← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما، العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، واللّه أعلم) (١). وفي ترجمة شَبابة بن سَوَّار من "التهذيب" (٢)، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر في الدُّبَّاء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابة -؛! كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب. قال يعقوب: وهذا حديث لم نسمعه من أحد من أصحاب شعبة إلا من شَبَابة، ولم يبلغني أنّ أحدا من أصحاب شعبة رواه غير شَبَابة). وقال ابن هانئ: (قلت لأبي عبد اللّه: وروى عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي في الدُّبَّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج) (٣). قلت: وهذا موافق لما قرّره الإمام مسلم. ويدخل في هذا: السلاسل المشهورة؛ كأبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا تفرد عنهم راوٍ وأن كان ثقة، فإن تفرده عندئذ مظنة الخطأ، وبيان ذلك في الشرط التالي.

стр. 1087

الشرط الرابع: مراعاة الصفات التي تعتبر في الراوي حتى يقبل تفرده. فمن المتقرر في (علم الجرح والتعديل) أنه ليس كل راو يُقبل تفرّده، ولذا فكثيرا ما يحكمون على الراوي بأنه منكر الحديث، وذلك لتفرده بما يُستنكر إسنادًا أو متنًا، وقريبًا منه قولهم: لا يتابَع، ومعنى ذلك: أنه لا يقبَل تفرده. ويتفرّع عن هذا حكم الأئمة على راوٍ بالضعف بسبب كثرة تفرداته؛ فيقال عنه: مخكر الحديث، مع ملاحظة أن أسباب الضعف كثيرة، ولكن على رأسها ما تقدم. وكقولهم: يغرب، أو يتفرد، وإن كانت هاتان العبارتان ليستا كالأوليين (١)، وذلك أنهم كثيرًا ما يقرنونها بنحو: صالح الحديث، لا بأس به، أو فوق ذلك - كما سيأتي إن شاء اللّه في الفصل الآتي -، فتكون مُشعِرة بأن هذا الراوي قد يُتوقف فيما يتفرد به؛ بل بما يرويه في الجملة، وتوضيح ذلك في الفصل الآتي (٢). والأمر كما قال ابن رجب: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يروِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، وجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) (٣).

стр. 1088

فعلى هذا لابد أن يكون المتفرِّد: متصفا في نفسه بالإتقان، ومعروفا بالملازمة لشيخه وكثرة الرواية عنه. قال أبو عيسى الترمذي - وهو يعدِّد أنواع الغريب -: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول اللّه ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين. وروى أيوب السختياني وعبيد اللّه بن عمر وغير وأحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين. وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل) (١). قال مسلم بن الحجاج: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم) (٢). فإذا توفرت هذه الشروط صار التفرد مقبولا، وإلا فإنه قد يرد، مع ملاحظة أن لكل حديث نقد خاص - كما قال ابن رجب -، فأحيانا تتوفر هذه الشروط ومع ذلك لا يقبل التفرد.

стр. 1089

كما ينبغي التنبيه على أن الحكم في ذلك إنما هو للمتخصصين الذين أكثروا من النظر في كلام الأئمة، وعرفوا مناهجهم، وساروا على طريقتهم، مع الحذر من الغلو في ذلك كما حصل لبعضهم، والحذر من التساهل في ذلك كما وقع للبعض الآخر، ومع الورع التام، وحسن القصد، واللّه ولي التوفيق. * * *

стр. 1090

الفصل الثامن الفرق بين الغريب والمنكر قال ابن سعد في ترجمة يونس بن يزيد الأيلي: (ربما جاء بالشيء المنكر) (١). قال الذهبي معلقا: (ليس ذاك عند أكثر الحفاظ منكرا، بل غريب) (٢). قلت: فهناك فرق بين الغريب والمنكر، فكل منكرٍ غريبٌ، وليس كل غريب منكرًا. فالمنكر هو الخبر الذي حُكم بردّه، وظهر ضعفه، وذلك إما بظهور علته وتبين أنه خطأ، أو أن راويَه لا يُحتمل تفرده. أما الغريب، فإنه يحتمل أن يكون مردودا كما تقدم، ويحتمل أن يكون محفوظا؛ فظهر الفرق بينه وبين المنكر. هذا وإنَّ بعض الحفاظ يعدون الغريب في كثير من الأحيان منكرا؛ كأحمد والبرديجي وأبي حاتم الرازي والأزدي، كما سوف يأتي (٣). * * *

стр. 1091

الفصل التاسع ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث - قال الترمذي: (حدثنا محمود بن غَيْلَان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول اللّه ﷺ من النهار؛ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول اللّه ﷺ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي ﷺ نحوه. قال أبو عيسى هذا حديث حسن. وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا. وروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يُروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي. وعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث، قال علي بن

стр. 1092

المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضَمْرة على حديث الحارث) (١). قال الجُوْزَجاني عن عاصم: (روى عنه أبو إسحاق حديثا في تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة … ، فيا لعباد اللّه! أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي ﷺ وأزواجه يحكي هذه الركعات، إذ هم معه في دهرهم. والحكاية عن عائشة ﵂ في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر عشر ركعات، والعامة من الأمة - أو من شاء اللّه - قد عرفوا ركعات السّنة الاثنتي عشرة، منها بالليل ومنها بالنهار. فإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟ قيل: صدقت، كان النبي ﷺ يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات - كما قال عاصم - كان يداوم عليها، فلا يشتبهان) (٢). - قال علي بن الحسين بن حبان: (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في الشفعة. قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله. قلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخرَ مثل هذا لرميت بحديثه) (٣).

стр. 1093

- قال الدُّوري: (حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة. قال يحيى: وهذا غريب؛ ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي) (١). - قال ابن حبان (٢): (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا (٣) عن الحكم بن مروان، فقال: ما أُراه إلا كان صدوقا. قلت له: ما أنكرتم عليه بشيء؛ قال: أما أنا فما أنكرت عليه بشيء. قلت له: إنه حدث بحديث عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ كبّر غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. فقال أبو زكريا: هذا باطل، ريح، شُبِّه له) (٤). قلت: ترجمة (زهير، عن أبي الزبير، عن جابر) مشهورة جدا، وخرّج مسلم منها أكثر من عشرين إسنادًا (٥)، فكون الحكم يتفرد بهذا دليل على خطئه. - قال ابن مُحْرِز: (سمعت يحيى يقول: يزيد بن زُرَيع، عن يونس، عن الحسن في بعير تَردَّى في بئر، قال: صار أعلاه أسفله. قال يحيى: هذا حديث غريب جدًّا) (٦). - قال عباس الدوري: (سئل يحيى عن نوح بن دَرَّاج، قال: لم يكن

стр. 1094

يدري ما الحديث، ولا يحسن شيئًا، كان عنده حديث غريب عن ابن شُبْرمة، عن الشعبي، في المحرم يضطر إلى الميتة أو الصيد، ليس يرويه أحد غيره، ولم يكن ثقة، وكان أسد بن عمرو أوثق منه) (١). - قال عبد اللّه: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هُشَيم، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن مولى لقريش، عن الشعبي قال: ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام. سمعت أبي يقول: حديث غريب) (٢). - وقال: (حدثنى أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام بن أبي عبد اللّه، عن عامر الأَحْول، عن الحسن، أن رسول اللّه ﷺ نهى أن تُنكَح الأمة على الحرة. قال أبي: حديث سفيان عن هشام بن أبي عبد اللّه، غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأَحْول. قال أبي: وحدثناه الفَزَاري - يعني مروان - عن هشام بن أبي عبد اللّه) (٣). - قال الخلّال: (أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، ثنا ابن حنبل، قال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن - قال ابن مهدي: هو ابن علقمة، قال: سمعت ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "اعفوا اللحى وأحفوا الشوارب". قال أبو عبد اللّه: هذا غريب) (٤).

стр. 1095

- قال الخطيب: (أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل - هو أبو إسماعيل الترمذي -، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء الثقة الرضا - وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت، أعده عليّ وكان قد حدثني به قبل هذه المرة بسنتين. قال: نعم - حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت على ناقة لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك. قال أبو إسماعيل: سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم) (١). قلت: يظهر أن الإمام أحمد استنكر هذا الحديث، فسأل: (أكتبتموه من كتاب؟)، لأنهم لو كتبوه من حفظه لعُلم السبب في استنكاره، فيكون الشيخ حدث به على جهة التوهم. - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن أمية الئاوي، عن عيسى بن موسى التيمي، عن عبد اللّه بن كَيْسان، قال: سمعت محمد بن واسع، يحدث عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تحرم النار على كل هين لين، سهل سمح". فسمعت أبي يقود: هو حديث غريب منكر، حدثنا به الحسن بن علي بن مهران المَتُّوثِي، عن أحمد بن محمد بن أمية، عن أبيه محمد بن أمية) (٢).

стр. 1096

قلت: مع أن ظاهر هذا الإسناد أنه صالح، لكن استنكره لغرابته. وعبد اللّه بن كَيْسان، قال النسائي والدارقطني: (لم يكن بالقوي)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن ضعفه أبو حاتم، وقال العقيلي: (في حديثه وهم كثير) (١). ولعل كلامهم فيه بسبب ما تفرد به، فقد قال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: (ولعبد اللّه بن كَيْسان عن عكرمة عن ابن عباس، أحاديث غير ما أمليت غير محفوظة، وعن ثابت عن أنس كذاك) (٢). - وسئل الجورْجاني: (من الثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبًا من السواء؛ إذ كانا يختلفان إليه جميعًا، ومعمر إلا أنه يهم في أحاديث. وتختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والليث بن سعد. فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري. وسفيان بن عيينة كان غلامًا صغيرًا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام - يعني الزهري - تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أيامًا يسيرة، وفي حديثه - يعني ابن عيينة - عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري. يعني في الضعف.

стр. 1097

فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة، إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه. والزبيدي وشعيب لزماه لزومًا طويلًا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين. فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند بعض هؤلاء، فتأنّ في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري، إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه، حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه. وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري. وذكر قومًا رووا عن الزهري قليلًا أشياءَ يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم بُرْد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما) (١). قلت: بُرْد وثقه الجمهور، ولكن ما تفرد به عن الزهري لا يقبل؛ وذلك لأنه ليس من أصحابه الذين اشتهروا بصحبته، بخلاف ما تفرد به مثلا عن مكحول فهو مقبول، وذلك لكونه من كبار أصحابه. وقول الجوزجاني: (فتأن في أمره)، قد يكون غير محفوظ. وقوله: (يمضغ حديث الزهري)، يعني لا يرويه بلفظ الزهري، وإنما يرويه بلفظه هو، فيأتي بسياق للحديث يخالف سياق أصحابه، فيقع في الخطأ.

стр. 1098

وتقدم قريبا كلام الجوزجاني في حديث عاصم بن ضمرة عن علي. - قال أبو داود: (حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا خالد بن نزار، حدثني القاسم بن مَبْرُور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول اللّه ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول اللّه ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ وحمد اللّه ﷺ ، ثم قال: "إنكم شكوتم جَدْبَ دياركم، وَاسْتِئْخَارَ المطر عن إِبَّانِ زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فانشأ اللّه سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الْكِنِّ ضحك ﷺ ، حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن اللّه على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله". قال أبو داود: وهذا حديث غريب، إسناده جيد، أهل المدينة يقرءون ﴿ملك يوم الدين﴾ [الفاتحة:٤]، وإن هذا الحديث حجة لهم) (١). - قال الترمذي: (حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه

стр. 1099

ﷺ : "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء". هذا حديث غريب حسن) (١). وقد توبع أبو عيسى على هذا الوجه، تابعه أحمد بن سلمة - صاحب مسلم -، أخرجه البيهقي (٢). قلت: هذا الحديث اشتهر برواية عبد الواحد بن زياد، حتى قال مسلم بن الحجاج: (لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد بن زياد)، فقيل له عن رواية أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل، فقال: (إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل) (٣). وقال البزار: (لم يروه إلا عبد الواحد) (٤). ولعله من شدة غرابة هذا الوجه، قال أبو عيسى الترمذي: (غريب حسن)، فابتدأ بذكر الغرابة ثم ألحقه بحسن؛ لأن هذا الإسناد من حيث الأصل صالح. وقال ابن المديني في عاصم بن كليب: (لا يحتج به إذا انفرد) (٥). * * *

стр. 1100

الفصل العاشر منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم منهم إبراهيم بن طهْمَان: وهو من الثقات المشهورين، خرّج له الجماعة، ولكنْ له بعض الأوهام عُدَّت من غرائبه، كحديث صلاة القائم الذي تقدّم الكلام عليه (١). وذكر السليماني أنهم أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعا: "رفعت لي سدرة المنتهى" (٢). ولعله من أجل هذا قال الذهلي: لا يحتج به. يقصد بما انفرد به واستُغرب منه؛ لأنه ثقة مشهور كما تقدم، ويدل على ذلك أن كلام الذهلي جاء في سياق روايته لحديث فيه غرابة، من طريق أبي حذيفة ومحمد بن سنان العَوَقي، عن إبراهيم بن طهْمَان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، أنها قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في ثلاث خصال: زانٍ محصن فيرجم، ورجل يقتل متعمدا فيُقتل

стр. 1101

به، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض" (١). ومنهم إبراهيم بن بشار: قال أحمد: (كأن سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة). قال ابن حجر: (يعني مما يغرب عنه، وكان مكثرا عنه) (٢). ويبين قول أحمد هذا قوله الآخر: (كان يغيّر الألفاظ، فيكون زيادة ليس في الحديث) (٣). قلت: ومعنى ذلك: أن ما تفرد به من زيادات لا يقبل، ولكن لطول ملازمته لابن عيينة، ولصدقه، أن هذا لم يَكثُر عنه فيما يظهر، ولذا قال البخاري: (يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق) (٤)، فالأصل في حديثه الاستقامة. وتجد في ترجمته بعض الأوهام التي أُنكرت عليه.

стр. 1102

ومنهم إسماعيل بن عياش: قال يعقوب بن سفيان: (تكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين) (١). قلت: ومعنى قول يعقوب: أن ما رواه إسماعيل عن المدنيين والمكيين فيه أشياء تُستنكر، ولذا كانت روايته عنهم ضعيفة، كما ذكر أحمد وابن معين وغيرهما (٢). ومنهم أحمد بن أبي طيبة: قال ابن عدي: (حدّث بأحاديث أكثرها غرائب) (٣)، ولأجل هذه الغرائب قال أبو حاتم: (يكتب حديثه) (٤)؛ أي: ينظر فيه، فما توبع عليه يقبل وما لا يتابع يرد. ولعل هذا يفسِّر قول الخليلي: (ثقة، ينفرد بأحاديث) (٥)؛ يعني: فيما توبع عليه فهو ثقة، وما تفرد فيه يكون مردودًا. ومنهم سهيل بن أبي حزم: قاد أحمد (٦): (روى عن ثابت أحاديث منكرة).

стр. 1103

ولهذا قال البخاري: (لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه)؛ أي: بسبب هذه المنكرات. وهذا ما نص عليه ابن حبان، قال: (يتفرد سهيل عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات). كما يفسِّر قول ابن معين: (صالح)، يعني أنه ليس بالقوي، وإنما يكتب حديثه، فما توبع عليه يقبل وما لا يرد. وهذا ما بينه أبو حاتم في قوله: (ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به). وما تقدم فيه تفسير لقول ابن عدي: (مقدار ما يروي من الحديث إفرادات ينفرد بها عمَّن يرويه عنه). فبيّن أن أكثر حديثه قد تفرد به. ومنهم سليمان بن عتيق: قاد البخاري (١): (لا يصح حديثه)؛ لأنه تفرد عن غيره، وهو ما نص عليه ابن عبد البر بقوله: (لا يحتج بما تفرد به). ويتفرع عن هذا: أن الراوي الذي يكون صدوقًا، ويوصَف بالوهم والخطأ، فوصْفه بذلك كثيرا ما يكون بسبب التفرد والغرابة التي وقعت في حديثه. فهذا لا يقبل تفرّده أيضًا. وفوق ذلك، الراوي الذي وُصف أنه صدوق يغرب، أو ثقة يغرب، أو له غرائب؛ مثاله: سلمة بن الفضل الأبرش، قال ابن عدي: (عنده غرائب وأفراد، ولم أجد في حديثه حديثا قد جاوز الحد في الإنكار، وأحاديثه متقاربة محتملة) (٢).

стр. 1104

ومحصّل كلامه أنه ثقة يغرب، أو صدوق له غرائب، ويبين هذا قول ابن حبان حينما ذكره في "الثقات": (يخطئ ويخالف) (١). ولذا يكثر ابن حجر في أحكامه في "التقريب" على الرواة من قوله: صدوق يغرب، أو ثقة يغرب، ونحو ذلك. وأقوى مِن سلمة عليُّ بن مُسْهِر، قال عنه ابن حجر: (ثقة، له غرائب بعد أن أضر)؛ وذلك لأنه تفرد بأشياء أنكرت عليه، ومنها الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب (٢). قال ابن رجب: (قال أحمد في بُرَيد بن عبد اللّه بن أبي بُرْدة: يروي أحاديث مناكير. وقال أحمد في: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي - وهو المنفرد برواية حديث "الأعمال بالنيات" -: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال أيضا في زيد بن أبي أُنَيْسَة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة: متفق على الاحتجاج بحديثهم في "الصحيح"، وقد استنكر أحمد ما تفرّدوا به. وكذلك أحمد قال في عمرو بن الحارث: له مناكير، وفي الحسين بن

стр. 1105

واقد، وخالد بن مخلد، وفي جماعة خُرج لهم في "الصحيح" بعض ما يتفردون به) (١). وقد وُصف بعض الحفاظ بأن له غرائب: منهم: أبو داود الطيالسي، ولكن تفرد بأشياء تستغرب عليه بسبب اتكاله على حفظه، قال ابن عدي: (له أحاديث يرفعها، وليس بعجب من يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتى ذلك من حفظه، وما أبو داود عندي وعند غيرى إلا متيقظ ثبت) (٢). ومن تلك الأحاديث: ما رواه عمرو بن علي الفلّاس، عن أبي داود، عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، عن النبي ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث"، قال الفلّاس: (لا أعلم أحدا تابع أبا داود على رفعه، وأبو داود ثقة) (٣). ومنهم: يحيى بن سعيد بن أبان، قال أحمد: (عنده عن الأعمش غرائب) (٤). ومنهم: عمرو بن عاصم الكلابي، قال: (كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث) (٥)، تفرد بأشياء واستنكرت عليه.

стр. 1106

ومنهم: حَرْملة بن يحيى التُّجِيْبي، وهو من الحفاظ المكثرين، قال ابن عدي: (وقد تبحّرت حديث حَرْملة، وفتّشته الكثير، فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعّف من أجله، ورجل يتوارى ابن وهب عندهم، ويكون حديثه كله عنده؛ فليس ببعيد أن يغرب على غيره - من أصحاب ابن وهب - كتب ونسخ وأفرادات ابن وهب) (١). ومنهم: محمد بن عبد الملك بن أيمن، قال ابن حزم: ("مصنف" ابن أيمن مصنف رفيع، احتوى من صحيح الحديث وغريبه ما ليلى في كثير من المصنفات) (٢). قلت: من جملة الغرائب أنه قد يروي الحديث الذي يرويه أهل المشرق بزيادات لا توجد عندهم، مثل ما أخرجه ابن حزم في "الإحكام" (٣) من طريق ابن أيمن، عن أحمد بن مسلم، عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ولكن يُنزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا". والشاهد قوله: "فقالوا بالرأي". ومنهم: سليمان بن داود الشَّاذَكُونِي، وهو من كبار الحفاظ، من نظراء علي بن المديني وأمثاله، وقد تفرد بأحاديث أُنكرت عليه، وكان هذا هو سبب الكلام فيه.

стр. 1107

ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد الكوفي، المعروف بابن عُقْدة، وهو من كبار الحفاظ في زمانه، قال الذهبي: (كتب العالي والنازل، والحق والباطل، وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ وكثرة الحديث). وقال: (ما علمت ابن عُقْدة وضع متن حديث، أما الأسانيد فلا أدري) (١). ومنهم: علي بن الفضل بن طاهر بن نصر، قال الخطيب: (كان من الجوالين في طلب الحديث، صاحب غرائب) (٢). ومنهم: أحمد بن محمد بن ياسين، قال الذهبي: (الحافظ العالم) (٣). وقال الإدريسي: (سمعت أهل بلده يطعنون فيه ولا يرضونه، وكان يحفظ الحديث ويعلم، ويقع في أحاديثه ما يقع من المناكير، وأرجو أنها لا تقع من جهته) (٤). مع ملاحظة أنه ليس كل من وُصف بأنه يغرب يكون حديثه مردودا، ولذا قال ابن حبان عن أحمد بن الصَّبَّاح: (يغرب على استقامة فيه) (٥). يعني: أن ما تفرد به مستقيما. ومقابل هذا، ما نص عليه الحفاظ بأن ما تفرد به فلان فإنه مقبول، فمن ذلك: قال البخاري في محمد بن إسحاق: (ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها، لا يشاركه فيها أحد) (٦).

стр. 1108

ووجه قول البخاري هذا: أن ابن إسحاق كان من المكثرين جدا، فإنه تفرد في الرواية عن شيوخ لم يَرو عنهم أحد سواه، حتى قيل: إنه روى عن بعض أهل الكتاب (١). والأصل في تفردات الراوي الثقة أن تكون يسيرة؛ لأن مَن كثر تفرده دل على نكارة حديثه، وتقدم مثال شَبَابَة بن سَوَّار، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابَة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر في الدباء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابَة -، كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين أن يجيء بحديث غريب) (٢). وتأمّل ما قاله البخاري في حق عبد الرحمن بن إسحاق المدني، قال: (ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض) (٣).

стр. 1109

والخلاصة: أنه كلما تقدمت طبقة المتفرد، واشتهر بالضبط، وقلَّ وهمه في حديثه = كان ذلك أدعى لقبول تفرده، قال الإمام مسلم: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم) (١). وقال أبو عيسى الترمذي: (وربّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه) (٢). قال ابن رجب معلقًا: (يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه، لا تقبل زيادته، وهذا أيضا ظاهر كلام الإمام أحمد) (٣). وهذا وإن كان في الزيادات، إلا أنه يدخل في الغرابة؛ لأن الزيادة تفرد من الراوي عن باقي الرواة. واللّه أعلم. * * * - خرّج ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، قال: (حدثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب") (٤). قال ابن حبان: (لم يقل في خبر العلاء هذا: "لا تجزئ صلاة" إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير ومحمد بن كثير) (٥). وقد صححه ﵀.

стр. 1110

قال ابن عبد الهادي عن هذا الخبر: (وقد أعل) (١). قلت: ووجه إعلاله، أن محمد بن جعفر (٢) ووكيع (٣)، روياه عن شعبة به، بلفظ: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاج، فهي خِدَاج، فهي خِدَاج، غير تمام". وهذا هو الصحيح في لفظ هذا الخبر، كما رواه مالك وابن عيينة (٤) وغيرهما، عن العلاء. فتكون رواية وهب بن جرير ومن معه رواية بالمعنى أثّرت في دلالة الخبر؛ لأنَّ ثمة فرقا بين النقصان وعدم الإجزاء. - خرّج النسائي من طريق ابن أبي عدي، حدثا محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تُسْتَحَاض، فقال لها رسول اللّه ﷺ : "إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي". قال أبو عبد الرحمن النسائي: (قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي) (٥). وقال أبو حاتم: (لم يُتابَع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر) (٦). - قال البخاري: (حدثنا حسان بن حسان، قال: حدثنا إبراهيم بن بشر أبو عمرو الأَوْدي، عن يحيى بن معين المدني، قال: حدثني إبراهيم

стр. 1111

القرشي، عن سعيد بن شُرَحْبيل، عن زيد بن أبي أَوْفَى قال: خرج علينا نبي اللّه ﷺ فآخى بين أصحابه. وهذا إسناد مجهول، لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض. رواه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللّه بن أبي أَوْفَى، عن النبي اللّه ﷺ ، ولا أصل له) (١). - قال إسحاق بن هانئ: (قال لي أبو عبد اللّه - يعخي أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد اللّه - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، حديث عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام". قال أبو عبد اللّه: فأنكره يحيى بن سعيد عليه. قال أبو عبد اللّه: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العُمَري الصغير، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال أبو عبد اللّه: لم يسمعه إلا من عبيد اللّه، فلما بلغه عن العُمَري صححه) (٢). - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يوسف ابن عدي، عن عَثَّام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي

стр. 1112

ﷺ كان إذا تَعَارَّ من الليل، قال: "لا إله إلا اللّه الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار". قالا: هذا خطأ؛ إنما هو هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول هذا، رواه جرير هكذا. وقال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي هذا الحديث؛ وهو منكر) (١). - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي خِدَاش، سمع ابن عباس، عن النبي ﷺ في المماليك: "ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون … " الحديث. قال أبي: لم أجد هذا الحديث عند الحميدي في "مسنده"، ولا عند علي بن المديني، فإن كان محفوظا فهو غريب. قلت: على ما يصنع؟ قال: لعله أن يكون عندهما موقوف) (٢). وقال - في موضع آخر -: (سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر العدني، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في المملوكين: "أطعموهم مما تأكلون … " الحديث. قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميدي، ولا عند عليّ المديني، ولم نجده عند أحد من أصحاب ابن عيينة. قال أبي: ولم أزل أفتِّش عن هذا الحديث، وهمني جدا، حتى رأيت في موضع: عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، موقوف؛ فقلت: إن رفعه ليس له معنى؛ والصحيح موقوف.

стр. 1113

وقد رواه ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم المقبرة هذه"، يعني: مقبرة مكة. قال أبي: فلم يعرف بذا الإسناد إلا هذا وحده، حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذاك الحديث) (١). - قال ابن عمار: (وجدت في كتاب مسلم الذي سماه "كتاب الصحيح": عن أبي غسان المِسْمَعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلَابة، عن ثابت بن الضَّحَّاك، عن النبي ﷺ قال: "ليس على الرجل نذر فيما لا يملك، ولعْن المومن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". زاد فيه كلاما لم يجئ به أحد عن معاذ بن هشام، ولا عن هشام الدستوائي، وهو قوله: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة". هذا الكلام لا أعلم أحدا ذكره غيره. وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة غير هشام أيضًا، لم يذكروا فيه هذه الزيادة) (٢). - وقال أيضا: (ووجدت فيه عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في الاغتسال من الجنابة، وفيه: ثم غسل رجليه. قال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام؛ منهم زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم،

стр. 1114

فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين، إلا أبو معاوية، ولم يذكر غسل اليدين ثلاثا في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليس زيادتهما عندنا بالمحفوظة. وسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش. وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا) (١). - وقال: (ووجدت فيه من حديث يزيد بن زُرَيع، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، عن النبي ﷺ : "لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى"، وذكر الحديث وفيه زيادة: "وإياكم وهَيْشَات الأسواق". حدثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل قال: هذا حديث منكر. قال أبو الفضل: قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح) (٢). - وقال: (ووجدت فيه حديث جعفر بن سليمان الضُّبَعِي، عن ثابت، عن أنس قال: أصابنا مطر ونحن مع رسول اللّه ﷺ ، فحسر ثوبه عنه، وقال: "إنه حديث عهد بربه". وهذا حديث تفرد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره.

стр. 1115

وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المَخْلَدي، عن علي ابن المديني قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره. وأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن علي بن المديني قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف) (١). - وقال: (ووجدت فيه عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سألت عائشة: بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؛ وذكر الحديث. قال أبو الفضل: وهو حديث تفرد به عكرمة بن عمار عن يحيى، وهو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب. وحدثني أحمد بن أبي الفضل المكي، حدثنا صالح بن أحمد، ثنا عليّ قال: سألت يحيى - يعني القطان - عن أحاديث عكرمة بن عمار - يعني عن يحيى بن أبي كثير - فضعّفها، وقال: ليست بصحاح. وأخبرنا أحمد بن محمود، قال: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: سمعت أبا عبد اللّه - يعني أحمد بن حنبل - يقول: رواية عكرمة بن عمار وأيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، ضعيفة) (٢). - قال النسائي: (أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، أخبرني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد اللّه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المُكْتِب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول اللّه ﷺ ،

стр. 1116

فضحك، فقال: "هل تدرون مما ضحكت؟ "، قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب، ألم تجرْني من الظلم؛ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، وبقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكُنّ وسحقا، فعنكن كنت أناضل". قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، واللّه أعلم) (١). - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المُقَدَّمي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من وجد تمرا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على ماء، فإن الماء طهور". وفي الباب عن سلمان بن عامر. قال أبو عيسى: حديث أنس لا نعلم أحدا رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس. وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث، عن شعبة، عن عاصم الأَحْول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرَّباب، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ ، وهو أصح من حديث سعيد بن عامر، وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سليمان، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب.

стр. 1117

والصحيح ما رواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن عاصم الأَحْول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرَّباب، عن سلمان بن عامر) (١). قلت: هذا الحديث أيضا حكم أبو عيسى عليه بأنه غير محفوظ، بل قال: (ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب)؛ وذلك بسبب تفرد سعيد بن عامر عن باقي أصحاب شعبة بهذا اللفظ، وأنه لم يتابع عليه، وإنما روى أصحاب شعبة هذا الحديث بإسناد آخر ولفظ آخر كما بيّن أبو عيسى، مع كون سعيد بن عامر خرّج له الجماعة ووثّقه الجمهور، نعم له بعض الأغلاط وهذا أحدها، ولم يعتبر أبو عيسى ما رواه سعيد حديثا آخر كما يفعل بعض أهل العلم ممن تأخر في ذلك. وكذلك النسائي ذهب إلى تخطئة رواية سعيد بن عامر هذه، فأخرجه عن المَقدَّمي، عن سعيد بن عامر به، وقال: (هذا خطأ، ولا نعلم أن أحدا تابع سعيد بن عامر على هذا الإسناد) (٢). وأخرجه في موضع آخر، وقال: (حديث شعبة عن عبد العزيز بن صهيب خطأ، والصواب الذي قبله) (٣). والذي قبله حديث حفصة، عن سلمان بن عامر (٤). - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان

стр. 1118

النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رُطبات، فإن لم تكن رطبات فتُميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (١). قلت: وهذا أيضا لم يصححه أبو عيسى؛ بسب تفرد جعفر بن سليمان بهذا الخبر عن ثابت. نعم، جاء هذا الحديث من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس (٢). ومن طريق يحيى بن أيوب (٣) وزاندة (٤)، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، على اختلاف بينهما في لفظ الحديث. وأقوى هذه الطرق طريق زائدة، ولفظه: ما رأيت رسول اللّه ﷺ قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شربة من ماء. وهي أقوى من طريق يحيى بن أيوب عن حميد، ولفظها قريب من لفظ جعفر بن سليمان. وأما طريق سعيد بن أبي عروبة ففي صحتها نظر إلى سعيد. - قال أبو عيسى: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أحصوا هلال شعبان لرمضان". حديث أبي هريرة غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية. والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تتقدموا شهر رمضان يوم ولا يومين".

стр. 1119

وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحو حديث محمد بن عمرو الليثي) (١). قلت: هذا الحديث ردّه أبو عيسى من أجل تفرد أبي معاوية بهذا اللفظ عن باقي أصحاب محمد بن عمرو الذين رووا عنه هذا الحديث بلفظ: "لا تقدموا شهر رمضان"، مع أن أبا معاوية من الثقات المشهورين كما هو معلوم، نعم تُكلِّم في روايته عن غير الأعمش، لكن يبقى أنه ثقة مشهور، وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى (٢). - وقال: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المُقَدَّمي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد اللّه بن بشر الخَثْعَمِي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا سافر فركب راحلته، قال بإصبعه - ومد شعبة إصبعه - قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك، واقلبنا بذمة، اللهم ازو لنا الأرض، وهون علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب". حدثنا سُوَيد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا شعبة، بهذا الإسناد نحوه بمعناه (٣). هذا حديث حسن غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث شعبة) (٤).

стр. 1120

قلت: رجاله ثقات مشاهير سوى الخَثْعَمِي، فإنه صدوق مقِلّ، ومتن الحديث قد جاء نحوه من أوجه أخرى، ومع ذلك لم يصححه الترمذي؛ وذلك لغرابته من حيث الإسناد، مع أنه قد رواه عن شعبة راويان كلاهما من الثقات المشاهير، وخاصة عبد اللّه بن المبارك. - روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا". أخرجه الترمذي وقال: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ) (١). والنسائي، وقال: (لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن) (٢). وأبو داود (٣)، وفي بعض النسخ أنه قال: (لم يجئ به غير العلاء، عن أبيه) (٤). وقد أنكر هذا الحديث أحمد، قال: (العلاء ثقة، ولا ينكر من حديثه إلا هذا) (٥).

стр. 1121

وقال أبو داود: (وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصِل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه. قال أبو داود: هذا عندي ليس خلافه) (١). وأنكره أيضا ابن معين (٢)، وأبو زرعة (٣)، والأثرم (٤)، وذكر أبو يعلى الخليلي أن هذا الحديث مما لم يتابع عليه العلاء، وأن مسلما قد أخرج في "الصحيح" المشاهير من حديثه، دون هذا والشواذ (٥). وقد قال الذهبي عن حديثه هذا إنه من أغرب ما أتى به عن أبيه عن أبي هريرة (٦). وأخرجه أبو عَوانة، وأشار إلى إعلاله حيث قال: (باب بيان النهي عن صوم آخر النصف من شعبان، وبيان الخبر المعارض له المبيح صومه، والخبر المبين فضيلة صومه على صوم سائر الشهور، الدال على توهين الخبر الناهي عن صيامه) (٧). وغيرهم من أهل العلم بالحديث. قلت: هذا الحديث لا يصح، بل هو حديث شاذ منكر؛ وذلك لأمور: ١ - أن الأحاديث الصحيحة جاءت بخلافه، فالرسول ﷺ كان يصوم

стр. 1122

أكثر شعبان حتى يصله برمضان (١)، فكيف يقال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟! وهذه الأحاديث أصح وأكثر فتقدم عليه. ٢ - أن أبا هريرة جاء عنه من طريق يحيى بن أبي كثير (٢) ومحمد بن عمرو بن علقمة (٣)، كلاهما عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن الرسول ﷺ نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. ومعنى هذا أنه لا بأس أن يصام قبل ذلك، سواء كان من نصف شعبان أو ما بعده، وهذا الحديث أصح عن أبي هريرة، وقد اتفق عليه الشيخان، فيظهر أن هذا اللفظ هو أصل حديث العلاء فأخطأ فيه فرواه بلفظ: "إذا انتصف شعبان … ". ٣ - أن النهي عن صوم ما بعد نصف شعبان عند من يقول به هو من أجل رمضان؛ إما إبقاء للقوة، أو كراهية تقدمه، وما من شك أنه كلما قرب رمضان كان النهى آكَدَ، فليس صوم بداية النصف الأخير كصوم اخره، وهذه المدة الطويلة لم نر النبي ﷺ استثنى فيها من كانت له عادة، مع أنّا نقطع بوجود ذلك من كثير من الناس، ثم نجد النبي ﷺ استثنى من كانت له عادة حينما قرب رمضان، فاشتد النهي، وفي مدة لا يكثر وجود العادة فيها كما في أول النصف الأخير، فقال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا في صوم يصومه أحدكم". فكيف يأتي الاستثناء عند قلة وجود العادة واشتداد النهي ولا يأتي مع كثرة وجود العادة وخفة النهي؟! فمثل هذا لا يكون ممن أوتي جوامع الكلم، فدل أن وهما وقع في هذا النهى الواسع الذي إسناده لا يقاوم إسناد النهي الضيق.

стр. 1123

٤ - أن معظم أهل العلم لم يعملوا به، ولا يمكن للأمة أن تترك حديثا ولا تعمل به، وقد نقل الطَّحاوي الإجماع على عدم العمل به (١)، حتى أن ابن حزم - وهو بعد الطَّحاوي - عندما قال به رأى أن النهي لليوم السادس عشر فقط (٢)، وهذا خلاف ظاهر حديث العلاء. فإن قيل: إن العلاء ثقة، وأبوه كذلك، فالحديث صحيح. فالجواب: أنه لا شك أن العلاء ثقة، ولكن ليس من حد الثقة أن لا يخطئ، فكل بني آدم خطاء، فالعلاء مكثر، وإذا أخطأ في حديث فهذا لا يضره، ومما يؤكد خطأه أنه تفرد به، ولذا تتابع الحفاظ على أن العلاء تفرد به ولم يتابع عليه، ولذا أعرض عنه مسلم مع أنه خرّج في "صحيحه" من هذه السلسلة الشيء الكثير. وأما المتابعة التي عند الطبراني فمنكرة لا تصح؛ قال الطبراني: (حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال: نا عبيد اللّه بن عبد اللّه المنكدري (٣)، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا انتصف شعبان فأفطروا". لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد به ابنه عبد اللّه) (٤). وأخرجه البيهقي في "الخلافيات" (٥) من وجه آخر عن المنكدر بن محمد به.

стр. 1124

قال الدارقطني: (تفرد به المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن مولى الحرقة) (١). وأخرجه ابن الأعرابي (٢) وابن عدي (٣) من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يعقوب به. قلت: عبد اللّه بن المنكدر منكر الحديث. ووالده المنكدر بن محمد لا يحتج به. ولهذا أعلّ هذا الخبر كبار الحفاظ كما تقدم، وقد قال ابن رجب - بعد أن ذكر من صحّح الخبر -: (وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم) (٤)، وهم الذين أعلوه. أخيرًا، جاء عن بقية بن الوليد، أن الأوزاعي كان لا يصوم بعد النصف من شعبان، وهو ثابت عنه، فقد جاء عن بقية من طريقين (٥)، ولكن يقال: مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر. * * *

стр. 1125

الفصل الحادي عشر إطلاق الحسن على الغريب أسند ابن أبي حاتم عن أمية - هو ابن خالد القيسي - قال: (قلت لشعبة: مالك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قال: قلت: تحدِّثُ عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركته. قلت: إنه كان حسن الحديث. قال: مِن حسْنها فررت) (١). قلت: وذلك لغرابتها؛ لأنه تفرد في غير ما حديث، ومنها حديث الشفعة، وكان هذا سبب نفرة شعبة منها. وقال: (نا أبي، نا محمد بن المِنْهَال الضرير، قال: زعم يزيد بن زُرَيع بأن عنده كتاب لأبي شيبة كراسة عظيمة، كأنها اللؤلؤ من حسنها، ولا أروى منها شيئا أبدا حتى ألقى الله . يعني إنكارا على أبي شيبة) (٢). قلت: أبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان العبسي، وهو متروك. والسبب في عدم رواية يزيد بن زريع لها، هو تفرد أبو شيبة برواية هذه الأحاديث. قال الخلال: (أخبرنا المرُّوذي، قال: ذكرت لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحَرَّاني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنَيْسة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن مسروق، ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي
следующие страницы →