فما برح رسول الله حتى نزل الوحي ببراءتي وذلك قوله في سورة النور إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ٢٤: ١١ إلى رأس ستة عشر آية وضرب رسول الله ﷺ حسّان ابن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وعبد الله بن أبىّ الحدّ وفيه يقول قائلهم [طويل]
لقد ذاق حسان الذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا بظهر الغيب زوج [١] نبيهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا
وقال حسّان يعتذر من مقالته وينتقى منها [طويل]
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
[F؟ ١٤٢ v؟] فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
وأن الذي قد قيل ليس بلائي ... ولكنه قول امرئ بي ماحل
ثم الخندق وكانت في ذي القعدة
وذلك أن نفرا من اليهود
стр. 877
نقضوا العهد واخفروا الذمام وأتوا مكة فحالفوا قريشا على محاربة رسول الله ﷺ منهم سلّام بن [أبى] الحقيق النضرىّ وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع ثم جاءوا إلى غطفان وقائدها عيينة [١] بن حصن الفزاري فاستنزلوهم ودعوا إلى مثل ما دعوا إليه قريشا فتحزبت الأحزاب وتجمع الأحابيش وساروا إلى المدينة يقصدون النبيّ فاستشار النبيّ ﷺ سلمان فيما يزعمون بأمر الخندق فضرب الخندق وعمل فيه بنفسه ينشطهم وخرج في ثلاثة ألف رجل حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينهم وبين الأحزاب ونزلت قريش في عشرة آلاف وقائدها أبو سفيان بن حرب ونزلت غطفان في من [٢] تبعها وأطاعها وحاصروا النبي ﷺ والمسلمين تسعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى إلا أنه اشتدّ الأمر وضاق كما قال إذ جاءوكم من فوقكم الأسديّ ومن أسفل منكم أبو الأعور السلمىّ وغطفان وناصبهم أبو سفيان وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر [٣]
стр. 878
واقتحمت فوارس الخندق منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطّاب بن مرداس فخرج إليهم علي في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة [١] التي اقحموا الخيل منها وبارز علي عمرا فقال له عمرو وكان من مشهوري فرسان العرب ما أحب أن أقتلك يا ابن أخي قال أنا أحب أن أقتلك فحمى عمرو واحتدم ونزل عن فرسه فعقره ثم أقبل على عليّ فتنازلا وتطاردا وتجادلا واختلف بينهما ضربتان فاصابته ضربة علي فقتلته فخرجوا منهزما من الخندق وفي ذلك يقول علي فيما روى عنه [كامل]
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصواب
فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزني أثوابي
ورمى سعد بن معاذ يومئذ فقطع منه الأكحل فقال اللَّهمّ إن كنت أبقيت من حرب شيئا فأبقني وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من
стр. 879
قريظة لأنهم خانوا الأمانة وتركوا الوفاء ونقضوا عهد المسلمين قالوا ولما اشتد الأمر جاءه نعيم بن مسعود الأشجعي مسلما وكان من دواهي العرب فقال له النبيّ إنّ الحرب خدعة فاحتل لنا فخرج حتى أتى قريظة وقال قد عرفتم ودي لكم وتحقيقي [١] بكم قالوا لست عند [نا] بمتّهم قال والرأي أن لا تقاتلوا محمدا ما لم تأخذوا ورهائن من قريش [F ١٥٠ r؟] كيلا يتشمروا إلى بلادهم إن عضتهم الحرب وتحلوا بينكم وبين محمد قالوا هو الوجه ثم أتى قريشا فقال إن اليهود قد ندموا على نقض العهد وقد أرسلوا إلى محمد نرضيك منا أن نأخذ من قريش وغطفان مائة رجل فندفعهم إليك لتضرب أعناقهم فإن التمسوا منكم رجالا فلا تجيبوهم إليه قالوا هو الوجه ثم إن قريشا قالوا لقريظة إنا لسنا بدار مقامة وقد هلك الخف والحافر وأنتم أزعجتمونا عن بلادنا فاغدوا للقتال واخرجوا للميعاد فقالت قريظة إنا لا نأمن منكم أن تتشمروا إلى بلادكم إن عضتكم الحرب فإن أردتم ذلك فاعطونا رهائن تكون ثقة لنا قالت قريش صدق نعيم وقالت قريظة صدق نعيم ونصح
стр. 880
فتخاذلوا وتواكلوا [١] وأتت عليهم ليلة شاتية عاصفة الريح فجعل تكفأ قدورهم وتقطع أطناب خيامهم فارتحلوا وانصرفوا خائبين بقول الله في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ [الله] بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ٣٣: ٩ وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بالمسير إلى بنى قريظة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى استنزلهم على حكم سعد بن معاذ فحكم سعد بقتل الرجال وأخذ الأموال وسبى الذراري فساقهم رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر فأخذت الأخائذ [٢] وضربت أعناق سبع مائة رجل منهم في غداة واحدة وفي هاتين الغزوتين نزلت سورة الأحزاب واستشهد من المسلمين فيها ستة نفر وقد ذكر ابن إسحاق من أشعارهم فيها شيئا غير قليل فمنها قول ضرار ابن الخطّاب بن مرداس [وافر]
ومشفقة تظن بنا الظنونا ... وقد قدنا عرندسة طحونا
فلولا خندق كانوا لديه ... لدمرنا عليهم اخمصينا
стр. 881
وإن نرحل فانا قد تركنا ... لدى أبياتكم سعدا رهينا
في قصيدة طويلة فأجابه كعب بن مالك الأنصاري
وسائلة تسايل ما لقينا ... ولو شهدت رأتنا صابرينا
رأتنا في فضافض [١] سابغات ... كغدران الملا متسربلينا
سيعلم أهل مكة حين ساروا ... وأحزاب أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك ... وأنّ الله مولى المؤمنينا
كما قد ردكم فلا شريدا ... يغيظكم حزابا خائبينا
حزابا لم تنالوا ثم خيرا ... وكدتم أن تكونوا دامرينا
فاما تقتلوا سعدا سفاها ... فإن الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيّبات ... تكون مقامة للصالحينا
في قصيدة طويلة واصطفى [٢] رسول الله ﷺ من سبى قريظة ريحانة القرظيّة فلم تزل عنده إلى أن توفى وفي هذه السنة تزوج النبي زينب بنت جحش وأمّها أميمة [٣] بنت عبد المطّلب
стр. 882
وقصتها في سورة الأحزاب مذكورة [F؟ ١٥٠ v؟] وفيها بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان فلم يظفر به ثم دخلت سنة ست من الهجرة وهي سنة الاستئناس فبعث رسول الله عبد الله بن أنيس سرية وحده إلى خالد بن سفيان بن نبيح وكان يجمع الجموع ليقاتل النبي فخلا به عبد الله بن أنيس ثم علاه بسيفه حتى قتله ثم بعث سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء ثم غزا بني [١] لحيان ثم غزا الغابة ثم بعث سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ثم بعث سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة [٢] ثم بعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ثم [بعث] سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى ثم غزا لحيان يطلب بدم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد وعاصم بن ثابت [بن ابي] الأقلح أصحاب الرجيع ثم بعث سرية عبد الرحمن ابن عوف إلى دومة الجندل ثم سرية علي بن أبي طالب عم إلى فدك فاحتازها ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر فتطرقها وأصاب من أموالها ثم
стр. 883
سرية بشر بن سويد الجهني إلى بني الحارث واعتصموا فأضرمها عليهم حتى احترقوا ثم سرية كرز بن جابر الفهري في إثر العرنيين [١] وذلك انهم لما قدموا إلى المدينة اجتووها فأمر بهم النبيّ ﷺ إلى إبل الصدقة فشربوا من ألبانها حتى صحوا وانطوت بطونهم ثم وثبوا على الراعي فقتلوه وغرزوا [٢] الشوك في عينيه واستاقوا الإبل فبعث إليهم في إثرهم كرز بن جابر فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا وقد قيل أن فيهم نزلت إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَساداً ٥: ٣٣ الآية ثم غزا رسول الله ﷺ ذا قرد وذلك أن عيينة بن حصن بن بدر الفزاري أغار على لقاح رسول الله ﷺ فخرج في إثره وقاتل قتالا شديدا واستنقذ بعض اللقاح وفيه يقول حسّان [متقارب]
أظن عيينة أن زارها ... بأن سوف يهدم منا قصورا
فعفت المدينة أن زرتها ... وألقيت للأسد فيها زئيرا
أمير علينا رسول المليك ... أحبب بذاك إلينا أميرا
стр. 884
ثم كانت عمرة الحديبية في ذي القعدة من سنة ست وذلك أن رسول الله ﷺ رأى في المنام أنه دخل مكة فأخبر أصحابه وأحرم بعمره وخرج في سبع مائة رجل وساق الهدى حتى إذا كان بعسفان استقبله بشر بن سفيان الكعبي فقال إلى أين يا محمد هذه قريش قد أقبلت ومعها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون [١] الله أن لا يدخلها عليهم وهذا خالد ابن الوليد قد قدموه إلى كراع العميم فقال النبي ويل أم قريش لقد أكلتهم الحرب فو الله لا أزال أجاهد على ما بعثني الله به حتى يظهر دينه وتنقرض هذه السالفة خالفوا بنا الطريق فأخذوا على طريق وعر حتى نزل الحديبية وبعث عثمان بن عفان يخبرهم أنه لم يأت لحرب ولا مكاشفة وإنما أتى زائرا لهذا البيت فحبسوا عثمان وبلغ النبيّ ﷺ أن عثمان بن عفان قد قتل فقال إن كان عثمان قتل فلا نبرح حتى نناجز القوم ثم دعا إلى البيعة وهي [F؟ ١٥١ r؟] بيعة الرضوان تحت الشجرة وكانت البيعة على الموت ثم أتاه أن الذي ذكر من أمر عثمان كان باطلا وبعثت قريش سهيل بن عمرو [٢] ليصالح النبي على أن يرجع
стр. 885
عنهم عامه هذا وأن تخلو له مكة عاما قابلا ثلاثة أيام ليقضي حاجته وأن يضع الحرب من بين الناس عشر سنين يكفّ بعضهم عن بعض وأن من أتى من قريش رده إليهم ومن أتى قريشا ممن مع محمد لم يردوه إليه وإن من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه واصطلحوا على هذا وكتبوا العقد بينهم وتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عهد محمد وعقده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عهد قريش وعقدهم ثم قام رسول الله ﷺ إلى هديه فنحر [هـ] وحلق رأسه وفعل المسلمون مثل ذلك وأقبل راجعا إلى المدينة فنزل في الطريق إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ٤٨: ١ فصار تصديق الرؤيا في العام القابل وفي هذه السنة ظهرت الروم على فارس وانكشف شهرابرا [ز] عن طريق هرقل حتى سار إلى العراق فأفسدوا عليه وأغاروا وفيها جاء وفد السباع إلى رسول الله ﷺ كما روى،،، ثم دخلت سنة سبع من هذه الهجرة وهي سنة الاستغلاب وفيها كانت غزوة خيبر قالوا وسار رسول الله ﷺ إليها في ألف وأربع مائة رجل ونزل بساحتهم ويفتتحها حصنا حصنا وهي حصون وآطام حتّى انتهى الى الوطيح والسلالم فحاصرهم سبع عشرة ليلة فخرج
стр. 886
مرحب وقد جمع عليه سلاحه وهو يقول [رجز]
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب
فأجابه كعب بن مالك
قد علمت خيبر أني كعب ... وانّنى ممن يشب الحرب
معي حسام كالعقيق عضب
وخرج إليه محمد بن مسلمة وتجاولا وتطاردا وعرضت بينهما شجرة فتجاولا يلوذان بها إلى أن قطعاها ثم ضربه محمد بن مسلمة فقتله هذا رواية أصحاب الحديث وأما الشيعة فإنهم يختلفون أن عليا قتله وذلك مشهور في أشعارهم قالوا وبعث النبيّ ﷺ أبا بكر إلى حصن من حصونهم فذهب وقاتل ثم رجع ولم يفتح فقال عم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ليس بفرار وكان علي [١] عم رمد العين فتفل في وجهه وأعطاه الراية فمضى إليه وخرج إليه أهل الحصن والقى به
стр. 887
فقاتل حتى فتح الله على يده قال سلمة بن الأكوع فلقد رأيتني في سبعة نفر نجتهد أن نقلب ذلك الباب فما نقدر أن نقلبه هذه الرواية الصحيحة فأما ما يقوله القصاص فلا نعرفه وبخيبر أهدت امرأة سلّام بن مشكم الشاة المشويّة إلى النبيّ ﷺ وبها قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة في من [١] معه من المسلمين وفيه يقول حسّان [خفيف]
بئس ما قاتلت [٢] خيابر عما ... جمعت من مزارع ونخيل [٣]
كرهوا الحرب فاستبيح حماهم ... وأقروا فعل اللئيم الذليل
[F؟ ١٥١ v؟] وذلك قول الله تعالى فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ من دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ٤٨: ٢٧ ثم غزا رسول الله ﷺ وادي القرى بعد منصرفه من خيبر ويقال قايل فيئها [٤] ثم بعث سرية عمر بن الخطاب إلى تربة [٥] فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث سريّة غالب بن
стр. 888
عبد [١] الله الى الميفعة [٢] وفيها قتل أسامة بن زيد مرداس بن نهيك بعد ما شهد بالحق فنزل وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ٤: ٩٤ الآية ثم بعث سرية بشير بن سعد [٣] إلى مرو جناب [٤] من فدك ووادي القرى ثم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء في ذي القعدة وهو الشهر الذي صده فيه المشركون ويقال لها عمرة القصاص فدخل مكّة وقضى نسكه وأقام بها ثلاثا وتزوج ميمونة بنت الحارث وفيها نزل لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ٤٨: ٢٧ الآية ثم بعث عبد الله بن [أبي] حدرد إلى أضم سريّة فقتلوا عامر بن الاضبط بعد ما حياهم بتحية الإسلام فأنكر ذلك عليهم رسول الله ﷺ وفي هذه السنة اتخذ الخاتم ونقش فصه محمد رسول الله وبعث رسله إلى الملوك يدعوهم إلى دين الله فبعث حذافة السهمي إلى كسرى ابرويز بن هرمز بن انوشروان فمزق كتابه وكتب إلى باذان عامل اليمن بأن يبعث بمحمد إليه مربوطا وقد ذكرنا قصّته في موضعه فقال النبيّ ﷺ مزّق
стр. 889
كتابي مزق الله عليه ملكته وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل بن قيصر ملك الروم فوجده بمحص يمشي راجلا إلى بيت المقدس شكرا للَّه على ما منحه من الظفر على فارس وذلك وعد الله فيهم وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ٣٠: ٣- ٤ فوضع كتاب رسول الله على وجهه ودعا الناس إلى اتباعه فأبوا عليه فلما أخبر النبي قال بقي ملكهم أو ثبت وبعث عمرو ابن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة فآمن وأسلم وبعث حاطب بن بلتعة [١] إلى المقوقس ملك القبط والاسكندرية فأجاب بأن القبط لا يتابعني على اتباعك وأنا أظن [٢] بملكي وبعث إليه بمارية القبطية أم ابراهيم بن رسول الله ﷺ وأصحبها خصيا وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا ووهب لحاطب مالا عظيما وبعث العلاء [بن] الحضرمي إلى المنذر بن [ساوى] ملك البحرين فاسلم وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة الحنفي فرد ردا جميلا وبعث شجاع بن وهب إلى الحراث الأصغر وهو الحارث بن أبي شمر الغساني ملك دمشق فاستخف به ورمى بكتابه فقال عم
стр. 890
باد ملكه وفي هذه السنة كانت وقعة ذي قار وقد مضت قصتها ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة وهي الاستواء فبعث سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح فأوقع بهم وقتل وسبى وساق نعما كثيرا وشاء وخرج صريخ القوم [١] للقتال فسال وادي قديد من غير سحاب عندهم ولا مطر حتى حال بينهم وبين الصريخ [F؟ ١٥٢ r؟] فوقفوا ينظرون إليه وهم يسوقون [٢] نهبهم ثم بعث سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر فلم يلق كيدا ثم بعث كعب بن عمير إلى ذات اطلاح ثم غزوة مؤتة وهي بأرض الشام،،،
قصة مؤتة قالوا
أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير رسولا إلى بني شرحبيل بن عمرو عامل هرقل فقتل رسول رسول الله ﷺ ولم يقتل له رسول غيره فبعث إليها ثلاثة ألف رجل واستعمل عليهم زيد بن حارثة إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب وان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فصاروا حتى بلغوا موتة وهي قرية من حدود الشام فبلغهم أن هرقل نزل بأرض
стр. 891
البلقاء في مائة ألف وانضم إليه من لخم وجذام مائة ألف فانحازوا إلى موتة وأتتهم هوادي الخيل وناوشهم القتال حتى استشهد زيد بن حارثة فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وتقدم فقاتل حتى إذا ألجمه القتال نزل عن فرسه فعرقبه وهو يقول [رجز]
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وطيب شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... على إذ لاقيتها ضرابها
فقطعت يمينه فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله فاحتضن بصدره واستشهد وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في سن عيسى عم فأبدله الله منها جناحين يطير بهما في الجنة ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وهو يقول [رجز]
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... قد طال ما [قد] كنت مطمئنة
هل أنت إلا بطنة في شنه
وقاتل حتى قتل ﵀ فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى انصرف فتلقاهم الناس وجعل الصبيان
стр. 892
يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله وفيه يقول حسّان [طويل]
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بموتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله هم خير عصبة ... تواصوا وأسباب المنية تخطر
ثم بعث سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من ناحية الشأم فكتب إلى النبي يستمده فبعث إليه بسرية أميرها [أبو] عبيدة بن الجراح وفيها أبو بكر وعمر ﵄ فأصابوا شيئا كثيرا ثم سرية الخبط [١] وأميرها أبو عبيدة إلى سيف البحر فجعلوا يختبطون لما أرملوا فأخرج الله لهم دابة أصابوا من لحمها وودكها شيئا حتى سمنوا وغلظوا ثم سرية أبي قتادة إلى خضيرة [٢] من أرض الشأم فلم يلق كيدا،،،
فتح مكة في شهر رمضان
وذلك أن خزاعة كانت دخلت في عقد النبيّ ﷺ يوم الحديبية وبنو بكر في عقد قريش فعدت
стр. 893
بنو بكر على خزاعة وهم على ماء بأسفل مكة [F؟ ١٥٢ v؟] يقال له الوتير فبيتوهم ورفدتهم قريش بالسلاح فقاتلوهم فخرج عمرو ابن [سالم] الخزاعي حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ وذكر شأنهم وما كان من بني بكر وقريش من نقض العهد وقال [رجز]
لاهمّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الا بلدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك الموكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... نتلو القرآن ركعا وسجّدا
فأمر رسول الله ﷺ بالتجهيز إليهم فقال له أبو بكر اتنصرهم على قومك قال لا نصرت إن لم أنصرهم فخرج في عشرة آلاف رجل وسار حتى نزل بساحتهم ولا علم لهم بشيء من ذلك فأمر كل رجل أن يوقد نارين عظيمتين وخرج العباس بن عبد المطلب على بغلة رسول الله يلتمس أحدا يبعثه إلى قريش بالخبر وكانت قريش لما خفى عليهم أمر المدينة رابهم ذلك وخرج أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء يتجسسان فلما أشرفا على العسكر والنيران هالهما ذلك فسمع العباس قول أبي سفيان لبديل
стр. 894
ما رأيت عسكرا قط أكثر من هذا فناداه العبّاس يا با حنظلة هذا رسول الله ﷺ ومصباح قريش قال فما الحيلة قال أن تركب في عجز هذه البغلة حتّى استأمن لك رسول الله ﷺ فركب خلفه ومر حتى بلغ عمر بن الخطّاب ﵁ فلما رأه قال الحمد للَّه الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد وخرج يشد نحو رسول الله ﷺ فقال عمر وهذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه فدعني أضرب عنقه فقال له العباس لا سبيل لك عليه إني قد أجرته فبات عنده تلك الليلة فلما أصبح أتى النبيّ ﷺ فقال ما آن لك أن تعلم أنّه لا إله إلا الله فقال بأبي أنت وأمي ما أجملك وأكرمك وأوصلك للرحم لو كان معه غيره لقد أغنى عنا شيئا فقال له العباس إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن إلا عبد الله بن سعد بن ابى سرح ومقيس بن ضبابة وحويرث بن نقيذ [١] فاقتلوهم ولو وجدتموهم تحت أستار الكعبة فجاء أبو سفيان إلى مكة فنادى هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن حلّ
стр. 895
داري فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن فتفرق الناس وأخذت بلحيته هند بنت عتبة وقالت بئس الشيخ والله اقتلوه هلا مت كريما ودخل رسول الله في عشر سرايا كل سرية ألف رجل وهو في كتيبة خضراء من المهاجرين والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق فأتى المسجد فطاف وحول الكعبة أصنام فجعل يشير إليها بقضب في يده وهو يقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ١٧: ٨١ وهي تخر لوجهها وفيه يقول بعضهم [وافر]
وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب والعقابا
وأقام بمكة خمسة عشر يوما يقصر الصلاة ثم خرج إلى حنين،،،
[F؟ ١٥٣ r؟] ذكر غزوة حنين
خرج رسول الله ﷺ من مكة إلى هوازن وثقيف والطائف وقائدهم مالك بن عوف [١] قد جمعوا أحابيشهم ولفهم وساقوا نعمهم ونسأهم التماس الحفيظة وأخرجوا معهم دريد بن الصمة في شجار وهو شيخ كبير ليس فيه شيء غير التيمن برأيه فلما بلغوا أوطاس قال دريد نعم مجال الخيل
стр. 896
لا حزن ضرس ولا سهل دهس وأنشد [رجز]
يا ليتني فيها جذع ... أخب [١] فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
وخرج رسول الله في اثني عشر ألفا عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفين من طلقاء مكة ويقال أنه لما نظر إلى كثرة من معه قال لن نغلب اليوم من قلة [٢] فلما استقبلوا وادي حنين كان القوم قد كمنوا في الشعاب والاخبات وكسروا جفون سيوفهم فشدوا على المسلمين شدة رجل واحد فانهمروا راجعين لا يلوى أحد على أحد ورسول الله ينادي هلموا أنا رسول الله ثم قال للعباس اصرخ في الناس وكان رجلا صيتا يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة ففاء فيه المسلمون وحمى الوطيس واشتدت الحرب واجتلدوا فانهزم المشركون وانحازوا إلى الطائف وأغلقوا باب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال من الدبابات والضبور والمجانيق وأصاب المسلمون من سبي هوازن
стр. 897
ستة آلاف رأس ومن النعم والأموال ما لا يحصى وفيه يقول العباس بن مرداس السلمىّ [بسيط]
ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزا وعند الله مدخر
وقد ضربنا بأوطاس أسنتنا ... والله ينصر من يهدى وينتصر
وسار رسول الله ﷺ من حنين إلى الطائف قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة ورماهم بالمنجنيق ثم زحف نفر من أصحابه تحت الدبابة فأرسلوا عليهم الحديدة المحماة فأحرقوهم وقال النبي لأبي بكر رأيت أني أهديت إلى قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراقت فقال أبو بكر ﵁ [ما] أظن أن تدرك هذه قال وأنا وارتحل من ساعته حتى نزل الجعرانة فأتاه وفد هوازن وفيهم ظئره حليمة بنت ذؤيب فقالوا يا رسول الله إنما في الحصار عماتك وخالاتك وحواضنك فأمنن علينا من الله عليك فقال أولادكم ونساءكم أحبّ إليكم أم [١] أموالكم قالوا أولادنا ونساءنا قال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا صليت فتقدموا وقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين في أبنائنا
стр. 898
ونسائنا ففعلوا ذلك فقال النبي ﷺ أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله فردوا إليهم أولادهم ونساءهم وأعطى رسول الله ﷺ ذلك اليوم المؤلفة قلوبهم مائة مائة وأعطى أبا سفيان مائة وأعطى لمعاوية [F؟ ١٥٣ v؟] [١] بن أبي سفيان مائة وأعطى صفوان بن أمية مائة وحويطب بن عبد العزي وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وأعطى العباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال [متقارب]
وكانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر في الأجرع
فأصبح نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يضع اليوم لا يرفع
فقال عم اقطعوا عني لسانه فاعطوه حتى رضي واعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة وانصرف راجعا إلى المدينة وفي هذه السنة ولد إبراهيم بن رسول الله ﷺ وأتاه جبريل فقال السلم عليك يا إبرهيم وفيها مات ملك دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني فملك مكانه جبلة بن الأيهم وفيها ملكت بوران دخت
стр. 899
بنت أبرويز فقال الرسول عليه الصلاة والسلم حين بلغه الخبر لا يفلح قوم عليهم امرأة ثم دخلت سنة تسع من الهجرة وهي سنة براءة فبعث سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم فأغار وسبى وغنم ثم بعث سرية علقمة بن مجزّز المدلجي [١] إلى الساحل بمراكب الحبشة فلم يلق كيدا ثم سار إلى تبوك،،،
ذكر غزوة تبوك
وهي من حد الروم ويسمى جيش العسرة وكان سبب هذه الغزاة أن هرقل أظهر قصد رسول الله ﷺ بنفسه فقال النبيّ تهيّئوا لغزاة الروم وذلك في شدة الحر وجدب البلاد وقد طابت الظلال وأينعت الثمار وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخا وما خرج رسول الله ﷺ في سفر إلّا يورّى بعيره إلّا تبوك فإنه أفصح بها وبينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدد وأمر الناس بالنفقة والحملان في سبيل الله وهذه القصة مذكورة في كتاب الله في سورة براءة وخرج رسول الله في ثلاثين ألفا منهم عشرة آلاف فارس واثنا عشر ألف راكب وثمانية آلاف راجل وخلف عليا في أهله فقال رجل ما خلفه إلا استثقالا له فلما سمع علي أخذ سلاحه ومضى حتى أدركه فذكر
стр. 900
له قول الناس فقال أما ترضى يا بالحسن أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرضي علي ورجع وسار النبي حتى أتى تبوك وقد تفرقت جموع هرقل فلم يلق كيدا وبعث من تبوك خالد بن الوليد إلى دومة الجندل،،،
سرية خالد بن الوليد إلى اكيدر
صاحب دومة الجندل من تبوك [F؟ ١٥٤ r؟] وقد قال له النبي ﷺ تجده [١] يصيد البقر فاتاه خالد في ليلة مقمرة وهو على سطح فجاءت البقر تحك بقرونها باب القصر فخرج في فرسان وتلقاهم فأسروه وأتى به النبي ﷺ فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله وفيه قال [وافر]
تبارك سائق البقرات أني ... رأيت الله [يهدي] كلّ هاد
فمن يك حائدا [٢] عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد
وفي هذه السنة نزلت سورة براءة فبعث أبا بكر أميرا على الحاجّ وأتبعه بعليّ بن أبي طالب مع تسع آيات من سورة براءة وامره بأن يقرأها على الناس ويؤذنهم بنقض العهد وقطع الذمّة فانصرف
стр. 901
أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال أنت الأمير وعلي المبلغ فإنه لا يبلغ رجل عني إلا مني فقام علي في الموسم والناس على سكناتهم من أهل الشرك فنادى أني [رسول] رسول الله إليكم قالوا بماذا قال إنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد من رسول الله فهو إلى مدته ومن لا عهد له فله المدة إلى مأمنه وتلا عليهم الآيات فقال المشركون انا نبرأ إلى الله من عهدك وعهد ابن عمك اللَّهمّ انا منعنا تبرك [١] ثم دخلت سنة عشرة من الهجرة وهي سنة حجة الوداع فبعث سرية عكاشة بن محصن إلى الجناب [٢] فلم يلق كيدا ثم بعث سرية أسامة بن زيد إلى بلقاء [٣] من أرض فلسطين قال أثير بدم أبيك فقتل وسبى وأحرق ثم بعث سريّة عليّ ابن أبي طالب إلى اليمن لقبض الصدقات ويقال كانت مرتين ثم بعث سرية عبد الله بن حذافة السهمي وفي هذه ضربت الوفود إلى رسول الله ﷺ وذلك أنّ الناس كانوا يتربصون بالإسلام قريشا فلما أسلمت قريش أسلمت العرب ودخلوا في دين
стр. 902
الله أفواجا وفيها حجّ رسول الله ﷺ لخمس بقين م؟ ذي القعدة وأحج نساءه كلهن وساق الهدى وخطب خطبة الوداع ويقال خطبة البلاغ وهي مشهورة في العامة فقال يا أيها الناس [اسمعوا] قولي فأني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أبدا وقفل إلى المدينة وفي هذه السنة كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله ﷺ ثم دخلت سنة إحدى عشرة من الهجرة وهي سنة الوفاة فبعث عمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي [١] الأزدي ملك عمان يدعوه إلى الإسلام وأمر أسامة بن زيد على البعث إلى الشام ومرض رسول الله مرضة التي قبضه الله فيها وذلك أنه نعي نفسه إلى أصحابه قبل موته بشهرٍ ثم ابتدأ بشكواه في ليال بقين من شهر ربيع الأول صلى الله عليه وعلى آله وصحابه الى يوم الدين أجمعين،،، آخر الجزء الثاني ويتلوه في الجزء الثالث الفصل السابع عشر في خلق رسول الله وخلقه ﷺ والحمد للَّه رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين الطيبين وسلم تسليما كثيرا
تمّ الجزء الرابع
стр. 903
المجلد الخامس
الفصل السابع عشر في صفة خلق رسول الله ﷺ وخلقه وسيرته وخصائصه وشرائعه ومدة عمره وذكر أزواجه وأولاده وقراباته وخبر وفاته على سبيل الاختصار والإيجاز
[F؟ ١٥٥ v؟]
ذكر خلق رسول الله ﷺ وخلقه
قد أكثر الناس في صفته واختلفت الرواية من طرق شتى وأحسن ما أراه حديث علي بن أبي طالب ﵁ من رواية عيسى بن يونس عن مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد [عن] رجل من ولد علي عن علي أنه كان إذا نعت النبي ﷺ قال لم يكن بالطويل الممعط ولا القصير المتردد كان ربعه من القوم لم يكن بالجعد القطط ولا السبط كان جعداً رجلاً ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم وكان في وجهه تدوير أبيض مشرب حمرة وأدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد أجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صببٍ وإذا التفت التفت معاً بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس
стр. 904
كفاً وأحسن الناس صدراً وأصدق الناس لهجةً وأوفى الناس ذمةً وألينهم عريكةً وأكرمهم عشرةً من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه لم يكن قبله ولا بعده مثله، هذا رواية علي كرم الله وجهه وهو أعلم به من غيره وقد فسر أبو عبيد [ة] غريب ما في هذا الخبر وروى ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت إذا وصفت النبي ﷺ قالت كما قال أبو طالب عمه [طويل]
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... تمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به أفناء فهر بن مالك ... فهم عنده في نعمة وفواضل
وكان أصحابه يتعرّفون فيه قول حسّان بن ثابت [بسيط]
تاللَّه ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل النبي نبي الرحمة الهادي
ولا برى الله خلقا من خلائقه ... أوفى بذمة جار أو بميعاد
وروى عوف عن الحسن عن عائشة أنها سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت كان خلقه كما جاء في القرآن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٦٨: ٤ وروى الزهري عن عروة عن ابن عباس أنه قال في صفة رسول الله ﷺ أكرم الناس خلائق وأجودهم كفاً ولقد دخل مكة عنوة
стр. 905
بالسيف فقال ماذا تظنون ماذا تقولون فتبادروا نظن خيراً ونقول خيراً أخ كريم وابن أخٍ كريم وقد قدرت فقال إني أقول كما قال أخي يوسف لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ ١٢: ٩٢ فعفا عنهم جميعاً وفي رواية أنس خادم النبي صلى الله عليه أنه كان يلبس الصوف ويخصف النعل ويحلب الشاة ويكنس البيت ويركب الحمار ردفاً ويجيب دعوة العبد ولنا فيه صلى الله عليه أسوة [F؟ ١٥٦ r؟] وكان عمر بن الخطاب ﵁ لا يثبت آية إلا بشهادة شاهدين عدلين فجاءه رجل بهذه الآية لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ٩: ١٢٨ فقال هلم أجر شهادتك وحدك لأنه كان كذا فأما ما روى القصاص أنه كان يماشي الطوال فلا يقصر عنه ويماشي القصير فلا يطاوله ويقف في الشمس فلا يرى ظله ويسير مع الفرس الجواد فلا يسبقه وأنه كان إذا تعرى لم يقع البصر على عورته وما خرج منه لم يوجد له رائحة فاشياً لم تصح الرواية بها ولا عرف في طباع الناس مثلها،،،
ذكر أباء رسول الله
قد سبق من نسبه واختلاف الناس فيه ما يغني عن الإعادة والتكرار فهو محمد النبي بن عبد الله الذبيح بن عبد المطلب شيبة الحمد ومطعم الطير وساقي الحجيج بن عمرو
стр. 906
هاشم الثريد وقاطع الأحقاد وسان الائلاف بن المغيرة عبد مناف بيضة قريش بن قصي مجمع القبائل وقصي أول من أصاب من قريش ملكاً،،،
ذكر أمهات رسول الله
أمه التي ولدته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب ابن فهر فرسول الله ﷺ يرجع إلى كلاب بخمسة آباء من قبل أبيه ومن قبل أمه ولم يكن لأم رسول [١] الله ﷺ أخ ولا أخت فيكون خال النبي وخالته ولكن بنو زهرة يزعمون أنهم أخوال رسول الله ﷺ لأن آمنة أمه منهم،،،
جدات رسول الله
من قبل أبيه أم أبيه عبد الله فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم وأم أبي عبد الله عبد المطلب بن هاشم سلمى بنت عمرو من بني النجار وكانت قبل هاشم عند أحيحة بن الجلاح فولدت له عمرو بن أحيحة فهو أخو عبد المطلب لأمه وأم هاشم عاتكة بنت مرة من بني سليم وأم عبد مناف عاتكة بنت هلال ويقال حبى بنت حليل [٢] الخزاعي وقد
стр. 907
رفعت النساب هذه الأنساب كلها إلى أصولها ولو اقتدينا بهم لبطل شرطنا الاختصار ولكن اكتفينا بما أودعت الكتب منها لأنها أشفى وأكفى إذ هي لها أفردت ولها وضعت ولكن الكتاب جامع الفنون ولا يحتمل الفن الواحد الاستقصاء والاستكمال،،،
جدات النبي من قبل أمه
أم أمه [١] آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم برة أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى [٢] بن قصي وأم أم حبيب برة بنت عوف وأم عبد مناف [٣] أبي وهب زهرة وإليها ينسب ولدها دون الأب قال أبو عبيدة ولا يعرف اسم أبي عبد مناف بن زهرة وزهرة أمه وقد أقيمت في التذكير مقام الأب فقيل زهرة بن كلاب بن مرة أخو قصي وأم زهرة وقصي فاطمة بنت سعد من أزد السراة فأما الأجداد فقد عرفتهم في نسبة الآباء،،،
ذكر عمومة النبي
كان لعبد المطلب عشرة ذكور لصلبه وستة إناث أما الذكور فعبد الله والحارث والزبير وضرار والمقوم وحمزة والعباس
стр. 908
وابو طالب واسمه عبد مناف وجل واسمه الغيداق وأبو لهب واسمه عبد العزى] [F؟ ١٥٦ v؟] و] عاتكة وصفية وأميمة وبرة وأروى وأم حكيم وهي البيضاء ولم يسلم من أعمامه غير حمزة والعباس ولا من عماته غير صفية ويقال أيضا اروى أسلمت والشيعة أيضا يقولون أن أبا طالب أسلم وعبد الله أبا النبي أسلم ويزعم بعضهم أنه لم يكن في نسبه أحد كافر الى آدم عم وكان هؤلاء لأمهات شتى ليس من عزمنا أن نذكرهن في هذا الموضع،،،
ذكر [بني] أعمامه [١]
لم يكن لعبد الله غير رسول الله ﷺ ولد ولم يعقب الغيداق ولا ضرار ولا المقوم ولا حمزة وكان لحمزة ابن يقال له عمارة وبه يكنى أبا عمارة وبنت يقال لها بنت أبيها فلم يعقبوا فأما أبو لهب [٢] فولد عتبة وعتيبة ومعتبا وبنات أمهم أم جميل بنت حرب بن أمية عمة معاوية بن أبي سفيان ونوفلاً والمغيرة وربيعة وعبد شمس وأروى أعقبوا وأسلموا وأما الزبير بن عبد المطلب فكان شاعراً ولد عبد الله بن الزبير فأسلم ولم يعقب وكانت للزبير بنات
стр. 909
منهن ضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود وأم حكيم بنت الزبير وأما ابو طالب فولد عليّا عم وعقيلاً وجعفراً وأم هانئ وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وأسلموا كلهم وأعقبوا غير طالب بن أبي طالب وأما العباس بن عبد المطلب فولد اثني عشر نفرا عبد الله وعبيد الله والحراث وأميّة وعبد الرحمن ومعبدا وقثم والفضل وثماماً وكثيراً [١] وصفية وأم حبيب أسلموا وأعقبوا إلا الفضل فإنه لم يعقب وسنذكر أخبارهم في موضعها،،،
[ذكر عماته] [٢]
أما برة بنت عبد المطلب فكانت عند عبد الأسد بن هلال المخزوميّ فولدت أبا سلمة بن عبد الأسد رضيع رسول الله ﷺ وأما صفية بنت عبد المطلب فكانت عند العوّام ابن خويلد بن عبد العزى فولدت له الزبير بن العوام وأما أميمة بنت عبد المطلب فكانت عند جحش بن رياب الأسدي فولدت له زينب بنت جحش وحمنة بنت جحش وعبد الله بن جحش،،،
стр. 910
ذكر أظاره
يقال أن أول من أرضعته قبل حليمة بنت أبى ذؤيب امرأة بمكة من أهلها يقال لها ثويبة أرضعت رسول الله ﷺ [١] وأبا سلمة وأبا سلمة بن عبد الأسد هما رضيعاه ثم استرضع من حليمة بنت أبى ذؤيب واسم أبى ذؤيب عبد الله ابن الحارث من بني بكر [٢] بن هوازن واسم زوج حليمة الحارث ابن عبد العزى من بني سعد وإخوة رسول الله من الرضاعة عبد الله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث وجذامة بنت الحارث ولقبها الشيماء [٣] وكانت حليمة أرضعت أبا سفيان بن حرب فكان أخاه من الرضاعة وأسلم عام الفتح وكانت حاضنة رسول الله ﷺ أم أيمن مولاة [أم] أسامة بن زيد وأسلمت حليمة وأولادها وزوجها،،،
[F؟ ١٥٧ r؟]
ذكر زوجاته
اختلفوا في عددهن فأكثر ما قالوا سبع عشرة [٤] امرأة سوى السراري أولادهنّ خديجة بنت خويلد ثم سودة بنت زمعة ثم عائشة بنت أبي بكر ثم حفصة بنت عمر ثمّ
стр. 911
زينب بنت خزيمة ثم زينب بنت جحش ثم أم حبيبة ثم صفية بنت حيي بن أخطب ثم جويرية [١] بنت الحارث بن [٢] ضرار وتزوج عمرة بنت زيد الكلابية وكانت قبله تحت الفضل بن عبّاس قال ابن إسحاق كانت حديثة العهد بالكفر فلما قدمت على رسول الله استعاذت منه فقال معاذ منيع فطلّقها قبل أن يدخل بها ويقال إنّ رسول الله دعاها فقالت انّا نؤتى ولا نأتي فردها وقال قوم بل هي أميمة بنت النعمان بن شراحيل فلما دخل عليها النبي ﷺ قال هبي لي نفسك قالت وهي تهب الملكة نفسها للسوقة فقال الحقي بأهلك ويقال بل هي مليكة الليثية والله أعلم وتزوج أسماء بنت كعب الجونية فلم يدخل بها حتى طلقها يقال رأى لمعة من برص وتزوج فاطمة بنت الضحاك فطلقها قبل الدخول وتزوج امرأة من بني بكر يقال لها عمارة وصفها له أبوها ثم قال وأزيدك أنها لم تمرض قط فقال ما لها عند الله من خلاق وطلقها ومن سراريه مارية القبطية وريحانة القرظية ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة وقبض رسول الله ﷺ
стр. 912
عن تسع عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وصفية وجويرية وسودة وميمونة وزينب بنت جحش،
خديجة
بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأمها فاطمة بنت زائدة من عامر ابن لؤىّ وتزوجها النبي ﷺ وهي ابنة أربعين سنة ورسول الله ابن خمس وعشرين سنة وكانت قبله تحت عتيق بن عبد الله ويقال ابن عائذ وولدت له جارية ثم خلفه عليها أبو هالة هند بن زرارة فولدت له هند بن هند رباه رسول الله ﷺ هذه رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وأمّا ابن إسحاق فإنه يقول اسم أبي هالة النباش بن زرارة قال وولدت له رجلا وامرأة وولدت لرسول الله ﷺ ولده كلهم إلا إبراهيم بن مارية ومكثت عند النبي ﷺ خمساً وعشرين سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت وكانت وزير صدق لرسول الله ﷺ فآزرته بنفسها وأعانته بمالها وظاهرته [١] بعشرتها وكان لها جسم وجمال وشرف وعقل وقد قيل أنها أول من أسلم وصلى بعد رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أبشّر
стр. 913
خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب قال عبد الملك بن هشام القصب اللؤلؤ [١] المجوف قال ابن هشام حدثني من لا أتهمه أن جبريل عم أتى رسول الله ﷺ فقال أقرأ خديجة السلام من ربها فقالت الله السلام ومنه السلام ثم توفيت ﵂ [F؟ ١٥٧ v؟] بعد خروجها من الشعب بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام وقبل الهجرة بثلاث سنين فتزوج بعدها سودة بنت زمعة ودفنها رسول الله ﷺ ولم يصل عليها لأنه لم يكن سنة الموتى الصلاة عليهم،
سودة
كانت قبل رسول الله ﷺ عند السكران ابن عمرو من بنى عامر بن لؤىّ أخي سهيل بن عمرو صاحب صلح المشركين وكان السكران قد أسلم وهاجر بسودة إلى الحبشة فمات بها فخلفها عليه رسول الله ﷺ ،
عائشة
تزوجها بمكة قبل الهجرة بسنة وهي ابنة سبع سنين وبنى بها بالمدينة ودخل بها بعد البناء بسنة ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة وكانت بيضاء مشربة حمرة فكان رسول الله ﷺ يسميها الحميراء ويكنيها أم عبد الله ولم يتزوج غيرها بكراً وكانت برزة من النساء جلدة لبيبة فصيحة راوية للشعر حافظة للأخبار ولها أحاديث نذكرها في قصّة الجمل
стр. 914
وأمها أم رومان وعبد الرحمن بن أبي بكر منها وتوفّيت عائشة في زمن معاوية وقد قاربت السبعين فقال لها ألا ندفنك في بيتك مع رسول الله ﷺ قالت لا لأني قد أحدثت بعده وروي أنها بكت على ما كان منها حتى كف بصرها،
حفصة
كانت قبل النبي تحت حبيش بن عبد الله بن حذافة السهمي وهي التي حرم رسول الله ﷺ من أجلها فأنزل الله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ الله لَكَ ٦٦: ١ السورة وتوفيت في زمن عثمان،
زينب بنت [١] خزيمة بن صعصعة
ويقال لها أم المساكين لرحمتها ورقتها لهم وكانت تحت عبيدة بن الحارث ويقال كانت تحت الحصين بن الحارث وماتت قبله،
زينب بنت جحش
أمّها أمية بنت عبد المطلب فهي ابنة عمة رسول الله وكانت تحت زيد بن حارثة فطلقها وتزوج بها رسول الله ﷺ وقصتها في سورة الأحزاب وكانت امرأة جسيمة وهي أول من لحق بالنبي من أزواجه بعده وأول من حملت في النعش وكانت خليقة [٢] فقال عمر نعم خبء [٣]
стр. 915
الظعينة وصارت سنة وذكروا أن عمر بعث إليها بعطائها مائة ألف ففرقته في الساعة ثم رفعت يديها وقالت اللَّهمّ لا تدركني عطاء لعمر بعد هذا فلم يدركها،،،
[أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب]
ومن هاهنا يقال أن معاوية خال المؤمنين وكانت تحت عبيد الله بن جحش أخي زينب بنت جحش زوجة رسول الله ﷺ وكان هاجر بها إلى الحبشة فتنصر عبيد الله بن جحش ثم مات بها وهو الذي كان يقول فقحنا وصأصأتم فبعث النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري فزوجها منه النجاشي فأصدقها عن النبي ﷺ أربع مائة دينار وتوفيت في أيام معاوية وقد قال بعض المفسرين في قوله عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ٦٠: ٧ أنّها كانت [F؟ ١٥٨ r؟] حبيبة [١] والله اعلم وكان قدومها مع قدوم جعفر بن أبي طالب،
أم سلمة
بنت المخزومي اسمها هند كانت تحت أبى سلمة بن عبد الأسد وولدت له عمرو بن أبي سلمة وزينب بنت أبي سلمة وتوفيت في أيّام معاوية قال ابن إسحاق تزوجها رسول الله ﷺ فأصدقها فراشاً حشوه ليف وقدحاً وصحفة ومحشة،
[ميمونة بنت الحارث]
من بني عامر بن صعصعة