← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقال أبو داود: (وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصِل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه. قال أبو داود: هذا عندي ليس خلافه) (١). وأنكره أيضا ابن معين (٢)، وأبو زرعة (٣)، والأثرم (٤)، وذكر أبو يعلى الخليلي أن هذا الحديث مما لم يتابع عليه العلاء، وأن مسلما قد أخرج في "الصحيح" المشاهير من حديثه، دون هذا والشواذ (٥). وقد قال الذهبي عن حديثه هذا إنه من أغرب ما أتى به عن أبيه عن أبي هريرة (٦). وأخرجه أبو عَوانة، وأشار إلى إعلاله حيث قال: (باب بيان النهي عن صوم آخر النصف من شعبان، وبيان الخبر المعارض له المبيح صومه، والخبر المبين فضيلة صومه على صوم سائر الشهور، الدال على توهين الخبر الناهي عن صيامه) (٧). وغيرهم من أهل العلم بالحديث. قلت: هذا الحديث لا يصح، بل هو حديث شاذ منكر؛ وذلك لأمور: ١ - أن الأحاديث الصحيحة جاءت بخلافه، فالرسول ﷺ كان يصوم

стр. 1122

أكثر شعبان حتى يصله برمضان (١)، فكيف يقال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟! وهذه الأحاديث أصح وأكثر فتقدم عليه. ٢ - أن أبا هريرة جاء عنه من طريق يحيى بن أبي كثير (٢) ومحمد بن عمرو بن علقمة (٣)، كلاهما عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن الرسول ﷺ نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. ومعنى هذا أنه لا بأس أن يصام قبل ذلك، سواء كان من نصف شعبان أو ما بعده، وهذا الحديث أصح عن أبي هريرة، وقد اتفق عليه الشيخان، فيظهر أن هذا اللفظ هو أصل حديث العلاء فأخطأ فيه فرواه بلفظ: "إذا انتصف شعبان … ". ٣ - أن النهي عن صوم ما بعد نصف شعبان عند من يقول به هو من أجل رمضان؛ إما إبقاء للقوة، أو كراهية تقدمه، وما من شك أنه كلما قرب رمضان كان النهى آكَدَ، فليس صوم بداية النصف الأخير كصوم اخره، وهذه المدة الطويلة لم نر النبي ﷺ استثنى فيها من كانت له عادة، مع أنّا نقطع بوجود ذلك من كثير من الناس، ثم نجد النبي ﷺ استثنى من كانت له عادة حينما قرب رمضان، فاشتد النهي، وفي مدة لا يكثر وجود العادة فيها كما في أول النصف الأخير، فقال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا في صوم يصومه أحدكم". فكيف يأتي الاستثناء عند قلة وجود العادة واشتداد النهي ولا يأتي مع كثرة وجود العادة وخفة النهي؟! فمثل هذا لا يكون ممن أوتي جوامع الكلم، فدل أن وهما وقع في هذا النهى الواسع الذي إسناده لا يقاوم إسناد النهي الضيق.

стр. 1123

٤ - أن معظم أهل العلم لم يعملوا به، ولا يمكن للأمة أن تترك حديثا ولا تعمل به، وقد نقل الطَّحاوي الإجماع على عدم العمل به (١)، حتى أن ابن حزم - وهو بعد الطَّحاوي - عندما قال به رأى أن النهي لليوم السادس عشر فقط (٢)، وهذا خلاف ظاهر حديث العلاء. فإن قيل: إن العلاء ثقة، وأبوه كذلك، فالحديث صحيح. فالجواب: أنه لا شك أن العلاء ثقة، ولكن ليس من حد الثقة أن لا يخطئ، فكل بني آدم خطاء، فالعلاء مكثر، وإذا أخطأ في حديث فهذا لا يضره، ومما يؤكد خطأه أنه تفرد به، ولذا تتابع الحفاظ على أن العلاء تفرد به ولم يتابع عليه، ولذا أعرض عنه مسلم مع أنه خرّج في "صحيحه" من هذه السلسلة الشيء الكثير. وأما المتابعة التي عند الطبراني فمنكرة لا تصح؛ قال الطبراني: (حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال: نا عبيد اللّه بن عبد اللّه المنكدري (٣)، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا انتصف شعبان فأفطروا". لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد به ابنه عبد اللّه) (٤). وأخرجه البيهقي في "الخلافيات" (٥) من وجه آخر عن المنكدر بن محمد به.

стр. 1124

قال الدارقطني: (تفرد به المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن مولى الحرقة) (١). وأخرجه ابن الأعرابي (٢) وابن عدي (٣) من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يعقوب به. قلت: عبد اللّه بن المنكدر منكر الحديث. ووالده المنكدر بن محمد لا يحتج به. ولهذا أعلّ هذا الخبر كبار الحفاظ كما تقدم، وقد قال ابن رجب - بعد أن ذكر من صحّح الخبر -: (وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم) (٤)، وهم الذين أعلوه. أخيرًا، جاء عن بقية بن الوليد، أن الأوزاعي كان لا يصوم بعد النصف من شعبان، وهو ثابت عنه، فقد جاء عن بقية من طريقين (٥)، ولكن يقال: مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر. * * *

стр. 1125

الفصل الحادي عشر إطلاق الحسن على الغريب أسند ابن أبي حاتم عن أمية - هو ابن خالد القيسي - قال: (قلت لشعبة: مالك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قال: قلت: تحدِّثُ عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركته. قلت: إنه كان حسن الحديث. قال: مِن حسْنها فررت) (١). قلت: وذلك لغرابتها؛ لأنه تفرد في غير ما حديث، ومنها حديث الشفعة، وكان هذا سبب نفرة شعبة منها. وقال: (نا أبي، نا محمد بن المِنْهَال الضرير، قال: زعم يزيد بن زُرَيع بأن عنده كتاب لأبي شيبة كراسة عظيمة، كأنها اللؤلؤ من حسنها، ولا أروى منها شيئا أبدا حتى ألقى الله . يعني إنكارا على أبي شيبة) (٢). قلت: أبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان العبسي، وهو متروك. والسبب في عدم رواية يزيد بن زريع لها، هو تفرد أبو شيبة برواية هذه الأحاديث. قال الخلال: (أخبرنا المرُّوذي، قال: ذكرت لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحَرَّاني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنَيْسة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن مسروق، ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي

стр. 1126

ﷺ قال: "يقول الله تعالى ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ من العرش إلى الكرسي". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه. وقال: قد رواه الأعمش موقوفا، ورواه أبو يزيد الدَّالاني مرفوعا. وأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، فجعلت أقرأه عليه. فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عَوانة، عن الأعمش مرسلا) (١). قال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت، أن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ. سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. قال أبو عيسى: هو غريب من هذا الوجه) (٢). قلت: قول البخاري: (حسن) يعني غريب، بدليل قول الترمذي: (هو غريب من هذا الوجه). وخرج الترمذي من حديث شَريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج، أن النبي ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته".

стр. 1127

قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق، إلا من رواية شريك) (١). قلت: قوله: (هو حديث حسن)، قد يكون معناه أي: غريب، بدليل قوله: (لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك). وخرّج البخاري من طريق داود بن أبي الفُرَات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود، قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلست إلى عمر بن الخطاب … (٢). قال علي بن المديني: (لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وفى إسناده بعض الانقطاع؛ لأن عبد الله بن بُرَيدة يُدخل بينه وبين أبي الأسود يحيى بن يَعْمَر، وقد أدرك أبا الأسود، ولم يقل فيه: سمعت أبا الأسود، وهو حديث حسن الإسناد) (٣). قلت: كأنه يريد بحسن الإسناد: غرابته، بدليل قوله: (لا نحفظه إلا من هذا الوجه). وخرج الإمام أحمد من طريق زُهْرة بن مَعْبَد، عن ابن عم له أخي أبيه، أنه سمع عُقْبة بن عامر، يقول: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء" (٤).

стр. 1128

قال ابن المديني: (هذا حديث حسن) (١). قلت: المقصود بالتحسين: الغرابة الواقعة في المتن، وهي رفع البصر، وزُهْرة وثقه الجمهور وتكلم فيه ابن حبان، وشيخه مبهم، والحديث في "صحيح مسلم" دون هذه الزيادة (٢). وخرج الإمام أحمد من طريق الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: يا أيها الناس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي ﷺ … (٣). قال علي بن المديني: (إسناده بصري حسن)، وقال في موضع آخر: (لا نعلم في إسناده شيئا يطعن فيه، وأبو فراس رجل معروف من أسلم، روى عنه أبو نَضْرة وأبو عمران الجوني) (٤). قلت: يحتمل أن يكون هذا الخبر غريبا؛ فإن أبا فراس ليس بالمشهور، فالظاهر أنه ليس له إلا هذا الخبر، قال أبو زرعة: لا أعرفه (٥)، وقول علي بن المديني إنه معروف ليس توثيقا. ومثله إذا قيل: هذا فائدة، ونحو ذلك، كما قال أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان) (٦).

стр. 1129

وخرَّج في "العلل الكبير" (١) من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: (هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به). * * *

стр. 1130

الفصل الثاني عشر أقسام الغريب وأنواعه الغرابة على ثلاثة أقسام: إما في الإسناد، وإما في المتن، وإما فيهما جميعا. القسم الأول: الغرابة في الإسناد. وهي على أنواع: النوع الأول: الغريب المطلق. قال علي بن المديني: (حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حسين المعلِّم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعَصَبته من كان". قال ابن المديني: هذا من صحيح ما يروى عن عمرو بن شعيب، رواه حسين المعلِّم، وهو حديث فيه كلام كثير، ولست أحفظ الكلام كله، وإنما هذا مختصر منه. قال: وإنما صار هذا الحديث عندي متصل الإسناد؛ لأن هذه القصة كانت فيهم، خاصم فيها عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، وحدث بها عن النبي ﷺ ، وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما روى هذه الأحاديث عن عبد الله بن عمرو: شعيب، عن جده عبد الله بن عمرو، ولم يرو محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه شيئا، وليس يحفظ في هذا الوجه غيره).

стр. 1131

قال ابن كثير: (وهذا الحديث من غرائب الأحاديث على شهرة إسناده، ولست أعلم أحدا من الأئمة المشهورين من الفقهاء الأربعة ولا غيرهم قال به، ولهذا أتبعه أبو داود بعد روايته له بأن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت يورِّثون الكُبَر من الولاء. ثم روى عن أبي سلمة (١)، عن حماد، عن حميد قال: الناس يتهمون عمرو بن شعيب في هذا الحديث. ورواه النسائي أيضا، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر قال: سمعت الحسين، عن عمرو بن شعيب قال: قال عمر. مرسلا. فالله أعلم) (٢). وهاك أمثلة أخرى من "جامع" أبي عيسى: قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كَعْب بن عُجْرَة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أعيذك بالله يا كَعْب بن عُجْرَة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يَرِد عليَّ الحوض، ومن غَشِي أبوابهم أو لم يَغشَ ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض، يا كَعْب بن عُجْرَة الصلاة برهان، والصوم جُنَّةٌ حَصِينَة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كَعْب بن عُجْرَة، إنه لا يربو لحم نبت من سُحْت إلا كانت النار أولى به".

стр. 1132

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (١). وسألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدا) (٢). وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال: وليسمِّ حاجته". وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب. قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي المَوَال، وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبد الرحمن غير واحد من الأئمة) (٣).

стр. 1133

وقد خرَّجه البخاري (١). وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] ". وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة. قال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (٢). وقد خرّجه البخاري ومسلم (٣). وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن سعد بن إسحاق بن كَعْب بن عُجْرَة، عن أبيه، عن جده، قال: صلى النبي ﷺ في مسجد بني عبد الأَشْهَل المغرب، فقام ناس يتنفَّلون، فقال النبي ﷺ : "عليكم بهذه الصلاة في البيوت". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والصحيح ما روي عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته. وقد روي عن حذيفة أن النبي ﷺ صلى المغرب، فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة، ففي هذا الحديث دلالة أن النبي ﷺ صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد) (٤).

стр. 1134

وقد خرّجه أبو داود وصحّحه ابن خزيمة (١). وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا رَفَّأَ الإنسان إذا تزوج، قال: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في الخير". وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب. حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) (٢). قال البزار: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ إلا عبد العزيز) (٣). وقال أيضا: (حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال. هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري، عن إسماعيل بن أمية) (٤). وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا عباد بن ليث صاحب الكَرَابِيس البصري، قال: حدثنا عبد المجيد بن وهب، قال: قال لي العَدَّاء بن خالد بن هَوْذَة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ قال:

стр. 1135

قلت: بلى. فأخرج لي كتابا: "هذا ما اشترى العَدَّاء بن خالد بن هَوْذَة من محمد رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدا أو أمة، لا دَاءَ ولا غَائِلَةَ ولا خِبْثَةَ، بَيْعَ المسلمِ المسلمَ". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث، وقد روى عنه هذا الحديث غير واحد من أهل الحديث) (١). النوع الثاني من أنواع الغرابة في الإسناد: الغريب النسبي. قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفَضْل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر. قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا. قال أبو عيسى: حديث أنس غريب، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس) (٢). قلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من كونه غريبا، ولعل ابن إسحاق تفرد به، والمشهور - كما ذكر أبو عيسى - هو حديث عمرو بن عامر عن أنس، وقد أخرجه أبو عيسى بعد ذلك (٣)، وقال عنه: (حسن صحيح)، وفي نسخة: (هذا حديث صحيح)، وهكذا في "تحفة الأشراف" (٤)، وهذا هو الأقرب لمنهج أبي عيسى في مثل ذلك، وكأنه يريد تأكيد صحة هذا الحديث من هذا الوجه وهو طريق عمرو بن عامر، وأن هذا الوجه هو

стр. 1136

الصحيح، ولذا خرجه البخاري (١) والنسائي (٢) وغيرهما. وأما طريق ابن إسحاق فإنه غريب، وقد تفرد به أبو عيسى عن باقي أصحاب الكتب الستة. وقال أيضا: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن بَيَان بن بِشْر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لأنْ يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، فيستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". وفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي سعيد الخدري، والزبير بن العوام، وعطية السعدي، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن عمرو، وابن عباس، وثوبان، وزياد بن الحارث الصدائي، وأنس، وحُبْشي بن جنادة، وقَبِيصة بن مُخَارق، وسَمُرة، وابن عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب، يستغرب من حديث بيان، عن قيس) (٣). وقال البزار: (حدثنا مُقَدَّم بن محمد بن علي بن مقدم المُقَدَّمي، قال: حدثنى عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّم، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : "الصَّعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشره، فإن ذلك خير". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة ﵁، إلا من هذا الوجه،

стр. 1137

ولم نسمعه إلا من مُقَدَّم بن محمد عن عمه، وكان مُقَدَّم ثقة معروف النسب) (١). النوع الثالث: الإسناد الفرد، والذي لا يُعرف رجاله برواية بعضهم عن البعض، وهو أشد أنواع الغرابة في الإسناد. والفرق بين هذا النوع والذي قبله: أن النوع الأول والثاني، وإن كانا غريبين من حيث الإسناد، لكن رواتهما يعرفون بالرواية عن بعض؛ كشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن أبي خالد، ويونس، عندما يتفرد أحدهم عن الزهري. مثل حديث قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا". وأشار إلى وجهه وكفيه. فقتادة لا يعرف بالرواية عن خالد، وخالد لا يعرف بالرواية عن عائشة (٢). ومثل حديث أبي المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض … " (٣).

стр. 1138

قال البخاري: (أبو المُطَوِّس اسمه يزيد بن المُطَوِّس، وتفرد بهذا الحديث، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا) (١). وقال الإمام أحمد - كما في ترجمة أبي المُطَوِّس من "التهذيب" (٢) -: (لا أعرفه، ولا أعرف حديثه من غيره). وقال ابن خزيمة: (لا أعرف ابن المُطَوِّس، ولا أباه، غير أن حبيب بن أبي ثابت قد ذكر أنه لقي أبا المُطَوِّس) (٣). ومثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: "لو طعنت في فخذها أجزأ عنك". قال أبو عيسى الترمذي: (فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء، ولا يعرف لأبي العُشَراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورا عند أهل العلم، فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا نعرفه إلا من حديثه) (٤). وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان وهو الثوري، عن ليث وهو ابن أبي سليم، قال: حدثني كعب، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي

стр. 1139

الوسيلة" قالوا: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، أرجو أن اكون أنا هو". هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقوي. وكعب ليس هو بمعروف، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم) (١). وقال أيضا: (حدثنا عبد الله بن معاوية الجُمَحي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ليث، عن طاوس، عن زياد بن سِيمِين كُوش، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "تكون فتنة تَسْتَنْظِف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من السيف". هذا حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا نعرف لزياد بن سِيمِين كُوش غير هذا الحديث، رواه حماد بن سلمة، عن ليث فرفعه، ورواه حماد بن زيد، عن ليث فوقفه) (٢). قلت: ومن الفوائد في كون فلان لا يعرف بالرواية عن فلان، أو كونه لا يعرف إلا في هذا الحديث، أن يعرف أنّ هذا من الخطأ، ولذا قال أبو عيسى في حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشِر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، في قراءة النبي ﷺ يوم الجمعة والعيدين … : (وهكذا روى سفيان الثوري ومِسْعَر، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر، مثل حديث أبي عوانة. وأما سفيان بن عيينة فيختلف عليه في الرواية: يروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن

стр. 1140

النعمان بن بشير، ولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه) (١). يريد أن الصواب من غير ذكر أبيه. وقال أيضا: (حدثنا الحسين بن يزيد، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ما اصْطَدْتُمُوه وهو حي فكلوه، وما وجدتموه ميتا طافيا فلا تأكلوه". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: ليس هذا بمحفوظ، ويروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئا) (٢). وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن مَنِيع، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شَيْبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أبي السَّنابل بن بَعْكَك، قال: وضعتْ سُبَيْعة بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يوما، فلما تَعَلَّتْ تَشَوَّفَتْ للنكاح، فأنكر عليها ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "إن تفعل فقد حل أجلها". حدثنا أحمد بن مَنِيع، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شَيْبان، عن منصور نحوه. وفي الباب عن أم سلمة. حديث أبي السَّنابل حديث مشهور من هذا الوجه، ولا نعرف للأسود سماعا من أبي السَّنابل، وسمعت محمدا يقول: لا أعرف أن أبا السِّنابل عاش بعد النبي ﷺ ) (٣). وقال البزار: (حدثنا أحمد بن أبان القرشي، قال: حدثنا أنس بن عِياض أبو ضَمْرة، عن أبي حازم، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي سلمة، عن

стр. 1141

أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مراء في القرآن كفر، وأنزل القرآن على سبعة أحرف، فما عرفتم فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه". ولا نعلم أسند أبو حازم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا هذا الحديث، ولا رواه غير أبي ضمرة) (١). وذكر البخاري ما رواه ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في كفارة المجلس. فقال البخاري: (هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا، إلا أنه معلول؛ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قوله. قال البخاري: هذا أولى، ولا نذكر لموسى بن عقبة مسندا عن سهيل) (٢). وقال في "التاريخ" (٣): (ولم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل، وحديث وهيب أولى). * * * القسم الثاني: غريب المتن. وهو على أنواع: النوع الأول: أن تكون الغرابة في لفظة من الحديث دون باقيه. وهذا كثير، مثل: لفظة "إنك لا تخلف الميعاد" التي تفرد بها محمد

стр. 1142

ابن عَوْف الحمصي (١) عن باقي الحفاظ والرواة الذين رووا هذا الخبر عن علي بن عياش. وقال أبو داود: (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، قالا: حدثنا شعبة، عن الأَشْعث بن سُلَيم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله، ونعله. قال مسلم: وسواكه، ولم يذكر في شأنه كله، قال أبو داود: رواه عن شعبة، معاذ، ولم يذكر سواكه) (٢). وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن جَبر، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "يجزئ في الوضوء رطلان من ماء". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ. وروى شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمَكُّوك، ويغتسل بخمسة مَكَاكِيّ. وروي عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، وهذا أصح من حديث شريك) (٣). وقال النسائي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن

стр. 1143

حفصة بنت سيرين، عن الرَّباب، عن عمها سلمان بن عامر، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور". قال أبو عبد الرحمن: هذا الحرف "فإنه بركة"، لا نعلم أن أحدا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه بمحفوظ) (١). وقال الطبراني: (حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: نا أبو بلال الأشعري، قال: نا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي، وشهود". لم يقل في حديث أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى: "وشهود" إلا أبو بلال الأشعري، عن قيس) (٢). وأخرج الحاكم من طريق مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن عاصم الأَحْول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ ، قال: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ، فإنه أنشط لِلْعَوْد". وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجاه إلى قوله "فليتوضأ" فقط، ولم يذكرا فيه "فإنه أنشط للعود"، وهذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما) (٣). قلت: ما قاله الحاكم فيه نظر، والصواب أن مسلم بن إبراهيم هو الذي تفرد بها عن شعبة، فلم يأت بها عنه سواه، فقد رواه الطيالسي عن

стр. 1144

شعبة فلم يذكر هذه الزيادة (١)، ولذا قال أبو حاتم بن حبان: (تفرد بهذه اللفظة الأخيرة مسلم بن إبراهيم) (٢). النوع الثاني: أن تكون الغرابة في جميع المتن أو أكثره. قال أبو عيسى: (حدثنا محمود بن غَيْلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر". قال أبو عيسى: وسليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) (٣). قلت: والذي يظهر أن عبد الرزاق هو الذي تفرد به، كذلك رواه في "مصنفه" (٤). وذلك أن حجاج بن محمد فصل قول ابن عمر من قول النبي ﷺ ، فرواه عن ابن جريج، قال: حدثني سليمان بن موسى، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر، ﵁ كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا؛ فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، إذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "أوتروا قبل الفجر" (٥).

стр. 1145

وقد رواه بهذا التفصيل أيضًا الإمام أحمد من طريق عبد الرزاق وابن بكر، عن ابن جريج به (١)، وهذا هو الصواب. قال الحافظ ابن رجب: (وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر إنما هو منقول ابن عمر، واستدل له بأمر النبي ﷺ بالوتر قبل الفجر. ورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرّجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى، وسليمان مختلف في توثيقه) (٢). النوع الثالث: أن يكون المعنى الذي جاء في هذا المتن غريبا، بحيث لم يطرق في الشريعة. مثل ما خرجه الطبراني في "الكبير" قال: (حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، ثنا عبد الملك بن مروان الحَذَّاء، أنا الضحاك بن زيد الأهوازي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تَهِم، قال: "ما لي لا أَهِم ورَفْغ أحدكم بين ظُفْره وأنامله؟ ") (٣).

стр. 1146

ورواه ابن عيينة، عن إسماعيل، عن قيس مرسلا، قال العقيلي: (وهذا أولى) (١). * * * القسم الثالث: أن تكون الغرابة في الإسناد والمتن جميعا. ومن أمثلته: قال ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢): (حدثنا أبو زرعة، ثنا مِنْجَاب بن الحارت التميمي، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْق، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: "لو أن الجن والإنس والشاطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا"). وقد خرجه العقيلي في ترجمة بِشْر بن عُمارة، وقال: (ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به) (٣). فعُلمت غرابته من حيث الإسناد، وأما المتن فقال ابن كثير: (غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة) (٤). قلت: قول ابن كثير: (غريب) يشير - والله أعلم - إلى غرابة متنه، وقوله: (لا يعرف إلا من هذا الوجه) يشير إلى غرابة الإسناد. قال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا علي بن نصر بن علي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في "أمرك بيدك" إنها ثلاث؟ فقال: لا، إلا الحسن. ثم

стр. 1147

قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث". قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سَمُرة، فسألته: فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي. هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا. وكان علي بن نصر حافظا، صاحب حديث) (١). قلت: هذا بيان لغرابة إسناده، وأما متنه فهو غريب أيضا من حيث كونه مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وإنما المعروف الخلاف فيه بين الصحابة ومن بعدهم. قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مُظَاهِر بن أسلم، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال محمد بن يحيى: وحدثنا أبو عاصم قال: حدثنا مُظَاهِر بهذا. وفي الباب عن عبد الله بن عمر. حديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مُظَاهِر بن أسلم، ومُظَاهِر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث) (٢).

стр. 1148

قال الدارقطني: (نا أبو بكر النيسابوري، نا محمد بن إسحاق، قال: سمعت أبا عاصم يقول: ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مُظَاهِر هذا. قال أبو بكر النيسابوري: والصحيح عن القاسم خلاف هذا … ، وكذلك رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن القاسم وسالم، قالا: ليس هذا في كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ ، ولكن عمل به المسلمون) (١). وقال أبو عيسى: (حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا مُزاحم بن ذَوَّاد بن عُلْبة، عن أبيه، عن ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "المخْتَلِعَاتُ هُنَّ المنافقات". هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي) (٢). قلت: وفيه وجه آخر من الغرابة، وهو رواية أبي زرعة بن جرير عن أبي إدريس؛ فإنه لا يعرف بالرواية عنه إلا في هذا الحديث، وأما قول المِزِّي: (الأشبه أنه أبو زرعة السَّيْباني الشامي) (٣)، فهذا بعيد، فقد نص ابن أبي حاتم (٤) وغيره أنه ابن عمرو بن جرير. ولكن قال أبو عيسى في "العلل" (٥): (سألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه، فقلت له: أبو الخطاب من هو؟ قال: لعله الهجري، وأبو زرعة لعله يحيى بن أبي عمرو السيباني. وقال: كنيته أبو زرعة). فالله تعالى أعلم.

стр. 1149

وقال النسائي: (أخبرنا عمرو بن هشام، قال: حدثنا مَخْلد، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا يزيد بن أبي مالك، قال: حدثنا أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خَطْوُهَا عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل ﵇، فسرت، فقال: انزل فصلِّ. ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر، ثم قال: انزل فصلِّ. فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سَيْنَاءَ حيث كلم الله موسى ﵇. ثم قال: انزل فصلِّ. فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇. ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء ﵈، فقدمني جبريل حتى أَمَمْتُهُمْ، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبرهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدا، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك. فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى فقال: كم فُرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا، ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع، فرجعت فخفف عني عشرا، ثم ردت إلى خمس صلوات. قال: فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف؛ فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما. فرجعت إلى ربي ، فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت

стр. 1150

السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعرفت أنها من الله ﵎ صِرَّى، فرجعت إلى موسى ﵇ فقال: ارجع. فعرفت أنها من الله صِرَّى - يقول: أي حتم - فلم أرجع") (١). قال ابن كثير: (حديث غريب، منكر جدًّا، وإسناده مقارب، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على نكارته) (٢). قلت: أما من حيث الإسناد فإنه لم يأت إلا من هذا الوجه فيما أعلم، وقد جاء ما يفيد أن يزيد بن أبي مالك لم يسمعه من أنس، فقد جاء عنه قوله: حدثني بعض أصحاب أنس عن أنس. قال أبو مسهر: هذا هو الصواب والأول مدلس (٣). أقول: وممن عُني بنقد المتون من المتأخرين: ابن تيمية، وتجد هذا ظاهرًا في كتابه "منهاج السنة"، وكذلك الذهبي في كثير من كتبه كـ "الميزان" و"تلخيص المستدرك"، وابن كثير خاصة في "تفسيره". وهذه الغرائب من حيث متونها وموافقتها للشريعة وعدمها هي على ثلاثة أنواع: الأول: أن تكون موافقة للشريعة، وخاصة ما كان منها غريب السند فقط، وبالأخص الغرابة النسبية؛ كحديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "المومن يأكل في مِعَي معًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". وقد تقدم.

стр. 1151

الثاني: أن يكون المتن مخالفًا للكتاب أو السنة. قال الإمام مسلم: (حدثني سُريج بن يونس وهارون بن عبد الله، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل") (١). وقد أعلّه علي بن المديني والبخاري (٢). قال أبو العباس ابن تيمية: (مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة، فإن هذا الحديث قد بيّن أئمةُ الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ ، بل صرح البخاري في "تاريخه الكبير" أنه من كلام كعب الأحبار، كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في "الصحيح" أن آخر الخلق كان يوم الجمعة؛ فيكون أول الخلق يوم الأحد) (٣). وينظر كلام المعلمي في الجواب عما أُعل به هذا الحديث في كتابه في الرد على أبي رَيّة (٤).

стр. 1152

وقال الحاكم: (حدثني علي بن حُمشاذ العدل، ثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العَنْبَري، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله وقد قال الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] ". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين"، وقد اتفقا جميعا على إخراجه) (١). قلت: ووجه غرابته أن هذا مخالف لما عُلم من الشرع، أن الصبر على البلايا - ومن ذلك الصبر على الزوجة إن كانت سيئة الخلق - أنه محمود ويثاب عليه العبد، فكيف يكون هنا مذموما؟، ولذا كان الصواب في هذا الحديث الوقف، وأنه لم يثبت مرفوعا. الثالث: ألا يأتي في الشريعة ما يوافقه، كما أنه لا يأتي ما يخالفه. وينظر أمثلته في الغريب الذي لم تطرقه الشريعة. * * *

стр. 1153

الفصل الثالث عشر التعليق على كلام أبي عيسى في "العلل الصغير" حول الغريب قال أبو عيسى: (وما ذكرنا في هذا الكتاب: "حديث غريب"، فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعانٍ: ربَّ حديث يكون غريبًا، لا يروى إلا من وجه واحد) (١). قلت: وهذا ما يسمى بـ "الغريب المطلق"، وقد ذكر أبو عيسى مثالين، وذهب أبو الفرج بن رجب إلى أن هذين المثالين لقسمين، فقال: (ذكر الترمذي ﵀ أن الغريب عند أهل الحديث يطلق بمعان: أحدهما: أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد، ثم مثلّه بمثالين، وهما في الحقيقة نوعان: أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضًا، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الذكاة. فهذا حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد، ورواه عنه خلق، فهو في أصل إسناده غريب، ثم صار مشهورًا عن حماد. قال الترمذي: ولا يعرف لأبي العُشَراء عن أبيه غير هذا الحديث).

стр. 1154

ثم قال: (النوع الثاني: أن يكون الإسناد مشهورًا، يروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثّله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته … ) (١). قلت: الفرق بين الأول والثاني، أن النوع الأول إسناد غريب غير معروف؛ وذلك أن طريق أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه غريبة وغير معروفة، فأبو العُشَراء وأبوه كلاهما مجهول، ولم يُرو فيه سوى المتن الذي تقدم ذكره (٢). أما النوع الثاني، فإن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر مشهورة كما هو معلوم، جاءت بها عشرات الأحاديث، وخرّج الشيخان كثيرًا منها (٣)، فتبيّن الفرق بينهما. النوع الثالث: ثم ذكر أبو عيسى نوعًا آخر من الغريب، فقال: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه؛ مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين. وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.

стр. 1155

وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل) (١). قال ابن رجب معلِّقا: (وهذا أيضًا نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهورًا، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب) (٢). قلت: فالغرابة هنا إنما هي في لفظة من الحديث، وقد تقدم أن الغرابة في المتن ثلاثة أقسام (٣)، هذا أحدها. النوع الرابع: قال أبو عيسى: (وربَّ حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد). ثم ذكر مثالين: أولهما: حديث أبي كُرَيب، عن أبي أسامة، عن بُريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بُردة، عن أبي موسى رفعه: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معَى واحد". والثاني: حديث شَبَابة، عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر، أن النبي ﷺ نهى عن الدُّبَّاء والمُزَفَّتِ) (٤). قال ابن رجب: (هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث يروى عن النبي ﷺ من طرق معروفة، ويروى عن بعض الصحابة من وجه

стр. 1156

يستغرب عنه، بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه) (١). قلت: هذا غريب من حيث الإسناد فقط كما قال أبو عيسى، وإنما يستغرب لحال الإسناد، وأما المتن فهو مشهور، فقد جاء من طرق أخرى، وهذا ما يسمى أيضًا بـ "الغريب النسبي" عند بعض أهل العلم. ثم ذكر أبو عيسى مثالًا آخر للغريب يختلف قليلًا عما سبق، رواه من طريق حمزة بن سَفِينة، عن السائب، عن عائشة، عن النبي ﷺ في فضل من تبع جنازة وصلَّى عليها، ثم تبعها حتى تدفن (٢). قال ابن رجب: (هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث عن النبي ﷺ معروفًا من رواية صحابي عنه من طريق أو طرق، ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر يستغرب من ذلك الوجه خاصة عنه … ). ثم قال: (وهذا الحديث مروي من وجوه متعددة عن عائشة، أنها صدّقت أبا هريرة بما حدث به عن النبي ﷺ : من هذا الحديث، وأما من حديث السائب بن يزيد عنها فلا يعرف إلا من هذا الوجه) (٣). قلت: وهذا نوع آخر من الغرابة التي تقع في الإسناد؛ ولذلك قال أبو عيسى بعد أن ذكر هذا الحديث: (وهذا حديث قد روي من غير وجه عن عائشة، عن النبي ﷺ ، وإنما يستغرب هذا الحديث لحال إسناده، لرواية السائب عن عائشة عن النبي ﷺ ) (٤). ويسمى مثل هذا النوع عند بعض أهل العلم بـ "الغريب النسبي" أيضًا.

стр. 1157

والفرق بين هذا النوع والذي قبله، هو أن الذي قبله لا يروى عن الصحابي الذي رواه إلا من وجه واحد، بخلاف هذا النوع فإن الحديث يروى من أوجه متعددة عن الصحابي، ولكن جاء من وجه آخر يستغرب بالنسبة للطرق الأخرى. ثم ختم أبو عيسى الكتاب بمثالٍ آخر للغريب، رواه من طريق المغيرة بن أبي قُرَّة السَّدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله، أَعْقِلُهَا وأتوكل، أو أُطْلِقُهَا وأتوكل؟ قال: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ". قال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: هذا عندي حديث منكر. قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أميه الضَّمْري عن النبي ﷺ نحو هذا) (١). قلت: هذا النوع من الغريب تقدم الكلام فيه، وهو غريب الإسناد، وهو الخبر الذي يُروى من أوجه، ولكن يُستغرب من أحدها؛ فيكون غير مشهور من هذه الطريق، ولكن هذا يزيد على ما تقدّم: شدة غرابته، ولذا حكم عليه بالنكارة، والله أعلم. ويلاحظ أن أبا عيسى أسهب في الكلام عن الغريب، وفي ذِكر أقسامه، كما فعل في كتابه "الجامع"، فقد أكثر جدًّا من الحكم على الأحاديث فيما يتعلق بالغرابة وبيان نوعها؛ وهل هي مطلقة أو من وجه خاص؟ أو غير ذلك من أنواع الغريب، وإذا كان الحديث ليس غريبًا بيّن أنه مشهور، وأنه مروي من غير وجه، وهذه هي طريقة كبار الحفاظ، وذلك أن غرابة الحديث أو شهرته لها تأثير على درجته من حيث القوة والضعف.

стр. 1158

وإذا حكم على حديثٍ بالغرابة فقط، دون أن يقرن الغرابة بالصحة أو الحسن، فإن هذا الحديث يكون غالبًا شديدَ الضعف كما تقدم بيانه. * * *

стр. 1159

الفصل الرابع عشر الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته تقدم الكلام على الحديث الغريب وعلاقته بصحة الخبر وضعفه، وفي هذا الفصل أريد أن أبين حقيقة "الغريب" عند الأئمة، وأنه ليس علة في حقيقته، وإنما هو قرينة على العلة، ولكن هذا ليس بلازم؛ ومن هنا لا يُردّ الغريب مطلقا ولا يقبل مطلقا، فمتن الحديث إذا كان في أمر مهم من أمور الشريعة، وكان الإسناد غريبًا مخرجه، خاصة إذا كان أحد رواته ليس بذاك في الحفظ والإتقان وسعة الرواية = غلب على الظن أن ثمة خطأ وقع فيه هذا الناقل؛ كأن يكون وصل مرسلًا، أو وقف مرفوعًا، أو دخل عليه إسناد في إسناد، وربما نقف على حقيقة الخطأ وربما لا نقف، فإن بانت لنا علّته فذاك، وإن لم نتبيّنها فالحديث يكون غريبًا قد يتوجَّب التوقفُ في قبوله، وهذه أمثلة على ذلك: - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن خالد أبي الهيثم المدائني. فقال أبي: جاءني سعيد البَرْذَعي فقال: حدثنا أبو مسعود بن الفرات، عن خالد، عن بكر بن مُضَر، عن راشد بن أبي سَكْنَة، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي … ". قال أبي: فأنكرتُ ذلك، وأنكره أبو زرعة، وجعلوا يقولون: هو غريب. فقلتُ: لم يَرو خالد عن بكر بن مُضَر شيئا. فقيل لأبي زرعة: مَن خالد هذا؟

стр. 1160

قال: لا أدري من هو! وأعلم أن الحديث منكر. فقلت أنا: هو خالد المدانني. فقيل لأبي زرعة، فقال: صدق، يشبه أن يكون من حديث خالد. ولم يكن أبو مسعود بيّن لهم من خالد هذا، لكي يحسبون أنه غريب) (١). قلت: فظهرت علّته، وذلك أن خالد المدائني متروك، قال البخاري: تركه عليّ والناس. وقال ابن راهويه: كان كذّابا. وقال الأزدي: أجمعوا على تركه. قال يحيى بن حسان: جاء المدائني فلزق أحاديث الليث؛ إذا كان عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالما، وإذا كان عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، فقلت له: اتّق الله، قال: ويجئ أحدٌ يعرف هذا؟ وقال مجاهد بن موسى: أتيت خالدا المدائني فقال: أيّ شيء تريد؟ قلت: حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، فأعطانيه، فجعلت أكتب على الولاء، وكنا أربعة، فقالوا لي: انتخب، فأبيت، فكتبته ثم أعطيته، فجعل يقرأ ويسند لي، فأقول: ليس ذا في الكتاب! فقال: اكتب كما أقول لك، فقلت: جزاك الله خيرا، وظننت أنه تركها عمدا حتى تبيّنت بعد ذلك (٢). وخالد المدائني كان من أهل الصرفة بالحديث، وكان مكثرًا، ولكنه لم يكن بأمين ولا صادق، فلذا كان يسوّي الأسانيد ويدخل فيها ما ليس منها، وهذا لا يتفطّن له إلا الجهابذة النّقاد، فمثلا: يكون الحديث معروفا
следующие страницы →