قال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ : "يا بلال أبرد، ثم أبرد".
فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد) (١).
٢ - وقوله في (باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجال ونساء): (والعمل عليه عند أهل العلم، قالوا: إذا كان مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما.
وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، قالوا: إن الصبي لم يكن له صلاة، وكان أنس خلف النبي ﷺ وحده (٢).
وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن النبي ﷺ أقامه مع اليتيم خلفه، فلولا أن النبي ﷺ جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه، ولأقامه عن يمينه.
وقد روي عن موسى بن أنس، عن أنس أنه صلى مع النبي ﷺ ، فأقامه عن يمينه.
وفي هذا الحديث دلالة أنه إنما صلى تطوعا أراد إدخال البركة عليهم) (٣).
٣ - قوله في باب ترك الوضوء من القُبلة -بعد أن ذكر حديث عائشة:
стр. 282
أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ-: (وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.
وقال مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.
وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة، عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد.
قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني، قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب ابن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
وقد روي عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ.
وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) (١).
стр. 283
ذكر بيان الترمذي للألفاظ الغريبة في الحديث
من الأمور التي اعتنى بها أبو عيسى في كتابه بيانُ معاني الألفاظ الغريبة في الأحاديث النبوية، وذلك إما من قبله، وإما من خلال النقل عن أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه".
ومعنى قوله: "لا يثوي عنده" يعني: الضيف لا يقيم عنده حتى يشتد على صاحب المنزل، والحرج هو الضيق، إنما قوله: "حتى يحرجه"، يقول: حتى يضيق عليه) (١).
٢ - وذكر حديث أبي هريرة في ساعة الاستجابة يوم الجمعة، وفيه أنه قال: فلقيت عبدالله بن سلام فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم بتلك الساعة، فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي … الخ، ثم قال: (ومعنى قوله أخبرني بها ولا تضنن بها علي: لا تبخل بها علي، والضن: البخل، والظنين: المتهم) (٢).
٣ - وذكر حديث ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا،
стр. 284
فأشهدك أني قد تصدقت به عنها. ثم قال: (ومعنى قوله: "إن لي مخرفا" يعني: بستانا) (١).
٤ - وقال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ ، قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: "الحمو الموت".
وفي الباب عن عمر، وجابر، وعمرو بن العاص.
حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح، وإنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان".
ومعنى قوله: الحمو، يقال: الحمو هو أخ الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها) (٢).
٥ - وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". ثم قال: (وتفسير حديث النبي ﷺ العجماء جرحها جبار، يقول: هدر لا دية فيه.
ومعنى قوله: العجماء جرحها جبار، فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار، يقول: إذا احتفر الرجل معدنا فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد في دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازا أدى منه الخمس إلى السلطان وما بقي فهو له) (٣).
стр. 285
٦ - وذكر حديث ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فجاض الناس جيضة، فقدمنا المدينة، فاختبأنا بها وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون، قال: "بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم". ثم قال: (ومعنى قوله: فجاض الناس جيضة، يعني: أنهم فروا من القتال، ومعنى قوله: "بل أنتم العكارون"، والعكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف) (١).
٧ - وذكر حديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منح منيحة لبن، أو ورق، أو هدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة". ثم قال: (ومعنى قوله: "من منح منيحة ورق" إنما يعني به: قرض الدراهم، قوله: "أو هدى زقاقا": يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل) (٢).
٨ - وذكر حديث عبدالله بن سرجس، قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكاَبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال". ثم قال: (ويروى "الحور بعد الكون" أيضًا، قال: ومعنى قوله: "الحور بعد الكون"، أو "الكور"، وكلاهما له وجه، يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر) (٣).
стр. 286
الفصل الثامن في منهج المؤلف في التمييز بين الصحيح والمعلول
عِلْمُ العِلَل من أهم علوم الحديث، وقد خصَّ الله هذه الأمة عن سائر الأمم بهذا العلم؛ لأنه فرعٌ من علم الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة.
ولقد بين علماء الحديث مكانة هذا العلم وأهميته، ومن ذلك:
قال عبدالرحمن بن مهدي: (لأن أعرف علةَ حديثٍ هو عندي أحبُ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي) (١).
وقال الحاكم: (وإنما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير، وقال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة) (٢).
وعقد الخطيب فصلا (في أن المعرفة بالحديث ليست تلقينا وإنما هو علم يحدثه الله في القلب) قال فيه: (أشبه الأشياء بعلم الحديث، معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدراهم بلون، ولا مس، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو
стр. 287
كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج والزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له والاعتناء به) (١).
وقال الحميدي: (ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: العلل، وأحسن كتاب صنف فيها كتاب الدارقطني، ومعرفة المؤتلف والمختلف، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، ووفيات الشيوخ وليس فيها كتاب، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير ابن ماكولا: رتبه على حروف المعجم بعد أن رتبته على السنين. قال أبو بكر ابن طرخان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات) (٢).
وقال ابن تيمية: (وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظٍ فإنهم أيضاً يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ويسمون هذا "علم علل الحديث" وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر كما عرفوا "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال وأنه صلى في البيت ركعتين" وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حرامًا؛ ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه "اعتمر أربع عمر" وعلموا أن قول ابن عمر: "إنه اعتمر في رجب" مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتع وهو اَمن في حجة الوداع وأن قول عثمان لعلي: "كنا يومئذ خائفين" مما وقع فيه الغلط، وأن ما وقع في بعض طرق البخاري "أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر" مما وقع فيه الغلط وهذا كثير.
стр. 288
والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط) (١).
وقال ابن رجب: (قد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم علل الحديث، وشرفه وعزته، وقلة أهله المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين) إلى أن قال: (وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظاً لسنة النبي ﷺ ، وصيانة لها، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعناً في غير الأحاديث المعللة، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله ﷺ حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به) (٢).
وقال ابن حجر: (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن
стр. 289
وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك) (١).
وقال أيضًا في نوع المعلّل: (وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، لا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم) (٢).
* * *
وقد اهتم أبو عيسى اهتمامًا كبيراً في كتابه "الجامع" ببيان علل الأخبار وشرحها، ونقله لكلام البخاري وغيره في التعليق على ذلك، لذا قال ابن طاهر الحافظ: (سمعت أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قلت: لم؟ قال: لأن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم) (٣).
ولهذا كانت تسمية كتابه بـ "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" اسمٌ منطبقٌ على مسماه.
فقد بيَّن كثيرًا من علل الأحاديث، أو فيما يتعلق بالغرابة، أو
стр. 290
الاختلاف في الإسناد، أو المتن، لذا أخذ هذا الجانب حيزاً كبيراً من كتابيه "الجامع"، و "العلل الكبير"، ولا يخفى أن جل الأخبار التي علّلها في "العلل الكبير" موجودة في كتابه "الجامع"، فهل "العلل" مأخوذ من "الجامع" أو هو تأليف مستقل؟ يظهر أنه كتاب مستقل، فقد يكون الترمذي ألف "الجامع" أولا، ثم أفرد الحديث المعلول منه، ويؤيد هذا أن في "العلل الكبير" أسانيد ليست موجودة في "الجامع"، وكذلك بعض التعليقات على الأحاديث، والله تعالى أعلم.
وأما "العلل الصغير" الذي كان ملحقاً بكتابه، ففيه أيضًا حديثٌ عن ذلك بذكر الغريب وأنواعه، وما يتعلق بالجرح والتعديل، وأنه مشروعٌ، بالإضافة إلى بيان منهجه في الكتاب، وأسانيده إلى من نقل عنهم.
وقد تميز أبو عيسى ﵀ بتمكنه من علم العلل، وبدقته في نقد الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في السواك: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ .
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة، إنما صح لأنه قد روي من غير وجه.
وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.
стр. 291
حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل" قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١).
قلت: خالف أبو عيسى شيخه البخاري في الترجيح بين هذين الطريقين، فذهب البخاري إلى ترجيح طريق زيد بن خالد، ووجه ذلك:
١ - أن الراوي عن أبي سلمة عن زيد بن خالد هو محمد بن إبراهيم التيمي، وهو أوثق من محمد بن عمرو الراوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
٢ - أن رواية أبي سلمة عن زيد بن خالد خلاف الجادة المشهورة في حديثه، فهو مكثر جدًا عن أبي هريرة كما هو معلوم، والأصل عند المحدثين أن من خالف الجادة يقدم على من سلكها.
٣ - أن طريق زيد بن خالد فيها قصة بخلاف طريق أبي هريرة، وهذه قرينة على أن الراوي قد حفظ ما رواه.
وأما وجه ما ذهب إليه أبو عيسى من تصحيح كلتا الطريقين: أن هذا الحديث جاء عن أبي هريرة من غير وجهٍ، وبعضها مخرج في "الصحيحين" (٢)، فدل هذا على أنه محفوظ أيضًا. وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.
стр. 292
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود: (حدثنا سلمة بن شبيب وعبدالله بن منير وأحمد بن إبراهيم الدورقي والحسن بن علي الحلواني وغير واحد، قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
وزاد الحسن بن علي في حديثه: قال يزيد بن هارون: ولم يَرو شريك، عن عاصم بن كليب، إلا هذا الحديث.
قال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدا رواه غير شريك.
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
وروى همام، عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر.
باب آخر (١)
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبدالله بن نافع، عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
стр. 293
وعبدالله بن سعيد المقبري ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) (١).
قلت: بين أبو عيسى في هذين البابين ضعف جميع الأحاديث الواردة في ذلك، وأنه لا يصح فيه شيء مرفوع، ولكنه يرى النزول على الركبتين أرجح؛ وذلك لأنه حكم على حديث وائل بن حجر بأنه: غريب حسن- وفي بعض النسخ: حسن غريب (٢) -، بخلاف حديث أبي هريرة فإنه قال عنه: غريب، فحديث وائل أقوى عنده إذًا من حديث أبي هريرة، لذا قال عن حديث وائل: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم).
وكلام أبي عيسى كافٍ في هذه المسألة، سواء من الناحية الحديثية أو الفقهية، إلا أن بعض أهل العلم لم يتبين له الحقّ في هذا الباب، فصحح حديث أبي هريرة، وهو حديث منكر، كما قال حمزة الكناني (٣)، وهو مقتضى كلام البخاري: (لم يتابع عليه) (٤). وهو ما نص عليه أبو عيسى بقوله: حديث غريب. وقد بسطت الكلام عليه في موضعه.
٣ - وقال أيضًا في باب القراءة في العيدين: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما.
стр. 294
وفي الباب عن أبي واقد، وسمرة بن جندب، وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح.
وهكذا روى سفيان الثوري ومسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، مثل حديث أبي عوانة.
وأما سفيان بن عيينة فيُختلف عليه في الرواية:
يروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير.
ولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه.
وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث.
وقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر نحو رواية هؤلاء) (١).
قلت: يظهر للناظر في كلام أبي عيسى دقته في نقد رواية ابن عيينة من أوجه أربعة:
الأول: بين أن رواية أبي عوانة هي الصحيحة، وأنه قد وافقه عليها الثوري ومسعر، وهما مَن هما في الحفظ والإتقان!.
الثاني: أن ابن عيينة قد اختُلف عليه، وهذا من قرائن التضعيف.
الثالث: أنه وقع في روايته: (حبيب بن سالم عن أبيه)، فبين أبو عيسى أنه لا يعرف لحبيبٍ روايةٌ عن أبيه أصلا، وإنما هو يروي عن النعمان مباشرة.
стр. 295
رابعا: أنه قد جاء عن ابن عيينة رواية أخرى موافقة لرواية الجماعة.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ.
قال أبو عيسى: حدَّثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة.
وفي الباب عن أبي سعيد.
قال أبو عيسى: حديث صفوان رواه معمر وغيره، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ . وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية) (١).
قلت: قدّم أبو عيسى رواية معمر عن الزهري في هذا الخبر؛ وذلك لأنه قد توبع عليها، مع أن رواية يونس وقعت عند مسلم (٢) وأبي عوانة (٣) مثل رواية معمر: أن صفوان، ولكن في "تحفة الأشراف" (٤) عندما ذكر رواية يونس التي خرّجها مسلم قال: عن صفوان.
وهذا قد يكون بسبب أن هذا الحديث قد حدث به مذاكرة.
وفي هذا أيضًا أن أبا عيسى فرَّق ما بين: (عن صفوان) و (أن صفوان). وهذا من دقته، ولا يخفى أن بينهما فرقا (٥)، مع أن قوله: أن
стр. 296
صفوان قال، يفيد الاتصال إذا كان أصل السماع ثابتا، ولكن قوله: عن، أقوى في ذلك.
كما أن في قوله: (حدثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة) دليلًا على دقته وأمانته.
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أحصوا هلال شعبان لرمضان".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة (١) لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية، والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تتقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين".
وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، (٢) نحو حديث محمد بن عمرو الليثي) (٣).
قلت: هذا الحديث تفرد به أبو معاوية، كما قال أبو عيسى، وقد جاءت متابعة له من قبل يحيى بن راشد، ولكن يحيى قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف، في حديثه إنكار، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب. وقال أبو زرعة: شيخ لين الحديث (٤).
وهذا اللفظ الثاني منه: "لا تتقدموا شهر رمضان … "، قد رواه عبد
стр. 297
العزيز بن محمد الدراوردي، كما أخرجه الشافعي (١)، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، كما أخرجه أحمد (٢)، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به.
ورواية عبدالعزيز الدراوردي مطولة.
وجاء أيضًا من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة كما في "مستخرج الطوسي" (٣)، ومن طريق الفضل بن موسى عنده أيضًا (٤)، ومن طريق هشام وسليمان بن بلال وعبدالوهاب عند الطحاوي مفرقين (٥)، ومن طريق يزيد بن هارون عند ابن حبان (٦)، كلهم عن محمد بن عمرو به.
وأخرجه الشيخان (٧) وغيرهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هكذا.
فتبين أن أبا معاوية خالف الجماعة باللفظ الذي رواه به، والذي يظهر أنه رواه بالمعنى ولم يضبط لفظه.
٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (حدثنا محمد بن طريف الكوفي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبدالله قال: رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟، قال: "نعم، ولك أجر".
стр. 298
وفي الباب عن ابن عباس.
حديث جابر حديث غريب) (١).
قلت: ظاهر هذا الحديث الصحة، ومع ذلك لم يصححه أبو عيسى، والسبب في ذلك أنه خبر معلول، وشرح ذلك:
قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه قزعة بن سويد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في المسير بعرفة، فأخرجت امرأة أعرابية رأسها من هودج، ومعها صبي، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر".
قال أبي: قال ابن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت ابن المنكدر، عن كريب، عن ابن عباس … هذا الحديث) (٢).
وأخرجه الحميدي عن سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس به، فذكره.
ثم قال: (قال سفيان: وكان ابن المنكدر حدثناه أولا مرسلًا، فقيل لي: إنما سمعه من إبراهيم، فأتيت إبراهيم فسألته عنه فحدثني به، وقال: حدثت به ابن المنكدر فحج بأهله كلهم) (٣).
قلت: يتبين مما تقدم علة هذا الحديث، فهو ليس بصحيح من حديث جابر، وإنما يصح من حديث ابن عباس، وابن عيينة ثقة حافظ، ولا شك أنه مقدم على محمد بن سوقة؛ لأنه وإن كان ثقة ومن أفضل الناس بالكوفة في زمانه، ولكن لم يكن بالمتقن الضابط، بل كان له بعض الأوهام والغرائب.
стр. 299
وأما عن متابعة قزعة بن سويد له، فقزعة لا يحتج به (١)؛ لأن فيه بعض الضعف، وقد سلكا - أعني ابن سوقة وقزعة - الجادة في هذا الحديث، فظنا أنه عن جابر، وابن المنكدر مشهور بالرواية عن جابر، فالصواب أنه مرسل، لذا لم يصححه أبو عيسى، بل ضعفه عندما حكم عليه بـ "غريب".
٧ - وقال أيضًا في باب ما يقول في الصلاة على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا هقل بن زياد، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا".
قال يحيى: وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل ذلك، وزاد فيه: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفَّيته منا فتوفَّه على الإيمان".
وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعائشة، وأبي قتادة، وجابر، وعوف بن مالك.
قال أبو عيسى: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح.
وروى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسل، وروى عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى.
стр. 300
وروي عن يحيى بن أبي كثير (١)، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
قال أبو عيسى: وسمعت محمدا يقول: أصح الروايات في هذا: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه.
قال: وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي، فلم يعرفه) (٢).
وقال ابن الجنيد: (قلت ليحيى بن معين: حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الصلاة على الميت. ويقول يحيى أيضًا في الصلاة: عن أبي إبراهيم الأنصاري، عن أبيه، فأي الحديثين أصح؟
قال: قد رواهما جميعًا. قلت: يقولون: إن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة؟ قال: لا) (٣).
وقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه صلى على جنازة، فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا" (٤).
стр. 301
قال أبي: رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل) (١).
وقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن ذكوان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا".
قال أبي: هذا خطأ؛ الحفاظ لا يقولون: أبو هريرة؛ إنما يقولون: أبو سلمة، أن النبي ﷺ ) (٢).
وقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي إبراهيم الأنصاري - رجل من بني عبد الأشهل - قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم، اغفر لأولنا وآخرنا، وحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا".
قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، عن النبي ﷺ بمثل هذا، وزاد فيه: "ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
قال أبي: أبو إبراهيم: هو مجهول، هو وأبوه.
قال أبو محمد: وتوهم بعض الناس أنه عبد الله بن أبي قتادة، وغلط؛ فإن أبا قتادة من بني سلمة، وأبو إبراهيم رجل من بني عبد الأشهل) (٣).
وسئل الدارقطني في "العلل" عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا
стр. 302
وشاهدنا وغائبنا … " الحديث، فقال: (اختلف على أبي سلمة، فرواه محمد بن إسحاق واختلف عنه؛
فرواه علي بن مسهر، ومحمد بن سلمة، وحماد بن سلمة، وإبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وخالفهم إسماعيل بن عياش، رواه عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة واختلف عنه؛
فرواه أيوب بن عتبة، وسعيد بن يوسف، وخالد بن يزيد الهدادي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وكذلك قال سويد أبو حاتم، عن صاحب له، عن يحيى.
ورواه الأوزاعي، عن يحيى واختلف عنه؛
فرواه سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزاد فيه ألفاظا لم يأت بها غيره، وهي قوله: إنه أتى القبر فحثى عليه ثلاثا، وكبر على الجنازة أربعا.
ووافقه محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، على الإسناد ولم يذكر هذه الألفاظ.
وخالفهم يحيى بن عبد الله الحراني، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، والمعافى بن عمران، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، والوليد بن مزيد، رووه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بالإسنادين جميعا.
وكذلك رواه هشام الدستوائي، عن يحيى بالإسنادين جميعا: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن يحيى عن أبي سلمة مرسلا.
стр. 303
ورواه محمد بن يعقوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، ولم يذكر حديثه عن أبي سلمة.
ورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂؛ عن النبي ﷺ .
وقال شيبان: عن يحيى، عن المهاجر بن عكرمة، عن أبي هريرة.
وقال همام: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
والصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسل.
ورواه إسرائيل، عن محمد بن عبد الرحمن - ولم ينسبه أكثر من هذا -، ثم قال: عن رجل أراه أبو سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه ابن أبي ليلى، فقال هشيم عنه: أخبرني رجل من أهل مكة، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ .
وقال عقبة بن خالد: حدثنا ابن أبي ليلى، عن ابن يحيى أو أبي يحيى، عن أبي سلمة، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يقول.
وخالفهم محمد بن عمرو بن علقمة، فرواه عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام موقوفا) (١).
وقال البيهقي: (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم رجل من بني عبد
стр. 304
الأشهل، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا". قال الأوزاعي: وحدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بهذا الحديث، قال: "ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وأنبأ أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله السوسي، قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا سعيد بن عثمان التنوخي، ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، فذكر الحديث بالإسنادين جميعا مثله، إلا أنه قال في أوله: "اللهم اغفر له ولنا وآخرنا وحينا وميتنا".
هذا هو الصحيح، حديث أبي إبراهيم الأشهلي موصول، وحديث أبي سلمة مرسل، رواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا، ورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، بإسناده عن أبي هريرة موصولًا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا الحكم بن موسى، ثنا هقل بن زياد، عن الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وأخبرنا أبو علي الروذباري، قال: حدثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا موسى بن مروان الرقي، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، فذكره بنحوه موصولا، إلا أنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، وذكر
стр. 305
لفظ الإيمان في أوله والإسلام في آخره، وزاد "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده".
ورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ على الميت؟ قالت: كان يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وغائبنا وشاهدنا، وصغيرنا وكبيرنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
ورواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة بزيادته دون ذكر أبي هريرة.
أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا هشام بن علي، حدثنا ابن رجاء، عن همام، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أنه شهد النبي ﷺ صلى على ميت قال: فسمعته يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا"، قال: وقال أبو سلمة مع هذا الكلام "من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وروي عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول في الصلاة على الجنازة فذكر معناه. أخبرناه أبو أحمد الحسين بن عَلُّوسا الأسداباذي، ثنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي البزاز، أخبرني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري،
стр. 306
أنبأ أبو عمر الضرير حفص بن عمر، أنبأ حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، فذكره بمعناه.
وقال أبو عيسى الترمذي - فيما بلغني عنه -: سألت محمدا - يعني: البخاري - عن هذا الباب، فقلت: أي الروايات عن يحيى بن أبي كثير أصحّ في الصلاة على الميت؟ فقال: أصح شيء فيه حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، ولوالده صحبة، ولم يعرف اسم أبي إبراهيم، قال أبو عيسى: قلت له: فالذي يقال: هو عبد الله بن أبي قتادة، فأنكر أن يكون هو عبد الله بن أبي قتادة، وقال: أبو قتادة هو سلمي، وهذا أشهلي، قال محمد: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة، في هذا الباب غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك) (١).
قلت: الكلام في هذا الحديث طويل الذيل، وذلك لكثرة الأوجه وتعدد الاختلاف فيه، والله أسأل الإعانة والتوفيق على الكلام عليها وجهًا وجهًا، طريقا طريقًا، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
الوجه الأول: طريق يحيى عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه.
هذه الطريق لم يقع فيها اختلاف على يحيى، فقد رواها جمع من أصحابه؛ منهم هشام الدستوائي (٢)، والأوزاعي (٣)، وأبان بن يزيد العطار (٤)، وحرب بن شداد (٥)، ومحمد بن يعقوب (٦).
стр. 307
فهذا الوجه صحيح عن يحيى بن أبي كثير، كما نص على هذا يحيى بن معين، والبخاري، والترمذي، والدارقطني، وقد تقدم فيه كلامهم.
هذا، وقد وقع التصريح بسماع يحيى بن أبي كثير من أبي إبراهيم، كما في رواية عفان، عن أبان عنه (١)، وفي رواية هقل بن زياد، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، عن الأوزاعي (٢) عنه.
ووقع أيضًا التصريح بسماع أبي إبراهيم من أبيه، كما في رواية يحيى بن سعيد عند أحمد (٣)، ورواية عبد الصمد عند أحمد أيضًا (٤)، كلاهما عن هشام الدستوائي.
وفي رواية بشر بن بكر، عن الأوزاعي عند الطحاوي (٥)، وفي رواية الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي أيضًا عند البيهقي (٦).
وقد صرح أبوه بسماع هذا الخبر عن رسول الله ﷺ ، كما في رواية يحيى بن سعيد، وعبد الصمد، عن هشام. وأيضًا في رواية يزيد بن زريع، عن هشام، عند الطحاوي (٧).
وأيضًا في رواية الوليد بن مزيد، وبشر بن بكر (٨)، عن الأوزاعي.
стр. 308
وفي رواية حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير في الثلاثة كلها، كما في "الدعاء" للطبراني (١).
كما أن هناك روايات عن الأوزاعي فيها تصريح بالسماع من غير من ذُكر.
وكما في رواية حجاج بن نصير، عن هشام، في الموضع الثاني والثالث (٢)، ولكنه ضعيف.
فتبين مما تقدم أن والد أبي إبراهيم صحابي، وهذا ما نص عليه البخاري فيما ذكره البيهقي، وهذا مقتضى صنيع الترمذي؛ لأنه صحح حديثه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: (أبو إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة) (٣).
وهذا أيضًا مقتضى صنيع ابن أبي عاصم، لكنه قال: (أبو أبي إبراهيم الأنصاري، واسمه عبد الله بن أبي قتادة ﵁) (٤).
وكذا أبو نعيم (٥).
وأما قول أبي حاتم عنه: (مجهول) (٦)، وفي موضع: (لا يدرى من هو) (٧)، فهذا لا ينافي ما تقدم؛ لأن ابنه غير معروف - كما سوف يأتي - فكذا الأب، ومن المعلوم أن هذا لا يضر من كان صحابيًا؛ لأنهم كلهم عدول.
стр. 309
ولكنْ في الإسناد إلى والد أبي إبراهيم ضعفٌ، وذلك أن ابنه أبا إبراهيم ليس بالمشهور، ولم يَرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، ولا يعرف إلا بهذا الخبر، وخبرٍ آخر جاء أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عنه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية، غير عثمان بن عفان وأبي قتادة، فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاث مرار، وللمقصرين مرةً (١).
فهل تثبت الصحبة بمثل هذا؟
قلت: الأقرب أن الصحبة تثبت به، وذلك لأمور:
أولًا: استقامة كلا الخبرين اللذيْن رواهما أبو إبراهيم، فالحديث الأول إن لم يكن ثابتًا بذاته فهو صحيح بغيره؛ لأنه جاء من طرق، وسوف يأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وأما الثاني: فأصله ثابت في "الصحيحين" (٢) وغيرهما، وهو الدعاء للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرةً.
стр. 310
ويؤيد هذا أيضًا، أنه قد جاء من أوجه أخرى أن لأبي قتادة جُمَّةً، فأمره أن يكرمها (١).
وقد جاء ما يشهد لذلك أيضًا، ففي ترجمة أبي قتادة عند الذهبي، قال: (أيوب، عن محمد، أن النبي ﷺ أرسل إلى أبي قتادة، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل. فقال: "احلقوا رأسه". فجاء، فقال: يا رسول الله، دعني هذه المرة، فوالله لأعتبنك، فكان أول ما لقي قتل رأس المشركين مسعدة.
معن القزاز: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن سيرين: أن رسول الله ﷺ رأى أبا قتادة يصلي ويتقي شعره، فأراد أن يجزه، فقال: يا رسول الله، إن تركته لأرضينك. فتركه، فأغار مسعدة الفزاري على سرح أهل المدينة، فركب أبو قتادة فقتله، وغشاه ببردته) (٢).
فهذا يقوي الخبر السابق.
ثانيًا: بناء على ما تقدم أن أبا إبراهيم روى خبريْن جاء ما يشهد لهما، فدل هذا على قوته.
стр. 311
ثالثًا: ليس في الإسناد ما يحتاج النظر إليه في إثبات صحبة والد أبي إبراهيم، إلا ابنه، وقد تقدم ما يدل على قوته.
رابعًا: ما تقدم من كلام الحفاظ من الحكم بصحبته.
أما الوجه الثاني في هذا الحديث: فرواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وهمام وعلي بن المبارك (١)، عن يحيى، عن أبي سلمة مرسلًا.
ورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق والوليد بن مسلم ومحمد بن كثير، أربعتهم عن الأوزاعي، ورواه أيوب بن عتبة (٢)، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير موصولًا (٣).
قلت: والكلام في هذا الوجه يطول، وذلك لأن هناك اختلافات أخرى، سبقت في كلام الدارقطني في "العلل".
ويكفينا ما ذهب إليه البخاري، وأبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، فقد قال البخاري - كما عند البيهقي -: (وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ).
وأما أبو حاتم فقال: (لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسلٌ) (٤).
وقال الدارقطني: (والصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسلٌ) (٥).
والبيهقي، تقدم كلامه.
стр. 312
وأما رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فقد قال أبو حاتم: (رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل).
وما تقدم من كلام البخاري والبيهقي، وأن الصواب في رواية أبي سلمة الإرسال، يدخل تحته رواية محمد بن إسحاق.
الوجه الثالث: رواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (١).
قلت: اختلف في هذا الوجه هل هو محفوظ كما ذهب إلى هذا يحيى بن معين - وقد تقدم كلامه -؟ أو ليس بمحفوظ - كما تقدم في كلام البخاري.
وقال الدارقطني: (وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، والصحيح حديث يحيى، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة، مرسلًا) (٢).
وهذا هو ظاهر صنيع البيهقي؛ لأنه نقل كلام البخاري المتقدم وأقره ولم يتعقبه بشيء.
وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأن همامًا قد تفرد بذلك عن باقي أصحاب يحيى بن أبي كثير، فلم يتابع على هذا الإسناد - وقد رواه عنه جمعٌ، كما تقدم -، خاصة أن هماما ليس مقدمًا جدًا في حديث يحيى بن أبي كثير،
стр. 313
نعم، لم يتكلم في روايته عنه كما تكلم في رواية عكرمة بن عمار، لذا خرّج البخاري ومسلم من طريقه عن يحيى.
الوجه الرابع: رواه عكرمة بن عمار (١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.
قلت: وهذا خطأ، كما نص عليه البخاري، والترمذي.
والخلاصة أن هذا الخبر صحيحٌ إما بذاته، وإما بغيره، والثاني هو الأقرب، وذلك أن طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه ليس فيها إلا جهالة أبي إبراهيم، فيصلح للاعتضاد ويتقوى بغيره، خاصةً أن يحيى قد وُصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: (إمام، لا يحدث إلا عن ثقة) (٢).
وقد تقدم لنا مجيء هذا الحديث من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، والطريق صحيحة إليه، وأبو سلمة من أوساط التابعين، وهو من كبار أهل العلم في زمانه، فيتقوّى مرسله بالوجه السابق، وبالتالي يكون الحديث محفوظًا، وقد تقدم أن أبا عيسى قد صحح هذا الخبر، كما أن البخاري قد قوّاه.
من هو أبو إبراهيم الأشهلي؟
تقدم أن أبا إبراهيم لم يُذكر إلا في هذا الحديث، وحديث آخر، ولم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، وعندما روى عنه لم يسمه، وإنما ذكره
стр. 314
بكنيته، فهل كان يعرفه؟ الظاهر ذلك، والدليل عليه: أنه نسبه أنصاريًا، ثم ذكر من أي الأنصار، فقال: الأشهلي. وقد ذُكر عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه قال: (ما أعلم أحدًا بعد الزهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبي كثير) (١)، كما أنه ذُكر أنه أقام بالمدينة عشر سنين (٢)، فعلى هذا يكون عالمًا بالمدينة وأهلها، فهذا كله قد يُقوّي أنه كان يعرف اسمه، إذًا لماذا لم يسمه؟ لعله دلّسه، وقد وُصف بذلك، قال العقيلي: (ذُكر بالتدليس) (٣). نعم، لم يُوصف بتدليس الشيوخ، ولكن هذا لا يمنع أنه كان يفعله في بعض الأحيان، والله تعالى أعلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة، وذلك أن هماما قد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وأن ابن أبي قتادة يكنى بأبي إبراهيم، فيحتمل أنه هو، ولكن البخاري ردّ ذلك، وقال بأن عبد الله بن أبي قتادة من بني سلمة، بينما أبو إبراهيم من بني عبد الأشهل، وذكر ذلك أيضًا ابن أبي حاتم.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك؛ بأن يحيى بن أبي كثير أخطأ في نسبته، أو تساهل، وهذا محتمل، أو لربما يكون دلّسه؛ قال همام بن يحيى العوذي: (كنا نحدث يحيى بن أبي كثير بالغداة، فإذا كان بالعشي قلبه عنّا. وفي رواية عنه: ما رأيت أصلب وجهًا من يحيى بن أبي كثير، كنا نحدثه بالغداة، فيروح بالعشي فيحدثناه) (٤).
فاحتمال التدليس في نسبته واردٌ أيضًا، خاصة إذا عُلم أنهما بنو عمومة، فكلاهما من الخزرج، والله تعالى أعلم.
٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الأطفال: (حدثنا
стр. 315
بشر بن آدم ابن ابنة أزهر السمان، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا أبي، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، رواه إسرائيل وغير واحد، عن سعيد بن عبيد الله) (١).
وأخرجه أبو داود في "سننه" (٢)، قال: (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة").
وأخرجه ابن ماجه، قال: (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني زياد بن جبير بن حية، سمع المغيرة بن شعبة، يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الراكب خلف الجنازة، والماشي منها حيث شاء") (٣).
وقال: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني عمي زياد بن جبير قال: حدثني أبي جبير بن حية، أنه سمع المغيرة بن شعبة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطفل يصلى عليه") (٤).
стр. 316
وأخرجه النسائي، قال: (أخبرني زياد بن أيوب، قال: حدثنا عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله - وهو الثقفي - وأخوه المغيرة، جميعا عن زياد بن جبير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه".
أخبرني أحمد بن بكار الحراني قال: حدثنا بشر بن السري، عن سعيد الثقفي، عن عمه زياد بن جبير بن حية عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (١).
وقال أيضًا: (أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله قال: سمعت زياد بن جبير يحدث عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (٢).
وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني، قال: (حدثنا أبو أمية سلم بن عصام، قال: ثنا بشر بن آدم … ) به، وقال: (لا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد) (٣).
وسئل عنه الدارقطني في "العلل" فقال: (يرويه زياد بن جبير، عن أبيه، واختلف عنه؛
فرواه سعيد بن عبيد الله الثقفي الجبيري، وأخوه المغيرة بن عبيد الله، عن زياد بن جبير مرفوعا.
стр. 317
ورواه يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، واختلف عنه؛
فرفعه عبد الله بن بكر المزني، عن يونس.
ورواه قبيصة، عن الثوري، عن يونس فشك في رفعه، ووقفه الباقون عن يونس، إلا أن ابن علية، وعنبسة بن عبد الواحد، قالا: عن يونس، وأهل زياد يرفعونه، قال يونس: وأما أنا فلا أحفظ رفعه) (١).
قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في الإسناد والمتن:
أما الاختلاف في الإسناد، ففي موضعين:
١ - في وقف هذا الحديث ورفعه، قال البيهقي: (فهذا حديث مشكوك في رفعه، وكان يونس بن عبيد يقفه عن زياد بن جبير، ثم يقول: وحدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ ) (٢).
٢ - في إسقاط رجل من الإسناد، وهو والد زياد، كما وقع في بعض الروايات.
أما الأمر الأول، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد أنه قال: (لا أحفظ رفعه).
قلت: والأقرب الرفع، وذلك أن سعيد بن عبيد الله وأخاه مغيرة قد رفعاه، لذا قال يونس بن عبيد: (وأحسب أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ )، فثبت رفع هذا الخبر.
ويؤكد ذلك أن يونس إنما قال: (لا أحفظ رفعه) فلم يجزم بوقفه.
وأما الأمر الثاني، وهو إسقاط والد زياد، فالأقرب ثبوته في الإسناد،
стр. 318
وذلك كما جاء في أكثر الروايات، خاصة في رواية ابن ماجه (١)، فإن فيها تصريحا بالسماع من المغيرة بن شعبة.
وأما الاختلاف في المتن، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد: "ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، ولم يأت ذلك في رواية سعيد وأخيه المغيرة.
والأقرب أن هذه الزيادة محفوظة؛ وذلك أن يونس بن عبيد من الثقات الأثبات.
وعلى هذا فإنه يصلى على السقْط، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، والمراد به ما نفخ فيه الروح.
قال ابن المنذر - بعد أن ساق هذا الحديث -: (وبه قال محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقال أحمد بن حنبل: إذا علم أنه ولد يغسل ويصلى عليه، وقال إسحاق: كل ما نفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنة في أصحاب النبي ﷺ في الصبي إذا سقط من بطن أمه ميتا بعد تمام خلقه ونفخ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرا، أنه يصلى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يبعث يوم القيامة نسمة تامة وقد كتب عليه الشقاء والسعادة، فلأي شيء يترك الصلاة عليه؟ وقد ذكر عن النبي ﷺ : "صلوا على أطفالكم"، رواه المغيرة بن شعبة) (٢).
وقال البغوي: (والسقط يصلى عليه إذا مات بعد أن استهل، واختلفوا فيه إذا مات قبل أن يستهل، فذهب قوم إلى أنه لا يصلى عليه، يروى ذلك عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وبه قال الزهري، وهو قول الثوري،
стр. 319
والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورفع بعضهم عن جابر، قال: "الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل"، والأصح أنه موقوف عليه.
وذهب قوم إلى أنه يصلّى عليه، يروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وهو قول أحمد، وإسحاق، لما يروى عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ ، قال: "السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
قال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، أما الصلاة، فإنه يصلى عليه، لأنه نسمة كتب عليه الشقاء والسعادة) (١).
وسوف أتحدث هنا - بمشيئة الله - عن منهج أبي عيسى الترمذي في تعليل الأخبار وتصحيحها من خلال الوجوه الآتية:
* * *
стр. 320
الوجه الأول: أنه يبدأ بما هو معلول أو خطأ أو ضعيف، ثم يذكر بعد ذلك الصحيح، أو يذكر ما هو صحيح ثم ما هو أصح منه.
قال ابن رجب ﵀: (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية) (١).
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.
حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت نحو رواية وكيع (٢).