فيه الشاعر [طويل]
أقول له لما فضضت جموعه ... كأنك لم تسمع بصولات بهرام
فإني حامي ملك فارس كلها ... وما خير ملك لا يكون له حامي
قالوا وأمر بإحصاء ما أصاب من الغنائم فإذا هي مثل خراج مملكته لثلاث سنين فوضع الخراج على الرعية بمقدار ذلك وأمرهم بالتفرغ للتلذذ والتنعم قالوا وخرج بهرام يوما متصيدا وقد أردف جارية مغنية فعرض له وحش فقال للجارية أين تريدين أن أضع نشابتي قالت أريد أن تشبه ذكرانها بإناثها وإناثها بذكرانها فرمى ذكرا من الظباء بنشابة ذات شعبتين فاقتلع قرنيه ورمى الأنثى بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين ثم قالت وأريد أن تصل ظلف ظبي بأذنه فرمى ظبيا بجلاهق أهوى
стр. 614
برجله ليحك أذنه رماه فوصل ظلفه بأذنه ثم ضرب بالجارية الأرض وقال لشد ما اشتططت على وأردت إظهار عجزي وقتلها وهذا والله غير ممكن إلا بالاتفاق قالوا وكان بهرام يعرف اللغات فيتكلم إذا غضب بالعربية وفي القتال بالتركية وفي مجلس العامة بالدرية ومع النساء بالهروية وكان نقش خاتمه بالأفعال تعظم الأخطار وكان صاحب لهو وغناء وصيد وكان لا يقاتل [إلا] من يقاتله ولا يتعرض لمن لا يتعرض له وبنى له النعمان بن المنذر الخورنق والسدير وفي أيامه ساح النعمان بن المنذر ملك الحيرة فملك بهرام الحيرة المنذر بن النعمان وفي أيامه تحركت أمر قريش لما أراد الله تعالى بهم وتزوج كلاب بن مرة فاطمة بنت سعد من الأزد فولدت له قصىّ ابن كلاب وزهرة بن كلاب وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة ثم ملك الله يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وثمانية عشر يوما فلما مات تنازع الملك أبناه فيروز بن يزدجرد وهرمز بن يزدجرد بن بهرام جور قالوا وأسنت الناس في أيامه سبع سنين حتى فني أكثر الحيوان ثم أغاثهم الله بغيثه فزكت الأرض ونمى الزرع وأخرجت كل حبة سبع مائة حبة
стр. 615
وسمعت بعض المفسرين يقول في قوله تعالى كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ٢: ٢٦١ لم يكن هذا إلا في زمن فيروز والله أعلم قالوا وكتب فيروز في ذلك القحط إلى العمال والولاة والوكلاء والبنادرة بقسمة ما في الخزائن على الناس وحسن التدبير لهم في المعاش فلم يهلك في تلك السنين إلا رجل باردشيرخرة [١] ثم قصد فيروز الهياطلة وهم قوم كانوا بناحية بلخ وطخارستان وملكهم اشنوار [٢] فلما بلغ توجه فيروز إليهم اشتد خوفهم فاحتالوا وذلك أن رجلا منهم [١٠٤] باع نفسه من الملك على أن يكفيه مئونة أهله وعياله بعده وكان قد بلغ من السن غاية لا ينتفع معها بعيش فقطعوا يديه ورجليه والقوة على ظهر طريق فيروز فلما انتهت الخيل إليه سألوه فزعم أن اشنوار غضب عليه في تعصبه لفيروز ففعل به ما ترون فهل لكم أن أخذتكم على طريق تطلعون منه على اشنوار وجنوده مغافصة قالوا بلى فحملوه معهم وأخذ بهم على طريق معطش مهلك فساروا حتى أنفذوا ماء يسقيهم وتاهوا في متوجههم ثم صدقهم الرجل عن نفسه وحيلته عليهم فاخذ كل قوم وجهة
стр. 616
يرجون النجاة إلا فيروز في شرذمة قليلة تخلصوا بحشاشة أنفسهم فأسرهم اشنوار واستباح عسكرهم ثم عاهدوا فيروز أن لا يتعرض لهم وخلى سبيله وكان ملكه تسعا وعشرين سنة ثم تنازع الملك بعده ابناه قباذ و پلاش فهرب قباذ إلى الترك يطلب المدد فملك بلاش أربع سنين ومات ثم عاد قباذ وملك وفي أيّامه ظهرت المزدكيّة،،،
وهذه قصة قباذ ومزدك
قالوا أن قباذ بن فيروز كان رجلا مداريا متئدا يكره الدماء والمعاقبة وكثرت الأهواء في زمانه وانتحل كل فريق ملة ومذهبا ووثب مزدك وهو رجل من أهل فساد فعمل على الناس وقال أن الله جعل الأرزاق [١] في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالسوية حتى لا يكون لأحد منهم فضل على الآخر ولكن الناس تظالموا وتغالبوا واستأثر كل واحد بما أحب والواجب أن يؤخذ فضل ما في أيدي الأغنياء ويرد في الفقراء حتى يستووا في الدرجة فشايعه على ذلك الغوغاء وافترضوا قوله وجعلوا يدخلون على الرجل فيغلبون على أهله وماله ونسائه وعبيده واشتدت شوكتهم
стр. 617
وعظمت نكبتهم وعجز السلطان عن مقاومتهم ولم يكن عندهم لمن أبى عليهم إلا القتل ثمّ وثبوا على قباذ فخلعوه وحبسوه وملّكوا أخاه جاماسب وفسدت معايش الناس واختلطت أنسابهم فكان المولود لا يعرف أباه والضعيف لا يمتنع منه القوي ثم خرج ز [ر] مهر ابن سوخرا في من [١] تبعه من الغواة والمطوّعة وقتلوا من المزدكيّة ناسا كثيرا ورد الملك إلى قباذ فتبرأ منهم ويقال أنه كان بايعهم وفي أيامه ولد عبد المطلب وحمل إلى مكة وكان جاءه الحارث بن عمرو المعصوب بن حجر آكل المرار ودخل في دين المزدكية فملكه على العرب كلها فلما صار الأمر إلى انوشروان رد الملك إلى المنذر بن امرئ القيس وكان ملك قباذ اثنتين وأربعين سنة وفي أيامه غلبت الروم والحبشة على اليمن ثم ملك كسرى انوشروان بن قباذ وكان ملكه سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر فقتل ثمانين ألفا من المزدكية في يوم واحد وجمع الناس على الدين وأتم بباب الأبواب السور وغزا الروم ففتح إنطاكية وبنى بالمدائن مدينة على صورة إنطاكية وسماها الرومية وصاهر خاقان ملك الترك حتّى عاونه على
стр. 618
الهياطلة فأدرك منهم وتر فيروز وانبسط ملكه حتى بلغ قشمير وسرنديب وهو الذي بعث وهرز إلى اليمن فنفى عنه الحبشة وعلى رأس أربعين من ملكه ولد النبيّ ﷺ في قول بعضهم وكان حسن السيرة مبارك الولاية رحيما بالرعية متميزا للخيم ثم ملك ابنه هرمز بن كسرى فجار وعسف فزحفت إليه الجيوش من النواحي الأربع الروم والترك والخزر واليمن فوجّه بهرام شوبينة اصفهبذ الرىّ للالتقاء فقتلهم وسباهم ثم خلع بهرام يده عن الطاعة وتغلب على خراسان [١٠٥] وما يليها وكتب القوّاد والمرازبة يغريهم به فوثبوا عليه وسملوا عينيه وحبسوه وملكوا ابنه ابرويز بن هرمز وملك هرمز إحدى عشرة سنة وسبعة أشهر ثم ملك ابرويز وجاء بهرام شوبينة فقاتله على شط النهروان وهزمه وكان ابرويز يومئذ على فرسه شبديز فلح به فقال للنعمان بن المنذر وهو يمشي بين يديه أعطني اليحموم وهو فرس معروف مشهور له وفيه يقول الأعشى [طويل]
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق وقد كان يسبق
فلم يعطه اليحموم ونزل حسان بن حنظلة الطائي عن فرسه
стр. 619
الضبيب وقال اركب أيها الملك فإن حياتك للناس خير من حياتي فركبه ابرويز ومر إلى ملك الروم موريقيس فاستنجده فزوجه ابنته مريم وأمده بمال ورجال فقاتل بهرام وهزمه إلى الترك واستولى على الملك فلم يزل يدس على بهرام حتى قتل بدار الغربة وكان ملك ابرويز ثمانيا وثلاثين سنة وفي أيامه بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم بالرسالة وبعث النبيّ صلّى الله عليه إليه بعبد الله بن حذافة السهمي يدعوه إلى الإسلام فمزق كتابه واستخف به وكتب إلى باذان ملك اليمن أن عبدا من عبيدي قد كتب يدعوني إلى دينه فابعث إليه رجلين جلدين يأتيان به مربوطا وإن أبى عليهما فليضربا عنقه ولهذه القصة موضع غير هذا فلمّا بلغ النبيّ ﷺ تمزيقه كتابه قال مزق كتابي مزق الله عليه ملكه قال الله آلم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ٣٠: ١- ٤ روى أنّ عاملا لا برويز يقال له شهرابراز الفارسىّ غلبهم وسباهم وذلك أن الروم وثبت على ملكهم موريقيس فقتلوه فبعث أبرويز شهر ابراز فنكا [١]
стр. 620
فيهم نكاية عظيمة قبل الهجرة بسنة ثم أدبرت [١] الروم على ابرويز فقتله [ابنه] وفي ابرويز يقول خالد الفياض [٢] [بسيط]
والكهل كسرى شهنشاه يقنصه ... سهم بريش جناح الموت مقطوب
إن كان لذته شبديز مركبه ... وغنج شيرين والديباج والطيب
بالنار آلى يمينا شد ما غلظت ... أن من بدا بنعي شبديز مصلوب
حتى إذا أصبح الشبديز منجدلا ... وكان ما مثله في الناس مركوب
ناحت عليه من الأوتار أربعة ... بالفارسية نوحا به تطريب
فراطن الهربذ الأوتار فالتهبت ... من سحر راحته اليسرى شابيب
فقال مات فقالوا أنت فهت به ... فأصبح الحنث [٣] عنه وهو محدوب
لولا الهرابذ [٤] والأوتار تندبه ... لم تستطع نعي شبديز المرازيب
أخنى الزمان عليهم فاجرهد بهم ... فما يرى منهم إلا الملاعيب
وابرويز الذي أمر فصور هو ودابّنه شبديز وسريته شيرين بقرميسين ليبقى له أثر
ثم ملك ابنه شيرويه [١٠٥] بن ابرويز
وأمه ابنة ملك الروم مريم بنت موريقيس فوقع الطاعون
стр. 621
في الناس [١] وفنى تسعة أعشار الناس وهلك شيروية فيه وكان ملكه ثمانية أشهر وهو الذي سعى في قتل أبيه ليأخذ ملكه وفيه يقول الشاعر [وهو عدىّ بن زيد] [وافر]
وكسرى إذ تقسمه بنوه ... بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام
وكان باذان بعث برجلين إلى المدينة كما أمره أبرويز لياتياه بالنبيّ ﷺ فبينما هما عند النبيّ ﷺ إذ قال لهما أن ربي أخبرني أنه قتل كسرى ابنه هذه الليلة لكذا ساعات مضين منها فانصرف الرجلان ونظرا فإذا هو كما قال النبيّ ﷺ ثم وثب شهرابراز الفارسي الذي كان بناحية الروم فملك عشرين يوما ثم اغتاله بوران دخت بنت ابرويز فقتلته وملكت بوران دخت سنة ونصف سنة فأحسنت السيرة وعدلت في الرعية ولم تجب الخراج وفرقت الأموال في الأساورة والقوّاد وفيها يقول الشاعر [منسرح]
دهقانة يسجد الملوك لها ... يخبى إليها الخراج في الجرب
стр. 622
ولمّا بلغ النبيّ ﷺ خبرها قال لا يفلح قوم يليهم امرأة وفي أيامها كانت وقعة ذي قار فقال النبيّ ﷺ اليوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا ثم ملكت بعدها آزروميذ دخت بنت ابرويز أربعة أشهر فسمت فماتت ثم ملك رجل يقال له فرخ شهرا وقتل ثم طلبوا يزدجرد بن شهريار بن ابرويز وهو غلام فملكوه فمكث فيهم عشرين سنة والملك منتشر والأمر مختل مضطرب إلى أن قتله ماهوية دهقان مرو بقرية زرق سنة إحدى وعشرين من وفاة النبي ﷺ في خلافة عثمان ابن عفّان ﵁ وكان عبد الله بن عامر بن كريز بالطبسين وانقضى أمر ملوك الفرس وأظهر الله دينه وانجز وعده وفيه يقول ابن الجهم [سريع]
والفرس والروم لها أيام ... يمنع من تقحيمها الإسلام
ويقول المسعودي في آخر قصيدته بالفارسية
سپرى شد نشان خسروانا ... چوكام خويش راندند در جهانا
قصة ملوك العرب
ولهم ثلث [١] ديار العراق والشام واليمن ويقال
стр. 623
أن من ملك اليمن بعد نزول قحطان بن عابر [١] بن شالخ [٢] بن ارفخشذ بن سام بن نوح أتاها يعرب بن قحطان وهو أول من نطق بالعربية وأول من حياه ابنه بأبيت اللعن وأنعم صباحا ولا يدري من كان بعده حتى ملك حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب ولم يزل الملك في ولده إلى أن مضت قرون وحقب وصار إلى الحارث الرائش بعد خمسة آباء فمنهم فرع ينهب بن أيمن بن ذي ترجم بن واثل [٣] بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن الهميسع بن حمير وهو الذي أخرج العماليق من اليمن في زمن الضحاك وصاهر افريذون كما ذكرنا آنفا وفيهم يقول الشاعر [طويل]
رأيت ملوك الناس في كل بلدة ... فلم أر في الأملاك أمثال حمير
[١٠٦] ومنهم شمر ذو الجناح وفي أيامه ظهر موسى عم بالشام وهو زمن منوجهر ببابل ومنهم غمدان بان وهو الّذي بنى غمدان ومنهم شمر [؟] بهيعيص ومنهم ذو [؟] بقرع ومنهم ذو مرابح فامّا
стр. 624
ملوك اليمن فالذي يصح ذكره بعد الحارث الرائش ويقال أنه أول من غزا من ملوك اليمن وأصاب الغنائم فسمي الرائش لأنه راش الناس وكساهم وفي عصره مات لقمان صاحب النسور ويروى أن [١] له شعرا يذكر فيه نبيّنا محمّدا ﷺ وملوكا يكونون قبله ويقول [وافر]
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام
يسمّى أحمدا ياليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام
قالوا وكان ملكه مائة وخمساً وعشرين سنة ثم ملك بعده أبرهة ذو المنار وسمى به لأنه غزا بلاد النسناس وجاء بهم وجوههم في صدورهم فذعر الناس لذلك وكان ملكه خمسا وعشرين سنة ثم ملك هداد بن شراحيل بن عمرو بن الحارث [٢] الرائش أبو بلقيس ولم يلبث إلا يسيرا حتى هلك ثم ملكت بلقيس أربعين سنة وكان من قصتها وقصة سليمان ما ذكر الله ثم ملك ناشر النعم لإنعامه على الناس وذكروا أنه بلغ في غزاته إلى وادي الرمل الحمارى فأمر بصنم من نحاس
стр. 625
فصنع ثم كتب عليه ليس ورائي مذهب وكان ملكه خمسا وثمانين سنة ثم ملك شمر بن افريقيس بن ذي المنار [بن] الرائش وهو الذي يدعى بشمر [١] بن رعش لرعشة أصابته وهو الذي غزا الصين وافتتح عامة فارس وسجستان وخراسان [٢] وخرب سمرقند فسميت شمركند وكان ملكه مائة وسبعا وثلاثين سنة وفيه يقول ابن الجهم [رجز]
وظهرت باليمن التبابعة ... شمر يرعش [٣] وملوك خالعة
ثم ملك بعده ابنه الأقرن بن شمر وغزا الروم قبل ظهور عيسى عم وكان أهلها عبدة الأصنام والأوثان فمات بناحية منها يقال لها وادي الياقوت وكان ملكه ثلاثا وخمسين سنة ثم ملك بعده تبع بن الأقرن وهو تبع الأكبر وكان أقام سنوات لا يغزو فسمته حمير موثبان وموثبان بلغتهم القاعد فغضب لذلك وأخذ في الغزو حتّى بلغ الصين وخلف رابطة بتبت فأعقابهم اليوم بها وهو القائل فيما يروى [كامل]
стр. 626
قطع البقاء بقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا يمسى
وطلوعها بيضاء إذ طلعت ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس
اليوم ينظر ما يجيء به ... ومضى لفضل قضائه أمس
وكان ملكه مائة وثلاثا وستين [سنة] ثم ملك بعده ملكيكرب ابن تبع خمسا وثلاثين سنة ثم ملك ابنه تبع الأوسط وهو أسعد أبو كرب وكان يغزو بالنجوم ويسير بها حتّى بلغ الهند والروم وإيّاه عنى الطائىّ بقوله [بسيط]
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كرى وصدت صدودا عن أبي كرب
قالوا وطالت مدته واشتدت وطأته وملته حمير لكثرة غزاته وهو الّذي [قال] فيما يروى [متقارب]
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
[١٠٦] وهو الذي قتل يهود يثرب وأراد أن يخربها فأخبر أنها مهاجر نبي فآمن به وتركها كما يزعمون وكان ملكه ثلاثمائة [؟]
стр. 627
وعشرين سنة ثم ملك ابنه حسّان بعد ما وثبت حمير على أبيه فقتلوه ثم لقب حسّان هذا ذو جيشان وهو الذي أباد جديس وقد [مرت] قصتهم وأخذ حسان يتجنى على قتله فقتلهم واحدا واحدا حتى بايعوا أخاه عمرو بن تبع على أن يقتل حسّانا [١] فقتله فلما قتله منع النوم فسأل الغلمان عن ذلك فقالوا إنك قتلت أخاك ظلما ولن يؤاتيك النوم حتى تقتل من أشار عليك بقتله فقتلهم كلهم إلا ذا رعين فإنه نهاه عن ذلك وكان قال حين سهر [وافر]
ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
لنا معراج ملك حيث كنا ... تناوله المقاول باليدين
ملكنا بعد تبعنا زمانا ... وعبدنا ملوك المشرقين
زبرنا في ظفار زبور مجد ... ليقرأه جميع الخافقين
ونحن الواقفون بكل هون ... إذا قال المقاول أين أين
قالوا وكان هذا في زمن ملوك الطوائف بعد الإسكندر وفي
стр. 628
ملكه تزوج عمرو بن حجر الكندي جد امرئ القيس الشاعر ابنة حسان بن تبع أخى عمرو بن تبع [١] فولدت له الحارث ابن عمرو وفي أيامه أحس عمرو [٢] بن عامر بسيل العرم فخرج من سبأ بمن تبعه وهو أبو ملوك الحيرة والشام وعمان وكان ملكه ثلاثا وستين سنة ثم ملك بعده عبد كلال بن مثوب [٣] أربعا وسبعين سنة وآمن بعيسى عم ثم ملك بعده تبع الأصغر وهو تبع بن حسان ثمانيا وسبعين سنة وهو الذي قتل يهود يثرب في أصح الروايات وقصة ذلك قال محمد بن إسحاق كان الأوس والخزرج مستضعفين متهضمين في أيدي اليهود وملكهم القيطون لا يزف عروس إلا اقتضها فلما تزوج مالك بن عجلان الخزرجي أخته وأدخلها على القيطون تشبه مالك بن عجلان بالنساء وتستر بثيابهن [٤] ودخل معهن واختبأ في ناحية من داره فلما هم القيطون بأخته قام إليه مالك بن عجلان فقتله ثم خرج إلى تبع فاستصرخه فجاء حتى قتل من رؤساء اليهود
стр. 629
وأعلامهم ثلاثمائة وخمسين رجلا غيلة بذي حرض موضع بالمدينة فقالت امرأة من يهود ترثيهم [وافر]
بأهلى لمّه لم تغن شيئا ... بذي حرض تصفقها الرياح
شباب من قريظة أتلفتها ... سيوف الخزرجية والرماح
ولو اربوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم خود رداح
ويقال أن هذا كان ملك الشام الحارث الأعرج والله أعلم قال وهم تبع بإخراب المدينة فقالت له يهود إن هذا غير ممكن ولا أنت واصل إليه قال ولم قالوا لأنها مهاجر نبي يخرج من مكة فقبل [١] تبّع اليهود [ية] ودان بها وأخذ حبرين من أحبارهم معه إلى اليمن ومر بالبيت وكساه البرود وهو أوّل من كساه وفيه يقول اليمانون [خفيف]
وكسونا البيت الّذي كرّم الله ... ملاء معضدا [٢] وبرودا
فلما قدموا اليمن اختلفوا عليه لمتابعته اليهود وكانت لهم
стр. 630
[نار] [١] تخرج من جبل يتحاكمون إليها يزعمون أنها تصيب الظالم ولا تمس المظلوم والله أعلم ويشبه أنهم كانوا يقولون هذا القول على جهة التخويف فتحاكموا إليها فخرجت فأحرقت عبدة الأوثان وتركت الحبرين ومن معهما [١٠٧] فتهود خلق كثير من اليمن وعلى اليهودية أحرق الناس بقول الله قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ٨٥: ٤- ٦ ثم ملك مرثد بن عبد كلال [٢] إحدى وأربعين سنة وتفرق ملك حمير فلم يعد ملكهم اليمن وذلك في زمن اردشير الجامع فملك ذو فايش وذو مجن وذو نواس وذو الكلاع وذو رعين وذو عكيلان ثم ملك وليعة بن مرثد سبعا وثلاثين سنة وفي زمانه أرسل الله على سباء سيل العرم فبادوا ثم ملك ابرهة بن الصباح ثلاثاً وسبعين سنة ثم ملك حيان بن عمرو سبعا وخمسين سنة ثم ملك ذو شناتر [٣] ولم يكن من أهل بيت الملوك ولكنه من أبناء المقاول وكان لا يسمع بغلام نشأ من أبناء المقاول
стр. 631
بعث إليه فأفسده حتى قتله ذو نواس وقصة ذلك أنه بلغه من ذي نواس ظرافة وملاحة فبعث إليه فأحضر وكان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه وهو على دين اليهود. وهو صاحب الأخدود وكان قد خبأ سكينا صغيرة تحت ثيابه فلما راوده [١] على الفاحشة وخلا به وثب عليه ذو نواس وبعج بطنه وقتله فحمدت حمير مذهبه وملكوه على أنفسهم،،،
قصّة أصحاب الأخدود
روى محمد بن إسحاق عن وهب قال كان رجل من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيمون [٢] خرج من الشام مع سيارة من العرب فأخذوه وباعوه من أهل نجران وكان أهل نجران يعبدون نخلة لهم فقال لهم فيمون إن هذه النخلة لا تضر [٣] ولا تنفع فلم تعبدون ولو دعوت ربي الذي أعبده لأهلكها قالوا فافعل فدعا فيمون ربه فجاءت ريح فجعفتها عن أصلها فاتبعه أهل نجران وآمنوا بعيسى وبلغ الخبر ذا نواس فسار إليهم بجنوده فحاصرهم زمانا ثم آمنهم فأعطاهم
стр. 632
عهدا لا يغدر بهم إن هم نزلوا فلمّا نزلوا خد بهم الاخدود وأوقد فيه النار ثم جعل يجاء بفوج بعد فوج ويخيرون بين اليهودية والنار فمن أبى عليه قذفه في النار قالوا حتى أتي بامرأة معها صبي لها ترضعه فلما نظرت إلى النار ذعرت لذلك وكادت تعرض عن دينها فقال لها الصبي مه يا أماه امضي على دينك فإنه لا نار بعدها فرمى بالمرأة وابنها في النار قال بعضهم فجعل الله النار عليهما بردا وسلاما فكف ذو نواس عن ذلك ومضى رجل من أهل اليمن يقال له ذو ثعلبان إلى ملك الحبشة ومعه صحف محرقة من الإنجيل يستصرخه فبعث بجيش إلى اليمن وانهزم ذو نواس من بين أيديهم فخاض في البحر بفرس حتّى غرق وفيه يقول عمرو بن معديكرب [واف [؟]]
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس
وكاين كان قبلك من نعيم ... وملك ثابت في الناس راسي
قديم عهده من عهد عاد ... عظيم قاهر الجبروت قاسي
فأمسى أهله بادوا وأمسى ... يحول في أناس من أناس
وانقضى ملك اليمن وغلبت الحبشة عليها وكان بين ملك أ
стр. 633
الرائش إلى هلاك ذي نواس ألف سنة وستمائة سنة وستون سنة وقد قيل في قصة الأخدود غير هذا وقد ذكرناه في كتاب المعاني ثم ملكت الحبشة وذلك في زمن قباذ وأنوشروان قالوا ولما قتل ذو نواس أهل نجران وأحرقهم وذهب صريخهم إلى النجاشي ملك الحبشة [١٠٧] يستنجده قال عندي رجال وليس عندي سفن فكتب إلى قيصر ملك الروم وبعث إليه بالأوراق المحرقة من الإنجيل يغريه بذلك ويحفظه ويسأله أن يعينه بالمعابر ليطلب بثأر دينهم فبعث إليه بسفن كثيرة فحمل النجاشي فيها جيشا كثيرا [١] إلى اليمن فلما سمع ذو نواس صنع مفاتيح كثيرة وتلقاهم بها وقال هذه مفاتيح كنوز اليمن خذوها واستبقوا الرجال والذرية فقبلوا منه ثم فرقهم في المخاليف والقرى وأعطاهم تلك المفاتيح وكتب إلى كل مقول في مخلاف إذا كان يوم كذا وكذا فاذبح كل ثور أسود عندك ففطنوا لذلك وقتلوا أولئك الحبشة في يوم واحد ولم ينج منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي الخبر فبعث بسبعين ألف مقاتل وأمرهم أن لا يدعوا رجلا إلا قتلوه ولا بناء إلا هدموه فعلم
стр. 634
ذو نواس أنه لا طاقة له بهم فاستعرض البحر واقتحم اللجة وكان آخر العهد به [١] وجاءت الحبشة فاستولوا على اليمن ورئيسهم ابرهة الأشرم [٢] فخربوا المدن وقتلوا الرجال وسبوا النساء والولدان ولم يبعثوا إلى النجاشي بشيء من ذلك فبعث النجاشي أرياط [٣] في جيش كثيف للقاء أبرهة فاتعد للقتال يوما وتواقفا فغدر بارياط أبرهة وقتله ورفع النجاشي الخبر فزعج نفسه وحلف بالمسيح أن لا يكون له ناهية حتى يهريق دم أبرهة ويجز ناصيته ويطأ تربته ففزع لذلك أبرهة وارتاع وبعث إليه بهدايا والأموال وكتب إليه يستعينه ويستعطفه ويعتذر إليه من صنيعه بارياط وبعث إليه بقارورة من دمه وجراب من تربة أرضه وجزّة [٤] من ناصيته وقال يطأ الملك التراب ويريق الدم ويجز الشعر فيبر قسمه بذلك فرضى عنه النجاشي وأعفاه واستجمع لأبرهة ملك اليمن فبنى كنيسة لم ير الناس مثلها في شرفها
стр. 635
وحسنها ونقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسقيا [١] والألوان والأصباغ وصنوف الجواهر وسمّاها القليس وأمر الناس أن يجعلوا حجهم إليها ويتركوا حج مكة فجاء رجل من النساة [٢] وقعد في كنيسه فغضب لذلك أبرهة وهم بغزو قريش وأوقد نارا لطعامهم فلمّا ارتحلوا عصفت الريح واشعلت النار وأحرقت القليس فعند ذلك خرج الأشرم بالفيل إلى مكة يهدم البيت،،،
قصة أصحاب الفيل
وسار بخيله ورجله يقدمهم الفيل لا يطأ بلدا إلا استباحهم وقتلهم فلقيه نفيل بن حبيب الخثعميّ وقاتله فهزمه أبرهة وأسره وكاد يقتله فقال أنا رجل دليل خرّيت للفوات فاستبقني يكن خيراً لك فتركه يدله وسار وبلغ الخبر قريشا فتحصّنت في الشعاب ورءوس الجبال ولم يتخلف بمكة غير عبد المطلب جدّ النبيّ صلع لأبيه وعمرو بن عائذ [٣] بن عمران بن مخزوم جدّ النبيّ ﷺ لأمه وجاء أبرهة حتى نزل عرفات وأرسل إلى أموال قريش فجمعها وساقها وأخذ لعبد