← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وعمر بن الرَّمّاح هو ابن ميمون، وهو ثقة، ولا يستبعد خطؤه في هذا الحديث. وشيخه كثير بن زياد ثقة أيضا. ٤ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبِّي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وحفصة. حديث ابن عمر حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وروى عنه غير واحد) (١). قلت: محمد بن الحصين مجهول، وقد وقع اختلاف في هذا الحديث (٢)، وله طرق متعددة عن ابن عمر، كما قال ابن رجب (٣)، ويظهر أنها لا تخلو من كلام (٤). ٥ - وقال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا بَدَل بن المُحبَّر، قال: حدثنا عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الباب عن ابن عمر.

стр. 1017

حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم) (١). قلت: وهذا حديث ضعيف، عبد الملك بن مَعدان لا يحتج به. ٦ - وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مُرّة الزَّوفي، عن خارجة بن حذافة، أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمُر النعم: الوتر، جعلها الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر". وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ . قال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب. وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث، فقال: عبد الله بن راشد الزُرقي، وهو وهم) (٢). قلت: هذا الخبر لا يصح، قال البخاري في ترجمة خارجة بن حذافة: (لا يعرف لإسناده سماع بعضهم من بعض) (٣). وقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (لا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٤). وقال في ترجمة عبد الله بن راشد: (لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس إلا حديث في الوتر) (٥).

стр. 1018

ومما يدخل في هذا القسم: ما قال عنه: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فقط، دون قوله: (غريب). ومن الأمثلة عليه: ١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة، عن ابن المسيب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما. حديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). ٢ - حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسمعت محمدا يقول: أبو المطوِّس: اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث) (٢). ٣ - وقال الترمذي: (حدثنا علي بن سعيد الكندي الكوفي، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، قال: سمعت ابن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين ابنة مخاض، وعشرين بني مخاض ذكور، وعشرين بنت لَبون، وعشرين جذعة، وعشرين حُقّة.

стр. 1019

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة نحوه. حديث ابن مسعود، لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوف) (١). * * *

стр. 1020

الفصل الثالث في أهمية معرفة الغريب اهتمام أبي عيسى الترمذي بمسألة الغرابة والتفرد في الحديث؛ ليس شيئًا تفرّد به دون الأئمة الآخرين، كما قد يُظن، بل هذا الأمر موجود عندهم، وقد اعتنوا به اعتناءً بالغًا، وأشاروا إلى ذلك عند الحكم على الحديث، خلافًا لكثير ممن تأخر؛ فقد تساهلوا بهذا الأمر عند حكمهم على الأحاديث؛ لعدم معرفتهم بأهميته، بل عابوا على المتقدمين ذلك، كما سيأتي عن ابن الجوزي، وهذا بعض ما يميّز مذهب المتقدمين عن غيرهم. قال أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة": (والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد (١) والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأما الحديث المشهور المتّصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد) (٢). وقول أبي داود هذا يدل على ما تقدم من اعتناء الأئمة السابقين والحفاظ الماضين بهذه المسألة، فقد بين أنه ما ذَكر في كتابه إلا الأحاديث المشهورة، وأن هذا مما يفتخر به.

стр. 1021

وبيّن أيضا أنه لا يحتج بالحديث الغريب، حتى ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد - وهما من كبار الحفاظ كما هو معلوم -، وهذا الكلام قد يستشكله كثير ممن تأخر؛ لأنه لا يفهمه، وسبب ذلك أنه لم يدرس طريقة الأئمة السابقين، فعند الرجوع إلى ابن رجب في شرحه على "العلل الصغير" يتضح للناظر أهمية ذلك من الناحية النظرية. وأما من الناحية العملية، فعند الرجوع إلى كلام الحفاظ في الحكم على الأحاديث، وخاصة كتب العلل، يتبين له هذا الأمر إن شاء الله. وأذكر هنا بعض ما يتعلق بهذا عن الأئمة: قال نعيم بن حماد: (سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: قيل لشعبة: من الذي يترك حديثه؟ قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأَكثَرَ، تُرك حديثه) (١). وقال عمرو بن خالد: (سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث؛ فإني أعرف رجلا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث) (٢). وعن حماد بن زيد: (أن أيوب قال لرجل: لزمت عمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال: يقول له أيوب: إنما نفر - أو نفرق - من تلك الغرائب) (٣). وقال صالح بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد: (روى عن أبيه

стр. 1022

أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك بن أنس بسبب روايته (كتاب السبعة) عن أبيه، وقال: أين كنا نحن من هذا؟!) (١). وقال نصر بن حماد الوراق: (سمعت شعبة ينازع عبد الله بن إدريس حتى غضبا في حديث أوس، عن أبي مسعود: (يؤمّ القوم). قال شعبة: أنا والله أستخير الله فيه منذ سنة أن أدعه. قال عبد الله: اتق، لا تُجنّ، حديث رواه الناس عنه؛ إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق، ومسعر. فقال شعبة: لا يكون هذا، حديث سُنّة يقوله رسول الله ﷺ ليس في الدنيا شيء يشبهه، فلا يسمعه من النبي ﷺ إلا أبو مسعود، ولا يسمعه منه إلا أوس!) (٢). وقال أحمد بن حنبل: (لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء) (٣). وقال: (شر الحديثِ الغرائبُ، التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها) (٤). وقال أيضًا: (تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم!) (٥). وهذا الذي قاله الإمام أحمد واقع اليوم، ويوجد عند بعض من يشتغل بالحديث، فتجد أن هناك من يأتي إلى أحاديث أسانيدها غريبة، وألفاظها منكرة، فيذهب إلى تصحيحها، إما لذاتها وإما بمجموع طرقها، غافلًا عن

стр. 1023

كون الغرابة والتفرد علّة - على تفصيل في ذلك - تؤدّي إلى رد الخبر، بل والحكمِ عليه بالنكارة، بل وبالبطلان أحيانًا. قال أبو بكر الخطيب - ذامًّا ما حصل من بعض محدثي زمانه من الاهتمام بالأحاديث الغريبة والمنكرة دون المشهورة -: (وأكثرُ طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كَتْب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنَبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمةُ من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين) (١). قال أبو الفرج بن رجب: (وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح؛ كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل (مسند البزار) و (معاجم الطبراني)، أو (أفراد الدارقطني)، وهي مجمع الغرائب والمناكير) (٢). وهذا الذي ذكره الحافظان الخطيب وابن رجب، واقع اليوم ومشاهد تمامًا. وسوف يأتي كلام الإمام مسلم في هذا. وقال الحاكم: (ذكر النوع الثامن والعشرين من علوم الحديث، هذا النوع منه: معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله

стр. 1024

واحد فوصله واهِمٌ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة) (١). وقال العقيلي - في ترجمة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري -: (حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إليّ من بُريد بن أبي بردة، بُريد يروي أحاديث مناكير. حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عن بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بشيء قط. ومن حديثه: ما حدثنا به محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الجليس الصالح كمثل العطّار، إن لم يُحذِك من عطره عَبِق بك من ريحه". هكذا رواه ابن عيينة عن بُريد. وحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عفّان، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا أبو بُردة بن عبد الله بن أبي بُردة، قال: سمعت أبا بُردة يحدث عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "مثل الجليس الصالح والسوء كمثل صاحب المسك وغير الحدّاد، لا يعدمك من صاحب المسك أن يحذوك أو تجد ريحه، وغير الحدّاد يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة". هكذا قال عبد الواحد: (أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة)، وقال ابن عيينة: (بريد)، ولعلّ كنية بُريد بن عبد الله: أبو بُردة.

стр. 1025

وفي هذا الحديث من حديث أبي موسى اضطراب: فحدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، قال: حدثنا خلاد بن أسلم، ح. وحدثني أحمد بن حرب البُوْسنْجِي، قال: حدثنا أحمد بن منصور قالا: حدثنا النَّضْر بن شُمَيل، قال: حدثنا عوف، عن قَسامة بن زهير، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إلا يَهب لك تجد ريحه، ومثل الجليس السوء كالقَين، إذا جلست إليه نفخ بكيره، فيصيبك من دخانه وشرره". هكذا رواه النَّضْر بن شُمَيل، عن عوف، وخالفه معتمر في لفظه: فحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عاصم بن النضر، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عوفا قال: حدثنا قَسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي أُعطي الإيمان وأُعطي القرآن كمثل الأُتْرُنجة، طيبة الطعم طيبة الريح، ومثل الذي لم يُعط الإيمان ولم يُعط القرآن كمثل الحنظلة، مرة الطعم لا ريح لها، ومثل الذي أُعطي القرآن ولم يعط الإيمان، كمثل الريحانة الطعم طيبة الريح". وقد رواه هَوذة بن خليفة، عن عوف، عن قَسامة بهذا اللفظ، ولم يذكر أبا موسى، ولم يرفعه: حدثناه بشر بن موسى، قال: حدثنا هَوذة، قال: حدثنا عوف، عن قَسامة قال: "إن مثل من أُعطي الإيمان كمثل الأترنجة … " فذكر نحوه. وقد روي هذا الحديث عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، فاختلفوا أيضا في لفظه: فرواه أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَةِ، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب

стр. 1026

ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الرّيحانة، ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الْحَنْظَلةِ، طعمها مرّ ولا ريح لها، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل الكير، إن لم يصبك من شرره أصابك من دخانه". هكذا رواه أبان، جاء بلفظ الحديثين جميعا. وخالفه شعبة، وهمام، ومعمر، وسعيد، وأبو عوانة، فرووه كلهم عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن … ". فجاؤوا بالحديث الأول، ولم يذكر أحد منهم: "مثل الجليس الصالح … "، ولم يتابع أبانَ منهم أحد. وقد روى شُبَيل بن عَزْرةَ، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح … ". فتابع أبان، ولم يقل: (عن أبي موسى). وحدثناه محمد بن إبراهيم بن جَنّاد، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عاصم، عن أبي كَبْشة، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول على المنبر: قال رسول الله ﷺ : "مثل الجليس الصالح مثل العطّار، إن لا يُحذِك يَعبِق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء، مثل القَين، إن لا يحرقك يَعبِق بك من ريحه". ورواه أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي كَبْشة السدوسي، قال: خطبَنا أبو موسى فقال: الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر، إن لا يُحذك يَعبِق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القَين، إن لا يحرقك يَعبِق بك من ريحه. وهذه الرواية أولى من رواية عبد الواحد. ورواية شعبة وهمام وأبي عوانة ومعمر، عن قتادة، عن أنس، عن أبي

стр. 1027

موسى، بلفظ: "المؤمن الذي يقرأ القرآن"، أولى من رواية أبان، وبريد، وشُبَيل، في الجليس الصالح. وحديث قسامة مضطرب الإسناد والمتن) (١). وقال العقيلي أيضا - في ترجمة محمد بن إبراهيم التيمي -: (حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي، وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المديني، فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير - أو منكرة -، والله أعلم. ومن حديثه: ما حدثناه محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمد، قالا: حدثنا يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: "باسم الله يُبريك، ومن كل داء يشفيك، من شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين". وقال الزهري: عن عروة، عن عائشة، كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث) (٢). وقال - في ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري -: (حدثنا أحمد بن محمود الهروي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى بن معين: ابن أخي الزهري ما حاله؟ قال: ضعيف. حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا العباس بن محمد، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزهري، أحب إليّ من محمد بن إسحاق في الزهري. ومحمد بن إسحاق عند يحيى بن معين ضعيف لا يحتج بحديثه.

стр. 1028

وأما محمد بن يحيى النيسابوري فجعله في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، مع أسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس، وفُليح، وعبد الرحمن بن إسحاق، وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب. وقال محمد بن يحيى: إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية كان المفزع إلى أصحاب الطبقة الأولى في اختلافهم، فإن لم يوجد عندهم بيان، ففيما روى هؤلاء - يعني الطبقة الثانية -، وفيما روى - يعني أصحاب الطبقة الثالثة - يعرف بالشواهد والدلائل. وقد روى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلا عند الطبقة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة. منها: ما حدثنا عبد الله بن علي، قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: سمعت سالم بن عبد الله، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من الإجهار: أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره ربه ، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد ستره ربه ، فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه". حدثناه عبيد الله بن محمد العمري والحسن بن علي بن زياد الرازي، قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون … " فذكر نحوه. وقد روى هذا الحديث أبو بكر بن عياش، عن مُبَشِّر السعيدي، عن ابن شهاب، هكذا.

стр. 1029

ولعل مُبشِّرا هذا أخذه عنه؛ لأنه لا يعرف له عن الزهري غيره، ولا له ذكر في طبقات أصحاب الزهري. وحدثني عبد الله بن علي، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، ح. وحدثنا الحسن بن علي بن زياد، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم قال: سمعت أبا هريرة يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا خلف لأمر الله، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعِّد لما قرَّب، ولا مقرِّب لما بعّد، ولا يكون شيء إلا بإذن الله . حدثنا موسى بن سهل الجوني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ إذا خطب يقول: "كل ما هو آت قريب … " فذكره مرفوعا. وإن الواقدي ليأتي عنه بمناكير، عن الزهري وغيره، وهو أروى الناس عنه. حدثني جدي، قال: حدثنا حمزة بن رُشيد الباهلي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن أمرأته أمّ الحجاج بنت محمد بن مسلم، قالت: كان أبي يأكل بكفه كلها، فقلت له: لو أكلت بثلاث أصابع؟ قال: إن النبي ﷺ كان يأكل بكفه كلها. وهذه الثلاثة أحاديث لم يتابع ابن أخي الزهري عليها أحد) (١).

стр. 1030

وقال - في ترجمة سعد بن طارق الأشجعي أبي مالك -: (حدثنا محمد بن إسماعيل وأحمد بن علي، قالا: حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا القاسم بن معْن، قال: سألت بعض ولد أبي مالك: لقي أبو أبي مالك رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا. فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فأمسك عن الرواية عنه. يعني أبا مالك. ومن حديثه: ما حدثَناه علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، قال: قلت لأبي: يا أبه، صليت خلف النبي ﷺ ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، فهل رأيتهم يقنتون؟ قال: فقال: يا بني، هي محدثة. لا يتابع عليه، وإنما أُنكر سماعه من النبي ﷺ لما حكى أبو الوليد. والصحيح عندنا أن النبي ﷺ قنت ثم ترك، وهذا يذكر أن النبي ﷺ لم يقنت) (١). أقول: تبيّن مما تقدم أن لشهرة الحديث أو غرابته مدخلا كبيرا في صحته أو ضعفه، وفي ثبوته وكونه محفوظًا، أو في ردِّه وكونه معلولا، ولذا أولى الحفاظ هذا الأمر اهتماما كبيرا ومنزلة عالية، حتى جعلوه شرطًا للصحيح فقالوا: (أن لا يكون شاذًا ولا معلولا)، ولهذا تجد أن علي بن المديني - فيما وُقف عليه من كلامه فيما وجد من "مسند عمر" ليعقوب بن شيبة - لا يحكم على حديث إلا ويبيّن شهرته من غرابته. وقد تقدم أن أبا داود افتخر بكون أكثرِ الأحاديث التي أودعها في كتابه "السنن" مشاهير، وأن ما كان غريبا منها فهو مردود، حتى لو كان من رواية مالك أو يحيى بن سعيد.

стр. 1031

وهذا ما نص عليه أبو يعلى الخليلي فقال: (والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخٌ ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يُتوقف فيه، ولا يحتج به) (١).

стр. 1032

مخالفة المتأخرين في مسألة الغرابة وأنها ليست بعلة خالف في ذلك جمع من أهل العلم فلم يلتفتوا إلى مسألة الغرابة (١): من أشهرهم أبو عبد الله الحاكم، فقال في "المستدرك": (وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام؛ أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة) (٢). وقال أيضا: (وإذا تفرد الثقة بحديث؛ فهو على أصلهم صحيح) (٣). وقد قرر هذا في مواضع أخرى من الكتاب. ومنهم أبو محمد بن حزم، فإنه قال: (إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي ﷺ ، فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق، وسواء كان ناقله عبدا أو امرأة أو لم يكن، إنما الشرط العدالة والتفقّه فقط. وإن العجب ليكثر من قوم من المدّعين أنهم قائلون بخبر الواحد، ثم يعلِّلون ما خالف مذاهبهم من الأحاديث الصحاح، بأن يقولوا: هذا لم يروه إلا فلان، ولم يعرف له مخرج من غير هذا الطريق. قال أبو محمد: وهذا جهل شديد وسقوط مفرط، لأنهم قد اتفقوا معنا على وجوب قبول خبر الواحد والأخذ به، ثم هم دأبا يتعللون في ترك السنة بأنه خبر وأحد.

стр. 1033

والعجب أنهم يأخذون بذلك إذا اشتهوا، فهذا محمد بن مسلم الزهري، له نحو تسعين حديثا انفرد بها عن النبي ﷺ لم يروها أحد من الناس سواه، وليس أحد من الأئمة إلا وله أخبار انفرد بها، ما تعلل أحد من هؤلاء المحرومين في رد شيء منها بذلك، فليت شعري ما الفرق بين من قبلوا خبره ولم يروه أحد معه، وبين من ردوا خبره لأنه لم يروه أحد معه، وهل في الاستخفاف بالسنن أكثر من هذا؟ وأيضا، فإن الخبر وإن روي من طرق ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، فهو كله خبر واحد، من أثبت شيئا من ذلك أثبت خبر الواحد، ومن نفى خبر الواحد نفى كل ذلك، لأن العلة عندهم في كل ذلك واحدة، وهي أن كل ما لا يضطر إلى التصديق عندهم ولم يوجب القطع على صحة مغيبة لديهم، فهو خبر واحد، وهذه عندهم صفة كل ما لم ينقل بالتواتر، فقد تركوا مذهبهم وهم لا يشعرون، أو يشعرون ويتعمدون، وهذه أسوأ وأقبح، ونعوذ بالله من الخذلان) (١). وقريب من هذا قول أبي الفرج بن الجوزي: (إن البخاري ومسلمًا تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث؛ فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا هم، ولو كان ثَمّ فقه، لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة. وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص، ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه. وتركوا من ذلك الغرائب، وكل ذلك سوء فهم. ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، فقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يُبيَّن سببه.

стр. 1034

وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين، تأذى، وساء فهمه، فالحمد الله الذي أنعم علينا بالحالتين) (١). وكذلك ابن القطان الفاسي، فقد قال - متعقِّبا عبد الحق -: (وقوله في ثابت بن عَجْلان: لا يحتج به، قول لم يقله غيره فيما أعلم، ونهاية ما قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه. وهذا من العقيلي تحامل عليه، فإنه يمس بهذا من لا يعرف بالثقة، فأما من عرف بها، فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه) (٢). وقال أيضا عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: (وقد أخرج له مسلم ﵀، وإنما أنكر عليه بعض من تأخر أحاديث رواها بآخرة عن عمه، وهذا لا يضره - إذ هو ثقة - أن ينفرد بأحاديث، ما لم يكن ذلك الغالب عليه) (٣). وقال: (والزيادة المذكورة ذكرها البزار، فقال: حدثنا أحمد بن منصور بن سَيَّار، حدثنا عَتَّاب بن زياد، حدثخا أبو حمزة السُّكَّري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن، والمؤذن مُوْتَمَن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للموذّنين". قالوا: يا رسول الله، لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك، فقال رسول الله ﷺ : "إنه يكون بعدي - أو بعدكم - قوم سفلتهم مؤذّنون". أبو حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري، ثقة مشهور. وعتاب بن زياد مروزي ثقة، قاله أبو حاتم. وأحمد بن منصور بن سَيَّار ثقة مشهور. ولا عيب بهذا الإسناد إلا ما بينّا من انقطاعه الخافي على أبي محمد،

стр. 1035

فإيرادها إذن لازم له لو علم مكانها، ولا مبالاة بقول الدارقطني في "علله": إنها ليست بمحفوظة؛ لثقة راويها أبي حمزة السُّكَّري) (١). وقال أيضا: (والذي قاله أبو محمد من ضعفه، هو شيء لا أعرفه لأحد فيه، إلا أبا حاتم البُستي، فإنه قال: إنه لا يتابع، وفي حديثه مناكير. وهذا أمر لا يعرى منه أحد من الثقات، بخلاف من يكون منكر الحديث جله أو كله) (٢). وكذلك أبو العباس بن تيمية، فقد ذكر حديث عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، عن مِشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا، وذكر حديث التيس المستعار. ونقل عن الجُوْزَجَاني قوله: (كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدا). فقال أبو العباس: (وإنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيّد، إنما هو لتوهم انفراده به عن الليث، وظنهم أنه لعله أخطأ فيه، حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه، كان ذلك شذوذًا فيه وعلة قادحة … ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم) (٣). قلت: والصحيح ما ذهب إليه كبار الأئمة من أن التفرد لا يقبل إلا بشروط، فإذا تخلفت كان علة، وسوف يأتي بسط ذلك بإذن الله تعالى. * * *

стр. 1036

وكلام الخليلي - الذي تقدم نقله - يحتاج إلى تفصيل، وقد بيّن ذلك الإمام مسلم ﵀، فقال في مقدمه "صحيحه": (لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته. فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما - أو عن أحدهما - العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم - فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم) (١). * * *

стр. 1037

الفصل الرابع علاقة الغرابة بصحة الخبر وضعفه تكمن أهمية الغريب، في أنه لا يمكن الحكم على حديث ما بالقبول أو الرد إلا بعد معرفة شهرته من عدمها وهل هو فرد أو لا؟ وتقدمت الإشارة لذلك، ولذا تجد الأئمة عند حكمهم على كل حديث يشيرون إلى ذلك، إن كان مشهورًا بينوا، وإن كان غريبا بينوا، وانظر إلى ما نقل يعقوب بن شيبة - وغيره - عن علي بن المديني في أحكامه على الأحاديث، يتضح لك ذلك، وهو عينُه صنيعُ أبي عيسى في "جامعه". قال أحمد بن حنبل: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان) (١). وهذا كما يكون في الأحاديث المفردة، يكون في الكتب المصنفة؛ كما في "جامع سفيان"، إذ لم يروه عنه إلا عبد الله بن الوليد العدني؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: (كان أبي يكره "جامع سفيان" وينكره، ويكرهه كراهية شديدة، وقال: من سمع هذا من سفيان؟ ولم أره يصحِّح لأحد سمعه من سفيان، ولم يرض أبي أن يسمع من أحد حديثا) (٢).

стр. 1038

وقد تقدم (١) قول أبي داود: (لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم). ولذا قال البَرْدِيجي: (لا يلتفت إلى رواية الفرد عن شعبة، ممن ليس له حفظ ولا تقدم في الحديث من أهل الإتقان) (٢). وقال زهير بن معاوية: (ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث؛ فإني أعرف رجلا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث) (٣). وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: (كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب) (٤). قلت: ما ذكره زهير وأبو نعيم بأن هذين الرجلين سقط الاحتجاج بهما؛ لروايتهما الغرائب دون المشاهير. وتأسيسًا على ما تقدم، فإنه لا يمكن الحكم على حديث ما بالصحة أو الضعف، أو بكونه محفوظا أو منكرا، إلا بعد معرفة شهرته من غرابته. ولهذا فإن الخبر كلما تعددت طرقه وتباينت مخارجه وكثر نقلته؛ اشتهر أمره وتأكدت صحته، وجُزم به، واطمأنت النفس إليه، وكلما كان بخلاف ذلك؛ بحيث قلّت نقلته، واستُغربت طرقه، ولم يشتهر بين الناس أمره، فإنّ تطرّق الضعف إليه يكون أكثر، وبالتالي يكون التشكك في وقوعه أكبر. وهذه القاعدة - على التحقيق - راجعة إلى العقل والفطرة، ومن ثمّ فهي محل اتفاق بين الناس جميعًا، على اختلاف أديانهم وتباين مذاهبهم.

стр. 1039

ولكن اختصَّ الله هذه الأمة بالعمل بهذه المسألة والاهتمام بها وتقعيدها، فكثر استعمالها في قبول الأخبار أو ردها، وخاصة فيما يتعلق بكتاب ربها وسنة نبيها. * * * وإذا عُلم هذا، فإن الغرابة لا تنافي دائمًا صحة الخبر، بل إن الخبر قد يصحُّ مع وجودها، وهذا محل اتفاق في الجملة، على تفصيل في ذلك يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فهذه أحاديث "الصحيحين" التي اتفقت الأمة على قبولها لا تخلو من الغريب، وقد جمع الضياء المقدسي "أفراد الصحيح" في جزء، و"غرائبه" في تسعة أجزاء (١). فهناك من الغريب ما هو صحيح، وهذا كثير، ويكفينا "كتاب" أبي عيسى الترمذي، فكثيرا ما يقول: (حسن صحيح غريب). وكذلك كان يصنع علي بن المديني، قال عن حديث "إنما الأعمال بالنيات" - وهو من أشهر الأحاديث الغريبة المخرجة في "الصحيحين" - بعد أن رواه عن ابن عيينة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفي ويزيد بن هارون، كلُّهم عن يحيى بن سعيد به، قال: (هذا حديث صحيح جامع، وهو من أصحِّ حديث روي عن عمرَ مرفوع، ولا نرويه من وجه من الوجوه إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري) (٢). وقال في حديث قصة استشارة النبي ﷺ لأبي بكر وعمر في أسرى بدر: (والحديث صحيح، ولا يُحفظ إلا من طريق عكرمة بن عمَّار، وسمَاك من أهل اليمامة، ومَسْكنه الكوفة) (٣).

стр. 1040

وقال عن حديث "لا يدخل الجنّة إلا المؤمنون": (لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وهو حديث جيد الإسناد حسن) (١). ومن غرائب "الصحيحين": ١ - قال البخاري ﵀: (حدثنا عَبْدَة، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا ثُمَامة بن عبد الله، عن أنس عن النبي ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا) (٢). وأخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن المثنى، وقال: (حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى) (٣). ٢ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه") (٤). وقد ذكر العقيلي أنه لم يجد لهذا الحديث أصلًا عند الطبقة الأولى من أصحاب الزهري ولا الثانية ولا الثالثة، ولم يجد أحدًا تابع ابن أخي ابن شهاب إلا مبشّر السعيدي، وصوّب أن يكون مبشّر إنما أخذه من ابن أخي ابن اشهاب؛ لأنه لا يُعرف له عن ابن شهاب غيره (٥).

стр. 1041

٣ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المُكْتِب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب") (١). وذكر الترمذي أن إبراهيم بن طهمان تفرد بهذا اللفظ (٢). ٤ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النَّضْر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَّوْحَةُ يروحها العبد في سبيل الله، أو الغَدْوَةُ خير من الدنيا وما عليها") (٣). تفرد بذكر الرباط عبد الرحمن بن عبد الله، وغيره لم يذكره، كما قال الدارقطني (٤)، ونص على تفرده ابن حجر أيضا (٥)، وقد أخرجه الترمذي وقال: (صحيح) (٦). ٥ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم

стр. 1042

أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني" قال: "ويسمي حاجته") (١). وذكر الإمام أحمد أن هذا حديث منكر، لا يرويه غير عبد الرحمن (٢). ٦ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا مطر بن الفضل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العَوَّام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السَّكْسَكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا") (٣). قال الدارقطني: (لم يسنده غير العَوَّام، وخالفه مسعر؛ رواه عن إبراهيم السَّكْسَكي، عن أبي بردة قوله، ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ ) (٤). ٧ - وقال البخاري ﵀: (حدثني عبد الله بن صَبَّاح، حدثنا أبو علي الحنفي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال: حدثنى أبي، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد) (٥). ذكر ابن حجر أن أبا علي الحنفي تفرد به، وأن مخرجه ضاق على

стр. 1043

الإسماعيلي وأبي نعيم، فلم يخرجاه إلا من طريق البخاري (١). ٨ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبدان، أخبرنا أبي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك: أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت") (٢). هذا الحديث ذُكر أن والد عَبْدان - وهو عثمان - قد تفرد به، وقد ضاق مخرجه على الإسماعيلي وأبي نعيم، فأخرجاه من طريق البخاري (٣). ٩ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُلَيح، حدثنا أبي، قال: حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا قائم (٤) إذا زُمْرَة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى، ثم إذا زُمْرَة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى، فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل هَمَلِ النَّعَم") (٥). قال ابن حجر: (ضاق مخرجه على الإسماعيلي وأبي نعيم وسائر من استخرج على "الصحيح"، فأخرجوه من عدة طرق عن البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح، عن أبيه) (٦).

стр. 1044

١٠ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه") (١). قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك، عن الزهري) (٢). قال ابن رجب: (لم يصح إلا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أنس) (٣). ١١ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكريا، أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: وارأساه … الحديث) (٤). قال الجورقاني: (هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في "الصحيح" عن يحيى بن يحيى هكذا، ولم يخرج البخاري ليحيى بن يحيى النيسابوري في "الصحيح" إلا ثلاثة أحاديث هذا أحدها، وهو عزيز، لا يروى عن يحيى بن سعيد عن القاسم إلا بهذا الإسناد، وأعجب الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، وقال: لو أن لي قوة وزادا لرحلت إلى يحيى بن يحيى لهذا الحديث إلى نيسابور) (٥). وذكر ابن حجر معنى كلام الجورقاني، ثم قال: (ولكن أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال) (٦).

стр. 1045

١٢ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع عطاء، يخبر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]) (١). قال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (٢). ١٣ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن محمد المُسنَدي، قال: حدثنا أبو روح الحَرَمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله") (٣). قال ابن حجر: (وهذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة عن واقد، قاله ابن حبان) (٤). ١٤ - وقال البخاري: (حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا حَرَمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبا إن وجد") (٥).

стр. 1046

قال ابن حجر: (لم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حَرَمي، وأشار ابن منده إلى أنه تفرد به عنه) (١). وهناك أحاديث أخرى في "صحيح البخاري" قال عنها ابن حجر: (من غرائب الصحيح) (٢). ١٥ - وقال مسلم بن الحجاج ﵀: (حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد، عن جده، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يأكل في مِعَىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء") (٣). قال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ ، وإنما يستغرب من حديث أبي موسى. سألت محمود بن غَيْلَان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كُرَيْب عن أبي أسامة. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبى كُرَيْب عن أبي أسامة، لم نعرفه إلا من حديث أبي كُرَيْب عن أبي أسامة. فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، وقال: ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كُرَيْب. قال محمد: وكنا نرى أن أبا كُرَيْب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة) (٤).

стр. 1047

قال ابن رجب: (وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكروا أن أبا كُرَيْب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة، وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي أسامة غير أبي كُرَيْب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام فيه ضعف أيضًا. وقد ذكرنا كلام أبي زرعة في هذا في كتاب الأطعمة، وإنكاره على أبي السائب وأبي هشام روايته. وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضًا، قال أبو داود: سمعت أحمد، وذكر له حديث بريد هذا، فقال أحمد: يطلبون حديثًا من ثلاثين وجهًا، أحاديث ضعيفة، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا. قال: شيء لا ينتفعون به، أو نحو هذا الكلام) (١). ١٦ - وقال مسلم ﵀: (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ ، قال: "نِعم الْأُدُم - أو الإدام - الخلُّ") (٢). ١٧ - وقال مسلم ﵀: (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ ، قال: "لا يجوع أهل بيت عندهم التمر") (٣). قال ابن عمار - بعد أن ذكر هذين الحديثين -: (حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم الفَسَوي، حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا يحيى بن حسان بهذين الحديثين. قال أحمد بن صالح: نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلا) (٤).

стр. 1048

الفصل الخامس التفرد في الطبقات التفرد يختلف باختلاف الأسانيد، فأحيانا يكون في طبقة من روى الحديث عن رسول الله ﷺ وهم الصحابة، وقد يستمر التفرد في طبقة التابعين وحتى الطبقات المتأخرة، ولا يخفى أنه كلما ضاق مخرج الحديث دل على شدة غرابته، وبالتالي تقل قوة هذا الخبر ويقوى تعليله والحكم بردِّه، ولذا كان من صنيع الأئمة التنبيهُ على موضع التفرد في الخبر لأهمية ذلك في الحكم عليه. وسأذكر إن شاء الله في هذا الفصل أمثلة للتفرادت حسب طبقات الإسناد. أولا: طبقة الصحابة. ومن الأمثلة: حديث أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما … الحديث، متفق عليه (١). وأخرجه أحمد والبخاري في "التاريخ" (٢)، كلاهما عن أبي نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن نَهيك بن عبد الله السلولي، حدثنا حذيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما.

стр. 1049

وهذا الإسناد لا بأس به. قلت: هذا الحديث تفرد بروايته حذيفة ﵁، وأما ما جاء أن المغيرة حدث عن رسول الله ﷺ ، فهذا معلول؛ أخطأ بعضهم فجعله عن المغيرة، والصواب أنه حذيفة، ولعله ﵇ لم يفعل ذلك إلا في المرة التي رآه فيها حذيفة، ولذلك نفت عائشة أن يكون ﵇ بال قائما. وحديث أبي قلابة وقتادة، كلاهما عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار". متفق عليه (١). وأخرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. قلت: هذا حديث تفرد بروايته أنس فيما أعلم، وأما ما جاء عند أحمد (٢) من حديث أبي رزين بمعناه فإنه لا يصح؛ ففي إسناده انقطاع وضعف. وحديث همام بن الحارث، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات". متفق عليه (٣). وأخرجه مسلم من حديث واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة. قلت: هذا الحديث لا أعلم أن أحدا رواه عن رسول الله ﷺ إلا حذيفة.

стр. 1050

والأمثلة على هذا كثيرة. تنبيه: تفرّدُ الصحابي لا يؤثر في صحة الحديث، ولكن المعنى الذي يرويه جمع من الصحابة يكون أصح، وهذا هو الغالب على ما روي عن رسول الله ﷺ . ثانيا: التفرد في طبقة التابعين. قد يقع التفرد في طبقة كبار التابعين، ومثاله: ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ … الحديث (١). وقد اختُلف على إسماعيل في رفعه ووقفه، وتابعه على الوقف: بَيان بن بِشْر وطارق بن عبد الرحمن والحكم بن عتيبة، وغيرهم (٢). والذي يظهر أن قيسًا تفرّد به، وقيس من كبار التابعين، وهو مخضرم. ومثال التفرد في الطبقة الوسطى من التابعين، ما رواه أبو إسحاق السبيعي، عن البراء، عن أبي بكر في قصة الهجرة (٣)، فإنه رواه جمع عن أبي إسحاق؛ كإسرائيل وزهير، والظاهر أنه تفرد به، فلا نعرف أنه توبع عليه. ومثال التفرد في طبقة صغار التابعين، ما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما

стр. 1051

كبيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (١). قال الدارقطني: (تفرد به يزيد) (٢). ومثاله أيضا ما جاء من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم" (٣). قال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد). وهشام من صغار التابعين، وهو أصغر من يزيد. وهذه الأخبار جاء التفرد فيها في طبقة التابعين كما ترى. ثالثا: التفرد في طبقة أتباع التابعين. من ذلك ما جاء من طريق عُمارة بن غَزِيَّة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب في فضل الترديد مع المؤذن (٤). قال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد). وأشار الدارقطني إلى تفرد عُمارة (٥).

стр. 1052

وعُمارة بن غَزِية من طبقة كبار أتباع التابعين. ومنه ما أخرجه الإمام مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الحَيَّة، والغراب الأَبْقَع، والفأرة، والكلب العَقُور، وَالْحُدَيَّا" (١). وقد تابع شعبةَ سعيد بن أبي عروبة (٢) وسعيد بن بشير (٣). وزيادة "الحية" لا شك أنها خطأ؛ لأن الرسول ﷺ قال: "خمس يقتلن … " الحديث، فمع "الحَيَّة" تكون ستة، ولذا لم تذكر "العقرب" في هذه الرواية. وقال البيهقي لما ذكر رواية مسلم: (وقال: "الحية" بدل "العقرب"، وكأن شعبة كان شك في ذلك، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مَرْزوق، ثنا أبو عامر، ثنا شعبة .. فذكره بإسناده، إلا أنه قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية أو العقرب"، ثم ذكر الباقي. وكأن رواية أبي داود الطيالسي أصح؛ لموافقتها سائر الروايات عن عائشة، وابن المسيب إنما روى الحديث في الحية والذئب مرسلا) (٤). قلت: فكأن ذكر الحية دخل على قتادة من خبر ابن المسيب المرسل. وكذا ذكر "الحَيَّة" في حديث أبي عوانة عن زيد بن جبير عن ابن

стр. 1053

عمر (١)، وقد رواه مسلم من طريق زهير عن زيد بن جبير به ولم يذكرها، ثم روى الحديث من طرق كثيرة عن نافع - منهم مالك وابن جريج - ولم يذكروها، ثم روى الحديث من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ولم تذكر أيضا (٢). قلت: وزيادة "الأَبْقَع" في الغراب في حديث قتادة لم تأت إلا في هذه الرواية، ولا تصح، والصواب عدم تقييده بذلك. وشعبة من كبار أتباع التابعين. وما جاء من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ … (٣). قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب صحيح). وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك). ومالك من كبار الطبقة الوسطى من أتباع التابعين (٤). وما رواه ابن عيينة، عن عمرو، سمع عطاء، يخبر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وهو في "الصحيحين" (٥).

стр. 1054

قال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (١). وقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (٢). وابن عيينة من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وهو أصغر من مالك. ومن طبقة صغار أتباع التابعين، ما جاء من طريق مروان بن محمد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه (٣). وقال البيهقى: (هذا الحديث يعد في أفراد مروان بن محمد الدمشقي) (٤). وأخرجه الحاكم من طريق هارون بن سعيد الأَيْلي عن ابن وهب به، وقال: (على شرط مسلم) (٥). قلت: تبين مما تقدم أن عبد الله بن وهب قد تفرد بهذا الحديث، ولم أقف على أحد رد هذا الخبر بالغرابة، بل الذي وقفت عليه أن جمعًا من الحفاظ قد قوّوه، وعلى رأسهم أبو داود، حيث إنه سكت عنه، وكذلك الدارقطني إذ قال: (تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة) (٦).

стр. 1055

وقال أبو محمد بن حزم: (هذا خبر صحيح) (١). رابعا: طبقة أتباع أتباع التابعين. جاء من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة مبايعة أبي بكر في بني ساعدة، وقول عمر: أنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ (٢). قال أبو عيسى: (هذا حديث صحيح غريب). وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة عن عمر، إلا من هذا الوجه). وقال أبو الحسن الدارقطني: (أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم العمري، نا أبو كريب، نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول: لقد قدمت من اليمن أنا وأخي، فمكثنا حينا لا نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ ؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ . قال: هذا حديث صحيح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى، وهو غريب من حديث يوسف بن أبي إسحاق، تفرد به عنه إبراهيم بن يوسف) (٣). وقد وقع التفرد أيضا في طبقات بعد هذه، كما في الفصل الآتي. * * *
следующие страницы →