كنت ثالثا أو رابعا في الإسلام وعن خالد بن سعيد بن العاص كنت خامسا في الإسلام وممن سبق إسلامه أبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون [F؟ ١٣٦ v؟] وعبيدة بن الحارث وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش وأبو سلمة بن عبد الأسد وواقد بن عبد الله وخنيس بن حذافة ونعيم بن عبد الله النحام وخباب بن الارتّ وعامر بن فهيرة ﵃ أجمعين ومن النساء أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر ابن أبي طالب وفاطمة بنت الخطاب امرأة سعيد بن زيد بن عمرو وأسما بنت أبي بكر وعائشة وهي صغيرة فكان إسلام هؤلاء في ثلاث سنين ورسول الله ﷺ يدعو في خفية قبل أن يدخل دار أرقم بن [أبي] الأرقم ثم أسلم صهيب بن سنان وعمار ابن ياسر وكان إسلامهما بعد إسلام بضعة وثلاثين رجلا ثم فشا بمكة وتحدث [١] به وأمر الله رسوله بإظهار الدعوة فقال فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ١٥: ٩٤ وذلك في السنة الرابعة من النبوّة،،،
стр. 807
ذكر إظهار الدعوة إلى الإسلام
قالوا فجهر رسول الله ﷺ بدينه ودعا الخلق إليه وأبدى الصفحة لهم فلم يبعد عليه قومه ولا عابوا عليه رأيه لما عرفوه من صدق الحديث وحسن الجوار وتحرى الخير والتواضع للخلق وكمال العقل والشرف وعلو البيت وطهارة النسب حتى سب آلهتهم وسفه أحلامهم وضلل أراءهم ونقض دينهم فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وقد حدب عليه عمه أبو طالب وقام يناضل دونه ويحامي عليه فتضاغن القوم وتوامروا ومشوا إلى أبي طالب منهم أشراف قريش عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأبو جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي وكنيته أبو الحكم وأبو البختري بن هشام والوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي والعاص بن وائل السهمي فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا وإن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل أباءنا فإما أن تكفه وإما أن ننازله [١] وإياك فقال له أبو طالب اتق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر
стр. 808
ما لا أطيق فظنّ رسول الله ﷺ أن أبا طالب قد تركه وأنه قد ضعف عن نصرته وهو خاذله فاستعبر ثم قال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله وأهلك دونه ما تركته فقال أبو طالب لا تخذله فمشوا إليه بعمارة بن الوليد فقالوا هذا أنهد فتى قريش وأجمله فخذه واتخذه ولدا وسلم إلينا ابن أخيك هذا الصابئ الذي خالف ديننا وفرق جماعتنا نقتله فقال أبو طالب تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا مما لا يكون فتنابذ القوم وتنادوا بعضهم بعضا وأقبلوا على من في القبائل من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب أن تخلصوا في شعره وبشره غير أنهم يرمونه بالسحر والشعر والكهانة والجنون والقرآن ينزل عليهم بتكذيبهم والرد عليهم ورسول الله ﷺ قائم بالحق ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى الله سرا وجهرا حتى لحق أبو طالب باللَّه فتخطّئوا إليه بالمكروه [F؟ ١٣٧ r؟] ونالوا منه ما كانوا يجمحون عنه من جنانه قالوا ولما أسلم حمزة بن عبد المطّلب عزّ به النبيّ ﷺ وأهل الإسلام فشق ذلك على
стр. 809
المشركين فعدلوا عن المنابذة إلى المعاتبة [١] وأقبلوا عليه يرغبونه في المال والأنعام ويعرضون عليه الأزواج فنزل قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى ٤٢: ٢٣ فلما أعياهم أمره ويئسوا أن يستنزلوه عن دينه بشيء من حطام الدنيا أخذوا في طلب الآيات والتماس المعجزات كما حكى الله عنهم في القرآن وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا من الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ١٧: ٩٠ الآيات وتواصوا على من أسلم يعذبونهم جهارا ويقاتلونهم سرا فأمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة فرارا بدينهم وهي الهجرة الأولى سنة خمس من البعث،،،
ذكر الهجرة الأولى إلى الحبشة
قالوا فخرج أحد عشر رجلا وأربع نسوة وأميرهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ وخرجت قريش في أثرهم فلم يلحقوهم ومروا القوم إلى الحبشة فآمنوا واطمأنوا قالوا وتلا رسول الله ﷺ سورة النجم فالقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فسجد المشركون وسرّوا بذلك وقالوا ما إن
стр. 810
لابن أبي كبشة يذكر آلهتنا بخير وبلغ الخبر عثمان بن عفان ومن معه بأن قريشا قد أسلموا فأقبلوا راجعين فلما دنوا من مكة أخبروا أن ذلك باطلا فلم يدخل منهم مكة أحد إلا مستخفيا أو بجواز فاشتد الأمر وأطبق البلاء بالمسلمين فأمرهم النبيّ ﷺ بالخروج ثانيا إلى الحبشة،،،
ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة
قالوا فخرجوا وأميرهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا فقال عبد الله بن الحارث بن قيس يذكر لهم ما فيه من الأمن والدعة [بسيط]
يا راكبا بلّغن عنّي مغلغلة ... من كان يرجو بلاغ الله والدين
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجى من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة ولا ... خزي الممات [١] وعيب غير مأمون
وخرج أبو بكر الصدّيق ﵁ حتى بلغ برك الغماد فلقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال إلى أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي فاسيح
стр. 811
في الأرض وأعبد ربي فقال ابن الدغنة مثلك لا يخرج تكسب المعدوم وتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق فرجع أبو بكر في جواره فقال ابن الدغنة يا معشر قريش إني [١] أجرت أبا بكر قالوا فمره [٢] يعبد ربه في بيته ولا يفسد علينا صبياننا قالوا وبعثت قريش بعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة مع هدايا إلى النجاشي ملك الحبشة على أن يسلم المسلمين إليهما فقدما وأوصلا الهدية قال إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان من عندنا [F؟ ١٣٧ v؟] سفهاء فارقوا دينهم ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا اشرافنا إليكم لتردهم إليهم فقال النجاشي حتى أسئلهم عما يقولون ثمّ استدعى أصحاب رسول الله ﷺ فجاءوه وقد جمع أساقفته وبطارقته وفرشوا مضاجعهم فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم فقال جعفر ابن أبى طالب ﵁ إنا كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونهريق الدماء ونأتي الفواحش حتى بعث الله إلينا رسولا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا
стр. 812
إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وصلة الرحم وحسن الجوار ونهانا عن الفواحش والمحارم فعدوا علينا ليردونا إلى عبادة الأصنام والأوثان فهربنا إلى بلادك واخترناك على من سواك فقال لهم انطلقوا فو الله لا أرسلكم إليهم أبدا فخرجا من عنده مقبوحين فقال عمرو لأتينه بما يستأصل به خضرآؤهم ثم غدا إليهم من الغد فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فأرسل فاسألهم ما يقولون في عيسى فقال جعفر بن ابى طالب ﵁ نقول فيه ما جاء به نبينا أنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فضرب النجاشي يده إلى الأرض وتناول منها عودا وقال ما عدا عيسى ما قلتم هذا العود ثم قرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر سورة كهيعص فآمن بالنبيّ ﷺ ورد هدية عمرو وعبد الله وصرفهما إلى مكّة ثمّ لمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وكان المسلمون يخرجون إليه وكان آخرهم جعفر أدرك النبيّ ﷺ وهو بخيبر قالوا ولما خرج رجع عمرو وعبد الله وجدوا أن عمر بن الخطاب ﵁ قد أسلم وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره فامتنع رسول الله ﷺ [به]
стр. 813
وبحمزة بن عبد المطلب حتى عادوا قريشا وكاثروهم ثم وقع الحصار في السنة [السادسة] من النبوة وبقي ثلاث سنين،،،
ذكر الحصار
قالوا واجتمعت قريش على بني هاشم وبني عبد المطّلب وتعاقدوا على أن لا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا ينكحوا منهم ولا ينكحوهم حتّى يتبرّءوا من صاحبهم ويسلمونه للقتل وكتبوا صحيفة كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر وعلقوها في الكعبة فانحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب فدخلوا الشعب وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزي بن عبد المطلب وحده وضاق الأمر عليهم لا يصل إليهم شيء من الطعام [١] إلا سرا وبقوا فيه ثلاث سنين فلما كان في السنة التاسعة من النبوّة قال النبيّ ﷺ لأبي طالب هل شعرت بأن ربي قد سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع [٢] للَّه اسما إلا اثبتته ونفت القطيعة والظلم فقام أبو طالب حتى أتى المسجد فقال يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلموا صحيفتكم فإن كان كما قال فانتهوا عن ظلمنا وقطيعتنا فإن كان كاذبا دفعته إليكم
стр. 814
قالوا رضينا [F؟ ١٣٨ r؟] فنظروا فإذا هو كما قال ﷺ فزادهم ذلك شرا ثم اجتمع نفر من قريش وقالوا يا قومنا تأكلون الطعام وتشربون الشراب وتلبسون الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يناكحون والله لا نقعد حتى نشق هذه الصحيفة الظالمة لقاطعة فقام إليها مطعم بن عدي فشقها فقال أبو طالب [طويل]
الاهل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود
ألم يأتهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا ... على ملأ يهدى لحزم ويرشد
قضوا ما قضوا من ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد
فخرجوا من الشعب،،،
ذكر خروجهم من الشعب
قال الواقدي مات أبو طالب وخديجة في السنة العاشرة من النبوة بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير وكان بين موت خديجة إلى أن مات أبو طالب شهر وخمسة أيام وقيل كان بينهما ثلاثة أيّام فتشابعت على رسول الله ﷺ المصائب واستكلبت عليه شوكة المشركين
стр. 815
وبالغوا في الأذى وكان أشدّهم عليه عمه أبو لهب عليه اللعنة وأبو جهل وعقبة وأبي بن خلف فمنهم من يقدر ببابه ومنهم من يطرح الأذى في برمته إذا نصبت ومنهم من يطرح رحم الشاة إذا سجد على ظهره ومنهم من يطأ برجليه على عنقه ومنهم من يذر التراب على رأسه ومنهم من يبزق في وجهه وجعلوا يستهزءون به ويتضاحكون منه ورسول الله صابر محتسب على الأذى ثمّ خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يستنصر،،،
خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف
قالوا وخرج مع زيد بن حارثة على حمار من هذه الدناية [١] يلتمس النصر والمنعة وأقام بها عشرة أيام فلم يدع أحدا من أشراف ثقيف إلا جاءه وكلمه وكانت رؤساء ثقيف ثلاثة أخوة عبد ياليل بن عمرو وحبيب ابن عمرو ومسعود بن عمرو فجاءهم رسول الله ﷺ وسألهم [٢] أن يمنعوه حتى يبلغ من الله أمره فقال أحدهم انا امرط ثياب الكعبة إن الله أرسلك نبيا وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلّمك أبدا
стр. 816
فقام رسول الله ﷺ وقد يئس من نصرتهم فقال أكتموا على وكره أن يبلغ ذلك قومه فيذئرهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويغطغطون وراءه ويرمونه بالحجارة حتى التجأ إلى ظل حبلة في جنب حائط فجلس فيه ودعا دعوات فسأل [١] ربه النصر والصبر وانصرف وكان مقامه بالطائف عشرة أيام فلما بلغ في منصرفه بطن نخل [٢] استمع إليه نفر من الجن،،،
قصة الجن الأولى
[F؟ ١٣٨ v؟] قالوا وقام رسول الله ﷺ من خوف الليل يصلي فمر به سبعة نفر من جن نصيبين يقال أسماءهم حسا ومسا وشارصه وناحر ولا ورد وسار سان والأحقب فآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين كما قال الله وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً من الْجِنِّ ٤٦: ٢٩ الآيات وسار رسول الله ﷺ من نخلة يريد مكة حتى أتى حراء وبعث إلى سهيل بن عمرو والأخنس بن شريق أدخل في جواركما فأبيا عليه فأرسل إلى مطعم بن عدي فأجاره وأمر بنيه فلبسوا السلاح ووقفوا عند خروجه [إلى] البيت فدخل رسول الله ﷺ مكّة وكان غيبته
стр. 817
من خروجه إلى مرجعه خمسة وعشرين يوما ويقال شهرا وفيه يقول حسان بن ثابت [طويل]
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله فيهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبي ملب وأحرما
قصة الجن الثانية
قالوا ولما انصرف النفر من نصيبين إلى قومهم وأنذروهم جاءت جماعة منهم زهاء ثلاثمائة رجل وخرج رسول الله ﷺ إلى الحجون فقرأ عليهم ودعاهم إلى الله فآمنوا به وصدقوه ثم صلى بهم وقرأ في الصلاة تبارك الملك وسورة الجن وهي فسمي ليلة الجن ثم هاجت الأزمة وهي الجوع فدعا النبي ﷺ عليهم حتى أكلوا العلهز والقد والعظام المحرقة والكلاب الميتة وحتى كان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان بن حرب وقال يا محمد جئت بصلة الرحم وقومك قد هلكوا فادع الله لهم فلمّا دخلت سنة احدى عشرة من النبوّة دعا رسول الله ﷺ فكشف عنهم بقول الله إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ ٤٤: ١٥ ثم كان انشقاق القمر بقول الله اقْتَرَبَتِ
стр. 818
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ٥٤: ١ ثم غلبت الروم بقول الله آلم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ٣٠: ١- ٤،،،
قصة الروم
وذلك أن ابرويز لما انهزم من بين يدي بهرام جوبينة مضى إلى الروم واستنجد بملكهم موريقيس فأمده بالرجال والمال وزوجه ابنته مريم وانصرف وقاتل بهرام فنفاه إلى أقصى خراسان ووثبت الروم على ملكهم فقتلوه فسرح إليهم ابرويز شهر ابراز الفارسىّ وجندا من الفرس فدخلوا قسطنطينيّة واحتووا على خزائنها وأموالها وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية وحملوا الخشبة التي يزعم النصارى أن المسيح عم صلب عليها وذلك في سنة احدى عشرة من النبوة قبل الهجرة بسنتين وأخبر الله نبيه صلى الله عليه آلم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣٠: ١- ٣ وسرّ المشركون به وجادلوا المسلمين وقالوا تزعمون أنكم تغلبوننا لأنكم أهل كتاب وهذه المجوس قد ظهرت على الروم وهم أهل كتاب فنزل وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ٣٠: ٣- ٤ فأنكروا ذلك وجحدوه فناجب أبو بكر أبي بن خلف على ذود من
стр. 819
الإبل ليظهرن الروم على فارس إلى خمس سنين فقال النبيّ ﷺ زده في الخطر ومده [F؟ ١٣٩ r؟] في الأجل فجعل الخطر ذودين والأجل سبع سنين فلما كان يوم الحذيبية انكشف شهر ابراز عن الروم حتى سار هرقل إلى العراق فأغار عليه وصدق وعد الله ثم كان بعد غلبة الروم المسرى،،،
ذكر المسرى والمعراج
أعلم أنه لا شيء أكثر من اختلاف هذه القصة أما المعراج فينكره بعض الناس وبعض يزعم أن المعراج هو المسرى ثم اختلفوا في كيفيّة المسرى فكانت عائشة ومعاوية يقولان ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه ولكن الله أسرى بروحه وكان الحسن ﵁ يقول كانت رؤيا ويحتج بقوله وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ١٧: ٦٠ وبقول ابراهيم إِنِّي أَرى في الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ٣٧: ١٠٢ ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما وكان النبيّ ﷺ يقول تنام عيناي ولا ينام قلبي قال ابن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان ونحن نذكر في ذلك طرفا كما جاء في الخبر قال الواقدي أسرى به قبل الهجرة بسنة وكان المعراج قبل ذلك بثمانية عشر شهر قال النبيّ ﷺ فاستلقاني على قفاي ثم شقا بطني
стр. 820
واستخرجا حشوي ومعهما طست من ذهب يغسل فيه بطون الأنبياء فكان جبريل يختلف بالماء من زمزم وميكائيل يغسل جوفي فقال جبرائيل لميكائيل شق قلبه فشق قلبي فأخرج علقة سوداء فالقاها ثم أدخل هرمه ثم ذر عليه من ذرور كان معه وقال وقلب وكيع له عينان بصيرتان وأذنان سميعتان أنتم قشر المغفل الحاشر ثم قال ببطني هكذا فالتأم وقالا مليء حكمة وإيمانا ثم وثبت قائما فأتيت [١] بالمعراج فإذا هو أحسن ما رأيت منظرا ألم تروا إلى ميتكم إذا احتضر كيف يشخص ببصره إليه فإنه إنما ينظر إلى حسن المعراج قال فعرجا بي إلى السماء الدنيا فلما انتهينا إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل تحت يده سبعون ألف ملك ما منهم ملك إلا وهو على مائة ألف فقال من هذا قالوا محمد قال وقد بعث قال نعم قال فتبادروا واجتمعوا وفتحوا ورحبوا ودعوا بالبركة قال ورأيت في السماء الدنيا رجلا أعظم الناس جهة فقلت من هذا يا جبريل قال أبوك آدم وإذا أرواح ذريته تعرض عليه فإذا عرض عليه روح المؤمن قال ريح طيبة وروح طيب جعلوا
стр. 821
كتابه في عليين وإذا عرض عليه روح الكافر قال ريح خبيثة وروح خبيث جعلوا كتابه في سجين ثم وصف السموات ومن فيهن ووصف الجنة والنار وأهلها قال ثم انتهيت إلى السماء السابعة فلم أسمع شيئا إلا صرير الأقلام ورأيت جبريل يتضاءل حتى كان فرخ طائر ما أكاد أتأمله وسمعت وحيه فقال لي جبرائيل اسجد فسجدت ودنوت قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ثم قال ارفع رأسك يا محمد وقد فرض الله عليك خمسين صلاة قال فرجعت إلى موسى عم ولم يزل يرده حتى حطه إلى خمس صلوات [١] قال موسى ارجع إلى ربك واسئله أن يخفف عن أمتك فإن أمتك ضعيفة قال فقلت قد استحييت من ربي ولأصبرن على هذه الخمس قال فنوديت إني قد أمضيت فريضتي وخففتها على عبادي واجزي الحسنة بعشرة أمثالها هذا من رواية الواقدي وأما ابن إسحاق فانّه روى أن النبي ﷺ لما حدث عن المسرى وما بالمسجد الأقصى قال فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى المعراج ولم أر شيئا [F؟ ١٣٩ v؟] احسن منه وأصعدني صاحبي حتى انتهى بي إلى باب
стр. 822
من أبواب السماء ثم ساق قصة شبيهة بما ساق الواقدي وسنذكر اختلاف الناس والكشف عن وجه الحق في آخر هذا الفصل،،،
قصّة المسرى
قال ابن إسحاق ثمّ أسرى برسول الله ﷺ كان فيه بلاء وتحيض وأمر من الله فيه عبرة وهدى ورحمة وكيف شاء ليريه من آياته فكان ابن مسعود يقول أتى رسول الله ﷺ بالبراق وهي الدابة التي كان يحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها منتهى طرفها فحمل عليها ثم خرج صاحبه يريه الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه ابراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فصلى بهم ثم أتى بثلاث أوان اناء فيه لبن واناء فيه خمر وإناء فيه ماء قال فسمعت حين عرضت علي قائلا يقول إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوى وغويت أمته وإن أخذ اللبن هدي وهديت أمته قال فأخذت اللبن فشربته وكان الحسن يقول أن النبي ﷺ قال بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني جبريل فهمزني برجله فجلست فلم أر فيه شيئا فعدت إلى مضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي وخرج بي إلى باب المسجد فإذا أنا بدابة أبيض بين البغل
стр. 823
والحمار وفي فخذيه جناحان ومضى في حديثه مثل حديث ابن مسعود وزاد قال لما شربت اللبن حرمت عليكم الخمر فلما أصبح عدا على قريش فقالوا إن هذا والله لبين أن العير ليطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب الناس إلى [أبي] بكر فقالوا إن صاحبكم يزعم كذا وكذا فقال أبو بكر لئن كان قاله فقد صدق فما يعجبكم من ذلك أنه يخبر الخبر من المساء إلى الأرض في ساعة فأصدقه قال وقال رسول الله ﷺ فرفع بي حتى نظرت إليه فجعل يصفه وأبو بكر يصدقه وروى الواقدي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لمّا كذّبني قريش قمت في الحجر فخيل إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وروى عن أم هاني بنت أبي طالب أنها قالت نام رسول الله ﷺ عندي وفي بيتي تلك الليلة فلما كان قبل الصبح أهبنا وقال لقد صليت عشاء الآخرة والفجر بهذا الوادي وصليت ما بينهما بالبيت المقدس وقد نشر لي الأنبياء فصليت بهم ثم قص القصة والوجه في هذا وما أشبهه أن لا يجاوز فيه نص الكتاب
стр. 824
ومستفيض السنة مع المخالف المنكر المستعظم لما يخرج عن العادة المعهودة والطبع القديم قال الله سبحانه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ من آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ١٧: ١ فالمسرى قد يكون بالروح والجسم ثمّ قال وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ١٧: ٦٠ ولا خلاف بين أهل اللغة أن الرؤيا في المنام لا غير وإن كان جاء في التفسير أنه رؤية العين فحكم العاقل أن يخاطب كلا على قدر فهمه وأي تفضيل يلحق النبي في رفع جسمه وجثته أو ليس قد أخبر أنه قد رأى في السماوات ابراهيم وموسى وعيسى وآدم وغير مختلف أنهم لم يرفعوا بأجسامهم مع أنا لا ننكر أن يرفع الله ما يشاء من جبل وحجر فكيف أنبياءه ورسله [F؟ ١٤٠ r؟] ولكن ذكرنا ما ذكرنا ليهون عليك ما يرد من كلام الخصوم ولتقصيد الاشبه بالمتعالم المعروف والله أعلم،،،
ذكر مقدمات الهجرة وأول من هاجر
قالوا وكان رسول الله ﷺ يوافي [١] كل موسم سوق عكاظ وسوق ذي المجاز وسوق
стр. 825
المجنة يتبع [١] القبائل في رحالها ويغشاها في أنديتها يدعوهم إلى أن يمنعوه ليبلغ رسالة ربه فلا يجد أحدا ينصره حتى كانت سنة إحدى عشرة من النبوة لقي ستة نفر من الأوس عند العقبة فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام وعرض عليهم أن يمنعوه فعرفوه وقالوا هذا النبي الذي يوعدنا يهودنا به وهموا يقتلوننا قتل عاد وإرم فأمنوا به وصدقوه وهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر بن حديدة ومعاذ بن عفراء وجابر بن عبد الله بن رئاب وعوف بن عفراء وعقبة بن عامر وأول من أسلم فيهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر وكان يقول في الجاهلية لا إله إلا الله ويقال بل أول من أسلم أبو الهيثم بن التيهان وكان لا يقرب في الجاهلية الأوثان فانصرفوا إلى المدينة وذكروا أمر رسول الله صلى الله عليه فأجابهم ناس وفشا فيهم الإسلام لمّا كانت اثنتي عشرة من النبوة وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلا هؤلاء الستة وستة أخر أسماءهم أبو الهيثم بن التيّهان وعبادة ابن الصامت وعويم بن [٢] ساعدة ورافع بن مالك وذكوان ابن عبد القيس وأبو عبد الرحمان بن ثعلبة فآمنوا وأسلموا
стр. 826
وواعدوا رسول الله صلى الله عليه العام [١] القابل وسألوه أن يبعث معهم من يصلي بهم ويعلّمهم القرآن فبعث معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف فتى قريش كلّها يدعو الناس إلى الإسلام وكان يدعى المهدي في زمن رسول الله ﷺ فأسلم بدعائه بشر كثير وكان في من [٢] أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيد [أ] الأوس والخزرج فلما كان سنة ثلاث عشرة من النبوة قدم من الأنصار سبعون رجلا وامرأتان أم عامر وأم منيع ورئيسهم البراء بن معرور فجاءهم رسول الله ﷺ عند العقبة وبايعوه على المنع والنصرة قال الواقدي واختلفوا في أول من ضرب يده على يد رسول الله ﷺ فقيل البراء بن معرور وقيل أسعد بن زرارة وقيل أسيد بن حضير وقيل أبو الهيثم بن التيّهان فقال لهم النبيّ ﷺ اخرجوا إلى اثني عشر نقيبا يكونوا على قومهم وأخذ عليهم الميثاق والعهد والوفاء كنقباء بني إسرائيل فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فمن الخزرج أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وسعد ابن عبادة والبراء بن معرور وعبادة [بن] الصامت وعبد الله بن
стр. 827
رواحة ورافع بن مالك بن عجلان والمنذر بن عمرو بن خنيس ومن الأوس أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة وأبو الهيثم بن التيهان فقال كعب بن مالك يذكر تلك البيعة في قصيدة طويلة [طويل]
فابلغ [أبيا] أنه قال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع
وابلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا تزهدن في حشد أمر تريده ... والّب وجمع كل ما أنت جامع
[F؟ ١٤٠ v؟] ودونك فاعلم أن نقض عهودنا ... أباه [١] عليك الرهط حتى يبايعوا
وانصرف الأنصار إلى المدينة وأمر رسول الله ﷺ بالهجرة وكان هاجر إليها قبل بيعة العقبة أبو سلمة بن عبد الأسد بسنة وهو أول من هاجر إلى المدينة ثم هاجر بعده عبيدة بن الحارث وعثمان بن مظعون ومسطح بن أثاثه ثم هاجر بعدهم عمر بن الخطّاب ﵁ وعياش بن [أبي] ربيعة وهو أخو أبي جهل بن هشام فنذرت أمه أن لا يظلها سقف بيت حتّى يرتدّ فخرج أبو جهل
стр. 828
ابن هشام والحارث بن هشام فرداه فلم يزالا يعذبانه حتى فتناه عن دينه وفيه نزلت وَمن النَّاسِ من يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ في الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ الله ٢٩: ١٠ ثم هاجر بعد ذلك وأسلم ثم خرج سائر المسلمين وبقي النبي صلى الله عليه وعلي بن أبي طالب وأبو بكر ومن لا قوة له في الحركة من ضعف وفاقة فلما رأت قريش أن شيعة النبي ﷺ قد خرجوا فزعوا من ذلك وعلموا أنه إن خرج واقع بهم فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره وروى أن الشيطان صرخ على العقبة يا أهل الاخاشب هل لكم في محمد وأصحابه فقد اجتمعوا لحربكم،،،
ذكر دار الندوة
قالوا فاجتمع رؤساء قريش في دار الندوة ومنهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبه بن ربيعة والعاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال بعضهم فاعترض لهم ابليس [١] في صورة شيخ جليل عليه إتب فقالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم فحضر ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا
стр. 829
فقام خطيبهم فقال إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان وانا لا نأمنه على الوثوب بنا فاجمعوا فيه رأيا فقال قائل منهم أرى أن تقتلوه بحديد أو أن تغلقوا عليه الباب حتى يموت فقال ابليس ما هذا برأي لأنكم لو فعلتم ذلك لأوشك أن ينزعه أصحابه من أيديكم فقال آخر أرى أن تربطوه على ظهر راحلة ثم اضربوا [١] وجهها تهيم في الأرض حيث شاءت فقال ابليس ما هذا برأي ألم تروا إلى حسن لفظه وحلاوة منطقه ولا يحل بحي ولا بلد إلا سحرهم بكلامه فقال أبو جهل أرى أن نجمع من كل قبيلة منا فتى شبيبا نشيطا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صقيلا فيعمدون إليه ويضربونه ضربة رجل واحد ويفرقون دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على الإقادة بجميع الناس فقال ابليس هذا الرأي وقد حكى في ذلك شعر ومنهم من ينسبه الى إبليس [بسيط]
الرأي رأيان رأي ليس يعرفه ... غاو ورأي كحد السيف معروف
يكون أوّله بشرى لآخره ... حقّا وآخره مجد وتشريف
стр. 830
فتفرقوا على هذا وجمعوا من فتيان قريش أربعين شابا وأعطوهم السيوف وأمروهم أن يغتالوا النبيّ ﷺ ويقتلوه،،،
ذكر ليلة الدار
قالوا فأتوا داره وأحاطوا به يرصدونه حتى ينام فيبيتون به وأتاه الخبر من السماء فثبت حتى أمسى ثم اضطجع على فراشه وتجلل ريطة له خضراء والرصد يرون ما صنعه ويترقبون نومه فدعا عليا وقال نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه وإن أتاك أبو بكر فاخبره أني قد خرجت إلى ثور أطحل وهو غار بأسفل مكة ومرة فليلحق بي وخرج رسول الله [F؟ ١٤١ r؟] صلى الله عليه وقد أخذ حفنة من التراب فجعل ينثر على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٣٦: ١- ٤ إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ٣٦: ٩ ومر إلى الغار وقد أخذ الله أبصارهم عنه فأتاهم آت فقال ما مقامكم قالوا ننتظر نوم محمد لنثور عليه قال إن محمدا قد مر وما ترك أحدا منكم إلّا وضع التراب على رأسه فقالوا فها هو نائم قال ذاك علي بن أبي طالب فاقتحموا الدار ونصوا الحلة فإذا هو علي فسقط في أيديهم وفيه نزل وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
стр. 831
الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ٨: ٣٠،،،
ذكر حديث الغار
قالوا وكان أبو بكر قد ابتاع راحلتين وحبسهما في الدار يعلفهما إعدادا لذلك الأمر فاستأجر دليلا يقال له عبد الله بن اريقط الليثي ويقال ابن ارقد ليأخذ بهما على الجادة وأمر غلامه عامر بن فهيرة أن يروح عليه يستحثه مغسفا وسوت له أسماء سفرة فحملها ومر إلى الغار فأقاما فيه ثلاثا وروى ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما خرج من داره أتى إلى دار أبي بكر وخرج معه من ظهر بيته إلى ثور فاكتتما فيه قال قائل وصرخ صارخ أن محمدا قد خرج فخرج المشركون في إثرهما فكانا يريانهم ولا يرونهما وروى الواقدي أن الله بعث العنكبوت فضرب على باب الغار ونهى رسول الله ﷺ عن قتل العنكبوت فلما أكدت قريش وخابت جعلت مائة ناقة لمن رده فخرج سراقة بن مالك وكان من فرسان القوم وأشدائهم،،،
ذكر خروج سراقة في إثرهما
قالوا وخرج في اثرهما ثم روى بعد ما أسلم قال فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي وذهبت يداه
стр. 832
في الأرض وسقطت عنه قال ثم انتزع يديه وتبعهما دخان كالإعصار فعرفت أنه حق فناديتهم انظروني أكلمكم فو الله لا آذيتكم فقال النبيّ ﷺ لأبي بكر سل ما يطلب قال ما تبتغي منا قال قلت تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك فأمر أبا بكر فكتب لي كتابا في رقعة أو قال في عظم فلما كان يوم فتح مكة أتيته بالكتاب فقال اليوم يوم وفاء وبر ادن منّى فأسلم فدنوت وأسلمت وقد روى في هذا الخبر أنه ساخت قوائم دابته ثم خرجت ولها عثار،،،
ذكر خروج النبي عم وأبي بكر من الغار إلى المدينة
قال ابن إسحاق وخرج بهما دليلهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان فهبط بهما العرج ثم لزم الجادة إلى المدينة وذكر حديث أم معبد بطوله قال وكان المسلمون بالمدينة لما سمعوا بخروج رسول الله ﷺ من مكة يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه فإذا ارتفع النهار وعلا انصرفوا إلى بيوتهم حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ وكانوا قد انتظروه ورجعوا فرآه رجل من يهود فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرج الناس وثاروا الى أسلحتهم
стр. 833
وأسرعوا يتلقونه وكان ذلك يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول فيما روى ابن إسحاق حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل وكان الزبير بن العوام لقيه في الطريق [F ١٤١ vO] مقبل من الشأم فطرح على رسول الله ﷺ ثيابا بيضا فنزل رسول الله ﷺ وأبو بكر بقبا في ظل نخلة وهي قرية بني عمرو بن عوف،،،
في ذكر اختلاف الناس في هذا الفصل
أعلم أن ما كان في هذه الأخبار من المعجزات فكلها مصدقة مقبولة إذا صحت الرواية والنقل أو شهد لها نص القرآن والدلالة عليها كذهاب قوائم فرس سراقة في الأرض وكإنزال شاة أم معبد اللبن بعد يبسها وكأخذ الله بأبصار الفتكة عن نبيه وككلام ابليس في دار الندوة وكخبر المعراج والمسرى وقصة الروم والجن ولحس الأرضة الصحيفة ونزول جبريل بالوحي وتظليل الغمام والطير له في سفره وإخبار بحيرا وعداس وورقة بأمره وما ذكر من العجائب في مولده في ظئره حليمة من نزول اللبن في ضرعها وفي ضرع شاتها وغير ذلك مما يوصف ويحكى مع ما ذكر من هذه الخصال كلها داخل في حد الجواز والإمكان بعد أن كنا مجيزين للممتنع
стр. 834
في الطبع والعادة للأنبياء وفي أيامهم فكيف الممكن المتوهم من ذلك وقد ناقض المنكرون لهذه الحال لخروجها عن العادة المجيزين لها بأنه قد تسوخ القوائم في السهلة والسباخ وفي نافقاء [١] اليرابيع والجرذان ويعود اللبن في الضرع بعد ذهابه وجفوفه بتغير الطبع وزوال العلة ووجود قوة حادثة كما قد يبصر الإنسان بعد العمى ويسمع بعد الصمم بحدوث سبب أو معنى دواء الطعام ويأخذ الله بأبصار قوم بأن يأتي عليهم النعاس أو يخفي شخص المار بهم فلا يرونه وكلام ابليس غير عجيب لأنه قد يقال لمن عمل بعمل ابليس هذا ابليس وكذلك لمن تكلم بكلام ابليس يوسوس ابليس بمثله وقد سمى الله من اقتدى بالشيطان شيطانا فقال وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ ٢: ١٤ وابليس شيطان وأما المعراج والمسرى فكفاك حجة على الخصم [عدم] اختلاف أهل الملة فيه وخبر الروم ولحس الأرضة الصحيفة وغير ذلك ممّا أخبر النبي ﷺ من أخبار الغيب فمن وحي الله وتنزيله مع أن ذلك ممكن معرفته من جملة الخبر وأما كيفية نزول جبريل بالوحي وظهوره له فإنّ الواجب أن لا يكلّم
стр. 835
الخصم إلا بإيجاب الوحي كيف شاء لأن الوحي على وجوه وحي إلهام ووحي إلقاء ووحي نلقين ووحي رؤيا وقد سئل النبيّ ﷺ كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني رواه الواقدي ونحن بحمد الله مصدقون بكل ما جاء على ظاهره وجدنا له مثلا وشبها أو لم نجد ومقرون بنزول الملك على الأنبياء سفيرا بينهم وبين الله وواسطة قال هذا المناقض في حجاجه فان قال الملحد إذا كان الأمر كما زعمت وكان كل ذلك ممكنا لعامة [١] الناس فلم سميتها معجزات الأنبياء وخصصتهم بها قيل قد يكون الشيء معجزة في وقت وهو بعينه غير معجزة في وقت آخر ويكون معجزة لقوم وغير معجزة لقوم ويكون الشيء باجتماع أجزائه معجزة ويكون كل جزء منه على الانفراد غير معجزة قال وذلك قولنا أنّ النبي ﷺ نصر ببدر في قلة عددهم فلو وجد مثله في زماننا أو في بلد الشرك لجاز ذلك [F؟ ١٤٢ r؟] وكان ممكنا ثم لا يجوز أن يسمى معجزة وقد كان لرسول الله ﷺ معجزة عظيمة في زمانه لأنه قد يقع بالاتّفاق ما لا يرجى كونه
стр. 836
ووقوعه قال والقرآن معجزة عظيمة لهم قال فاتفاق تلك المعاني للنّبيّ ﷺ وتناسقها في زمانه معجزة له أتاحها الله وقدرها علامة لنبوته هذا يرحمك الله باب كان الله أغنى [١] هذا المتكلف عن الخوض فيه والتمرس به وما أراه ابلى [٢] عنا في الإسلام أو رد عنه عادية إن لم يكن فتح عليهم باب شنعة وتلبيس وسبيل المعجزات للأنبياء في خروجها عن العادة سبيل إيجاد أعيان الخلق لا من سابقه فكما أن إيجاد الخلق لا من شيء [لا] مفهوم ولا معقول ولكن بعرف وتعلم بقيام الأدلة عليه كذلك معجزات الأنبياء عم غير موهومة ولا معقولة وإنما بعلم بقيام الأدلة عليها ولذلك جعلت مسألة الرسالة تابعة لمسألة التوحيد مرتّبة عليها وقد مضى من هذا في فصله ما كفى وأغنى وللَّه الحمد والمنة والحول والقوّة والتوفيق والهداية،،،
стр. 837
الفصل السادس عشر في مقدم رسول الله وسراياه وغزواته الى وقت وفاته ﷺ
قال قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين حين اشتدّ الضحى لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وكان خرج من الغار ليلة الخميس غرة شهر ربيع الأول ودخله يوم الاثنين وأقام فيه ثلاثا وبقى في الطريق اثنتي عشرة ليلة فكان من خروجه من مكة إلى دخوله المدينة خمسة عشر يوما فنزل تحت ظل نخلة بقبا فطفق الناس يأتونه وينظرونه وكان أبو بكر معه في مثل سنه فما كان بعرفة إلّا من كان رآه فلما زال الظلّ قام أبو بكر فأظله بردائه فعرفه حينئذ من لم يكن يعرفه ثم نزل على كلثوم بن هدم ويقال على سعد بن خيثمه وأقام عندهم يوم الاثنين والثلثاء والأربعاء والخميس ولم تكن المدينة يومئذ ممصرة وإنما كانت آطاما وحوائط وكان بنو عمرو بن عوف ينتابونه عند كلثوم بن هدم فأول ما أمر فيهم بالأصنام أن تكسر
стр. 838
فجعلوا يكسرونها ويوقدون النار فيها وأسس مسجد قبا وصلى فيه ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي وهي أول جمعة صلاها في الإسلام وبنى في مصلاه مسجدا واستقبله الناس فجعل يقول كل قبيلة اقم عندنا في العدة والعدد ويقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة قالوا فلما انتهت إلى بيت أبى أيّوب الأنصاري بركت ووضعت جرانها في الأرض فنزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب وأقام عنده سبعة أشهر إلى أن بنى المسجد في فضل البلدان قالوا وبعث رسول الله صلى الله عليه أبا رافع مولاه وزيد بن الحارثة يقدمان بعياله وأعطاهما بعيرين وخمس مائة درهم أخذها من أبي بكر الصديق [F؟ ١٤٢ v؟] فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله وسودة بنت زمعه زوجة رسول الله ﷺ وأما زينب بنت رسول الله فإن زوجها أبا العاص بن الربيع حبسها وأما رقية بنت رسول الله ﷺ فإنّها هاجرة قبله مع زوجها عثمان بن عفان وكانت هاجرت معه إلى الحبشة وقدم عبد الله ابن أبى بكر بأختيه عائشة وأسماء بنتي أبي بكر وأم رومان امرأة أبي بكر وكان رسول الله ﷺ لما خرج خلف عليا بمكة وأمره
стр. 839
أن يرد الودائع التي كانت عند رسول الله للناس إلى أهلها ففعل علي وخرج في إثره بعد ثلاث وفرضت الصلاة أربعا أربعا بعد الهجرة بشهر وكانوا يصلون قبلها ركعتين ركعتين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار وأقطع الدور وخط الخطط فلبثوا فيها وكتب كتابا وادع فيه اليهود وأقرهم على دينهم وشرط لهم أن لا يهيجهم ولا يباديهم وشرط عليهم أن ينصروه ممن دهمه ولا يظاهروا عليه عدوا فلما رأت اليهود ظهور أمره واستجابة الناس له نقضوا العهد وأخفروا الذمة وناصبوه بغيا وحسدا فجعلوا يغشونه ويسألونه عن الأغلوطات منهم حيىّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وجدي بن أخطب وزيد بن تابوة وعبد الله بن صورى ومحاض بن عابور والربيع بن أبى الحقيق وكعب ابن الاشرف وشاس بن عمرو وفردم بن كردم وغيرهم من أشرافهم ونافق رهط من أهل المدينة وظاهروهم على ذلك منهم خذام ابن خالد الذي أخرج مسجد الضرار من داره وجارية بن عامر وبحزج بن عمرو وعبد الله بن الأزعر هم الذين بنوا مسجد الضرار ومجمع بن جارية هو الذي كان يصلي بهم وأوس بن قيظي وهو الّذي قال يوم الخندق إن بيوتنا عورة وأبيرق
стр. 840
سارق الدرع ووديعة بن ثابت ومعتّب بن قشير هما اللذان قالا إنما نخوض ونلعب وجد بن قيس الذي قال ائذن لي ولا تفتني وعبد الله بن أبي [ابن] سلول الخزرجي رأس النفاق وكان القرآن ينزل فيهم ويعبر عن خبث عقيدتهم ودرن سرائرهم إلى أن أذن الله لرسوله في السيف ونزل أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا من دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله ٢٢: ٣٩- ٤٠ فاخذ في تسريب السرايا وبعث الجيوش وكانت سراياه ووقائعه أربعا وسبعين غزاة ويقال خمسا وسبعين في مهاجرة عشر سنين منها التي غزا بنفسه سبع وعشرون وقع منها في تسع القتال في بدر وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر والفتح وحنين والطائف ويقال أنه قاتل في بني النضير وكانت سنو الهجرة عشر سنين السنة الأولى سنة الهجرة والثانية سنة الأمر بالقتال والثالثة سنة التمحيص والرابعة سنة الترفيه والخامسة سنة الزلازل والسادسة سنة الاستئناس والسابعة سنة الاستغلاب والثامنة سنة الاستواء والتاسعة سنة البراءة والعاشرة سنة حجة الوداع ثم دخلت سنة إحدى عشرة من الهجرة مضى منها شهران واثنا عشر يوما ولحق بربه صلى الله عليه وسلم
стр. 841
أمّا سنة احدى من الهجرة فإن رسول الله ﷺ [F؟ ١٤٣ r؟] قدم المدينة فاقام بها بقية ربيع وربيعا وجماديين ورجبا وشعبان فلمّا دخل شهر رمضان عقد لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب وهو أول لواء عقد في الإسلام وبعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار يعترض عير القريش جاءت من الشام فلقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب وحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال فهذه أول سريّة سرت في الإسلام وفي سبيل الله فلمّا دخل شوال بعث عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكبا من المهاجرين والأنصار فلقي جمعا عظيما من قريش بسيف البحر وعليهم عكرمة ابن أبي جهل فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم وهو أول سهم رمي في الإسلام ثمّ لمّا دخل ذو القعدة [١] بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين فرجع ولم يلق كيدا وفي هذه السنة بنى بعائشة وكان تزوجها بمكة وفيها ولد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة وفيها ولد النعمان بن بشير وهو أوّل
стр. 842
مولود ولد من الأنصار بعد الإسلام وأما سنة اثنتين من الهجرة فإن رسول الله ﷺ لما مضى المحرم منها ودخل صفر خرج غازيا بنفسه حتّى بلغ ودّان بينها وبين الأبواء ستة أميال فوادعته بنو ضمرة فانصرف ولم يلق كيدا وهي أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ فلما دخل ربيع الأول غزا بواط وهو موضع في طريق الشام يعترض عيرا لقريش فرجع ولم يلق كيدا ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح [١] المدينة فخرج في إثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر [٢] وهي بدر الأولى فرجع ولم يدركه وذاك في جمادى الأولى ثم غزا ذا العشيرة في جمادى الآخرة وفي تلك الغزاة قال لعلىّ يا با تراب أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود والذي يخضب هذا من هذا ووضع يده على رأسه ولحيته ثم بعث عبد الله بن جحش في ثمانية رهط من المهاجرين في شهر جمادى الآخرة منهم أبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان وواقد ابن عبد الله وكتب له كتابا أمره أن لا ينظر فيه حتّى يسير
стр. 843
يومين ثمّ يقرأه على أصحابه ولا يستكره [١] منهم أحدا فسار عبد الله بن جحش يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم سر على اسم الله وبركته حتى تنزل نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منهم بخبر فسار عبد الله بأصحابه حتى نزلوا نخلة فمرت العير تحمل زبيبا وأدما وفيها عمرو بن عبد الله الحضرمي والحكم بن كيسان ونوفل بن عبد الله المخزومي وأخوه عثمان بن عبد الله فلما رآهم هابوا فتشاور أصحاب رسول الله ﷺ قبل أن يهل الهلال وكان آخر يوم من جمادى الآخرة [على] زعم الكلبي فحلقوا رأس عكاشة بن محصن فأشرف لهم فلما رأوه أمنوا وقال قوم عمّار لا بأس عليكم فرمى واقد بن عبد الله الحنظلي عمرو بن الحضرمي فقتله واستاسر الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وأعجزهم نوفل على فرس له وأقبل عبد الله ابن جحش بالعير والأسارى وهو أول غنيمة [F؟ ١٤٣ v؟] غنمت في الإسلام وأول قتيل قتله المسلمون وأول أسير أسروه فخاض الناس في ذلك وقالوا استحلّ محمّد العير وأتى منه شيئا وقال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام فقالوا يا رسول الله
стр. 844
قتلناهم ثم نظرنا الى رجب فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ به وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ من الْقَتْلِ ٢: ٢١٧ فأباح الله القتل في الشهر الحرام وأبطل ما كان قبل ذلك قالوا وجعلت يهود يتفألون به ويقولون واقد وقدت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وروى في المغازى هذا الشعر لأبى بكر الصدّيق ﵁ [طويل]
يعدّون قتلى في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودهم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجهم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى للَّه في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف [١] في الإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن [٢] الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان عندنا ... ينازعه غل من القد عاند
ولما دخل شعبان صرفت القبلة لنصف [٣] منه وقال ابن إسحاق
стр. 845
صرفت في رجب ورأى عبد الله بن زيد الأذان فلما دخل رمضان فرض الصيام وكان فيه بدر العظمى،،،
ذكر قصة بدر
قالوا بلغ رسول الله ﷺ أن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في عير لقريش زهاء ألف بعير لا أحد بمكة ممن له طعمة إلا وله فيها تجارة ومعها ثلاثون راكبا فندب المسلمين [١] وقال اخرجوا لعل الله أن ينفلكموها [٢] فخف بعض الناس وثقل بعض لأنهم لم يظنوا أنهم يلقون حربا وبلغ الخبر أبا سفيان بن حرب فبعث ضمضم بن عمرو الغفاريّ إلى مكّة يستنفرهم ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم بن عمرو بثلاث كأن واقفا وقف بالأبطح فصرخ بأعلى صوته الا أنفروا إلى مصارعكم إلى ثلاث يا أهل غدر ثم مشى به بعيره على ظهر أبي قبيس فصرخ مثل ذلك ثم حمل صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقيت دار من دور مكة إلا وقعت فيها فلقة وفشت الرؤيا بمكة فلقي أبو جهل العباس بن عبد المطلب فقال ما حدّثت