← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كبيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (١). قال الدارقطني: (تفرد به يزيد) (٢). ومثاله أيضا ما جاء من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم" (٣). قال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد). وهشام من صغار التابعين، وهو أصغر من يزيد. وهذه الأخبار جاء التفرد فيها في طبقة التابعين كما ترى. ثالثا: التفرد في طبقة أتباع التابعين. من ذلك ما جاء من طريق عُمارة بن غَزِيَّة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب في فضل الترديد مع المؤذن (٤). قال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد). وأشار الدارقطني إلى تفرد عُمارة (٥).

стр. 1052

وعُمارة بن غَزِية من طبقة كبار أتباع التابعين. ومنه ما أخرجه الإمام مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الحَيَّة، والغراب الأَبْقَع، والفأرة، والكلب العَقُور، وَالْحُدَيَّا" (١). وقد تابع شعبةَ سعيد بن أبي عروبة (٢) وسعيد بن بشير (٣). وزيادة "الحية" لا شك أنها خطأ؛ لأن الرسول ﷺ قال: "خمس يقتلن … " الحديث، فمع "الحَيَّة" تكون ستة، ولذا لم تذكر "العقرب" في هذه الرواية. وقال البيهقي لما ذكر رواية مسلم: (وقال: "الحية" بدل "العقرب"، وكأن شعبة كان شك في ذلك، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مَرْزوق، ثنا أبو عامر، ثنا شعبة .. فذكره بإسناده، إلا أنه قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية أو العقرب"، ثم ذكر الباقي. وكأن رواية أبي داود الطيالسي أصح؛ لموافقتها سائر الروايات عن عائشة، وابن المسيب إنما روى الحديث في الحية والذئب مرسلا) (٤). قلت: فكأن ذكر الحية دخل على قتادة من خبر ابن المسيب المرسل. وكذا ذكر "الحَيَّة" في حديث أبي عوانة عن زيد بن جبير عن ابن

стр. 1053

عمر (١)، وقد رواه مسلم من طريق زهير عن زيد بن جبير به ولم يذكرها، ثم روى الحديث من طرق كثيرة عن نافع - منهم مالك وابن جريج - ولم يذكروها، ثم روى الحديث من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ولم تذكر أيضا (٢). قلت: وزيادة "الأَبْقَع" في الغراب في حديث قتادة لم تأت إلا في هذه الرواية، ولا تصح، والصواب عدم تقييده بذلك. وشعبة من كبار أتباع التابعين. وما جاء من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ … (٣). قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب صحيح). وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك). ومالك من كبار الطبقة الوسطى من أتباع التابعين (٤). وما رواه ابن عيينة، عن عمرو، سمع عطاء، يخبر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وهو في "الصحيحين" (٥).

стр. 1054

قال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (١). وقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (٢). وابن عيينة من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وهو أصغر من مالك. ومن طبقة صغار أتباع التابعين، ما جاء من طريق مروان بن محمد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه (٣). وقال البيهقى: (هذا الحديث يعد في أفراد مروان بن محمد الدمشقي) (٤). وأخرجه الحاكم من طريق هارون بن سعيد الأَيْلي عن ابن وهب به، وقال: (على شرط مسلم) (٥). قلت: تبين مما تقدم أن عبد الله بن وهب قد تفرد بهذا الحديث، ولم أقف على أحد رد هذا الخبر بالغرابة، بل الذي وقفت عليه أن جمعًا من الحفاظ قد قوّوه، وعلى رأسهم أبو داود، حيث إنه سكت عنه، وكذلك الدارقطني إذ قال: (تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة) (٦).

стр. 1055

وقال أبو محمد بن حزم: (هذا خبر صحيح) (١). رابعا: طبقة أتباع أتباع التابعين. جاء من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة مبايعة أبي بكر في بني ساعدة، وقول عمر: أنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ (٢). قال أبو عيسى: (هذا حديث صحيح غريب). وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة عن عمر، إلا من هذا الوجه). وقال أبو الحسن الدارقطني: (أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم العمري، نا أبو كريب، نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول: لقد قدمت من اليمن أنا وأخي، فمكثنا حينا لا نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ ؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ . قال: هذا حديث صحيح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى، وهو غريب من حديث يوسف بن أبي إسحاق، تفرد به عنه إبراهيم بن يوسف) (٣). وقد وقع التفرد أيضا في طبقات بعد هذه، كما في الفصل الآتي. * * *

стр. 1056

الفصل السادس ذكر أمثلة على تفردات بعض كبار الأئمة عفان بن مسلم: قال الطبراني: (حدثنا زكريا بن حَمْدويه الصَّفَّار البغدادي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه الثلاث؛ فإنه لا يدري في أيتهن البركة". قال زكريا بن حَمْدويه: أنكره يحيى بن معين على عفان، فقام عفان فدخل بيته، فأخرجه من كتابه كما أملاه علينا. لم يروه عن قتادة إلا همام، تفرد به عفان) (١). قال الطبراني: (حدثنا علي بن صقر السُّكَّري البغدادي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، قال: ذكر أنس بن مالك ﵁ سبعين رجلا من الأنصار، كان إذا جنهم الليل آووا إلى معلم بالمدينة، فيبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كان عنده قوة أصاب من الحطب، وأستعذب من الماء، ومن كان عنده سعة أصابوا الشاة، فأصلحوا، فكانت تصبح معلقة بحجر رسول الله ﵌، فلما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﵌، فكان فيهم خالي حَرَام بن مِلْحَان، فأتوا على حي من بني سُليْم، فقال حَرَام لأميرهم:

стр. 1057

ألا أخبر هؤلاء أنّا لسنا إياهم نريد فيخلوا وجوهنا؟ قالوا: نعم، فأتاهم، فقال لهم ذلك، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به، فلما وجد حرام مسّ الرمح في جوفه قال: فزت ورب الكعبة. فانطووا عليهم فما بقي منهم مخبر، فما رأيت رسول الله ﵌ وجد على سرية وجده عليهم. قال أنس: فلقد رأيت رسول الله ﵌ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، فلما كان بعد ذلك أتى أبو طلحة يقول: هل لك في قاتل حَرَام؟ فقال: ما باله؟ فعل الله به وفعل. فقال أبو طلحة: لا تفعل؛ فقد أسلم. لم يروه عن سليمان إلا عفان) (١). قلت: في كونه قد تفرد به نظر، فإن هاشم بن القاسم تابعه، رواه عنه الإمام أحمد (٢). سعيد بن منصور: قال الإمام مسلم: (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أخبرنا حُصَين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس … ) في الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وذكر من صفاتهم: "ولا يرقون" (٣). وهذه اللفظة تفرد بها سعيد بن منصور، وهي خطأ قطعا، وذلك أن النبي ﷺ كان يرقي نفسه ويرقي غيره، فكيف تكون من صفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب؟! ولذا أعرض عنها البخاري، وقال ابن تيمية:

стр. 1058

(هذه اللفظة وقعت مقحمة في الحديث، وهي غلط من بعض الرواة) (١). يحيى بن معين: قال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني يحيى بن معين، قال: نا هشام بن يوسف، قال: نا رَباح بن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بِئْسَ الشِّعْبُ جِيَادٌ" قالها مرتين أو ثلاثة، قالوا: فيم ذاك يا رسول الله؟ قال: "تخرج الدابة، فتصرخ ثلاث صرخات، فيسمعها ما بين الخافقين". لم يَروِ هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح إلا رَباحُ بن عبيد الله بن عمر، ولا عن رباح إلا هشام بن يوسف، تفرد به يحيى بن معين) (٢). وهذا الحديث ذكره البخاري من طريق ابن معين في ترجمة رباح، وقال: (لم يتابع عليه، وقال أحمد: منكر الحديث) (٣). وذكره العقيلي (٤) وابن عدي (٥) في ترجمة رباح، وكذلك الذهبي في "الميزان" وقال: (تفرد به هشام) (٦). وقال: (حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا أبو عبيدة الحداد، قال: ثنا هشام بن حسان، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن جابر بن عبد الله قال: ما صليت خلف أحد بعد رسول الله ﷺ أخف صلاة من رسول الله ﷺ في تمام.

стр. 1059

لم يَرو هذا الحديث عن بكر بن عبد الله إلا هشامُ بن حسان، ولا عن هشام إلا أبو عبيدة، تفرد به يحيى بن معين) (١). وقال: (حدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا يحيى بن معين، ثنا أبو حفص الأَبَّار، عن محمد بن جُحَادَة، عن عطية، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". لم يَرو هذا الحديث عن محمد بن جُحَادَة إلا أبو حفص الأَبَّار، تفرد به يحيى بن معين) (٢). وقال: (حدثنا هاشم بن مَرْثَد، نا يحيى بن معين، ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، نا مِسْعَر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فإذا أنا بقصر، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر بن الخطاب". لم يَرو هذا الحديث عن مِسْعَر إلا إسماعيل بن أبان، تفرد به يحيى بن معين) (٣). وقال أبو نعيم: (تفرد به يحيى عن إسماعيل) (٤). وقال الدارقطني في "الأفراد" عن حديث "عُمْر الذُّبَاب أربعون يومًا": (تفرد به يحيى بن معين، عن موسى بن داود، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عنه مرفوعا) (٥). وقال عن حَدِيث رسول الله ﷺ "ما نفعني مال … " الحديث: (تفرد به أبو قِلَابَة عبد الملك بن محمد، عن أبي الوليد، عن ابن عيينة، عن الزهري عن عروة.

стр. 1060

وقال يحيى بن معين: عن ابن عيينة، عن وائل بن داود، عن الزهري. وبقية الحديث غريب من حديث الزهري، لم يأت به إلا أبو قِلَابَة بهذا الإسناد. ورواه أبو عبيد الله المخزومي، عن سفيان، عن الزهري عن عروة - إن شاء الله - أن رسول الله ﷺ قال: "ما نفعني … ". لم يذكر عائشة. ورواه عبد الجبار بن العلاء والحميدي وسعيد بن سليمان، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة). وقال في موضع: (ورواه إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة، عن وائل، عن ابنه. ورواه يحيى بن معين عن ابن عيينة، فلم يذكر فيه بكر بن وائل، وجعله عن وائل، عن الزهري، عن عروة، وتفرد به يحيى بن معين) (١). وقال الدارقطني - عن حديث: ما أدركت أبويّ إلا وهما يدينان هذا الدين -: (تفرد بهذين الحديثين يحيى بن معين، عن ابن عيينة، عن وائل بن داود عن الزهري) (٢). قلت: روى ابن أبي خيثمة الحديث في "تاريخه" فقال: (حدثنا يحيى بن معين، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر". فأتبعه ابن شيبة - صديق كان له - قال: هذا الحديث سمعتَه من الزهري؟ قال: لا، ولكن حدثني به وائل بن داود.

стр. 1061

قال يحيى بن معين: وائل بن داود لم يسمع من الزهري، وإنما سمع من ابنه بكر بن وائل، وكان بكر بن وائل بن داود قد رأى الزهري) (١). علي بن المديني: قال الطبراني: (حدثنا الحسن بن محمد بن هشام الشَّطَوي البغدادي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أخيه علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك؟ على أنه مغفور لك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". لم يروه عن الحسن بن صالح إلا يحيى بن آدم، تفرد به علي بن المديني) (٢). وقال: (حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام بمدينة دمياط، حدثي علي بن المديني، حدثنا أنس بن عياض، حدثني عبد الله بن عمر، عن ابن شهاب الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أخبرته أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵌ و ﵂ قالت: لقد كان رسول الله ﵌ يدخل عليّ رأسه وهو معتكف فأرجله، وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان.

стр. 1062

لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا أنس بن عياض، تفرد به علي بن المديني) (١). ونص على ذلك الدارقطني (٢). قال الطبراني: (حدثنا يحيى بن محمد الحِنَّائي البصري ببغداد، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن آدم، عن قُطْبَة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﵌: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة". لم يروه عن قُطْبَة إلا يحيى بن آدم، تفرد به علي بن المديني) (٣). أبو بكر بن أبي شيبة: قال الطبراني: (حدثنا سلمة بن حمزة المُقرئ البغدادي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شَرِيك، عن الأَجْلح، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم النبي ﵌ مكة أُتي بأبي قحافة ورأسه ولحيته كأنها ثَغَامَة، فقال: "غيروا الشيب واجتنبوا السواد". لم يروه عن الأَجَلح إلا شريك، تفرد به أبو بكر بن أبي شيبة) (٤). أحمد بن حنبل: قال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: نا الأسود بن عامر، قال: نا الحسن بن صالح، عن أبي ليلى، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في المحرم يموت: "يكفن في ثوبيه، ولا يغطى رأسه، ولا يمس طيبا، ويغسل بماء وسدر، فإنه يبعث يوم القيامة يُلَبِّي".

стр. 1063

لم يَرو هذا الحديث عن الحسن بن صالح إلا الأسودُ بن عامر، تفرد به أحمد بن حنبل) (١). وقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: نا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: نا عثمان بن عبد الملك أبو قُدَامَةَ العمري، قال: حدثتنا عائشة بخت سعد، عن أم ذرة، قالت: رأيت عائشة تصلي الضّحى، فتقول: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلا أربع ركعات. لا يُروى هذا الحديث عن أم ذَرَّة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن حنبل رحمة الله ورضوانه عليه) (٢). وقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: سمعت إبراهيم بن سعد الزهري في سنة اثنين وثمانين ومائة يقول: حدثني الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْح، عن أبي عثمان، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيرُه فقليله حرام". قال عبد الله: قال أبي: أبو عثمان الأنصاري اسمه عمرو بن سالم، رواه عنه مهدي بن مَيْمُون، وليث بن أبي سُليم، ومُطَرِّف بن طَرِيف. حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: حدثني أبو تُمَيْلَة، قال: حدثنى أبي، قال: رأيت أبا عثمان الأنصاري عمرو بن سالم يقضي ببلدة. قال أبي: كان قاضيا بِمَرْو. لم يَرو هذا الحديث عن الربيع بن صُبيح إلا إبراهيمُ بن سعد، تفرد به أحمد بن حنبل) (٣).

стр. 1064

قتيبة بن سعيد: قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب. حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره. وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ؛ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي) (١). وقال أبو داود: (ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده) (٢). وقال الحاكم: (هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نُعلِّله بها، فلو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعلّلنا به الحديث، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعلّلنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولا.

стр. 1065

ثم نظرنا، فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ. وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي (١)، قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عدّ قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث. وقد أخبرناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، فذكر نحوه. قال أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة. وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به، عن أبي عبد الرحمن النسائي - وهو إمام عصره -، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علة. فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون. حدثني أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه، قال: ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت صالح بن حَفْصوَيْه النيسابوري - قال أبو بكر: وهو صاحب حديث -، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد

стр. 1066

ابن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالد المدايني يُدخل الأحاديث على الشيوخ) (١). قلت: وعلة هذا الحديث هي الغرابة، فقد تفرد به قتيبة عن الليث، وهو وإن كان إماما فإنه لا يُقبل هذا التفرد منه، فأين أصحاب الليث وأين أصحاب يزيد بن أبي حبيب؟ وقال الطبراني: (حدثنا عَبْدَان بن محمد المروزي بمكة سنة سبع وثمانين ومائتين، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سُخيل بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبيه، عن أبي حَدْرَد الأسلمي قال: كان ليهودي عليَّ أربعة دراهم، فلزمني، ورسول الله ﵌ يريد الخروج إلى خيبر، فاستنظرته إلى أن أقدم، فقلت: لعلنا أن نغَنْم شيئا، فجاء بي إلى رسول الله ﵌، فقال النبي ﵌: "أعطه حقه" مرتين، فقلت: يا رسول الله إنك تريد الخروج إلى خيبر، ولعل الله أن يرزقنا بها غنائم، فقال رسول الله ﵌: "أعطه حقه"، وكان النبي ﵌ إذا قال الشيء ثلاث مرات لم يُراجع، وعليَّ إزاري، وعلى رأسي عصابة، فلما خرجت قلت: اشتر مني هذا الإزار، فاشتراه بالدراهم التي له عليَّ، فاتزرت بالعصابة التي على رأسي، فمرت امرأة عليها شَمْلَة فألبستني إياها. لا يروى عن أبي حَدْرَد إلا بهذا الإسناد، تفرد به قتيبة) (٢). وقال: (حدثنا محمد بن عمر بن منصور البَجَلِي الكَشِّي بمصر، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي قتادة،

стр. 1067

عن أبيه، قال: كان رسول الله ﵌ يقول: "ساقي القوم آخرهم شربا". لم يروه عن أيوب إلا حماد، تفرد به قتيبة) (١). عمرو بن علي الفلّاس: قال أبو طاهر المُخلّص: (حدثنا يحيى، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد - يعني ابن أبي عَروبة -، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ قال: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبنائهم، ولأبناء أبنائهم". قال ابن صاعد: وهذا حديث بهذا الإسناد ما سمعناه إلا منه) (٢). وقال البزار: (وهذا الحديث قد أنكروه على عمرو بن علي من حديث يزيد، وكان مقيما عليه إلى أن مات) (٣). هذا مع أن عمرو بن علي الفلاس إمام حافظ، فضّله بعض الحفاظ على علي بن المديني (٤). أحمد بن منيع: قال الطبراني: (حدثنا رجاء بن أحمد بن زيد البغدادي، حدثنا أحمد بن مَنيع، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن أبي أيوب الإفريقي، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: كان رسول ﵌ يوتر بتسع سور في ثلاث ركعات: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في ركعة، وفي

стр. 1068

الثانية: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿تَبَّتْ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي - واسمه عبد الله بن علي - إلا أبو يوسف القاضي، تفرد به أحمد بن منيع) (١). أحمد بن صالح المصري: قال الطبراني: (حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان المصري، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عَنْبَسَة بن خالد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن أبي الزِّناد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العَرَايَا بِخَرْصِهَا كَيْلًا. لم يروه عن أبي الزِّناد إلا يونس، ولا عن يونس إلا عَنْبَسَة، تفرد به أحمد بن صالح) (٢). قال الطبراني: (حدثنا إسماعيل بن الحسن الخَفَّاف المصري، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا يحيى بن محمد الجَاري، حدثنا أبو شاكر عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيش الأنصاري، أنه سمع خاله عبد الله بن أبي أحمد بن جحش يقول: قال علي بن أبي طالب ﵁: حفظت لكم من رسول الله ﵌ ستا: "لا طلاق إلا من بعد نكاح، ولا عتاق إلا من بعد ملك، ولا وفاء لنذر في معصية، ولا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل، ولا وِصَال في الصيام". لا يروى عن عبد الله بن أبي أحمد بن جحش - وهو ابن أخي زينب

стр. 1069

زوج النبي ﵌ إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح، ولا نحفظ لعبد الله بن أبي أحمد حديثا مسندا غير هذا) (١). محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: قال الطبراني: (حدثنا إبراهيم بن مُفَرِّج البلدي، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عمر بن محمد بن مرزوق، عن عمر بن صُهْبان، عن صفوان بن سُلَيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "إن يكن شيء يطلب به الدواء وينفع من الداء، فإن الحجامة تنفع من الداء، فاحتجموا في سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين". لم يروه عن صفوان إلا عمر بن محمد، ولا عن عمر إلا عمر بن مرزوق، تفرد به محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي) (٢). محمد بن رافع النيسابوري: قال الطبراني: (حدثنا علي بن الحسن بن سهل البَلْخِي، حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، حدثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العَقَدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﵌ كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا نَجِيح، يا راشد. لم يروه عن حماد إلا العقدي، تفرد به ابن رافع) (٣). محمد بن عبد الرحيم صاعقة: قال الطبراني: (حدثنا علي بن إسماعيل الشَّعِيري البغدادي، حدثنا

стр. 1070

محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى صاعقة، حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمرو، حدثنا وَرْقاء، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول". لم يروه عن سعد إلا وَرْقاء، ولا عنه إلا أبو المنذر، تفرد به محمد بن عبد الرحيم) (١). يعقوب بن سفيان الفَسَوي: قال الطبراني: (حدثنا تميم بن محمد الفارسي، حدثنا يعقوب بن سفيان الفَسَوي، حدثنا عمر بن راشد المديني - مولى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان -، حدثنا محمد بن عَجْلان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: فقد النبي ﵌ رجلا كان يجالسه فقال: "ما لي فقدت فلانا؟ " قالوا: اعْتبَط، وكانوا يسمون الوعك الاعتباط، فقال: "قوموا حتى نعوده"، فلما دخل عليه بكى الغلام، فقال له النبي ﵌: "لا تبك؛ فإن جبريل ﵇ أخبرني أن الحمى حظ أمتي من جهنم". لم يروه عن هشام بن عروة إلا محمد بن عَجْلان، ولا عن ابن عَجْلان إلا عمر بن راشد، تفرد به يعقوب بن سفيان) (٢). عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا جُوَيْرِيَة بن أَشْرَسَ المِنْقَري، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه

стр. 1071

وآله وسلم من إناء واحد في تور من شَبَهٍ، فيقول: "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي". لم يروه عن شعبة إلا حماد بن سلمة، ولا عنه إلا جُوَيْرِيَة، تفرد به عبد الله) (١). أحمد بن شعيب النسائي: قال الدارقطني: (حدثنا به أبو طالب الحافظ أحمد بن نصر بن طالب وأبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الأَيْلِي وآخرون، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي أحمد بن شعيب بن علي بن سِنَان، أخبرنا عمرو بن يزيد أبو بريد البصري، حدثنا سيف بن عبيد الله - وكان ثقة -، عن سلمة بن عَيَّار، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: "هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه؟ ترون القمر في ليلة لا غيم فيها؟ " قلنا: نعم قال: "فإنكم سترون ربكم، حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول: عبدي هل تعرف ذنب كلذا وكذا، فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي صرت إلى هذا". قال الدارقطني: هذا حديث غريب من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، وهو مما تفرد به أبو عبد الرحمن النسائي بهذا الإسناد) (٢). زكريا بن يحيى السَّاجِي: قال الطبراني: (حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجِي، حدثنا إسماعيل بن

стр. 1072

حفص الأيلي، حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن مغيرة، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". لم يروه عن سليمان التيمي إلا معتمر، تفرد به إسماعيل بن حفص، ولا كتبناه إلا عن أبي يحيى السَّاجِي) (١). والأمثلة على هذا كثيرة، وللاستزادة ينظر: "المعجم الصغير" للطبراني. يلاحظ على ما تقدم ما يلي: أولا: اعتناء الأئمة البالغُ بالحديث الغريب ومن تفرد به، فما وجد حديثٌ غريب أو راوٍ تفرد بحديث إلا ونبهوا إلى ذلك. ثانيا: أُلفت بعض الكتب خصّيصا لبيان ذلك؛ كـ"مسند البزار"، ومعجمي الطبراني "الأوسط" و"الصغير"، و"أفراد الدارقطني". ومن ذلك بعض كتب التراجم التي يصنعها الحفاظ النقاد؛ كـ"تذكرة الحفاظ" للذهبي. ثالثا: لكون التفرد مظنة الخطأ، قلَّ تفرُّد الحفاظ، مع أن الظن بالحافظ المكثر أن يتفرد أكثر من غيره، ولكن الواقع بخلاف ذلك. فهذا أحمد، وابن معين، وابن المديني، قلَّ أن ينفرد أحدهم بحديث، مع أنّ كل واحد منهم قد روى مئات الآلاف من الأحاديث والأخبار، رغم ذلك لا يوجد لهم ما انفردوا به إلا الشيء اليسير، الخبران أو الثلاثة. وقد قمتُ بمراجعة الكتب المعنية بهذا الأمر؛ كـ"مسند البزار"

стр. 1073

ومعجمي الطبراني "الأوسط" و"الصغير"، و"الأفراد" للدارقطني الذي رتبه ابن طاهر، و"الحلية" لأبي نعيم؛ فما وجدت إلا ما تقدّم ذكره، مع أنه قد لا يمكن الجزم بتفردهم في بعض ما ذُكر. رابعا: إذا كثر التفرد من الراوي فذاك مدعاة إلى التأثير في توثيقه، حتى ولو كان حافظا. وبهذا يتبين أهمية تتبع هذا الأمر. * * *

стр. 1074

الفصل السابع متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر؟ أقول - وبالله تعالى التوفيق -: ليُعلم أن الأخبار في ذلك تنقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون مع التفرد مخالفة، وذلك كأن يُروى الحديث من وجه، ويأتي من وجه آخر ما يخالف الوجه المشهور إسنادًا أو متنًا. والأمر في هذا ظاهر، وهو ترجيح رواية الأوثق والأكثر، والحكم بشذوذ ما حصل فيه التفرد والغرابة. الثاني: ألا تكون هناك مخالفة، بل تفرد فقط. وهذا فيه تفصيل؛ لأن هناك أحاديث غريبة قد اتفق الحفاظ على صحتها، وهناك أحاديث أخرى ردّها الحفاظ بسبب غرابتها، وبتتبع كلام النقاد يتبين أن هناك شروطًا لا بد من توفرها لكي تكون هذه الغرابة مقبولة وإلا فهي مردودةً. وهذه الشروط وهي: الشرط الأول: أن يكون متن هذا الحديث مستقيمًا، بحيث لا يخالف ما جاء في القرآن العظيم، ولا ما استقرَّ في السنة النبوية وعُرف. قال البَرْدِيجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثًا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد، لم يضره أن لا

стр. 1075

يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا) (١). وقال أيضا: (المنكر: هو الذي يحدّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا) (٢). ولذا قال صالح بن محمد الحافظ: (الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف) (٣). فالمتن الذي لا يعرف إلا من وجه واحد، ولم يأت لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة؛ غالبا لا يكون صحيحًا، والمتن الذي يعتبر أصلًا في بابه، ليس مثل ما كان خلاف ذلك، ولذا قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (فأما الحديث المرفوع الذي ذكرناه أول هذا الباب، حين قال لليمانية ذات المسكتين من ذهب: "أتعطين زكاته؟ " (٤)، فإن هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد بإسناد قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا، فإن يكن الأمر على ما روي، وكان عن رسول الله ﷺ محفوظا، فقد يحتمل معناه: أن يكون أراد بالزكاة العارية، كما فسّرته العلماء الذين ذكرناهم؛ سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وقتادة، في قولهم: زكاته عاريته. ولو كانت الزكاة في الحلي فرضا كفرض الرقة، ما اقتصر النبي ﷺ من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤيته الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه

стр. 1076

وسنته، ولفعلته الأئمة بعده، وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، فلم نسمع له ذكرا في شيء من كتب صدقاتهم) (١). الشرط الثاني: ألا يكون التفرد في الطبقات المتأخرة؛ فإن هذا مظنة الخطأ؛ وذلك أن الأحاديث كلما تأخر الوقت تكون قد اشتهرت واستفاضت، فالصحابي قد يروي عنه جمعٌ من التابعين، وعنهم جمعٌ أكثر، وهكذا، وبالتالي يكون هذا قرينة على أن من تفرد بهذا الخبر قد أخطأ فيه. قال الذهبي: (فمثل يحيى القطان، يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة. ثم ثقة حافظ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك. فهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح. وإن كان من الأتباع، قيل: صحيح، غريب. وإن كان من أصحاب الأتباع، قيل: غريب، فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة. ومن كان بعدهم، فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد. ثم ننتقل إلى اليقظ الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال "الصحيحين": فتابعيُّهم إذا انفرد خرِّج حديثه ذلك في "الصحاح". وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق "الغرابة" مع "الصحة" في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في "الصحاح" دون بعض.

стр. 1077

وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به (١)، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر. فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة، غمزوه، وليّنوا حديثه، وتوقفوا في توثيقه، فإن رجع عنها وأمتنع من روايتها، وجوّز على نفسه الوهم، فهو خير له، وأرجح لعدالته، وليس من حدِّ الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يُقر على خطأ) (٢). ويؤيد كلام الذهبي ويشهد له الواقع العملي: ففي مقدمة "الكامل" لابن عدي، عن أبي بكر بن زَنْجُويه: (قدمت مصر، فأتيت أحمد بن صالح، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: أين منزلك من منزل أحمد بن حنبل؟ قلت: أنا من أصحابه. قال: تكتب لي موضع منزلك، فإني أريد أن أوافي العراق حتى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل. فكتبت له، فوافى أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة إلى عفان، فسأل عني فلقيني، فقال: الموعد الذي بيني وبينك. فذهبت به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنت له، فقلت: أحمد بن صالح بالباب، فقال: ابن الطبري؟ قلت: نعم، فأذن له، فقام إليه، ورحب به وقرّبه، وقال له: بلغني أنك

стр. 1078

جمعت حديث الزهري، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغرب أحدهما على الآخر حتى فرغا، وما رأيت أحسن من مذاكرتهما. ثم قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر، إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال النبي ﷺ : "ما يسرني أنّ لي حمر النعم وأنّ لي حلف المطيبين". فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟! فجعل أحمد بن حنبل يبتسم، ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول - أو صالح -: عبد الرحمن بن إسحاق. قال: من رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق؟ فقال: حدثناه رجلان ثقتان: إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضّل. فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك باللّه إلا أمليته علي. فقال أحمد: من الكتاب. فقام فدخل، وأخرج الكتاب وأملى عليه. فقال أحمد بن صالح: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث كان كثيرا. ثم ودعه وخرج) (١). قلت: كلا الأحمدين من كبار الحفاظ، وكلاهما روى مئات الآلاف

стр. 1079

من الأحاديث والآثار، ومع ذلك لم يستطع أحدهما أن ينفرد عن الآخر بشيء، إلا حديثا واحدا كان عند أحمد بن حنبل ولم يكن عند ابن صالح، فتأمل. وفي ترجمة أبي حاتم الرازي من "تقدمة الجرح والتعديل"، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق، أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى عليّ ما لم أسمع به، فيقولون هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليّ حديثا) (١). قلت: وهذا يؤيد ما تقدم. وقال أبو ذر الهروي: (سمعت أبا مسعود الدمشقي يقول: جاء رجل بغدادي يحفظ إلى ابن جَوْصَا، فقال له ابن جَوْصَا: كلما أغربتَ عليّ حديثا من حديث الشاميين أعطيتك درهما. فلم يزل الرجل يلقي عليه ما شاء اللّه، ولا يغرب عليه، فاغتم. فقال للرجل: لا تجزع، وأعطاه لكل حديث ذاكره به درهما) (٢). قلت: ولذا كان التفرد عندهم مظنة الإنكار والخطأ. وفي ترجمة يعقوب بن حميد بن كاسب من "ضعفاء العقيلي"، عن زكريا بن يحيى الحُلْوانيّ قال: (رأيت أبا داود السجستاني - صاحب أحمد بن حنبل - قد ظاهر بحديث ابن كاسب، وجعله وقايات على ظهر كتبه،

стр. 1080

فسألته عنه، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيّرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها) (١). ويؤيد هذه الواقعة ما جاء في "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢) بإسناده إلى الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم، قال: (سمعت أبا عمرو بن حمدان، يقول: سمعت أبا طاهر الجُنابذي يقول: سمعت موسى بن هارون يقول: استخرت اللّه سنتين حتى تكلمت في المَعْمَري (٣)، وذاك أني كتبت معه عن الشيوخ، وما افترقنا، فلما رأيت تلك الأحاديث قلت: من أين أتى بها؟ قال أبو طاهر: وكان المَعْمَري يقول: كنت أتولى لهم الانتخاب، فإذا مرّ بي حديث كريب، قصدت الشيخ وحدي فسألته عنه. وقال الحاكم: سمعت الحافظ أبا بكر بن أبي دَارِم الحافظ يقول: كنت ببغداد لما أنكر موسى بن هارون على المَعْمَري تلك الأحاديث، وانتهى أمرهم إلى يوسف القاضي، بعد أن كان إسماعيل القاضي توسط بينهما في أيامه، فقال موسى بن هارون: هذه أحاديث شاذة عن شيوخ ثقات، لا بد من إخراج الأصول بها. فقال المَعْمَري: قد عُرِف من عادتي أني كنت إذا رأيت حديثا غريبًا عند شيخ ثقة لا أُعلِّم عليه، إنما كنت أقرأ من كتاب الشيخ وأحفظه، فلا سبيل إلى إخراج الأصول بها. وقال الحاكم: سمعت علي بن حُمشَاذ العدل يقول: كنت ببغداد لما وقع بين الحسن بن علي المَعمري وموسى بن هارون ما وقع، وأخرج أبو

стр. 1081

عمران (١) نيفا وسبعين حديثا، ذكر أنه لم يشركه فيها أحد، ورُفض المَعْمَري ومجلسه، فصار الناس حزبين: حزب للمَعْمَري، وحزب لأبي عمران، فكان من احتجاج المَعْمَري في تلك الأحاديث: أن هذه أحاديث حفظتها عن الشيوخ وقت سماعي ولم أنسخها. ثم اتفقوا بأجمعهم على عدالة المَعْمَري وتقدُّمه، وعلى زيادة معرفة أبي عمران، وأنه لما رأى أحاديث شاذة لم يسَعه إلا أن يبينها ويبحث عنها) (٢). أقول: تبين مما تقدم أن تفرّد الراوي عن غيره مظنة الخطأ، حتى ولو كان حافظا؛ وذلك لاشتهار الأحاديث، وكثرة طرقها، وبالتالي وقوع ذلك - وهو التفرد - من الصعوبة بمكان. وأُقرّب هذا الأمر - زيادة على ما تقدم -: لو أن شخصًا كان له أصحاب كُثر يلازمونه ويأخذون عنه، وينفرد شخص - ليس معروفا بملازمته مثلهم - بخبر عنه أو بفتوى له، لاستُنكر ذلك عليه؛ لأنه يقال: أين تلاميذه الملازمون له عن هذا الخبر؛ بل حتى لو تفرد واحد من أصحابه الملازمين له، لربما تُوقف في خبره ولتُردد في قبوله، لأن التفرد مظنة الخطأ، فكيف لو كان لا يُعرف بالرواية عنه أصلا (٣).

стр. 1082

ويتضح هذا أكثر، إذا كان هذا التفرد في الطبقات المتأخرة؛ لأن الرواية اتسعت وانتشرت أكثر منها في الطبقات المتقدمة. وذكر ابن حجر في "المقدمة" في ترجمة فُلَيح: (وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب، وهو عندي لا بأس به. قلت - ابن حجر -: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرقاق) (١). وقال العُقيلي: (حدثنا أحمد بن داود السجزي، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك. ولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره، عن الحسن بن سوّار هذا، عن الليث بن سعد وغيره، أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر. قال أبو إسماعيل (٢): ألقيته على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر) (٣). وقال أبو إسماعيل: (سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؛ قلنا: نعم) (٤). قلت: والصواب في هذا الحديث، ما رواه هشام بن عبد الملك

стр. 1083

الطيالسي وعبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار، عن الهِرْماس بن زياد الباهلي، قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته العَضبَاء يوم الأضحى بمنى (١). وأما المتن الذي جاء في عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب فهو متن محفوظ، فقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) من طريق أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد اللّه الكلابي به. وقال الترمذي: (حسن صحيح). ومن الأمثلة أيضا: قال عبد اللّه بن أحمد: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جَوار، فقال لها: "ما هذا يا عائشة؟ "، فقالت: هذه خيل سليمان قال: فجعل يضحك من قولها. سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هشيم، عن يحيى بن سعيد) (٣). قلت: مع أن هشيما من كبار الحفاظ كما هو معلوم، ومع ذلك عندما تفرد بهذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري استغربه الإمام أحمد. وقد جاء موصولا عند أبي داود (٤) من طريق يحيى بن أيوب، قال: حدثني عُمارة بن غَزيَّة، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.

стр. 1084

ويحيى بن سعيد أوثق من عمارة بن غَزيَّة، على أن الراوي عنه يحيى بن أيوب متكلم فيه بعض الشيء، وإن كان قد خُرّج له في "الصحيح". وبناء على ما تقدم: فإنَّ تفرُّد تابع التابعي محل خلاف من بعض أهل العلم ممن تقدم، والجمهور على قبوله، وهو الراجح، وهذا من حيث الأصل، وأحيانا قد يردّ لقرائن. وأما تفرّد التابعي فلا خلاف في قبوله عند أهل المعرفة بالحديث، نعم هناك خلاف شاذ من بعض الأصوليين، لكنْ لا يُلتفت إليه. وأما الطبقة الرابعة، وهم من كان في طبقة شيوخ الأئمة الستة وأمثالهم، فإن تفردهم لا يقبل، كما نصَّ على ذلك الذهبي فيما تقدم، وكما يعلم من الأمثلة السابقة. وأما ما جاء عن الإمام الشافعي - فيما رواه يونس بن عبد الأعلى -: (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم) (١). وجاء عنه أيضًا: (إذا روى الثقة حديثا ولم يروه غيره، لا يُقال شاذا، إنما الشاذ: أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم) (٢). فيقال: هذا إما أن يكون موافقا لما تقدم، وذلك بأن يحمل قوله (لم

стр. 1085

يروه غيره) على معنى: لم يروه غيره في الطبقات المتقدمة التي لا يضر التفرد فيها، وكونه لم يذكر ذلك في التعريف لأنه معلوم. وإما أن يحمل على ظاهره، وهو الأقرب، فيكون مخالفا لما تقدم، وهذا ما ذهب إليه ابن رجب في فهم كلام الشافعي، لذا قال بعد أن ذكره: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرّد به واحد، وإن لم يَرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علّة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) (١). قلت: وقولهم هو المقدّم؛ لاختصاصهم بهذا الأمر. الشرط الثالث: ألّا يكونَ هذا التفرد عن شخصٍ عُرف بكثرة الرواية والأصحاب؛ كالزهري، وقتادة، والأعمش، وهشام بن عروة، ونحوهم، إلا إذا كان المتفرد معروفًا بكثرة الرواية عنه وشدة الملازمة له. قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج: (حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته. فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم

стр. 1086

في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما، العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، واللّه أعلم) (١). وفي ترجمة شَبابة بن سَوَّار من "التهذيب" (٢)، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر في الدُّبَّاء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابة -؛! كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب. قال يعقوب: وهذا حديث لم نسمعه من أحد من أصحاب شعبة إلا من شَبَابة، ولم يبلغني أنّ أحدا من أصحاب شعبة رواه غير شَبَابة). وقال ابن هانئ: (قلت لأبي عبد اللّه: وروى عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي في الدُّبَّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج) (٣). قلت: وهذا موافق لما قرّره الإمام مسلم. ويدخل في هذا: السلاسل المشهورة؛ كأبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا تفرد عنهم راوٍ وأن كان ثقة، فإن تفرده عندئذ مظنة الخطأ، وبيان ذلك في الشرط التالي.

стр. 1087

الشرط الرابع: مراعاة الصفات التي تعتبر في الراوي حتى يقبل تفرده. فمن المتقرر في (علم الجرح والتعديل) أنه ليس كل راو يُقبل تفرّده، ولذا فكثيرا ما يحكمون على الراوي بأنه منكر الحديث، وذلك لتفرده بما يُستنكر إسنادًا أو متنًا، وقريبًا منه قولهم: لا يتابَع، ومعنى ذلك: أنه لا يقبَل تفرده. ويتفرّع عن هذا حكم الأئمة على راوٍ بالضعف بسبب كثرة تفرداته؛ فيقال عنه: مخكر الحديث، مع ملاحظة أن أسباب الضعف كثيرة، ولكن على رأسها ما تقدم. وكقولهم: يغرب، أو يتفرد، وإن كانت هاتان العبارتان ليستا كالأوليين (١)، وذلك أنهم كثيرًا ما يقرنونها بنحو: صالح الحديث، لا بأس به، أو فوق ذلك - كما سيأتي إن شاء اللّه في الفصل الآتي -، فتكون مُشعِرة بأن هذا الراوي قد يُتوقف فيما يتفرد به؛ بل بما يرويه في الجملة، وتوضيح ذلك في الفصل الآتي (٢). والأمر كما قال ابن رجب: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يروِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، وجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) (٣).

стр. 1088

فعلى هذا لابد أن يكون المتفرِّد: متصفا في نفسه بالإتقان، ومعروفا بالملازمة لشيخه وكثرة الرواية عنه. قال أبو عيسى الترمذي - وهو يعدِّد أنواع الغريب -: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول اللّه ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين. وروى أيوب السختياني وعبيد اللّه بن عمر وغير وأحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين. وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل) (١). قال مسلم بن الحجاج: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم) (٢). فإذا توفرت هذه الشروط صار التفرد مقبولا، وإلا فإنه قد يرد، مع ملاحظة أن لكل حديث نقد خاص - كما قال ابن رجب -، فأحيانا تتوفر هذه الشروط ومع ذلك لا يقبل التفرد.

стр. 1089

كما ينبغي التنبيه على أن الحكم في ذلك إنما هو للمتخصصين الذين أكثروا من النظر في كلام الأئمة، وعرفوا مناهجهم، وساروا على طريقتهم، مع الحذر من الغلو في ذلك كما حصل لبعضهم، والحذر من التساهل في ذلك كما وقع للبعض الآخر، ومع الورع التام، وحسن القصد، واللّه ولي التوفيق. * * *

стр. 1090

الفصل الثامن الفرق بين الغريب والمنكر قال ابن سعد في ترجمة يونس بن يزيد الأيلي: (ربما جاء بالشيء المنكر) (١). قال الذهبي معلقا: (ليس ذاك عند أكثر الحفاظ منكرا، بل غريب) (٢). قلت: فهناك فرق بين الغريب والمنكر، فكل منكرٍ غريبٌ، وليس كل غريب منكرًا. فالمنكر هو الخبر الذي حُكم بردّه، وظهر ضعفه، وذلك إما بظهور علته وتبين أنه خطأ، أو أن راويَه لا يُحتمل تفرده. أما الغريب، فإنه يحتمل أن يكون مردودا كما تقدم، ويحتمل أن يكون محفوظا؛ فظهر الفرق بينه وبين المنكر. هذا وإنَّ بعض الحفاظ يعدون الغريب في كثير من الأحيان منكرا؛ كأحمد والبرديجي وأبي حاتم الرازي والأزدي، كما سوف يأتي (٣). * * *
следующие страницы →