← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

مهدي، عن سفيان، عن مخصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. وفي الباب: عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن. وقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبى سلمة، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله) (١). وقد أخرجه في "الشمائل" (٢) فقال: (هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة، عن أم سلمة. وروى هذا الحديث غير واحد، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعا، عن النبي ﷺ ). قلت: لم يصححه في "الجامع" من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده، هذا الذي يظهر لي، وقد تقدم نظائر ذلك. وأما تصحيحه له في كتابه "الشمائل" فيظهر أنه ترجح له صحته فحكم بذلك، وهذا هو الأرجح، فهذا الخبر صحيح من حديث أبي سلمة عن أم سلمة، وعن أبي سلمة عن عائشة، وهذا ممّا قد يفيد أن شرطه في "الجامع" أقوى من شرطه خارجه، وهذه هي طريقة البخاري، فإن شرطه في "الصحيح" أقوى مما في خارج "الصحيح" كما هو معلوم.

стр. 982

٢٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب قال: قال النبي ﷺ : "من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر". وفي الباب: عن جابر، وأبي هريرة، وثوبان. حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح. قال أبو عيسى: وقد روى عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ هذا. وروى شعبة، عن ورقاء بن عمر، عن سعد بن سعيد هذا الحديث. وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد من قبل حفظه) (١). قلت: اختلفت النسخ في حكم الترمذي، وفي بعضى النسخ ومنها نسخة الكروخي (٢): (حسن)، ولم يذكر المزي في "التحفة" (٣) حكم الترمذي. وإذا ثبت أن الترمذي قد حسّنه فقط، فهذا من أجل سعد بن سعيد قد تُكلِّم فيه، كما ذكر في نهاية الباب. ٢٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "من

стр. 983

صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر". فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: (١٦٠)] اليوم بعشرة أيام. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. قال أبو عيسى: وقد روى شعبة هذا الحديث، عن أبي شمر وأبي التياح، جميعا عن أبي عثمان، وقال: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، وإنما حسنه من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده، فقد ذكر أبو عيسى أن شعبة روى هذا الحديث فجعله من مسند أبي هريرة. ٢٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة ونصر بن علي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير شهر رمضان إلا بإذنه". وفي الباب: عن ابن عباس، وأبي سعيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن (٢). وقد روي هذا الحديث عن أبي الزِّناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ) (٣). قلت: إذا ثبت أنه (حسن) فقط، فمن أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده. * * *

стр. 984

النوع الثامن ما حسّنه، مع أن ظاهره الصحة، ولكنه توقف في تصحيحه لاختلاف وقع فيه، وسلك فيه سبيل الاحتياط (١) ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، عن خالد الحذّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة". قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن. وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ مرسلا) (٢). قلت: هذا الحديث متفق على صحته؛ خرّجه الشيخان (٣)، وإسناد الترمذي صحيح، وهو مسلسل بالثقات المشاهير، ومع هذا توقف في تصحيحه احتياطا منه؛ وذلك لكونه جاء من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة مرسلا. ولم أقف على هذا الوجه. وقد جاء من وجه آخر، وفيه شكٌّ في رفعه، وهو ما جاء عن إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: أحسبه عن النبي ﷺ .

стр. 985

أخرجه الإمام أحمد عن إسماعيل به (١)، وهذا لم أقف عليه إلا من هذا الوجه. ٢ - (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم أصبح من الغد فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمّها، فقال رسول الله ﷺ : "المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (٢). وفي بعض النسخ زيادة: (غريب من حديث سهيل). قلت: الذي يظهر لي أنه توقف في تصحيحه من أجل غرابته، فقد تفرد به مالك فيما يظهر؛ لأنه قال: (غريب من حديث سهيل)، وإلا فظاهر الحديث الصحة، وقد خرّجه مسلم في "صحيحه" (٣) وغيره، وهو في "الموطأ" برواية يحيى الليثي وغيره (٤). هذا وقد جاء من أوجه أخرى عن أبي هريرة؛ فقد أخرجه البخاري

стр. 986

من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (١)، ومن حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (٢). وأخرجه مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة (٣)، فهو مشهور من حديث أبي هريرة. وأما متنه فمتواتر، فقد جاء من أوجه أخرى. ٢ - قال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بنصف دينار". حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السكري، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار". قال أبو عيسى: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا) (٤). قلت: هذا الخبر صحيح إلى ابن عباس ﵄، وإنما الخلاف في رفعه ووقفه كما ذكر أبو عيسى، ولعلّه من أجل هذا الاختلاف لم يحكم عليه بشيء، وهذا من احتياطه فيما يظهر، مع ملاحظة أنه إذا قيل بوقفه فمثله لا يقال من قبل الرأي. ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال

стр. 987

زياد: حدثني هذا الشيخ، أن رجلا صلى خلف الصف وحده - والشيخ يسمع - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة. قال: وفي الباب: عن علي بن شيبان، وابن عباس. قال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسن. وروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحدٍ مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالا قد أدرك وابصة. واختلف أهل الحديث في هذا، فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة أصح، وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصح. قال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنه روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة) (١). قلت: هذا الحديث صحيح، وقد رجح أبو عيسى رواية حصين، ومع ذلك حكم عليه بالحسن ولم يصححه، وهذا فيما يظهر من احتياطه.

стр. 988

٥ - (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال قال النبي ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم". وفي الباب: عن أنس، وسليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه. هذا حديث حسن. وأبو سفيان اسمه طلحة بن نافع) (١). قلت: توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر، قال شعبة وسفيان بن عيينة: (حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة) (٢). ومثله حديث: "ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة"، أخرجه من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقال: (حديث حسن) (٣). وأخرج لأبي سفيان عن جابر أحاديث أخرى وصحّحها، ربما لكونها جاءت من طرق أخرى، كما نصَّ على ذلك في حديث: "يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما، ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة … "، أخرجه من طريق الأعمش، عن أبي سفيان به، وقال: (هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر) (٤). ونحوه حديث "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة"، أخرجه من طريق

стр. 989

الأعمش، عن أبي سفيان به، وقال: (حسن صحيح) (١)، ثم أتبعه برواية أبي الزبير عن جابر، وقال: (حسن صحيح) (٢). وروى عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن حُصين، عن أبي سفيان، عن جابر قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت عير المدينة … الحديث، وقال: (حسن صحيح). ثم روى بعده أيضا عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي ﷺ … بنحوه، وقال: (حسن صحيح) (٣). ولعله أيضا من هذا الباب حديث "إذا سجد أحدكم فليعتدل"، ذكره من حديث أبي سفيان، عن جابر، وقال: (حسن صحيح) (٤)، ثم أتبعه برواية شعبة، عن قتادة، عن أنس بنحوه، وقال: (حسن صحيح) (٥). وحديث أنس قد خرجه الشيخان (٦). وبعضها لم يحكم عليها بشيء، مثلى حديث: "من خشي منكم ألا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أوله" (٧)، وحديث: "طعام الواحد يكفي الاثنين" (٨)، ولكنه قد ذكر هذين الحديثين بعد حديث الباب؛ ذكر المتن، ثم ساق الإسناد. وقد تقدم الكلام عن رواية أبي سفيان عن جابر (٩).

стр. 990

وربما حسّنه الترمذي لأجل الاختلاف؛ ففي (العلل) لابن أبي حاتم (١): (سألت أبي عن حديث رواه المسيب ابن واضح، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه في التحريش بينهم". وعن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. قال أبي: أحد هذين باطل). ٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". هذا حديث حسن، وقد روى بعضهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا) (٢). قلت: مع أن ظاهر الإسناد المرفوع الصحة (٣)، إلا أن المصنف توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف في وقفه ورفعه، وهذا دليل على احتياطه. ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو الوليد وعفان وسليمان بن حرب، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسوَدّ، وعن بيع الحَبّ حتى يشتد. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا، إلا من حديث حماد بن سلمة) (٤).

стр. 991

قلت: مع أن ظاهر الحديث الصحة؛ لأن حمادا أثبت الناس في خاله حميد كما قال الإمام أحمد (١)، فالمصنف لم يصححه؛ لأن هناك من خالف حمادا في لفظ الحديث. قال أبو بكر البيهقي: (ذِكر الحب حتى يشتد والعنب حتى يسود في هذا الحديث، مما تفرد به حماد بن سلمة عن حميد من بين أصحاب حميد، فقد رواه في الثمر: مالك بن أنس، وإسماعيل بن جعفر، وهشيم بن بشير، وعبد الله بن المبارك، وجماعة يكثر تعدادهم، عن حميد، عن أنس، دون ذلك) (٢). ٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل، فيسألني من البيع ما ليس عندي، آبتاعُ له من السوق، ثم أبيعه منه؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك". حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي. هذا حديث حسن. وفي الباب: عن عبد الله بن عمرو. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا أيوب، قال: حدثنا عمرو بن شعيب، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". وهذا حديث حسن صحيح.

стр. 992

حديث حكيم بن حزام حديث حسن، قد روي عنه من غير وجه، روى أيوب السختياني وأبو بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام. وروى هذا الحديث عوف وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ . وهذا حديث مرسل، إنما رواه ابن سيرين، عن أيوب السختياني، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام هكذا. حدثنا الحسن بن علي الخلال وعبدة بن عبد الله وغير واحد، قالوا: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي. وروى وكيع هذا الحديث، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن أيوب، عن حكيم بن حزام، ولم يذكر فيه عن يوسف بن ماهك. ورواية عبد الصمد أصحّ. وقد روى يحيى بن أبي كثير هذا الحديث (١)، عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ ) (٢). قلت: رجاله ثقات، لكن يوسف لم يثبت أنه سمع هذا الخبر من حكيم، وإنما بينهما عبد الله بن عصمة، ولأجل هذا لم يصححه.

стр. 993

قال العلائي: (يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، قال الإمام أحمد: مرسل) (١). وعبد الله بن عصمة هو الجشمي، ليس بالمشهور، ولكن رواية يوسف بن ماهك عنه، وعطاء بن أبي رباح (٢) - وهما ثقتان مشهوران، خاصة عطاء فهو إمام - مما يقويه، هذا مع ذكر ابن حبان له في (الثقات) (٣)، ولذا قال الذهبي في (الكاشف) (٤): ثقة. ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد وعلي بن حُجْر، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شر حبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة قال: سمعت النبي ﷺ يقول في خطبته عام حجّة الوداع: "العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي". وفي الباب: عن سمرة، وصفوان بن أمية، وأنس. حديث أبي أمامة حديث حسن، وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أيضا من غير هذا الوجه) (٥). قلت: هذا الحديث إسناده قوي، وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين، وقد قوّاها الحفاظ، ومع أن الحديث روي عن أبي أمامة من غير هذا الوجه كما ذكر المصنف، إلا أنه لم يصححه. ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي البصري، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن هشام بن عروة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أنس بن مالك، أن رجلا من

стр. 994

كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد، عن هشام بن عروة) (١). قلت: هذا الحديث وإن كان رجال إسناده ثقات، لكنه غريب جدا؛ ولهذا لم يصححه. ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجَهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ليلينِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق". وفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب) (٢). قلت: ظاهره الصحة، وزياد بن كليب ثقة، وأخرجه مسلم (٣)، ولكن لم يصححه الترمذي لغرابته، مع أنه سأل البخاري عنه فقال: (أرجو أن يكون محفوظا) (٤). ولذا استنكره الإمام أحمد، قال أبو الفضل بن عمار في (علل

стр. 995

الأحاديث في صحيح مسلم) (١): (ووجدت فيه من حديث يزيد بن زُرَيْع، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : "لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى"، وذكر الحديث وفيه زيادة: "وإياكم وهَيْشَات الأسواق". حدثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل قال: هذا حديث منكر. قال أبو الفضل: قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح). ١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان وأبو جناب (٢) يحيى بن أبي حية، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها". وفي الباب عن أبي بكر، وعمران بن حصين، وسلمان، وأبي ذر، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي أيوب. حديث أوس بن أوس حديث حسن). قلت: هذا الحديث صحيح، وقد جاء من أوجه أخرى، وصحّحه جمعٌ من أهل العلم.

стр. 996

١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن خَشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضمري - وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو -، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه". وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة. حديث أبي الجعد حديث حسن. قال: وسألت محمدا عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث. قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو) (١). قلت: وهذا أيضا توقف فيه للغرابة. وأخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في (الكبير) والحاكم (٢)، من طرق عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو به، وفيه تصريح عَبيدة بن سفيان بالسماع من أبي الجعد. والله تعالى أعلم. وسيأتي في مصطلح (الغريب): فصلٌ في أحاديث رويت بأسانيد ظاهرُها الصحة، توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وفيه أمثلة كثيرة. * * * نخلص مما سبق: إلى أن في حكم الترمذي على حديثٍ ما - أو على

стр. 997

راوٍ من الرواة - بأنه حسن: تقويةً لهذا الحديث - أو لهذا الراوي -، ولكن لا يصل لدرجة الصّحة والقبول، ولا ينزل لدرجة الساقط والواهي، كما أن الراوي المحكوم عليه بذلك لا يصل لدرجة الاحتجاج، ولا ينزل لدرجة الساقط والواهي. ومما يدل على هذا ويؤكِّده: ١ - تعريف الترمذي للحديث الحسن، ففي خلو الحديث من المتهم، وكونه يروى من غير وجه = هذه تقوية نوعا ما للحديث. ٢ - قال الترمذي: (قال محمد: شهر حسن الحديث. وقوّى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون) (١). فقوله: (قوى أمره) هذا من كلام الترمذي، وأن هذه التقوية فيما يظهر من فهمه لقول البخاري: (حسن الحديث). ٣ - أن الترمذي روى حديثا في كتابه (العلل الكبير) (٢): باب ما جاء في بيعة النبي ﷺ ، قال: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايعت عليه النساء … الحديث. فسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه حسنا، وقال: سيف بن هارون له مناكير). والشاهد قوله: (فلم يعرفه حسنا)، لأن هذا الإسناد منكر، ولذا قال: (سيف بن هارون له مناكير).

стр. 998

٤ - أن الحديث الساقط، وما كان شديد الضعف، لا يحكم عليه بذلك، وإنما يبيّن ضعفه، أو يحكم عليه بالغرابة، دون أن يضيف إليها الحسن أو الصحة من باب أولى، ومن أمثلة ذلك: قال الترمذي: (٣٨٥١) - حدثنا محمد بن حاتم المؤدِّب، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، قال: حدثنا علقمة بن مَرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: شكا خالد بن الوليد المخزومي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق، فقال نبي الله ﷺ : "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو أن يبغي، عَزّ جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، لا إله إلا أنت". هذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكَم بن ظُهير قد تَرك حديثه بعض أهل الحديث. ويُروى هذا الحديث عن النبي ﷺ مرسلا من غير هذا الوجه). وقال الترمذي: (٢٨٧٠) - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن الخليل بن مُرّة، عن يحيى بن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ ، فيسمع من النبي ﷺ الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني لأسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ : "استعن بيمينك"، وأومأ بيده للخط. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. هذا حديث إسناده ليس بذاك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث).

стр. 999

وقال الترمذي: (٢٩٠٨) - حدثنا الفضل بن الصبّاح، قال: حدثنا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "السلام قبل الكلام". وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ ، قال: "لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلّم". هذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، سمعت محمدا، يقول: عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث، ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث). قلت: هذه الأحاديث وما كان مثلها لا يمكن أن يحكم عليها بالحسن، وذلك لأنها ساقطة عنده. كما أن الأحاديث التي رويت بسلسلة: مالك عن نافع عن ابن عمر، أو أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أو هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أو سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، وما كان مثلها من السلاسل المشهورة= لا يمكن أن يحكم عليها بالحسن فقط إذا ما اشتهرت الأسانيد إلى من ذُكر. وليعلم أيضا أن الحسن عنده ليس على درجة واحدة، بل على درجات: الأولى: مثل سلسلة: محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فهذه السلسلة صحَّح فيها أحاديث (١)، وأحاديث أخرى اكتفى بتحسينها (٢).

стр. 1000

وتوقفه في تصحيح بعضها؛ إما لغرابة في الإسناد، أو لعلّة، أو عنده توقف في خبر معين منها. ومثل هذه السلسلة؛ سلسلة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والغالب أنه لم يصححها وإنما حسنها، نعم صحح ثلاثة أحاديث بهذه السلسلة (١). وأيضا سلسلة: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، روى بها عشرة أحاديث، صحح حديثا (٢)، وحسن الباقي (٣)، مع أنه يرويها من طريق غير واحد من الحفاظ؛ كابن المبارك ويحيى بن سعيد ويزيد بن هارون. وقد قال الترمذي: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (٤). ومن المعلوم الخلاف في حكم هاتين السلسلتين، ولكن الراجح عند الجمهور قوتهما. وأيضا حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين، فإنه لا يصحِّحه (٥)، وقد قال عنه: (رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صالحة، وله عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير) (٦).

стр. 1001

وقال أيضا: (رواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما تفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصحّ، هكذا قال محمد بن إسماعيل) (١). الثانية: وهي دون الأولى، وهم الرواة الذين وقع فيهم خلاف، والراجح أن فيهم ضعفا ولينا؛ مثل عبد الله بن محمد بن عقيل (٢)، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعطية العوفي. الثالثة: مثل سلسلة: عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم بن الرحمن، ومثل سلسلة: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن عن جدّه (٣)، وصالح بن بشير المُرّي، وأبو بكر بن أبي مريم. وهناك من هو دون هؤلاء؛ وهو من كان متروكا أو واهيًا؛ مثل محرَّر - أو محْرِز، على خلاف في اسمه - بن عبد الله التيمي، وهو متروك، ومن كان مثله. وبناء على ما سبق؛ نعلم مرتبة الحديث الحسن عند الترمذي: وهو أنه لا يبلغ أن يكون محفوظا عنده، ولا مطّرحا ساقطا (٤)، ويؤكد هذا أمران: الأمر الأول: ما تقدم بيانه من أن الحديث المحفوظ عنده - حتى لو كان في أدنى درجات القبول - يحكم عليه بأنه (حسن صحيح)، وقد تقدم إيراد كثير من الأمثلة على ذلك.

стр. 1002

فإذا (الحسن) دون (حسن صحيح)، ومن باب أولى دون (صحيح)؛ ولذا قال الترمذي: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "العُطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، وإذا قال: آه آه، فإن الشيطان يضحك من جوفه، إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا قال الرجل: آه آه إذا تثاءب؛ فإن الشيطان يضحك في جوفه". هذا حديث حسن. حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله، فحق على كل من سمعه أن يقول: يرحمك الله، وأما التثاؤب؛ فإذا تثاوب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقولن: هاه هاه، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه". هذا حديث صحيح، وهذا أصحّ من حديث ابن عجلان، وابنُ أبي ذئب أحفظ لحديث سعيد المقبري وأثبت من محمد بن عجلان، وسمعت أبا بكر العطار البصري، يذكر عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري روى بعضَها سعيدٌ، عن أبي هريرة، وروى بعضَها سعيدٌ، عن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطت عليّ، فجعلتها عن سعيد، عن أبي هريرة) (١). قلت: الفرق بين الروايتين أن ابن أبي ذئب زاد في الإسناد: (عن

стр. 1003

أبيه)، وابن عجلان أسقطها، ولا شك أن رواية ابن أبي ذئب هي المقدَّمة، ولذا حكم عليها الترمذيّ بالصحة، وقال: (هي أصحّ)، بخلاف رواية ابن عجلان. الأمر الثاني: ما تقدم من الأمثلة. وعلى هذا يكون الحديث الحسن عنده من حيث الصحة والثبوت على قسمين: الأول: ما تقدم تقريره. والثاني: هو صحيح عنده فيما يظهر، ولكن لم يحكم عليه بالصحة لغرابته، أو لاختلاف وقع فيه غير مؤثر. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1004

مصطلح (الغريب)

стр. 1005

وسّعت الكلام في هذا المصطلح لأهميته، فجاء في واحد وعشرين فصلا: الفصل الأول: كتاب (جامع الترمذي) من أهم الكتب في بيان الحديث الغريب. الفصل الثاني: أحكام الترمذي على الحديث بالغرابة. الفصل الثالث: أهمية معرفة الغريب. الفصل الرابع: علاقة الغرابة بصحة الخبر وضعفه. الفصل الخامس: التفرد في الطبقات. الفصل السادس: ذكر أمثلة على تفردات بعض كبار الأئمة. الفصل السابع: متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر. الفصل الثامن: الفرق بين الغريب والمنكر. الفصل التاسع: ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث. الفصل العاشر: منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم. الفصل الحادي عشر: إطلاق الحسن على الغريب. فصل الثاني عشر: أقسام الغريب وأنواعه.

стр. 1006

الفصل الثالث عشر: التعليق على كلام أبي عيسى في (العلل الصغير) حول الغريب. الفصل الرابع عشر: الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته. الفصل الخامس عشر: ذكر بعض الرواة الذين تُكلّم فيهم بسبب روايتهم للغرائب، وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم. الفصل السادس عشر: عُسر الحكم بالغرابة. الفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب. الفصل الثامن عشر: أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة، توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وذلك لأن الغرابة تُنزل من درجة الحديث. الفصل التاسع عشر: مناهج الأئمة في الغرابة على وجه العموم. الفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص. الفصل الحادي والعشرين: اختلاف منهج المحدثين في الغرابة من أسباب اختلافهم في الحكم على الراوي.

стр. 1007

الفصل الأول يعتبر كتاب (الجامع) لأبي عيسى أهمَّ كتابٍ في بيان الحديث الغريب وأوسعها في ذلك، فلا يكاد يوجد كتاب بين أيدينا اليوم يضاهيه، وإن كان قد سبق أبا عيسى أئمة أكثروا من بيان ذلك في مصنفاتهم؛ كعليِّ بن المديني، ويعقوب بن شيبة، ولكن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير. ويستعمل أبو عيسى هذا المصطلح في (كتابه) على وجوهٍ متنوِّعة؛ فيقول: صحيح غريب، عريب صحيح، حسن صحيح غريب، حسن غريب صحيح، صحيح حسن غريب، غريب صحيح حسن، حسن غريب، غريب حسن. كما أنه في كثير من الأحيان يبيّن نوع الغرابة؛ هل هي مطلقة؟ كقوله: (لم يروه إلا فلان)، أم هي نسبية؟؛ كقوله: (غريب من هذا الوجه). كما أنه يشير في بعض الأحيان إلى غرابة المتن. وكتابه (العلل الصغير) أهم الكتب في بيان أنواع الغرابة وأقسامها من جهة التنظير، فهناك بسَطَها المصنِّف مقسَّمة إلى أربعة أقسام، ومثَّل لكل قسم منها، وما وقفت على كتاب قبله أفاضَ صاحبه في بيان هذا النوع كما فعل أبو عيسى (١)، ولعل الغرابة أهم المسائل التي بيّنها في هذا الجزء، والذي تذكره كتب المصطلح بعض مما ذكره. ويكاد يكون أبو عيسى متفردا في بيانه لهذا النوع من أنواع علم الحديث. * * *

стр. 1008

الفصل الثاني أحكام الترمذي على الحديث بالغرابة يمكن تقسيم هذه الأحكام إلى قسمين: القسم الأول: ما كان مقرونا إلى غيره، وهو كالتالي: صحيح غريب، غريب صحيح، حسن صحيح غريب - وهذا كثير -، حسن غريب صحيح، صحيح حسن غريب، غريب حسن صحيح، حسن غريب - وهذا كثير أيضا -، غريب حسن، وهذا نادر. فمثال قوله: صحيح غريب: قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ فقال: "إني حاملك على ولد ناقة" فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهل تلد الإبل إلا النوق" هذا حديث صحيح غريب) (١). ومثال قوله: غريب صحيح: قال الترمذي: (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: حدثنا المحاربي، عن مالك بن مِغْوَل، عن محمد بن سُوقَة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان تعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور". هذا حديث حسن صحيح غريب) (٢).

стр. 1009

وفي (تحفة الأشراف) (١): (غريب صحيح). ومثال قوله: حسن صحيح غريب: قال الترمذي: (حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثنا الحجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: اتخذوا قرنا مثل قرن اليهود. قال: فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال قم فناد بالصلاة". هذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث ابن عمر) (٢). ومثال قوله: حسن غريب صحيح: قال الترمذي: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عثمان بن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ النبي ﷺ المنبر حنَّ الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن. حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح. ومعاذ بن العلاء هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء) (٣). ومثال على قوله: صحيح حسن غريب: قال الترمذي: (حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق البغدادي، قال: حدثنا

стр. 1010

عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي الشامي، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عنبسة بن أبي سفيان، قال: سمعت أختي أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ ، تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والقاسم هو ابن عبد الرحمن، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو ثقة شامي، وهو صاحب أبي أمامة) (١). ومثال قوله: غريب حسن صحيح: قال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر - دخل حديث أحدهما في حديث الآخر -، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدّجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل … الحديث. هذا حديث غريب حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) (٢). ومثال قوله: حسن غريب:

стр. 1011

قال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه". هذا حديث حسن غريب) (١). مثال قوله: غريب حسن: قال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "غفرانك". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. وأبو بردة بن أبي موسى اسمه: عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري. ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) (٢). وهل تقديم أبي عيسى لـ (الغريب) في أحكامه لمعنى مقصود، أم من باب التفنن؟ الذي يظهر أنه الثاني - وقد تقدم تقرير ذلك -؛ لأنه لم يوجد ثمة فرق واضح بين صحيح غريب وغريب صحيح، وبين حسن صحيح غريب وغريب حسن صحيح، يؤكّد هذا أن المزي كثيرا ما تجد عنده صحيح غريب بدل

стр. 1012

غريب صحيح، وحسن غريب بدل غريب حسن، وحسن صحيح غريب بدل غريب حسن صحيح أو حسن غريب صحيح. ويحتمل أنه يقدم الغرابة في الحكم لشدّتها في الخبر، ومثالُه: الحديثُ الذي يحكم عليه بالغرابة ولا يقرنها بشيء. * * * القسم الثاني: ما كان مجردا، فحكم عليه بالغرابة فقط. وهذا لا يكون عنده إلا ضعيفا؛ بل وكثيرا ما يكون شديد الضعف. وهو على نوعين: النوع الأول: أن ينص معه على ضعف الحديث. ومن أمثلته: ١ - ما رواه من طريق الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: "جاءني جبريل فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح". قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وسمعت محمدا يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث) (١). ٢ - وروى من طريق رِشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن معاذ بن جبل قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورِشْدِين بن

стр. 1013

سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعم الأفريقي يضعفان في الحديث) (١). ٣ - وروى من طريق خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتَيّ بن ضَمْرَة السعدي، عن أبي بن كعب رفعه: "إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". قال أبو عيسى: (حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث؛ لأنّا لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (٢). ٤ - وقال عن حديث: (غريب، ليس بالمحفوظ) (٣). ٥ - وقال عن آخر: (هذا حديث غريب، وليس إسناده بمعروف) (٤). ٦ - وقال عن آخر: (هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه، ولا يصح من قِبَل إسناده. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس، وهو محمد بن حسان، وقد ترك حديثه) (٥). قلت: ومحمد بن سعيد هو المصلوب، وهو وضّاع. والأمثلة على هذا كثيرة.

стр. 1014

قلت: كل هذه الأحاديث بيّنة الضعف، وخاصة الثالث؛ فإنه باطل مرفوعا، كما بيّن أبو عيسى، مع ملاحظة اقتصاده في الحكم، وإلا فإنه أشار إلى بطلانه. فلا يحكم الترمذي على حديث بالغرابة إلا وهو ضعيف عنده، وفي كثير من الأحيان يكون شديد الضعف كما تقدم. النوع الثاني: ألا ينص على ضعفه، وهذا ضعيف عنده أيضًا، والدليل على ذلك ما تقدم. ومن أمثلته: ١ - قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - أُراه رفعه -، قال: (أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما). هذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، رواه الحسن بن أبي جعفر - وهو حديث ضعيف أيضا - بإسنادٍ له عن علي، عن النبي ﷺ ، والصحيح هذا عن علي موقوف) (١). قلت: فقوله: (وهو ضعيف أيضا)، يعني أن الأول ضعيف بالإضافة إلى الثاني، ولذا قال بعد ذلك: (والصحيح هذا عن علي موقوف). ٢ - وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بَرْك الجمل".

стр. 1015

قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزِّناد إلا من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) (١). قلت: وهذا الحديث ضعيف، فقد ذكره البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن من (التاريخ) (٢)، وقال: (لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا). وقد تكلمت على الحديث بتوسّعٍ في موضعه. ٣ - وقال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا شبابة بن سَوّار، قال: حدثنا عمر بن الرَّمّاح، عن كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسيرة، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمُطروا، السماء من فوقهم والبِلّة من أسفل منهم، فأذّن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام، فتقدم على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء؛ يجعل السجود أخفض من الركوع. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، تفرد به عمر بن الرَّمّاح البَلْخي، لا يُعرف إلا من حديثه، وقد روى عنه غير واحدٍ من أهل العلم. وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته) (٣). قلت: فهذا الحديث لا يصح، فبالإضافة إلى غرابته، فيه عثمان بن يعلى وابنه عمرو كلاهما فيه جهالة.

стр. 1016

وعمر بن الرَّمّاح هو ابن ميمون، وهو ثقة، ولا يستبعد خطؤه في هذا الحديث. وشيخه كثير بن زياد ثقة أيضا. ٤ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبِّي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وحفصة. حديث ابن عمر حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وروى عنه غير واحد) (١). قلت: محمد بن الحصين مجهول، وقد وقع اختلاف في هذا الحديث (٢)، وله طرق متعددة عن ابن عمر، كما قال ابن رجب (٣)، ويظهر أنها لا تخلو من كلام (٤). ٥ - وقال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا بَدَل بن المُحبَّر، قال: حدثنا عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الباب عن ابن عمر.

стр. 1017

حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم) (١). قلت: وهذا حديث ضعيف، عبد الملك بن مَعدان لا يحتج به. ٦ - وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مُرّة الزَّوفي، عن خارجة بن حذافة، أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمُر النعم: الوتر، جعلها الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر". وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ . قال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب. وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث، فقال: عبد الله بن راشد الزُرقي، وهو وهم) (٢). قلت: هذا الخبر لا يصح، قال البخاري في ترجمة خارجة بن حذافة: (لا يعرف لإسناده سماع بعضهم من بعض) (٣). وقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (لا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٤). وقال في ترجمة عبد الله بن راشد: (لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس إلا حديث في الوتر) (٥).

стр. 1018

ومما يدخل في هذا القسم: ما قال عنه: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فقط، دون قوله: (غريب). ومن الأمثلة عليه: ١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة، عن ابن المسيب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما. حديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). ٢ - حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسمعت محمدا يقول: أبو المطوِّس: اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث) (٢). ٣ - وقال الترمذي: (حدثنا علي بن سعيد الكندي الكوفي، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، قال: سمعت ابن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين ابنة مخاض، وعشرين بني مخاض ذكور، وعشرين بنت لَبون، وعشرين جذعة، وعشرين حُقّة.

стр. 1019

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة نحوه. حديث ابن مسعود، لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوف) (١). * * *

стр. 1020

الفصل الثالث في أهمية معرفة الغريب اهتمام أبي عيسى الترمذي بمسألة الغرابة والتفرد في الحديث؛ ليس شيئًا تفرّد به دون الأئمة الآخرين، كما قد يُظن، بل هذا الأمر موجود عندهم، وقد اعتنوا به اعتناءً بالغًا، وأشاروا إلى ذلك عند الحكم على الحديث، خلافًا لكثير ممن تأخر؛ فقد تساهلوا بهذا الأمر عند حكمهم على الأحاديث؛ لعدم معرفتهم بأهميته، بل عابوا على المتقدمين ذلك، كما سيأتي عن ابن الجوزي، وهذا بعض ما يميّز مذهب المتقدمين عن غيرهم. قال أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة": (والأحاديث التي وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد (١) والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأما الحديث المشهور المتّصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد) (٢). وقول أبي داود هذا يدل على ما تقدم من اعتناء الأئمة السابقين والحفاظ الماضين بهذه المسألة، فقد بين أنه ما ذَكر في كتابه إلا الأحاديث المشهورة، وأن هذا مما يفتخر به.
следующие страницы →