بعث إليه فأفسده حتى قتله ذو نواس وقصة ذلك أنه بلغه من ذي نواس ظرافة وملاحة فبعث إليه فأحضر وكان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه وهو على دين اليهود. وهو صاحب الأخدود وكان قد خبأ سكينا صغيرة تحت ثيابه فلما راوده [١] على الفاحشة وخلا به وثب عليه ذو نواس وبعج بطنه وقتله فحمدت حمير مذهبه وملكوه على أنفسهم،،،
قصّة أصحاب الأخدود
روى محمد بن إسحاق عن وهب قال كان رجل من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيمون [٢] خرج من الشام مع سيارة من العرب فأخذوه وباعوه من أهل نجران وكان أهل نجران يعبدون نخلة لهم فقال لهم فيمون إن هذه النخلة لا تضر [٣] ولا تنفع فلم تعبدون ولو دعوت ربي الذي أعبده لأهلكها قالوا فافعل فدعا فيمون ربه فجاءت ريح فجعفتها عن أصلها فاتبعه أهل نجران وآمنوا بعيسى وبلغ الخبر ذا نواس فسار إليهم بجنوده فحاصرهم زمانا ثم آمنهم فأعطاهم
стр. 632
عهدا لا يغدر بهم إن هم نزلوا فلمّا نزلوا خد بهم الاخدود وأوقد فيه النار ثم جعل يجاء بفوج بعد فوج ويخيرون بين اليهودية والنار فمن أبى عليه قذفه في النار قالوا حتى أتي بامرأة معها صبي لها ترضعه فلما نظرت إلى النار ذعرت لذلك وكادت تعرض عن دينها فقال لها الصبي مه يا أماه امضي على دينك فإنه لا نار بعدها فرمى بالمرأة وابنها في النار قال بعضهم فجعل الله النار عليهما بردا وسلاما فكف ذو نواس عن ذلك ومضى رجل من أهل اليمن يقال له ذو ثعلبان إلى ملك الحبشة ومعه صحف محرقة من الإنجيل يستصرخه فبعث بجيش إلى اليمن وانهزم ذو نواس من بين أيديهم فخاض في البحر بفرس حتّى غرق وفيه يقول عمرو بن معديكرب [واف [؟]]
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس
وكاين كان قبلك من نعيم ... وملك ثابت في الناس راسي
قديم عهده من عهد عاد ... عظيم قاهر الجبروت قاسي
فأمسى أهله بادوا وأمسى ... يحول في أناس من أناس
وانقضى ملك اليمن وغلبت الحبشة عليها وكان بين ملك أ
стр. 633
الرائش إلى هلاك ذي نواس ألف سنة وستمائة سنة وستون سنة وقد قيل في قصة الأخدود غير هذا وقد ذكرناه في كتاب المعاني ثم ملكت الحبشة وذلك في زمن قباذ وأنوشروان قالوا ولما قتل ذو نواس أهل نجران وأحرقهم وذهب صريخهم إلى النجاشي ملك الحبشة [١٠٧] يستنجده قال عندي رجال وليس عندي سفن فكتب إلى قيصر ملك الروم وبعث إليه بالأوراق المحرقة من الإنجيل يغريه بذلك ويحفظه ويسأله أن يعينه بالمعابر ليطلب بثأر دينهم فبعث إليه بسفن كثيرة فحمل النجاشي فيها جيشا كثيرا [١] إلى اليمن فلما سمع ذو نواس صنع مفاتيح كثيرة وتلقاهم بها وقال هذه مفاتيح كنوز اليمن خذوها واستبقوا الرجال والذرية فقبلوا منه ثم فرقهم في المخاليف والقرى وأعطاهم تلك المفاتيح وكتب إلى كل مقول في مخلاف إذا كان يوم كذا وكذا فاذبح كل ثور أسود عندك ففطنوا لذلك وقتلوا أولئك الحبشة في يوم واحد ولم ينج منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي الخبر فبعث بسبعين ألف مقاتل وأمرهم أن لا يدعوا رجلا إلا قتلوه ولا بناء إلا هدموه فعلم
стр. 634
ذو نواس أنه لا طاقة له بهم فاستعرض البحر واقتحم اللجة وكان آخر العهد به [١] وجاءت الحبشة فاستولوا على اليمن ورئيسهم ابرهة الأشرم [٢] فخربوا المدن وقتلوا الرجال وسبوا النساء والولدان ولم يبعثوا إلى النجاشي بشيء من ذلك فبعث النجاشي أرياط [٣] في جيش كثيف للقاء أبرهة فاتعد للقتال يوما وتواقفا فغدر بارياط أبرهة وقتله ورفع النجاشي الخبر فزعج نفسه وحلف بالمسيح أن لا يكون له ناهية حتى يهريق دم أبرهة ويجز ناصيته ويطأ تربته ففزع لذلك أبرهة وارتاع وبعث إليه بهدايا والأموال وكتب إليه يستعينه ويستعطفه ويعتذر إليه من صنيعه بارياط وبعث إليه بقارورة من دمه وجراب من تربة أرضه وجزّة [٤] من ناصيته وقال يطأ الملك التراب ويريق الدم ويجز الشعر فيبر قسمه بذلك فرضى عنه النجاشي وأعفاه واستجمع لأبرهة ملك اليمن فبنى كنيسة لم ير الناس مثلها في شرفها
стр. 635
وحسنها ونقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسقيا [١] والألوان والأصباغ وصنوف الجواهر وسمّاها القليس وأمر الناس أن يجعلوا حجهم إليها ويتركوا حج مكة فجاء رجل من النساة [٢] وقعد في كنيسه فغضب لذلك أبرهة وهم بغزو قريش وأوقد نارا لطعامهم فلمّا ارتحلوا عصفت الريح واشعلت النار وأحرقت القليس فعند ذلك خرج الأشرم بالفيل إلى مكة يهدم البيت،،،
قصة أصحاب الفيل
وسار بخيله ورجله يقدمهم الفيل لا يطأ بلدا إلا استباحهم وقتلهم فلقيه نفيل بن حبيب الخثعميّ وقاتله فهزمه أبرهة وأسره وكاد يقتله فقال أنا رجل دليل خرّيت للفوات فاستبقني يكن خيراً لك فتركه يدله وسار وبلغ الخبر قريشا فتحصّنت في الشعاب ورءوس الجبال ولم يتخلف بمكة غير عبد المطلب جدّ النبيّ صلع لأبيه وعمرو بن عائذ [٣] بن عمران بن مخزوم جدّ النبيّ ﷺ لأمه وجاء أبرهة حتى نزل عرفات وأرسل إلى أموال قريش فجمعها وساقها وأخذ لعبد
стр. 636
المطلب مائتي ناقة فجاء عبد المطلب يطلب إبله واستأذن على أبرهة فأذن له فلما دخل عليه رحب به وعظمه وقال [ما] حاجتك قال إبلي قال له أبرهة قد كنت فيك راغبا فزهدت تسألني إبلك وتترك بيتك الذي هو دينك فقال عبد المطلب أنا رب هذه الإبل وللبيت رب إن شاء منعه فلما أصبحوا جهزوا الجيش ووجهوا الفيل نحو الكعبة فلما بلغ الحرم برك وانصرف راجعا نحو اليمن [١٠٨] وَأَرْسَلَ ١٠٥: ٣ الله عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ من سِجِّيلٍ ١٠٥: ٣- ٤ كما ذكر الله في القرآن فأهلكهم ووقعت الأكلة في جسد أبرهة فحمل إلى اليمن فهلك بها وفي هذه القصة اختلاف كثير في كيفية مجيء الطير وعدد الفيلة ووجود المعجزة في غير زمان نبي مبعوث فذكرناها في كتاب المعاني ولا معنى لإنكار من ينكر هذه القصة ويزعم أن القوم كان أحرقهم ثمار اليمن وأوباهم ماءها وهواءها فحصبوا أو جدروا فهلكوا ذلك أشيع فيهم وأفشى فيهم من أن يأتي عليه الكتمان ولهم فيه من الأشعار ما لا يعترض شك في صدقه فمنه قول عبد الله بن الزبعري [١] [كامل]
стр. 637
فنكبوا عن بطن مكة أنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف ينبي الجاهلين حليمها
ستّون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... ولم يعش بعد الإياب سقيمها
ومنه قول الآخر [خفيف]
كاده الأشرم الّذي جاء بالفيل ... فولّى وجيشه مهزوم
فاستهلّت عليهم الطير ... بالجندل حتى كأنه مرجوم
وفي عام الفيل ولد رسول الله صلع والملك أنوشروان وعلى الحيرة النعمان بن المنذر ثم لما هلك [١] أبرهة ملك ابنه يكسوم [٢] بن أبرهة اغتصب ريحانه بنت ذي جدن امرأة ذي يزن أبي مرة الفياض فاستنكحها وكانت ولدت لذي يزن سيف بن ذي يزن ثم ولدت لأبرهة وكان خرج ذو يزن إلى كسرى أنوشروان يستنجده ويستعينه على السودان وامتدحه بالحميرية فاعجب كسرى بقصيدته لما ترجمت له فواصله وحباه وقال سأنظر في أمرك وكان مقيما ببابه على شبه العبدة حتى هلك وشبّ
стр. 638
ابن ذي يزن ونشأ وهو يظن أنه ابن أبرهة فقال له مسروق لعنك الله ولعن أباك فرجع سيف إلى أمه وقال من أبي قالت أبرهة قال لا والله لو كان أبي أبرهة ما سبني ولا سبه مسروق فصدقته أمه الحديث وأن أباه ذهب إلى كسرى فما غيره فتهيأ الغلام وخرج إلى قيصر فشكا إليه فلم يشكه فجاء حتى أتى النعمان بن المنذر ملك الحيرة واستشاره في قصد كسرى فقال له النعمان إن لي عليه في كل عام وفادة فأقم حتى يكون ذلك ففعل ثم قدم معه إلى كسرى فاعترضه سيف بن ذي يزن وهو يسير فصاح أن لي عندك أيها الملك ميراثا فقال أنا ابن الشيخ الذي أتاك يستنجدك فاوعدته فعرف كسرى ذلك وسار حتى دخل القصر وجلس في الإيوان تحت التاج وكان تاجه مثل العقنقل العظيم معلقا بسلاسل من ذهب فلا يراه أحد إلا برك هيبة له واستأذن النعمان بن المنذر لسيف بن ذي يزن فأذن له فلما رأى كسرى خر ساجدا له من هيبته ثم قال غلبتنا على بلادنا [الأغربة] فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك فقال بعدت بلادك مع قلة خيرها [١] وما كنت
стр. 639
لأورط جيشاً من فارس ثم رق له كسرى لما ذكر حال أبيه ومقامه ببابه إلى أن مات وأمر له بعشر آلاف درهم وخلع فاخرة ودواب وقال الحق بلادك فإنك لا تزال أكثر قومك مالا فخرج سيف من عنده وجعل ينثر تلك الورق [١٠٨] وينهبها الناس فدعاه كسرى فقال تنثر حبائي وتنهب عطيتي فقال لم [١] آتك أيها الملك للمال وإنما آتيك للرجال وما تراب بلدي إلا من هذا يرغبه في بلاده فاستصوب كسرى ذلك من فعله وجمع المرازبة والموابذة واستشارهم في أمره فقالوا أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل وهم أهل بأس وشدة وحدة فنرى أن تبعثهم معه فإن أصابوا كان لك وإن هلكوا فذاك ما أردت فأمر بمن في السجون فأحضروا فوجدوهم ثماني مائة رجل وكان فيهم أسوار يقال له وهرز يعد بعشرة آلاف إسوار في مكيدته وبأسه فاستعمله عليهم وحملهم في السفن حتّى خرجوا بساحل حضر موت وخرج سيف بن ذي يزن فأخذ على طريق البرّ وجمع من قومه من أطاعه إلى وهرز وهلك يكسوم وملك أخوه مسروق
стр. 640
ابن أبرهة فسار إليهم في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعاريب وأرسل إلى وهرز لقد غدرت بنفسك حين طمعت في ناحيتنا مع هذه الفئة القليلة وإن شئت أذنت لك فرجعت إلى بلادك وإن شئت أخرتك حتى تنظر في أمرك فقال وهرز بل نضرب بيننا أجلا لا يتعرض بعضنا لبعض حتّى ينقضي الأجل ففعلوا قالوا وركب ابن لوهرز يسير على فرس له تحيت عسكرهم فجع به فرسه فأسقطه وثارت الحبشة إليه فقتلته فأرسل إليهم وهرز أن قد نقضتم العهد واخفرتم الذمة ثم أمر بابنه فطرح في صعيد ينظر هو وأصحابه إليه ليدبرهم ولم يظهر جزعا ولا أسفا فلما انقضى الأجل خرج وهرز إلى السفن التي جاء فيها فأحرقها ودعا بكل ناد كان مع القوم وجمعهم وقال كلوا ثم أمر بما فضل فألقى في البحر وعمد إلى فراشهم ورحالهم كلها فأحرقها ثم قام فيهم خطيبا فقال أما ما أحرقت من سفنكم إلا وأردت أن أعلمكم أن لا سبيل إلى بلادكم فإن أطاق أحدكم أن يركب البحر بلا مركب فليعبر وأما ما ألقيت من زادكم فإني كرهت أن يطمع أحدكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا فيفر طمعا في الحياة بذلك الزاد وأما
стр. 641
ما أحرقت من ثيابكم ومفارشكم وأثقالكم فانه كان يغيظني ان كانت الدائرة [١] عليكم أن يلبسها الحبشة ويفترشها بعدكم وإن ظفرتم لم تعدموا أمثالها وإن هلكتم فما حاجة الأموات إلى الأموال والمطارح والمفارش ثم قال أصدقوني يا قوم عن نفسكم فإن كنتم تحدثون أنفسكم بالفرار فأخبروني حتى أتكي على سيفي ولا أحتمل عار الدهر فقالوا جميعا نحن لك تبع وأنفسنا لك النّداء ثمّ هيأ عسكره وعباهم وقال أوتروا قسيكم ولم يكن رئي النشاب قبل ذلك باليمن وأقبل مسروق على فيل له وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء وكان وهرز شيخا معمرا دهريا قد كل بصره من الهرم وسقط حاجباه على عينيه وفيه من بقية القوة ما لا يوتر قوسه غيره فعصب حاجبيه بعصابة وأوتر قوسه وقال أين ملكهم قالوا على فيل قال إنه على مركب ملك قالوا قد نزل من الفيل وركب فرسا قال نزل عن بعض الملك قالوا نزل عن الفرس وركب بغلا فقال بالفارسية أين كوذك خرست يعني ابن الحمار ذهب ملكه ثم قال لغلامه أخرج من الجعبة نشّابة وأنّ من رسمهم أن
стр. 642
يكتبوا على نشابة اسم صاحبها وعلى أخرى [١٠٩] اسم أبيه وعلى الثالثة اسم الملك وعلى الرابعة اسم المرأة يتفألون بها ويتطيرون فأخرج الغلام نشابة فقال ما الذي هو مكتوب فقال اسم امرأتك فقال ردها واخرج أخرى فردها وأخرج أخرى فقال ما عليها فقال اسم امرأتك [قال] أنت المرأة وعليك طائر السوء خرجت من بلادك ولا همة لك غير النساء ردها وأخرج غيرها فردها وخرجت نشابة المرأة فتفأل بها وهو ربما كانوا يتطيرون وقال زنان زنان نضرب نضرب ثم قال إذا رميت فإن أصبت ملكهم فارموا حينئذ بالفترجان والفترجان أن يرمى الرجل خمس نشابات وإن أخطأت فلا يرمين أحدكم حتى آمره فتمعط في قوسه حتى ملأها نزعا ثم سرجها فأقبلت النشابة كأنها رشاء فصكت الياقوتة بين عيني مسروق فطارت فضاضا [١] وفلقت جبهته وتغلغلت في رأسه حتى خرجت من قفاه ولانت الحبشة وانتقضت صفوفهم ثم رموهم فترجانات فهزموهم وقتلوهم حتى كان الإسوار يسوق المائة والمائتين والثلاث مائة من الأسارى بين يديه وذكر أن رجلا ركض على جمل
стр. 643
له ثلاثة أيام والتفت إلى حقيبته فإذا فيها نشابة فقال أبعد ثلاث لا أم لك فظن أنها أتته من مسيرة ثلاثة أيام وصفت لوهرز اليمن ست سنين وكان فتحها سنة إحدى وأربعين من ملك انوشروان ورسول الله ﷺ ابن سنة أو سنتين أو فوق ذلك ويقال بل كان ذلك في زمن هرمز بن انوشروان والله أعلم وفيه يقول أمية بن أبى الصلت [بسيط]
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... إذ رام في الحرب للأعداء أحوالا
فأمّ قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سألا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... إيه لعمري لقد أسرعت قلقالا
للَّه درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
بيض مرازبه غلب أساورة ... تربت في الغارات أشبالا
يرمون عن شدف [١] كأنها غبط [٢] ... بزمخر [٣] يعجل المرمى إعجالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسئل اليوم من برديك أسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعاد بعد أبوالا
стр. 644
قالوا وأقام سيف بن ذي يزن ملكا من قبل كسرى ووهرز له كالمعني والناصر إلى أن قتل وكان سبب قتله أنه أتخذ خولا لنفسه من الحبشة فخلوا به يوما في متصيدة فقتلوه ثم لما مات وهرز ملك ابنه البنجان بن وهرز ثم مات وبعث كسرى باذان فلم يزل عليها إلى أن بعث الله نبيّنا محمّد ﷺ فاتبعه وآمن به،،،
وأما ملوك الحيرة والشام
فمن سبإ بقول الله وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ٣٤: ١٩ زعموا أنه لما أحس عمرو بن عامر بسيل العرم قال أني قد علمت أنكم ستمزقون كل ممزق فمن كان منكم ذا هم بعيد وجمل [١] شديد [١٠٩] ومزاد [٢] جديد فليلحق بكاش أو كروذ فكانت وادعة بن عمرو من كان بدن وامر ذعر [٣] فليلحق بأرض شيث فكانت عوف بن عمرو من كان منكم يريد عيشا أنيسا وخرما آمنا فليلحق بالأزد [٤] يعني مكة فكانت خزاعة ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق
стр. 645
بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج ومن كان منكم يريد خمرا وخميرا وذهبا [١] وحريرا وملكا وتأميرا فليلحق بكوفة [٢] وبصرى وكانت غسان بنو جفنة ملوك العراق والشام وأول من ملك الحيرة مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي وكان ممن خرج من سبإ مع مزيقياء عمرو بن عامر في زمن اردشير الجامع أو بعده بقليل وفي كتب أهل الإسلام أن ذلك كان في الفترة والله أعلم وكان ملكه عشرين سنة ثم ملك بعده ابنه جذيمة بن مالك [٣] الأبرش ويقال له الوضاح لبرص كان به وكان ولاه اردشير وكان ملكه ستّين سنة،،،
وهذه قصّة جذيمة الأبرش
زعموا أن منزل جذيمة الأبرش كان الانبار والحيرة وكان لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه أن يكون له نظير وينادم الفرقدين فإذا شرب قدحا صبّ لهذا قدحا ولهذا قدحاً وكان له أخت مكينة عنده يقال لها رقاش أم عمرو وكان أخص خدمه وأقربهم من لخم يقال له عدىّ بن نصر بن الساطرون صاحب الحضر بأرض الجزيرة ملك السريانيّين
стр. 646
فعشقته رقاش أخت الجذيمة وحملت منه فلما خافت الفضيحة قالت لعدي أخطبني من الملك إذا سكر ففعل ذلك فزوجه ودخل بها فلما صحا جذيمة ندم فأمر بعدي فضرب عنقه وظهر الحمل برقاش فقال لها جذيمة اصدقينى رقاش لا تكذبيني بحر حملت أم بهجين أم لدون فأنت أهل لدون فقالت حملت ممن زوجتني به فلم يلبث أن ولدت عمرو بن عدي فبناه [١] جذيمة وعطف عليه فلما نشأ استهوته الجن فتاه في الأرض فجعل جذيمة لمن أتى به حكمه فخرج في طلبه رجلان يقال لأحدهما مالك والآخر عقيل ولم يزالا يطلبانه حتى أتيا به فقال لهما جذيمة احتكما فقالا ننادمك ما عشت فنادماه أربعين سنة وفيه يقول متمّم بن نويرة [طويل]
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
وقال الآخر [طويل]
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل
وكان لعمرو طوق من ذهب صيغ له في صباه فلما ردّوه همّت
стр. 647
أمه أن ترد عليه الطوق فقال جذيمة شب عمرو عن الطوق فذهب كلامه مثلا وكانت بأرض الجزيرة ملكة يقال لها الزباء من قبل صاحب الروم فخطبها جذيمه ونهاه غلام له عن نكاحها يقال له قصير فعصاه ونكحها وقال لا ينكح الملك إلّا الملكة فذهبت مثلا فلمّا دخل بها غدرت به فقتلته فقال غلامه لا يطاع لقصير أمر فذهبت مثلا ثم ملك بعده عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة واحتال قصير في الطلب بثأر جذيمة فأمر عمرو حتى جزعه وصلمه ثم خرج هاربا إلى الزباء يشكو عمرا وأنه اتهمه في قتل خاله فضمته الزباء إليها وولته أعمالها ثم سألها أن تبعثه إلى هجر [١١٠] ليأتيها من بضاعتها وتجارتها فأرسلته بمال بعد ما وثقت بناحيته وأمنت غائلته فجاء قصير على الإبل فافتك بها فاقعد رجالا شاكين في السلاح في الصناديق وحمل الصناديق على ظهر الإبل وأقبل قصير بالعير فأشرفت الزباء من فوق قصرها ويقال كانت كاهنة فقالت [رجز]
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا
стр. 648
فلما دخلت الإبل القصر خرج الرجال بأيديهم السيوف فهربت الزباء إلى نفق لها تحت الأرض كانت أعدته للحوادث فوجدت عمرو بن عدي قد كمن على فوهة السرب فأيقنت بالهلاك فمصت خاتمها وكان مسموما وقالت منيتي بيدي فذهبت مثلا وفيه يقول الدريدىّ [رجز]
فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتمى
فلم يزل الملك في بنى عمرو بن عدي حتى كان زمن قباذ بن فيروز بن يزدجرد الأثيم فجاء الحارث بن عمرو بن حجر الكندي آكل المرار ودخل في دين المزدكية فولاه قباذ الحيرة فجاء حتى قتل المنذر بن ماء السماء وبعث ابنه حجر بن الحارث أبا امرئ القيس الشاعر على بني أسد فلما ملك أنوشروان ردّ ملك العرب إلى المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي ثم ملك امرؤ القيس بن عمرو بن عدي ثم ملك ابنه النعمان بن امرئ القيس وهذا هو النعمان الأكبر الذي بنى الخورنق والسدير في عهد بهرام جور وكان خاصته فساح في الأرض ذكروا أنه أشرف من الخورنق في زمن الربيع فنظر نحو المشرق حتى
стр. 649
رجع نظره حسيرا عن أقاصي بلوغ خيله ونعمه فقال لمن هذا فقالوا لك أبيت اللعن ثم نظر نحو المغرب إلى بياض أنهار جارية وجنان زاكية [١] فقال لمن هذا فقالوا لك أبيت اللعن فقال فهل أوتي أحد مثل هذا فقام رجل من الرابضة والرابضة بقية من أهل العلم لا تخلو الأرض منهم فقال أبيت اللعن إنما أعجبت بفان لا يبقى وزائل لا يدوم قال فكيف المخرج فقال العمل بطاعة الرب والتخلي عن الدنيا قال فإذا فعلت ذاك فمه قال ملك دائم لا يزول ومقام ليس بعده شخوص وحياة لا تموت قال فإذا كان وقت السحر فأقرع على بابي فأتاه الرجل للوقت فإذا هو قد صب على نفسه استياحا فساح معه حتى لحقا باللَّه ويذكره عدي بن زيد في قصيدة طويلة [خفيف]
وتأمّل ربّ [٢] الخورنق إذ أشرف ... يوما وللهدى تفكير
سره ما رأى وكثرة ما يملك ... والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه فقال وما ... غبطة حىّ إلى الممات يصير
стр. 650
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور
[١١٠] أين كسرى كسرى الملوك ... أنوشروان أم أين قبله شابور
وبنوا الأصفر الكرام ملوك ... الرّوم لم يبق منهم مذكور
أيها الشامت المعير بالدّهر ... [أ] أنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام ... [بل] أنت جاهل مغرور
أم رأيت المنون أبقين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
ثم بعد الفلاح والخير والأمّة ... وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جفّ ... وألوت بها الصّبا والذّبور
ثم ملك المنذر بن النعمان وأمه يقال لها ماء السماء لحسنها وجمالها ويقال لمزيقيا أيضا ماء السماء لأنه إذا كان قحط اجتنى فأقام ماله مقام القطر ويقال هذا أبو عامر ولّاه أنوشروان بعد ما كان أبوه قباذ الملك ولي الحارث بن عمرو بن حجر المعصوب،،،
وهذه قصة الملك المعصوب [١] في زمن قباذ
ذكروا أنه لما ولاه
стр. 651
قباذ العرب كلها استعمل ابنه حجر بن الحارث أبا امرئ القيس الشاعر على بني أسد فكان يأخذ من كل واحد منهم في كلّ عام جزّة من صوف وجراب أقط ونحيا من سمن فلما ضعف أمر قباذ وخلعته المزدكية منعوه إتاوتهم فقتل أربعين من سرواتهم بالعصى فسموا عبيد العصا ثم وثبوا عليه فقتلوه وكان قد طرد ابنه إمرأ القيس [١] لقوله الشعر فلما قتل أبوه مر إلى قيصر يستنصره على بني أسد فهويته ابنة قيصر وكان رجلا طوالا جميلا ويقال أنه خالف إليها فصرفه قيصر ووعده أن يتبعه الجيوش فلمّا كان بأنقرة منزل بالشام بعث إليه بثياب مسمومة فلما لبسها تساقط لحمه فأيقن بالهلاك وقال رب قصيدة مثعنجرة وخطبة مسحنفرة تبقى غدا بأنقرة ثم أنشأ يقول [طويل]
أجارتنا إنا [٢] غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
أجارتنا إنا [٢] مقيمان هاهنا ... وأني مقيم ما أقام عسيب
وأنشد قصيدته السينية التي يقول فيها [طويل]
فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
стр. 652
ومات وكان امرؤ القيس عند خروجه إلى قيصر أودع السموأل ابن عادياء اليهودي شكة مائة رجل فلما مات امرؤ القيس جاء الحارث بن جبلة الغساني ملك الشام يطلبها منه فأبى السموأل أن يعطيه شيئا دون أمر وليه وتحصن منه فأخذوا أبنا له فقتلوه وهو ينظر إليه من القصر ولم يغدر بمال امرئ القيس فذكره الأعشى في قصيدته [بسيط]
كن كالسّموأل إذ سار الهمام له ... بجحفل كسواد الليل جرار
[١١١] فقال غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر فما منهما حظ بمختار
فشك غير قليل ثم قال له ... اذبح هديك إني مانع جاري
ثم ملك عمرو بن المنذر وأمه هند بنت الحارث بن عمرو الكندي ويقال له عمرو بن هند يضرط الحجارة لشدة وطأته وإلحاحه في المضايقة ويقال له أيضا المحرق لأنه أحرق قوما،،،
وهذه قصة عمرو بن هند
ذكروا أن ناسا من بني دلم أصابوا ابنا لعمرو خطاء فآلى ليحرقن منهم مائة فأحرق منهم ثمانية وتسعين رجلا ولم يصب منهم غيرهم ثم أكملهم بامرأة نهشليّة
стр. 653
ورجل من البراجم ولذلك قيل في المثل إن الشقى وافد البراجم وقد ذكره الدريدي في قصيدته يصف ملوكا فقال فلان ثم فلان ثم ابن هند باشرت نيرانه يوم أوارة [١] تميما بالصلا وعمرو هذا قتل طرفة وأفلت المتلمّس فقال [كامل]
أودى الّذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حياته المتلمس
ثم ملك بعده النعمان بن المنذر بن امرئ القيس أبو قابوس صاحب النابغة وهو الذي قتل عبيد بن الأبرص الشاعر وعدي ابن زيد العبادي فقتله كسرى ابرويز،،،
وهذه قصة النعمان بن المنذر أبي قابوس
ذكروا أنه كان له يومان يوم بؤس لا يرى فيه أحدا إلا قتله ويوم نعمى لا يرى فيه أحدا إلا وصله فأتاه عبيد بن الأبرص في بؤسه وهو لا يعلم به وقد امتدحه بقصيدة فلما أخبر بسوء اختياره في لقائه ذلك اليوم أرتج عليه الكلام ثم لما قدم للقتل قيل أنشد قصيدتك قال حال الجريض دون القريض فذهبت مثلا فضربت عنقه وأما عدي بن زيد وكان ترجمان كسرى أبرويز وكاتبه بالعربيّة
стр. 654
وهو الذي سعى في أمر النعمان ووصف لأبرويز منه جلادة وغناء حتى ولاه العرب فكره النعمان أن يكون لأحد عليه منة له أو صنيعة عنده فحبسه وجعل يقول الشعر في حبسه ويعظه ويستعطفه وكان أحد الحكماء من قراء الكتب فلم ينفعه شيء من ذلك وقتله أخريا فاحتال ابنه زيد بن عدي بن زيد حتى توصل إلى ابرويز أخذ مقام أبيه في الترجمة والكتابة وكان أبرويز شعفا بالنساء وقرأت في تأريخ اليمن أنه كانت عنده يوم قتل اثنتي عشر ألف امرأة وجارية فذكر زيد بن عدي نساء آل المنذر بالجمال والكمال فكتب إليه ابرويز بأن يبعث إليه من جوارى العرب ويقال بل خطب إليه بعض نسائه فلما قرأ النعمان الكتاب قال وما يصنع الملك بعربان البوادي بادية العراقيب أين هو عن مها السواد أن للملك فيهن لمندوحة وأجاب عن الكتاب فحرف زيد بن عدي الكلام عن وجهه والعرب يسمّون النساء المها والبقر والظباء والنعاج وقال يقول النعمان أن في بقر السواد لمندوحة فغضب ابرويز وبعث في طلب النعمان فهرب النعمان فاستودع شكته وعياله هاني بن مسعود وبعث ابرويز جيشا يحمل تلك الشكّة
стр. 655
فأبى هاني أن يسلمها إليهم وقاتلهم وهزمهم وهذه الوقعة تسمى [١] يوم ذي قار ثم رجع النعمان إلى ابرويز فلقيه زيد بن عدي فقال له أنت فعلت هذا يا زييد والله لئن بقيت لأسقينك بكأس أبيك فقال أنج نعيم ولقد وضعت لك آخية لا يقطعها المهر الآرن ثم أمر ابرويز بالنعمان فطرح تحت أرجل للقبلة [١١١] بعد ما حبس زمانا وفيه يقول الشاعر
بين فيول الهند تخبطته ... مختبطا تدمى نواحيه
وفيه يقول الأعشى [طويل]
هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... نحور فيول بعد بيت مسردق
وقد ذكر هذه القصة في موضع آخر ثم خرج الملك عن آل المنذر وولي ابرويز اياس بن قبيصة [٢] الطائي وشهرام الفارسي ومات اياس بعين التمر وفيه يقول زيد الخيل [طويل]
فإن يك رب القوم خلى مكانه ... فكل نعيم لا محالة زائل
ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر فأجلاهم العلاء بن الحضرميّ
стр. 656
عن البحرين في عهد رسول الله ﷺ واستمر بهم الانتقاض للإسلام إلى [أن] فتح السواد سعد بن أبي وقاص زمن عمر بن الخطّاب ﵄ وجفنه هو عمرو بن عامر مزيقياء [١] وولد جفنة آل العنقاء وآل محرق فهم آل غسّان بالعراق والشام فأوّلهم الحارث بن عمرو الغساني ويقال له الحارث الأكبر ثم ملك الحارث بن أبي شمر وهو الحارث الأعرج وأمه مارية ذات القرطين وسار إليه المنذر بن ماء السماء في مائة ألف فوجه إليهم لبيد بن ربيعة الشاعر وهو غلام فأظهر أنه بعثه للصلح فأحاطوا بهم وهم غارون غافلون فأصابوا منهم وهزموهم وأسروا منهم خلقا كثيرا فأتوا بهم فسأله النابغة الذبياني أن يطلق عنهم ففعل وأتاه يمدح علقمة بن عبدة في إطلاقه عن الأسارى [طويل]
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... وحق لشاس من نداك ذنوب
فقال الحارث نعم واذنبه ثم ملك الحارث الأصغر بن الحارث
стр. 657
الأعرج بن الحارث الأكبر وفيهم يقول النابغة الذبيانيّ [سريع]
هذا غلام حسن وجهه. ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث ... الأعرج والأصغر خير الأنام
وكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم أسلم في عهد عمر بن الخطّاب ﵁ ودخل الروم وانقضى ملكهم وأول من دخل الشام سليح وهم من غسان ويقال من قضاعة فدانت بالنصرانية وملك عليها ملك الروم رجلا يقال له النعمان بن عمرو بن مالك ثم ملك بعده ابنه مالك بن النعمان ثم ابنه عمرو بن مالك ولما خرج عمرو بن عامر مزيقياء [١] من اليمن تفرّق ولده في البلاد فصار إلى جفنة ملوك الشام هذا ما حفظ من تواريخ ملوك هذه الأقاليم ولا بد أن للهند والروم انتساقا [٢] وتأريخا وكذلك الصين لكن لم نر العلماء تكلفوا ذلك ولا ذكروه في كتبهم فقد تصعب جميع أيام ملك وبلد واحد وشخص واحد ويفوت الضبط وقوع الاختلاف فيها فيما يحفظ ويحكى فكيف أيام ملوك الأرض ومن يحصيها إلا الله ولعمري أن فيما
стр. 658
ذكرنا موعظة وعبرة وتأديبا وتنبيها ويزعم قوم من المنجمين أن الملك ثابت في بيت رجل واحد بإقليم الصين مذ كذا وكذا ألف ألف سنة فمن يتحقق ذلك مع ما يرى من سرعة الانتقال في إقليمنا وتشوش أحوال مالكيها والله أعلم وقد ذكر شيء من تواريخ [١١٢] ملوك الروم واليونانيين [١] مجردا من الأخبار والقصص وما أرى فيه كثير فائدة وقد حفظ من أيام دارا الأكبر وهو أول من وظف من ملوك فارس القديمة على الروم وأخذها من فليقوس أبي الاسكندر وكان يلي اليونانيين وملك الاسكندر بعد أبيه الروم وخرج فاستولى على الأرض وقتل دارا الأصغر وغصب بين ملوك المشرق ثم ملك بعده خليفته بطليموس الأديب وبطليموس بلغة يونان الملك ثم ملك بعده بطليموس لغوس محب الأخ وهو الذي غزا بني إسرائيل بأرض فلسطين فسباهم ثم أطلق عنهم وردهم إلى بيت المقدس ثم ملك بعده بطليموس الصانع [٢] ثم بطليموس محب الأب ثم بطليموس الظاهر وهو صاحب علم النجوم ثم بطليموس المخلص ثم ثم ثم عشرة أنفس كلّهم ملوك وكلّهم
стр. 659
بطليموس وتسعة رجال وعاشرهم امرأة فهولاء الكفار كانوا ملوك اليونانيّين،،،
وأما ملوك الروم
قال العرب تسميهم القياصرة والهراقل فأول من تحرك منهم بعد الاسكندر في زمان الأشغانيين قسطنطين المظفر [١] وكان هم بغزو فارس كما فعل الاسكندر فجمع ثلاثون وأربع مائة ألف من مقاتل من جنود ملوك الطوائف وغزوا الروم فاثخنوا فيهم ووظفوا عليهم الفدية فذاك حملهم إلى بناء قسطنطينية وإنما نسب إلى قسطنطين لأنه بناها وكان ملك قبله وبعد الاسكندر عدة ملوك فلم يتعرض الفارس منهم غير اسيانس الذي غزا بني إسرائيل بعد ارميا النبي فقتلهم وسباهم ومنهم افطنجس وكان أنجس منه وأنحس وهو الذي بنى إنطاكية ويقال أن أول من ملك الروم بعد الاسكندر بلافس ثم سليفيس ثم افطنجس ثم ظهر عيسى عم بأرض الشام والملك هرادس ولا أدري من كان يملك الروم يومئذ ثم ملك طباريس بعد ما رفع عيسى عم ونصب الأوثان ودعا الخلق إلى
стр. 660
عبادتها وكان ينزل الرومية ثم ملك بعده فيلوذيس فقتل النصارى وقتل شمعون الصفا صخرة الإيمان والنصارى يرونه نبيّا ثم ملك ططوس بن اسفيانس فغزا بني إسرائيل وقتلهم وسباهم وخرب بيت المقدس حتى لم يبق حجر على حجر ولم يزل خرابا إلى أن قام الإسلام وهو إحدى المرتين اللتين وعد الله خرابه فقال لَتُفْسِدُنَّ في الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ١٧: ٤ ومن ثم في قول بعض أهل العلم وقعت قريظة والنضير إلى أرض الحجاز فتولوا يثرب وتنصرت الروم بأسرها وأراه في زمن ططوس أو بعده ثم تركت النصرانية في زمن قسطنطين وعبدت الأوثان ثم عادت إلى النصرانية بعده وقد اختلفت بهم الأحوال في الدين بعد عيسى عم إلى أن قام الإسلام غير مرة وكان ملكهم في عهد النبيّ ﷺ هرقل وكان ملكه شهرابراز عامل ابرويز ثم من كان منهم في الإسلام إلى يومنا هذا فمحفوظة أسماءهم وآثارهم في كتب الأخبار والفتوح والله الملك الدائم والسلطان لا يسلب،،،
تمّ الجزء الثالث
стр. 661
المجلد الرابع
الفصل الثاني عشر [١] في ذكر أديان أهل الأرض ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم من [٢] أهل الكتاب وغيرهم
اعلم انّ اختلاف الناس في مذاهبهم واعتقاداتهم كفاء اختلافهم في أخلاقهم وهممهم وإراداتهم وألوانهم وألسنتهم فكما لا تجد اثنين على صورة واحدة وصيغة واحدة وهمة واحدة إلا في الشاذ النادر فكذلك في وجود اثنين على رأي واحد [F ١١٢ V] وخاطر واحد وإن كان الدين الواحد يجمع عالما من الخلق فإن الآراء يتوزعهم والهمم تتشعب بهم اللَّهمّ إلا الطوائف المقلدة فإن إجماعهم على ما يزعمون دعوى لا حقيقة له عند
стр. 662
التفتيش فليذكر الآن ما بلغنا من ديانات أهل الأرض على سبيل الإيجاز والاختصار ونقول وباللَّه التوفيق أن لا يخلو الإنسان العاقل من اعتقاد حق أو باطل أو الوقوف موقف الشك ولا يجوز أن لا يوجد لمميز إحدى الحالات التي ذكرنا إلا أن يكون ناقص العقل عن الاعتقاد والشك فلا يجوز أن يعد من جملة المخاطبين ولا يجوز بقاء الشك لأن الشك من الجهل بالشيء وتكافؤ العلل فيه بتحقيق شيء أو إبطاله كما لا يجوز قيام الأدلة على وجود شيء وعدمه في حالة واحدة ووقت واحد وبورود العلم بالشيء [و] زوال الجهل عنه فيحصل المشكوك فيه إما معلوما أو مجهولا وقد بطلت منزلة الشك والسلام فالناس إذا لا يخلون من اعتقاد ديانة ما أو تعطيل في الجملة،،،
ذكر المعطلة
ولهم أسماء أخرى يقال لهم الملاحدة والدهرية والزنادقة والمهملة وهم أقل الناس عددا وأفيلهم رأيا وأشرهم حالا وأوضعهم منزلة يقولون بقدم أعيان العالم والأجسام وتولد النبات والحيوان من الطبائع باختلاف الأزمنة ورجوعها إلى أصولها ولا صانع لها ولا خالق ولا مدبر ولا محي ولا مميت ولا معاقب ولا مثيب ولا حافظ ولا حسيب فلا يرون
стр. 663
السعي إلا فيما يعود بصلاح أجسامهم وقوة نفوسهم في اعطائها مناها من الملاذ والشهوات والملاهي من غير مراقبة أحد ولا إيثار تجمل ولا الكف عن تعاطي محظور تاقت النفس إليه ولا مشكور صانع فيما صنع إليه ولم يفتعل على غيره أو يكف مساءته أو يغيث ملهوفا أو ينصر مظلوما أو يراعى حقا أو يؤدي فرضا أو ينجز وعدا أو يفي بعهد أو يرحم ذا ضفف أو يستعمل الإنسانية أو يتكلف التجمل في شيء سرا وعلانية من لا يرى لنفسه صانعا ولأفعاله مراقبا ولا له على إحسانه وإساءته مثيبا ولا معاقبا ولا بعد الموت والبلى نشورا وحياة وما الذي يمنع من هذا نحلته وعقيدته من ركوب الفواحش وإتيان المآثم وانتهاك المحارم والإشراف في المظالم والتهور في الفساد والخوض في الباطل وقلة المبالاة بموجب العقل والإعراض عن اللوازم والاستحقاق بملتزمي الشرائع و [من] لا يعد [١] على حرمه ولم يغتظ ممن يترخص في مثل عمله ولم يحقد على من يمسه من نفسه أو ماله أو أهله وهو اسوته في نحلته وعقيدته وما معنى استعمال العقل وتجرع مرارة النفس من غير باطل ولا عائد وهل يجوز توهم
стр. 664
بقاء الخلق وقوام العيش مع هذه العقيدة وكفاك بها سبة وفضيحة ومتى كان لهذه الفرقة في الأرض مجمع ومشهد وهل شاع لهم دين أو مذهب وأهل الأرض مع اختلافهم في الأديان والملل مجمعون على [١] تنقض هذا الرأي والازراء به والغض منه ومحق رايته وإتلاف مستحلّيه وقد مضى من الحجج عليهم في الفصل الثاني من الكتاب ما [٢] يوقع اليقين ويدحض الشكّ ويكشف عنه عواره وللَّه الحمد والمنة على ذلك فإن احتمى أحدهم عند ذكر هذه الفضائح واستنكف من التصاقها به فالتجأ إلى أنّ العقل كاف في تحسين الحسن [٣] وتقبيح القبيح قيل أنت تملك أو هو يملكك فإن زعم أن عقله مالكه فقد أقرّ بأمر ناه له وضويق [F ١١٣ R] في المعارضة والسؤال فإنه لا بد أن يشير إليه بالربوبية أو تنقض قوله وإن زعم أنّه مالك عقله قيل فاصرفه إلى استحسان القبيح واستقباح الحسن إذا كنت مالكا له فإن زعم هذا غير جائز لأنّه لم يصلح
стр. 665
للضد كالآلة المهيأة لإصلاح شيء لا تصلح لفساده قيل أهو جعل نفسه كذلك أم جعل فإن زعم أنه جعل نفسه كذلك فقد وصفه بالقدرة والعلم والإرادة والاختيار وعاد إلى تصحيح قوله أن العقل هو الباري وإن زعم أنه جعل كذلك فقد أقر بصانع له وبطل قوله وإن أنكر العقل خرج من جملة أهل الخطاب والتمييز ووجب تقويمه فيما يقوم به البهائم الصامتة وإن أنكر النظر دخل في مذهب السوفسطائية وكيف ما دار اتجهت عليه حجة الله الدامغة واضطرته إلى الإقرار به بقول الله فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ٦: ١٤٩ ويقول أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ٧٥: ٣٦ وقال تعالى أَمْ خُلِقُوا من غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ٥٢: ٣٥ وقال تعالى من يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به ٤: ١٢٣ وقال جَزاءً وِفاقاً ٧٨: ٢٦ وأصل التعطيل إنكار الخالق والرسول والثواب والعقاب اعتقادا لا إقرارا منهم اختاروا في دفع عادية الناس عنهم فاثبتوا الثواب والعقاب التناسخ في السعادة والشقاوة اللتين عندهم الجنة والنار في هذا العالم إذ لا دار عندهم غيرها ولا هي فانية ولا منقضية ويدلك على موضع تمويههم في هذا الناموس أنهم إذا لم يكن لهم خالق قديم ولا صانع مدبر حكيم فمن الذي ينسخ نفوسهم وأرواحهم
стр. 666
ويسعد المحسن ويشقي المسيء منهم وقط ما انتشروا في أمّة من الأمم ولا أقرّوا في وقت من الأوقات انتشارهم في هذه الأمة لاعطائهم الإقرار بالديانة ظاهرا وحقن الشريعة دم من أجاب إليها وهم هؤلاء الباطنيّة الباطليّة الذين تخلّعوا عن الأديان وأمرجوا نفوسهم في ميادين الشهوات فمطوا عند الظلمة بترخيصهم لهم في ارتكاب ما يهوون وتهوينهم عليهم عواقب ما يحذرون حتى ترى المظالم قد فشت والقلوب قد قست والمنكرات ظهرت والفواحش كثرت وارتفعت الأمانة وغلبت الخيانة وعطلت المروءة واستخف بالربانيين واهتضم المستضعفون وأميت العدل وأحيي الجور فظهر ما لم يذكر في عهد ملك من الملوك في قديم الدهر وحديثه ولا في زمن نبي من الأنبياء عم ولولا فضل الله على هذه الفرقة المسترذلة المحقورة ببقايا من العوامّ متمسّكين بأديانهم لاصطلمهم أشكالهم وأشباههم واجتاحهم أولياءهم وأصحابهم الذين وقفوا على غور كلامهم وأحاطوا بحقيقة مذهبهم ولا بد أنه تارك بهم ما يقدرونه في غيرهم لوعد الله ﵎ وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٦: ١٢٩ وأنا واصف بعض مذاهبهم وواكل بعده
стр. 667
ذا العقل والمروءة ومن هو راجع إلى نفس وحسب إلى اختياره كما قال الله تبارك [١] وتعالى وَقُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ١٨: ٢٩ اعلموا رحمكم الله أنهم قوم يبيحون ما حظرته الأديان ويتأولون ما جاءت به الشرائع من الأحكام إلى الرخص والتجوز [٢] فيما يتمنون ويشتهون ويستحلون المحارم كلها من الزنا واللواطة والغصب والسرقة والقتل والجرح والكذب والغيبة والنميمة والبهتان والوقيعة وشهادة الزور وقول الإفك ورمي المحصن والسعاية والغمر والسخرية [F ١١٣ V] والطنز والاستهزاء والبطر والكبر والخيلاء والظلم والعقوق والميل والغدر والخلاف ونقض العهد وإخلاف الوعد وأشباه ذلك من الرذائل المحظورة [٣] في العقل والمحارم المزجور عنها في الشرع لا يعرفون معرفة الحق [٤] ولا محافظة على ذمام ولا تنظفا من نجاسة ولا حياء من خساسة الملوك عندهم أرباب والعتاة
стр. 668
شياطين والضعفى والمبتلون أهل النار وأصحابهم عندهم الجن وسائر الناس البهائم لا يرحمون مسترحما ولا يغيثون مستغيثا ولا ينهون عن الاطلاع على حرم الناس ولا يأنفون من اطلاع الناس على حرمهم ولا يمتنعون من مواقعة من أمكنهم من الذكور والإناث ولا يتحاشون من مواقعة من واقعهم أو واقع حرمهم ولا يعيبون القيادة والدياثة والاكتفاء [١] والمبادلة ولا يرون النهي عن كل ما اشتاقت إليه النفس جمعوا رخص النحل كلّها وزادوا عليها الدياثة والكشخ [٢] فأخذوا من المجوس بقولهم في نكاح البنات والأمهات ومن الخرمية في التراضي بالأمهات والأزواج ومن الهند بإباحة الزنا والسفاح ومن الخناقين بقتل من خالفهم فلا حياهم الله من قوم ولا حيا مذهبهم من مذهب وقد ينكرون ما ذكرنا إذا بدهوا به جهارا ولكن إذا اجتررتهم في الكلام إلى الأول الذي هو العقل والثاني الذي هو النفس الأساسين والأصلين اللذين هما الأركان صح لك كله وإن كانوا له منكرين في الظاهر ولم يمتنعوا عنه وليس لهم خالق مثيب
стр. 669
معاقب لو تسكت عنهم وبلوتهم ليظهر لك الامتحان جميع ذلك إمّا قولا وإمّا فعلا وإمّا إجازة لأنّ كل ذي دين عندهم معذور والله أعلم،،،
ذكر أديان البراهمة
أعلم أن لكل قوم دينا وأدبا وأدبا وشريعة ففي الدين بقاءهم [١] [وصلاحهم] وفي [٢] الأدب زيهم وشرفهم وفي الشريعة رسومهم ومعاملاتهم وقد ذكر قوم أن في الهند تسع مائة ملة مختلفة [٣] وأن الذي عرف منها تسعة وتسعون ضربا يجمع ذلك [٤] اثنان وأربعون مذهبا مدارها [٥] على أربعة أوجه ثم يرجع [٦] إلى اسمين البراهمة والسمنية [٧] فالسمنية [٧] هي [٨] التي معطّلة والبراهمة ثلاثة أصناف صنف منهم يقولون بالتوحيد
стр. 670
والثواب والعقاب ويبطلون الرسالة [١] وصنف يقولون بالثواب والعقاب على التناسخ ويبطلون التوحيد والرسالة هذا جملة دينهم فأما آدابهم وأخلاقهم [٢] ففيهم الحساب والنجوم والطبّ واللهو والمعازف [٣] والرقص والخفة [٤] والشجاعة [٥] والشعبذة وعمل النيرنجات وعلم الحروب [٦] ويدعون صفاء الفكر ونفاذ الوهم والأخذ بالعيون وإظهار التخييلات والرقا والإتيان بالمطر والبرد وحبسه وتحويله [٧] من مكان إلى مكان ويدعون حفظ الصحة ومنع الشيب والزيادة في القوة والذهن ورجوع الموتى إليهم [٨] وأما شرائعهم فمختلفة لاتساع بلادهم وتفاوت [٩] أقطارهم واختلاف الدين يوجب اختلاف الشرائع [١٠] فالذي بلغنا أن إيمانهم في