يستغرب عنه، بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه) (١).
قلت: هذا غريب من حيث الإسناد فقط كما قال أبو عيسى، وإنما يستغرب لحال الإسناد، وأما المتن فهو مشهور، فقد جاء من طرق أخرى، وهذا ما يسمى أيضًا بـ "الغريب النسبي" عند بعض أهل العلم.
ثم ذكر أبو عيسى مثالًا آخر للغريب يختلف قليلًا عما سبق، رواه من طريق حمزة بن سَفِينة، عن السائب، عن عائشة، عن النبي ﷺ في فضل من تبع جنازة وصلَّى عليها، ثم تبعها حتى تدفن (٢).
قال ابن رجب: (هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث عن النبي ﷺ معروفًا من رواية صحابي عنه من طريق أو طرق، ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر يستغرب من ذلك الوجه خاصة عنه … ).
ثم قال: (وهذا الحديث مروي من وجوه متعددة عن عائشة، أنها صدّقت أبا هريرة بما حدث به عن النبي ﷺ : من هذا الحديث، وأما من حديث السائب بن يزيد عنها فلا يعرف إلا من هذا الوجه) (٣).
قلت: وهذا نوع آخر من الغرابة التي تقع في الإسناد؛ ولذلك قال أبو عيسى بعد أن ذكر هذا الحديث: (وهذا حديث قد روي من غير وجه عن عائشة، عن النبي ﷺ ، وإنما يستغرب هذا الحديث لحال إسناده، لرواية السائب عن عائشة عن النبي ﷺ ) (٤).
ويسمى مثل هذا النوع عند بعض أهل العلم بـ "الغريب النسبي" أيضًا.
стр. 1157
والفرق بين هذا النوع والذي قبله، هو أن الذي قبله لا يروى عن الصحابي الذي رواه إلا من وجه واحد، بخلاف هذا النوع فإن الحديث يروى من أوجه متعددة عن الصحابي، ولكن جاء من وجه آخر يستغرب بالنسبة للطرق الأخرى.
ثم ختم أبو عيسى الكتاب بمثالٍ آخر للغريب، رواه من طريق المغيرة بن أبي قُرَّة السَّدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله، أَعْقِلُهَا وأتوكل، أو أُطْلِقُهَا وأتوكل؟ قال: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ".
قال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: هذا عندي حديث منكر.
قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أميه الضَّمْري عن النبي ﷺ نحو هذا) (١).
قلت: هذا النوع من الغريب تقدم الكلام فيه، وهو غريب الإسناد، وهو الخبر الذي يُروى من أوجه، ولكن يُستغرب من أحدها؛ فيكون غير مشهور من هذه الطريق، ولكن هذا يزيد على ما تقدّم: شدة غرابته، ولذا حكم عليه بالنكارة، والله أعلم.
ويلاحظ أن أبا عيسى أسهب في الكلام عن الغريب، وفي ذِكر أقسامه، كما فعل في كتابه "الجامع"، فقد أكثر جدًّا من الحكم على الأحاديث فيما يتعلق بالغرابة وبيان نوعها؛ وهل هي مطلقة أو من وجه خاص؟ أو غير ذلك من أنواع الغريب، وإذا كان الحديث ليس غريبًا بيّن أنه مشهور، وأنه مروي من غير وجه، وهذه هي طريقة كبار الحفاظ، وذلك أن غرابة الحديث أو شهرته لها تأثير على درجته من حيث القوة والضعف.
стр. 1158
وإذا حكم على حديثٍ بالغرابة فقط، دون أن يقرن الغرابة بالصحة أو الحسن، فإن هذا الحديث يكون غالبًا شديدَ الضعف كما تقدم بيانه.
* * *
стр. 1159
الفصل الرابع عشر الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته
تقدم الكلام على الحديث الغريب وعلاقته بصحة الخبر وضعفه، وفي هذا الفصل أريد أن أبين حقيقة "الغريب" عند الأئمة، وأنه ليس علة في حقيقته، وإنما هو قرينة على العلة، ولكن هذا ليس بلازم؛ ومن هنا لا يُردّ الغريب مطلقا ولا يقبل مطلقا، فمتن الحديث إذا كان في أمر مهم من أمور الشريعة، وكان الإسناد غريبًا مخرجه، خاصة إذا كان أحد رواته ليس بذاك في الحفظ والإتقان وسعة الرواية = غلب على الظن أن ثمة خطأ وقع فيه هذا الناقل؛ كأن يكون وصل مرسلًا، أو وقف مرفوعًا، أو دخل عليه إسناد في إسناد، وربما نقف على حقيقة الخطأ وربما لا نقف، فإن بانت لنا علّته فذاك، وإن لم نتبيّنها فالحديث يكون غريبًا قد يتوجَّب التوقفُ في قبوله، وهذه أمثلة على ذلك:
- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن خالد أبي الهيثم المدائني.
فقال أبي: جاءني سعيد البَرْذَعي فقال: حدثنا أبو مسعود بن الفرات، عن خالد، عن بكر بن مُضَر، عن راشد بن أبي سَكْنَة، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي … ".
قال أبي: فأنكرتُ ذلك، وأنكره أبو زرعة، وجعلوا يقولون: هو غريب.
فقلتُ: لم يَرو خالد عن بكر بن مُضَر شيئا.
فقيل لأبي زرعة: مَن خالد هذا؟
стр. 1160
قال: لا أدري من هو! وأعلم أن الحديث منكر.
فقلت أنا: هو خالد المدانني.
فقيل لأبي زرعة، فقال: صدق، يشبه أن يكون من حديث خالد.
ولم يكن أبو مسعود بيّن لهم من خالد هذا، لكي يحسبون أنه غريب) (١).
قلت: فظهرت علّته، وذلك أن خالد المدائني متروك، قال البخاري: تركه عليّ والناس.
وقال ابن راهويه: كان كذّابا.
وقال الأزدي: أجمعوا على تركه.
قال يحيى بن حسان: جاء المدائني فلزق أحاديث الليث؛ إذا كان عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالما، وإذا كان عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، فقلت له: اتّق الله، قال: ويجئ أحدٌ يعرف هذا؟
وقال مجاهد بن موسى: أتيت خالدا المدائني فقال: أيّ شيء تريد؟ قلت: حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، فأعطانيه، فجعلت أكتب على الولاء، وكنا أربعة، فقالوا لي: انتخب، فأبيت، فكتبته ثم أعطيته، فجعل يقرأ ويسند لي، فأقول: ليس ذا في الكتاب! فقال: اكتب كما أقول لك، فقلت: جزاك الله خيرا، وظننت أنه تركها عمدا حتى تبيّنت بعد ذلك (٢).
وخالد المدائني كان من أهل الصرفة بالحديث، وكان مكثرًا، ولكنه لم يكن بأمين ولا صادق، فلذا كان يسوّي الأسانيد ويدخل فيها ما ليس منها، وهذا لا يتفطّن له إلا الجهابذة النّقاد، فمثلا: يكون الحديث معروفا
стр. 1161
عن الزهري عن ابن عمر، فيدخِل بينهما سالم بن عمر؛ فيصبح الحديث عندئذ غريبا؛ لأنه قد اشتهر بغير ذكر سالم، وكذا يكون مشتهرًا عن الزهري عن عائشة، فيدخِل بينهما عروة؛ فيكون بذلك غريبا، فما فائدة ذلك عند خالد؟
الجواب: كي يُظنّ أن عنده من الحديث ما ليس عند غيره، وأنه تفرد عن أقرانه، فيقصده الرواة وطلاب الحديث، وذلك أنهم يريدون من رحلتهم وسماعهم على الشيوخ فوائد لا توجد عند عامتهم.
قال أحمد بن حنبل: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح) (١).
لذا كان لا ينتخب على الشيوخ إلا الحفاظ؛ حتى ينتخبوا لهم ما كان بهذه الصفة من الأخبار؛ لأن هؤلاء الرواة قد سمعوا وأكثروا من الرواية، فبعد ذلك إذا أتوا إلى الشيوخ فإنهم يريدون أشياء يستفيدونها لا توجد عند الآخرين.
- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه مروان الطَّاطَرِي، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس، عن النبي ﷺ : أنه توضأ وخلل لحيته، وقال: "بهذا أمرني ربي ".
فقال أبي: هذا غير محفوظ، وحدثنا أحمد بن يونس، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ .
стр. 1162
قال أبي: هذا الصحيح، وكنا نظن أن ذاك غريب، ثم تبيّن لنا علته: ترك من الإسناد نفْسين، وجعل موسى عن أنس) (١).
- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه زهير بن عباد، عن حفص بن ميسرة، عن ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "إن الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، كأنما ناصيته بيد شيطان".
قال أبي: هذا خطأ، كنا نظن أنه غريب، ثم تبين لنا علته.
قلت: وما علته؟
قال: حدثنا العباس بن يزيد العبدي وإياك، عن ابن عيينة، عن ابن عَجْلان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مليح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.
قال ابن عيينة: فقدِم علينا محمد بن عمرو، فأتيته فسألته، فحدثني عن مَلِيح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.
وقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عَجْلان، عن محمد بن عمرو، عن مِليح، عن أبي هريرة، موقوف.
قال أبي: فلو كان عند ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، لم يحدث عن محمد بن عمرو، عن مَلِيح، عن أبي هريرة) (٢).
- وقال: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سليمان الأَصْبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي في اليوم والليلة اثني عشر ركعة؟
فقال أبي: هذا خطأ، رواه سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن
стр. 1163
رافع، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبْسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ .
وقال أبي: كنت معجبا بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبَسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ ؛ فعلمت أن ذاك لزم الطريق) (١).
قلت: أي لزم الجادّة، فبانت علته.
- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين وعكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة … " الحديث.
قال أبو زرعة: رواه سليمان بن حرب وغير واحد من الثقات، عن حماد بن زيد - لم يذكروا ابن سيرين - عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وأحسب الوهم من ابن الطَّبَّاع.
قال أبي: رواه وهيب وابن علية وابن عيينة، فقالوا: عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولا يذكرون ابن سيرين.
قال أبي: إن كان حديث ابن الطَّبَّاع محفوظا فهو غريب) (٢).
قلت: مقصود أبي حاتم، أن هذا الحديث إن كان ابن الطَّبَّاع قد سمعه من حماد بن زيد فهو غريب؛ لأن الحديث قد اشتهر من غير ذكر ابن سيرين في الإسناد، فهنا علّته لم تظهر، وبالتالي قد يُرد بالغرابة دون بيان علته، وأما إذا كان ابن الطَّبَّاع لم يحفظه وإنما دخل عليه حديث في حديث مثلًا، فتكون عندئذ علته قد ظهرت، فلم يبق للتعليل بالغرابة وجه.
стр. 1164
- قال الطبراني: (حدثنا إسحاق بن جميل الأصبهاني، قال: نا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: نا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، عن عبد الله بن بديل الخُزَاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا تَقَاطعوا، ولا تَدَابروا، ولا تَبَاغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
هكذا رواه عبد الله بن بُدَيل بن وَرْقاء، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس.
ورواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وعن الزهري، عن أنس بن مالك، فإن كان عبد الله بن بديل حفظه، فهو حديث غريب، ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه) (١).
قلت: الصواب رواية الجماعة عن الزهري، خاصة أن عبد الله بن بُدَيل ليس من مشاهير أصحابه.
ووجه الشاهد هو قول الطبراني: (فإن كان عبد الله بن بديل حفظه فهو حديث غريب).
- وقال الطبراني: (حدثنا علي بن الحسين الصُّوفي البغدادي، قال: نا يوسف بن واضح، قال: نا قدامة بن شهاب، عن بُرْدِ بن سِنان، عن عَبدةَ بن أبي لُبابةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن الضَّبِّيِّ بن مَعبَد، أنه أَهلَّ بحج وعمرة، فذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ .
لم يَرو هذا الحديث عن بُرْدِ بن سِنَان، إلا قدامة بن شهاب.
وخالف بُرْد بن سِنَان سفيان بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة، رواه عن
стр. 1165
عبد الله بن أبي عامر، عن أبي وائل، عن الضَّبِّيّ، فإن كان بردّ حفظه فهو غريب عن زِرّ) (١).
قلت: يقال في هذا الحديث ما قيل في الذي قبله، وما يأتي من الأمثلة كذلك.
- وقال: (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خَيْثمة، قال: نا الفضل بن سهل الأعرج، قال: نا أبو الجَوَّاب، قال: نا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي جَميلَةَ، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شريك، تفرد به أبو الجَوَّاب، فإن كان أبو الجَوَّاب حفظه، فهو حديث غريب من حديث عطاء بن السائب؛ لأن الناس رووه عن شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، وعن ابن أبي جَمِيلَةَ، عن علي ﵁) (٢).
- وقال: (حدثنا محمد بن يحيى، ثنا القاسم بن دينار، نا حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا ابن جُدْعَان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلا كان يسب أبا بكر عند النبي ﷺ ، وأبو بكر ساكت، فلما سكت الرجل رد أبو بكر كلمة، فقام النبي ﷺ واتّبعه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، يسبني وأنت قاعد، فلما رددت - أو انتصرت، أو نحو هذا - قمتَ. قال: "إنه كان ملك يرد عليه، ويقول: كذبت، فلما تكلمت وقع الشيطان، فكرهت أن أجلس.
ثلاث يا أبا بكر كلّهن حق: ليس عبد يظلم بمظلمة فيغضي ابتغاء وجه الله، إلا أعز الله بها نصرة، وليس عبد يفتح باب عطية يبتغي وجه الله أو
стр. 1166
صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وليس عبد يفتح باب مسألة يبتغي بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة".
لم يَرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به القاسم بن دينار.
ورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة. فإن كان حسين الجعفي حفظه، فهو غريب من حديث علي بن زيد عن ابن المسيب) (١).
- وقال: (حدثنا محمد بن أبان، ثنا علي بن حسان العَطَّار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا قُرَّة بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لَقِيط بن صَبِرة، عن أبيه وافد بني المُنْتَفِق، أنه أتى عائشة هو وصاحب له يطلبان النبي ﷺ فلم يجداه …
لم يَرو هذا الحديث عن قُرَّة بن خالد إلا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسان، فإن كان علي بن حسان حفظه، فهو غريب من حديث قُرَّة بن خالد؛ لأن غير علي بن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير) (٢).
- وقال: (حدثنا أحمد بن محمد الجُمَحيّ المِصِّيصِيّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْنِي، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
غريب، لم يَرو هذه اللفظة "والنهار" عن العمري إلا الحُنَيْنِي) (٣).
- وقال: (حدثنا عثمان بن أحمد بن عثمان الدَّبَّاغ المصمري بمصر،
стр. 1167
حدثنا محمد بن عمرو بن نافع الطَّحَّان المُعَدَّل، حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلم على النبي ﵌ وهو يصلي، فكان يرد علينا قبل أن نخرج إلى أرض الحبشة، فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيت رسول الله ﵌، فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قرب وما بعد، فقلت: ما لي!؟ أحدثَ فيَّ حدثٌ أو نزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا يا ابن مسعود، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة".
هكذا روى الحديث عبد الغفار عن سفيان، فإن كان حفظه فهو غريب من حديث منصور.
ورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، وهو المحفوظ) (١).
- وقال: (حدثنا أحمد بن علي الجارُودي الأَصبهاني، ثنا محمد بن عيسى الزَّجَّاج، ثنا الحسين بن حفص، ثنا حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب، قال: كان لي على العاص بن وائل دين، وكنت رجلا قينا، فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فإنه سيكون لي مال وولد. قال: فأنزل الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] إلى ﴿فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠].
قال أبو القاسم: هكذا رواه حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل.
стр. 1168
ورواه الناس كما ذكرناه أولا عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب، فإن كان حماد بن شعيب ضبطه عن الأعمش فهو غريب من حديث أبي وائل) (١).
* * *
стр. 1169
الفصل الخامس عشر ذكر بعض الرواة الدين تُكلّم فيهم بسبب روايتهم للغرائب وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم
قال البخاري: (مسلم بن مريم، مولى لبني سليم، مدني، سمع علي بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، ومسلم هذا غريب الحديث، ليس له كبير حديث) (١).
وقال: (روى ربيعة بن سيف المَعَافِري الإسكندراني أحاديث لا يتابع عليه، نسبه هشام بن سعد، روى عنه مُفَضَّل بْن فَضالة، وسعيد بن أبي أيوب) (٢).
وقال: (روى رَوْح بن غُطَيف بن أبي سفيان الثقفي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "تُعاد الصلاة من قدر الدرهم"، وهذا لا يتابع عليه) (٣).
وقال: (وروى هلال عن أنس: حرم النبي ﷺ البُسْر والتمر، ولا يدخر شيء لغد. ولا يتابع عليه) (٤).
وقال: (صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، تركه سليمان بن حرب، منكر الحديث.
стр. 1170
روى عن سالم، عن أبيه، عن عمر رفعه: "من غَلَّ فأحرقوا متاعه"، لا يتابع عليه.
وقال النبي ﷺ في الغالّ: "صلوا على صاحبكم"، لم يحرق متاعه) (١).
وقال: (حدثنا محمد، قال: حدثني عمرو بن محمد، قال: حدثنا عمار بن محمد أبو يَقْظان، وكان أوثق من سيف ابن أخت سفيان الثوري.
وأما عمار بن سيف الضَّبِّي، فيروى عنه، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان في قُطْرَبُّل وصَرَاة، لا يتابع عليه، منكر ذاهب) (٢).
وقال: (كنية عباس بن الفَضْل أبو الفَضْل الأنصاري، نزل الموصل، عن القاسم بن عبد الرحمن.
قال أحمد: حديثه عن يونس وخالد وداود وشعبة صحيح، وأنكرت من حديثه عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أو جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال لي كعب: "يلي من ولدك رجل"، هو كذب. وكان من أصحاب شعبة.
يروي عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مغفل: كنا مع النبي ﷺ ، لا يتابع عليه، سمع منه الحسن بن بِشْر) (٣).
وقال: (محمد بن سلام الخزاعي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الذي يأتي البهيمة، والرجل يصبح في غضب الله، قاله دُحَيم عن ابن أبي الفُدَيك، قال: حدثني محمد، لا يتابع عليه) (٤).
стр. 1171
وقال: (محمد بن معاوية أبو علي النَّيْسابُوري، سكن بغداد، ثم سكن مكة فمات بها، سمع الليث، ومحمد بن سلمة، روى أحاديث لا يتابع عليها) (١).
وقال: (محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام بن الحارث الخَزْرَجي الأَنْصاري، نسبه الزبيدي.
وقال لي الحِزامِي: حدثنا محمد بن صَدَقة، سمع عثمان بن الضَّحَّاك بن عثمان، أخبرني محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جده: ليُدفننَّ عيسى بن مريم مع النبي ﷺ في بيته. قال محمد: هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه) (٢).
قلت: سيأتي بيان مذهب البخاري في الغرابة والتفرد، وأنه وسط بين طرفين، ومما يدل على اهتمامه بالغرابة والتفرد وأنها كثيرا ما تكون علّةً أمورٌ:
الأول: إكثاره من استعمال (منكر الحديث)، وذلك في كتابه "الضعفاء الصغير"، وهي أكثر عبارة أطلقها على الرواة في الحكم عليهم (٣)، سواء كانت منه أو نقلها عن غيره، وهذه العبارة من أشد العبارات عنده، وإن كان عنده ما هو أشد منها، والدليل على ذلك قوله: (منكر الحديث، لا
стр. 1172
يكتب حديثه)، (ما كان من حديثه مرفوع فهو منكر، وهو ضعيف جدا)، (تركوه، منكر الحديث) (١).
وجاء بأنه استعملها فيما دون ذلك، ولكن ذلك لم يثبت؛ كقوله: (يحيى بن صالح الشامي ثقة، وفي حديثه بعض المناكير) (٢). وقوله: (سهيل بن مهران أخو حزم القطعي البصري، عن ثابت، ليس بالقوي عندهم، روى عنه ابن عيينة، وهو سهيل بن أبي حزم، روى عنه هدبة بن خالد، منكر الحديث) (٣).
الثاني: إكثاره عند الحكم على الراوي من قوله: (لا يتابع عليه) (٤).
الثالث: إكثاره من قوله: (فيه نظر)، أو (بعض النظر). وهذه اللفظة يستعملها فيما يستنكره من الحكم على الرواة أو الأحاديث.
* * *
стр. 1173
الفصل السادس عشر: عسر الحكم بالغرابة
الناظر في منهج الأئمة في كتابة الحديث وتدوين السنة، لا يشك في حرصهم الشديد على تتبع الحديث ولقاء المحدثين، حتى جمعوا مئات الألوف من الأسانيد، سواء كانت مرفوعة أو موقوفة على الصحابة أو مقطوعة على من دونهم، فتجد الحديث الواحد يرويه الفئام من الناس، خاصة كلما تأخرت طبقة من رواة، فتجد أن بعض الأئمة يقولون عند الحكم على خبر ما: هذا الحديث لا يرويه إلا فلان، ولم يروه عنه إلا فلان. أو: هو من هذا الوجه غريب. أو: لم يروه إلا أهل البصرة، أو الشام، أو مصر.
ولا شك أن الحكم بهذا من الصعوبة بمكان، مع ملاحظة ما تقدم، وبهذا يعسر الحكم على الحديث بالغرابة والتفرد.
كما قال أبو داود: (سمعت أحمد سئل عن حديث سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي إلى أميال ميّلها مروان، من أيوب؟
قال أحمد: السختياني.
قيل له: إن سعيدا - يعني: ابن منصور - رواه عن أيوب بن موسى.
فأنكر ذلك أحمد أن يكون عن أيوب بن موسى، وقال: ما زلنا نسمع أنه غريب من حديث أيوب السختياني، لم يروه إلا سفيان. يعني ابن عيينة.
стр. 1174
قال أبو داود: رواه معمر، عن أيوب السختياني) (١).
قلت: الشاهد من هذا استدراك أبي داود على شيخه الإمام أحمد، مع سعة روايته وكثرة محفوظه.
والأمثلة على هذا كثيرة أكتفي منها بواحد:
قال الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢): (حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسته، ثنا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان في البدن مثل الطعام".
لم يَرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا أبو عوانة، تفرد به أبو كامل).
قلت: أخرجه ابن حبان (٣) من طريق أبي كامل به.
ولم ينفرد به أبو كامل كما قال الطبراني، فقد رواه الترمذي عن قتيبة، حدثنا أبو عوانة به. وقال: (حسن صحيح) (٤).
ولذا قال ابن حجر: (من مظان الأحاديث الأفراد "مسند أبي بكر البزار"، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط"، ثم الدارقطني في "كتاب الأفراد"، وهو ينبئ على اطّلاع بالغ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيرا، بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه.
وأعجب من ذلك، أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه، فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد.
стр. 1175
وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به؛ لاحتمال أن يريدوا شيئا من ذلك بإطلاقهم، والذي يرِد على الطبراني ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرِد على البزار؛ لأن البزار حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول: (لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان)، وأما غيره فيعبِّر بقوله: (لم يروه عن فلان إلا فلان)، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه، والله أعلم) (١).
قال عبد الله بن أحمد: (قلت لأبي: ابن الحِمَّاني حدث عنك، عن إسحاق الأَزْرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ : "أبردوا بالصلاة"؟
فقال: كذب، ما حدثته به.
فقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعته منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُلَيَّة.
فقال: كذب، إنما سمعته بعد ذلك من إسحاق الأَزْرق، وأنا لم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب، حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب - أو قال: هؤلاء الأحداث -) (٢).
قلت: فالإمام أحمد لم يكن يعلم بغرابته، حتى كثر السؤال عنه، فعلم أنه غريب.
فكما ترى هؤلاء الأئمة الذين جمعوا من الحديث ما لم يجمعه من أتى بعدهم، قد تخفى عليهم غرابة بعض الأحاديث.
стр. 1176
لذا، لا يُجزم بغرابة الحديث إلا بتنصيص الأئمة، فإذا نصَّ أحدٌ من الأئمة على ذلك ولم يُستدرك، أو تتابعوا عليه؛ فالأمر ظاهر.
فأما إذا اختلفوا فالأمر أصعب، فعندئذ يحتاج الناظر إلى التأني أكثر، فإن ترجّح له فذاك، وإلا فالتوقف خير.
وأما إذا لم نقف على تنصيص أحد من الأئمة، ولم نجد إلا هذا الإسناد، فهل نحكم بالغرابة؟
الأوْلى عدم الحكم؛ لكثرة الأسانيد، وغياب بعضها مما لم يصلنا؛ كـ "مسند علي بن المديني المعلل" ويعقوب بن شيبة، وغيرها، ولذا تجد الدارقطني في "العلل" يذكر طرقا ليست موجودة في الكتب التي بين أيدينا.
لكن إذا قامت القرائن على ذلك؛ كتتابع أصحاب الدواوين المشهورة على روايته على وجه معين، خاصة إذا كان هذا الوجه ضعيفًا، أو ليس في الدرجة العليا من الصحة، أو يُروى من طريق راوٍ معين عن إمام مشهور - كشعبة والثوري ومالك - ولم يذكروا طريقا سواه، أو يروونه بإسنادٍ رواتُه لم تشتهر رواية بعضهم عن البعض الآخر = فهذه قرائن تفيد أن هذا الخبر ليس له إلا هذه الطريق.
واعلم أن بعض المتأخرين قد يتعقّب بعض الأئمة في الغرابة، ولكن عند التأمل يتبين أن هذا المتعقِّب قد أخطأ، وذلك بأن تكون هذه المتابعة خطأ ولا أصل لها، ولذا لم يلتفت إليها الأئمة ولم يشيروا إليها، وهذا كثير.
قال الطبراني: (حدثنا أحمد، قال: نا علي بن حُجْر، قال: نا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي".
стр. 1177
لم يروه عن شريك إلا علي) (١).
قال الخطيب: (أخبرني ابن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى الحِيري، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثنا لُوَين محمد بن سليمان المِصِّيصِي، قال: حدثنا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي".
قال ابن نعيم سمعت محمد بن العباس الضَّبِّي، يذكر أن الغَسِيلي لما حدث بهَراة بهذا الحديث، شَنَّعوا عليه، وأنكروه، وقالوا: هذا حديث علي بن حُجْر) (٢).
قلت: الذي يظهر أن الغسيلي قد أخطأ في هذا الإسناد
نعم، قد يكون التعقب في محله، وذلك إذا تبين بالدليل الواضح أن هذه المتابعة صحيحة ولها أصل.
* * *
стр. 1178
الفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب
وهي خمسة:
١ - كتاب "الجامع" للترمذي، وهو أوسعها، وتقدم الكلام عنه.
٢ - "مسند البزار" المطبوع باسم "البحر الزخار"، وهو كتاب علل، وفيه كلام على الأحاديث وشرح لعللها، خاصة ربعه الأول، فإن التفصيل فيه أكثر.
٣ - معجما الطبراني "الأوسط" و"الصغير"، قال أحمد بن جعفر الفقيه: (سمعت أبا عبد الله بن حمدان وأبا الحسن المديني وغيرهما، يقولون: سمعنا الطبراني يقول: هذا الكتاب روحي. يعني "المعجم الأوسط") (١).
وهذه الكتب الثلاثة - "جامع الترمذي" و"مسند أبي بكر البزار" و"المعجم الأوسط" و"الصغير" لأبي القاسم الطبراني - هي أهم الكتب التي بين أيدينا الآن في الحديث عن الغريب.
ويتميز كتاب أبي عيسى عنهما بحكمه على الحديث من حيث الصحة والحسن أو الضعف، مع بيانه للغرابة، نعم يذكر البزار درجة الحديث، ولكن أحيانا فقط، أمّا الطبراني فقلَّما يبين حكم الحديث.
كما أن البزار والطبراني يتميزان عن الترمذي بذكر مَن المتفرد بهذا
стр. 1179
الحديث، ومن الذي تفرد بالرواية عنه، وهذا ما يفعله الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" على كل حديث خرّجه، وهذا لم يأت إلا لكونه قصد تخريج هذا النوع من الحديث.
كما أن البزار يتميز بذكر شهرة الحديث، ومن رواه، والتفصيل في ذلك، ويذكر ما إذا كان أهل بلد معين تفردوا به، وهذا في ربعه الأول دون باقيه.
٤ - كتاب "الغرائب والأفراد" لأبي الحسن الدارقطني، وهو كتاب عظيم في بابه، نفيس في محتواه، وهو أقرب شبها بكتاب الطبراني، لم توجد منه سوى أجزاء يسيرة، ولكن وجد ترتيبه لأبي الفضل ابن طاهر.
قال ابن طاهر في مقدمة "أطراف الغرائب والأفراد": (فإن أصحابنا قديما وحديثا استدلوا على معرفة الصحيح بما صنعه أبو مسعود الدمشقي ﵀ وغيره من أطراف "الصحيحين"، فاهتدوا بذلك إلى معرفته من غير مشقة وتعب، وأما الغريب والأفراد فلا يمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث، فمن جمع بين هذين الكتابين أمكنه الكلام على أكثر الصحيح والغريب والأفراد) (١).
٥ - كتاب "الحلية" لأبي نعيم؛ فإنه كثيرًا ما يذكر مع كل حديث شهرة الحديث أو غرابته، وكأنه سار في ذلك على طريقة شيخه الطبراني في تمييز الغريب من المشهور والاهتمام به، وقد يكون أيضًا استفاد من كلام البزار؛ وذلك لتشابه الكلام في بعض الأحيان.
ومنها كتاب "التفرد" لأبي داود، إلا أنه لم يصلنا (٢).
стр. 1180
ومنها كتب الفوائد، والأجزاء الحديثية، وغرائب راو معين؛ كـ "غرائب مالك" لابن المظفّر وغيرها.
ويلحق بها كتب التراجم، ومن أخصها الكتب التي عنيت بالضعفاء؛ كـ "الضعفاء" للعقيلي و"الكامل" لابن عدي، فمصنّفاهما استفادا كثيرًا من كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري، وخاصة العقيلي، فإنه قد يشرح أحيانًا كلام البخاري.
ومنها كذلك كتاب "المجروحين" لابن حبان، فربما ذكر بعض ما أنكر على الراوي، وبعض أفراده.
وكذلك فعل الذهبي في الرواة المشاهير في "تذكرته".
وهذا كَثُر عند المتأخرين - يعني من كان في طبقة الإمام أحمد ونحوها -، قال الإمام أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ) (١).
قال أبو بكر الخطيب - ذامًّا ما حصل من بعض محدثي زمانه من الاهتمام بالأحاديث الغريبة والمنكرة دون المشهورة -: (وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب على إرادتهم كَتْب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمةُ من المحدثين والأعلامُ من أسلافنا الماضين الماضون) (٢).
стр. 1181
قال أبو الفرج ابن رجب: (وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح؛ كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل "مسند" البزار، و"معاجم" الطبراني، أو "أفراد" الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير) (١).
* * *
стр. 1182
الفصل الثامن عشر: أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وذلك لأن الغرابة تُنزل من درجة الحديث
وهي على نوعين:
النوع الأول: ما توقف في تصحيحه وهو في "الصحيحين" أو أحدهما:
١ - قال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثًا.
وفي الباب عن عبد الله بن عباس.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب، وقد روى مالك، وابن عيينة، وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (١).
قلت: السبب في عدم تصحيحه، هو ما ذكره بعد ذلك من كون مالك وابن عيينة وغيرهما لم يذكروا هذا الحرف.
стр. 1183
ورواية خالد بن عبد الله خرجها الشيخان (١).
هذا وليعلم أن هذا الحرف جاء بخمسة ألفاظ:
الأول: ما تقدم من رواية خالد بن عبد الله الواسطي.
والثاني: رواية الجماعة ومنهم مالك (٢)، بلفظ: مضمض واستنثر ثلاثًا، وليس فيها من كف واحدة.
والثالث: مضمض واستنثر بثلاث غَرفات، وهي رواية وهيب عند البخاري ومسلم (٣).
والرابع: تمضمض واستنثر ثلاث مرات من غَرفة واحدة، وهي رواية سليمان بن بلال، أخرجها البخاري ومسلم (٤)، ولم يسق مسلم لفظها، وإنما رواها بعد رواية خالد وقال: (بنحوه).
والخامس: من لم يذكرها أصلا، وهي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، رواها البخاري (٥).
قلت: والتحقيق أن هذه الروايات ليس بينها اختلاف - إلا رواية سليمان بن بلال -، فالرسول ﷺ مضمض واستنثر ثلاثًا، ولم يُذكر أنه لم يفصل بينهما، كما أنه أيضًا لم يُذكر من كف واحدة، فبين خالد بن عبد الله أن هذا بكف واحدة، ومعنى ذلك أنه لم يَفصل بينهما، وخالد ثقة حافظ؛
стр. 1184
فتكون زيادته مقبولة، وتؤيدها رواية وهيب، فقال: بثلاث غَرفات. فإذا كان كذلك فمعناه أنه لم يفصل بين المضمضة والاستنشاق، لأنه لو فصل بينهما لكان ذلك بست غَرفات لا بثلاث، فتتفق مع رواية خالد بن عبد الله.
فلم يبق إلا رواية سليمان بن بلال، وهي التي تخالف باقي الروايات (١)، وذلك أن معنى روايته: أن المضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا، كل ذلك بغرفة واحدة (٢).
٢ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا.
حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر".
стр. 1185
قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.
والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة.
ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين) (١).
قلت: هذا حديث صحيح، وقد رواه جمعٌ عن ابن عباس كما ذكر أبو عيسى، فرواية جابر بن زيد أخرجها الشيخان (٢)، ورواية سعيد بن جابر وعبد الله بن شقيق أخرجهما مسلم (٣).
فهو خبر صحيح، بل ولا أعلم أن أحدا ضعفه، فلماذا لم يحكم عليه أبو عيسى بالصحة؟ بل لم يحكم عليه أصلا!
يبدو أن السبب في ذلك ما ذكره لاحقا، وهو أن العمل على خلافه، وهذا ما يتبين في قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة).
قلت: وحديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا سفر، بحمد الله ليس فيه إشكال، فقد بين راويه - وهو الحبر ابن عباس -
стр. 1186
معنى الحديث، فقال - عندما سئل عن عنه -: (أراد ألا يحرج أمته)، فإذا كان هناك حرج في أداء كل صلاة في وقتها فلا بأس حينئذ من الجمع بين الصلاتين؛ كالمرض والمطر ونحوهما من الأعذار، ولذا عمل به جمع من أهل العلم (١).
٣ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرا.
وفي الباب عن ابن عمر.
حديث أبي هريرة حديث حسن) (٢).
قلت: أخرجه البخاري ومسلم من طريق هشام بن حسان به (٣).
ولعل توقف الترمذي من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه (٤)، ولكن لا شك في رفعه؛ وذلك لأمور:
أ - أن ابن سيرين عرف بالوقف، وبأنه يتورع عن رفع الأحاديث.
ب - أنه جاء من أوجه أخرى مرفوعا.
ج - أنه لا يمكن أن يقول الراوي: (نهى أن يصلي الرجل مختصرا). إلا وعنده توقيف بذلك.
стр. 1187
٤ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: مكث النبي ﷺ بمكة ثلاث عشرة - يعني يوحى إليه -، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
وفي الباب عن عائشة، وأنس بن مالك، ودغفل بن حنظلة، ولا يصح لدغفل سماع من النبي ﷺ .
وحديث ابن عباس حديث حسن غريب من حديث عمرو بن دينار) (١).
قلت: أخرجه البخاري ومسلم، كلاهما من طريق روح بن عبادة به (٢).
ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، فلماذا لم يصححه الترمذي؟ هل من أجل غرابته من حديث عمرو بن دينار؟ أو لأنه قيل: إن عمرو لم يسمع هذا الخبر من ابن عباس؟
ويؤيده ما جاء في "مسند الإمام أحمد" (٣): (حدثنا روح، حدثنا زكريا، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن ابن عباس كان يقول: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة).
فهذا الإسناد يفيد أن عمرو بن دينار أخذه من عكرمة، وعكرمة ثقة مشهور، فالخبر صحيح.
٥ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمرو بن علقمة المكي، عن ابن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن جبريل، جاء بصورتها في خِرْقَةِ حَرِير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة".
стр. 1188
هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة.
وقد روى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث، عن عبد الله بن عمرو بن علقمة بهذا الإسناد مرسلا، ولم يذكر فيه عن عائشة.
وقد روى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ من هذا) (١).
قلت: أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (٢).
وسبب عدم تصحيحه له ما ذكره من أن ابن مهدي رواه فأرسله (٣).
٦ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في الجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنَط من الجنة أحد".
هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة) (٤).
قلت: هذا حديث صحيح.
أخرجه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن العلاء به (٥).
стр. 1189
وأخرجه البخاري عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بنحوه (١).
ولقد توقَّف المصنف في تصحيحه لأنه لا يعرفه إلا من حديث العلاء، وهو احتياطٌ بالغٌ منه، رغم أن السلسلة مشهورة جدا يصحح المصنف وغيره أحاديثها.
٧ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، قال: فأتيته بحُجْرين ورَوْثَة، فأخذ الحُجْرين، وألقى الروثة، وقال: "إنها رِكْسٌ".
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل.
وروى معمر، وعمار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله.
وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.
وهذا حديث فيه اضطراب) (٢).
قلت: حكم عليه بالاضطراب وهو في "صحيح البخاري" (٣)، وقد تكلمت عليه في موضعه من "الجامع".
стр. 1190
٨ - وقال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأنس، والسائب.
قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض، فقال: "صل قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب".
قال أبو عيسى: حدثنا بذلك هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.
لا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.
وقد روى أبو أسامة، وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس) (١).
قلت: أخرجه البخاري (٢)، ووجه تصحيح البخاري له أنه اعتبره حديثين.
وأما أبو عيسى فذهب إلى أنه حديث واحد؛ لأن الإسناد واحد، فلما وقع اختلاف في اللفظ ذهب إلى الترجيح، فرجح رواية الأكثر.
стр. 1191
٩ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزُّرَقِي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: "كيف قلت؟ "، قال: قلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا، أيهم يصعد بها".
وفي الباب عن أنس، ووائل بن حُجْر، وعامر بن ربيعة.
قال أبو عيسى: حديث رفاعة حديث حسن.
وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع؛ لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك) (١).
قلت: أخرجه البخاري (٢)، وكأن المصنف توقف في تصحيحه؛ لأنه لا يرى للشخص العاطس في الصلاة أن يزيد عن الحمد، وفي هذا الحديث زيادة على الحمد، ولذا حمله على التطوع.
١٠ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن مرزوق البصري، قال: حدثنا
стр. 1192
محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير. قال الأنصاري: يعني مما يلي من أموره.
هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري.
حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، نحوه، ولم يذكر فيه قول الأنصاري) (١).
قلت: أخرجه البخاري (٢).
وقد أخرج المصنف بهذه السلسلة حديث: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وقال: (حديث أنس حديث حسن صحيح غريب) (٣).
وقال في موضع آخر: (محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبو ثقة) (٤).
ولعل عدم تصحيح المصنف له أنه استغربه، فقال: (لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري).
وذكر العقيلي عبد الله بن المثنى الأنصاري - والد محمد - في "الضعفاء" (٥)، وقال: (لا يتابع على أكثر حديثه)، وأخرج هذا الحديث في ترجمته.
١١ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن دُرُسْتَ، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الناس يَتَحَرَّوْن
стр. 1193
بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صَوَاحِبَاتي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة إن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة، فقُولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس يهدون إليه أينما كان، فذكرتْ ذلك أم سلمة، فأعرض عنها، ثم عاد إليها فأعادت الكلام، فقالت: يا رسول الله، إن صوَاحِبَاتي قد ذكرن أن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، فَأْمُرِ الناس يهدون أينما كنت. فلما كانت الثالثة قالت ذلك. قال: "يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه ما أُنزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها".
وقد روى بعضهم هذا الحديث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا.
هذا حديث حسن غريب.
وقد روي عن هشام بن عروة هذا الحديث، عن عوف بن الحارث، عن رُمَيْثَةَ، عن أم سلمة، شيءٌ من هذا.
وهذا حديث قد روي عن هشام بن عروة فيه روايات مختلفة.
وقد روى سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، نحو حديث حماد بن زيد) (١).
قلت: أخرجه البخاري من طريق سليمان بن حرب وعبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبي، عن حماد بن زيد به، الأول مختصر والثاني مطول (٢).
وعدم تصحيحه له لما ذكره من الإختلاف الذي وقع فيه، وكونه جاء
стр. 1194
مرسلًا أيضًا، وهذا من احتياطه، وإلا فإن الحديث صحيح، خاصّةً وقد تابعه سليمان بن بلال كما ذكره الترمذي، وقد أخرجه البخاري (١).
وأما كونه جاء عن حماد مرسلا، فقد رواه جمعٌ عنه موصولا (٢).
وأما أوّل الحديث (كان الناس يتحرون بهداياهم … ) فهذا وإن كان من كلام عروة، ولكن جزما أنه أخذه من عائشة بدليل: (قالت: فاجتمعت صواحباتي)، فهذا مبني على الذي تقدم.
وأما الإختلاف الذي وقع على هشام فإنه لا يضر (٣).
١٢ - وقال: (حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلّت له الشفاعة يوم القيامة".
قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محمد بن المُنْكَدِر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (٤).
قلت: هذا الحديث تفرّد به شعيب، وعنه علي بن عيّاش، ورجاله كلهم من الثقات المشهورين، ولذا خرّجه البخاري في "صحيحه" (٥) عن علي بن عيّاش به.
стр. 1195
وفي رواية شعيب عن ابن المُنْكَدِر بعض الكلام، شرحناه في موضع آخر (١)، ولأجل غرابته توقف أبو عيسى في تصحيحه (٢).
١٣ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم من الجن".
وفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر.
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن النبي ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
وكأن رواية إسماعيل أصحّ من رواية حفص بن غياث.
والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم.
وفي الباب عن جابر، وابن عمر) (٣).
وأخرج رواية إسماعيل بن إبراهيم في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح) (٤).
قلت: هذا الحديث قد خرجه مسلم في "صحيحه" (٥)، وذكر