← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأخرجه النسائي، قال: (أخبرني زياد بن أيوب، قال: حدثنا عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله - وهو الثقفي - وأخوه المغيرة، جميعا عن زياد بن جبير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه". أخبرني أحمد بن بكار الحراني قال: حدثنا بشر بن السري، عن سعيد الثقفي، عن عمه زياد بن جبير بن حية عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (١). وقال أيضًا: (أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله قال: سمعت زياد بن جبير يحدث عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (٢). وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني، قال: (حدثنا أبو أمية سلم بن عصام، قال: ثنا بشر بن آدم … ) به، وقال: (لا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد) (٣). وسئل عنه الدارقطني في "العلل" فقال: (يرويه زياد بن جبير، عن أبيه، واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن عبيد الله الثقفي الجبيري، وأخوه المغيرة بن عبيد الله، عن زياد بن جبير مرفوعا.

стр. 317

ورواه يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، واختلف عنه؛ فرفعه عبد الله بن بكر المزني، عن يونس. ورواه قبيصة، عن الثوري، عن يونس فشك في رفعه، ووقفه الباقون عن يونس، إلا أن ابن علية، وعنبسة بن عبد الواحد، قالا: عن يونس، وأهل زياد يرفعونه، قال يونس: وأما أنا فلا أحفظ رفعه) (١). قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في الإسناد والمتن: أما الاختلاف في الإسناد، ففي موضعين: ١ - في وقف هذا الحديث ورفعه، قال البيهقي: (فهذا حديث مشكوك في رفعه، وكان يونس بن عبيد يقفه عن زياد بن جبير، ثم يقول: وحدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ ) (٢). ٢ - في إسقاط رجل من الإسناد، وهو والد زياد، كما وقع في بعض الروايات. أما الأمر الأول، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد أنه قال: (لا أحفظ رفعه). قلت: والأقرب الرفع، وذلك أن سعيد بن عبيد الله وأخاه مغيرة قد رفعاه، لذا قال يونس بن عبيد: (وأحسب أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ )، فثبت رفع هذا الخبر. ويؤكد ذلك أن يونس إنما قال: (لا أحفظ رفعه) فلم يجزم بوقفه. وأما الأمر الثاني، وهو إسقاط والد زياد، فالأقرب ثبوته في الإسناد،

стр. 318

وذلك كما جاء في أكثر الروايات، خاصة في رواية ابن ماجه (١)، فإن فيها تصريحا بالسماع من المغيرة بن شعبة. وأما الاختلاف في المتن، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد: "ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، ولم يأت ذلك في رواية سعيد وأخيه المغيرة. والأقرب أن هذه الزيادة محفوظة؛ وذلك أن يونس بن عبيد من الثقات الأثبات. وعلى هذا فإنه يصلى على السقْط، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، والمراد به ما نفخ فيه الروح. قال ابن المنذر - بعد أن ساق هذا الحديث -: (وبه قال محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقال أحمد بن حنبل: إذا علم أنه ولد يغسل ويصلى عليه، وقال إسحاق: كل ما نفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنة في أصحاب النبي ﷺ في الصبي إذا سقط من بطن أمه ميتا بعد تمام خلقه ونفخ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرا، أنه يصلى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يبعث يوم القيامة نسمة تامة وقد كتب عليه الشقاء والسعادة، فلأي شيء يترك الصلاة عليه؟ وقد ذكر عن النبي ﷺ : "صلوا على أطفالكم"، رواه المغيرة بن شعبة) (٢). وقال البغوي: (والسقط يصلى عليه إذا مات بعد أن استهل، واختلفوا فيه إذا مات قبل أن يستهل، فذهب قوم إلى أنه لا يصلى عليه، يروى ذلك عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وبه قال الزهري، وهو قول الثوري،

стр. 319

والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورفع بعضهم عن جابر، قال: "الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل"، والأصح أنه موقوف عليه. وذهب قوم إلى أنه يصلّى عليه، يروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وهو قول أحمد، وإسحاق، لما يروى عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ ، قال: "السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". قال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، أما الصلاة، فإنه يصلى عليه، لأنه نسمة كتب عليه الشقاء والسعادة) (١). وسوف أتحدث هنا - بمشيئة الله - عن منهج أبي عيسى الترمذي في تعليل الأخبار وتصحيحها من خلال الوجوه الآتية: * * *

стр. 320

الوجه الأول: أنه يبدأ بما هو معلول أو خطأ أو ضعيف، ثم يذكر بعد ذلك الصحيح، أو يذكر ما هو صحيح ثم ما هو أصح منه. قال ابن رجب ﵀: (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية) (١). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم. قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم. حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت نحو رواية وكيع (٢).

стр. 321

وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي) (١). قلت: لا شك أن رواية وكيع أصح؛ لأنه أحفظ بكثير من شريك، فقدم أبو عيسى رواية شريك، وهي الغلط، ثم ذكر رواية وكيع وهي الصحيحة. ٢ - وقال أيضًا في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (٢)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس. وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابا لا على الوجوب. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحْدث. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٣). قلت: والقول في هذا مثل ما تقدم.

стр. 322

٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر. قال أبو عيسى: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله … حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قال يوم الخندق - وجعل يسب كفار قريش -، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ : "والله إن صليتها"، قال: فنزلنا بطحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: حديث جابر أصح بكثير، فقد خرجه الشيخان (٢)، ومع ذلك أخّره أبو عيسى وقدم عليه حديث ابن مسعود. ٤ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية

стр. 323

الفزاري، عن أبي يعفور، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، أن رجلا قال لابن مسعود: أي العمل أفضل؟ قال: سألت عنه رسول الله ﷺ ، فقال: "الصلاة على مواقيتها"، قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: "وبر الوالدين"، قلت: وماذا (١)؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد روى المسعودي وشعبة والشيباني وغير واحد، عن الوليد بن العيزار هذا الحديث) (٢). قلت: رواية أبي يعفور صحيحة كما قال أبو عيسى، وقد خرجها مسلم أيضًا (٣)، إلا أن رواية شعبة أصح؛ فقد خرجها الشيخان (٤). ٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة: (حدثنا محمود، قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم، قالوا: حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة". قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن. وقد رواه أبو إسحاق الهمداني، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي ﷺ مثل هذا) (٥). قلت: الإسناد الأول فيه زيد العمي، وهو لا يحتج به، لذا لم يصحح

стр. 324

أبو عيسى هذا الإسناد، وأما الثاني فرجاله ثقات، وهو صحيح؛ وبالتالي فهو أقوى من الأول. ويستفاد من صنيع أبي عيسى هذا: أن حكمه على حديثٍ ما هو حكمٌ على الإسناد الذي ساقه لهذا الحديث، وليس حكمًا على باقي أسانيده، مع التنبيه إلى أنه لا يلتزم ذلك دائمًا، كما سيأتي. ٦ - وقال أيضًا في باب في نشر الأصابع عند التكبير: (حدثنا قتيبة وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد (١) عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا. وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث. وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا. قال أبو عيسى: قال عبد الله (٢): وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ) (٣). قلت: ذكر الخطأ أولًا ثم بين بعده الصحيح.

стр. 325

٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة: (حدثنا محمد بن أبي معشر، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة". حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا محمد بن أبي معشر … مثله. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد روي عنه من غير وجه. وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه نجيح مولى بني هاشم، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس. قال محمد: وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى وأصح من حديث أبي معشر (١). حدثنا الحسن بن بكر المروزي، قال: حدثنا المعلى بن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٢). قلت: تبين مما تقدم أنه بدأ بالضعيف ثم بالصحيح. ٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى

стр. 326

المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذَود صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة". وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عمرو. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان وشعبة ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … نحو حديث عبد العزيز، عن عمرو بن يحيى. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح) (١). قلت: لا شك أن طريق سفيان وشعبة ومالك أصحّ، ومع ذلك قدم طريق الدراوردي، ولهذا نظائر في كتابه "الجامع"، يبدأ بالصحيح ثم يتبعه بما هو أصح. ٩ - وقال أيضًا في باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يزيد بن عياض، عن عاصم بن عمر بن قتادة (ح) وحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته". قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن، ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث، وحديث محمد بن إسحاق أصح) (٢). قلت: ذكر الضعيف أولًا، وفي إسناده يزيد بن عياض وهو متروكٌ، ثم ذكر ما هو أصح منه وأقوى وهو طريق ابن إسحاق.

стр. 327

١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء في رضا المصدق: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضا". حدثنا أبو عمار (١)، قال: حدثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه. قال أبو عيسى: حديث داود، عن الشعبي أصح من حديث مجالد، وقد ضعف مجالدا بعضُ أهل العلم، وهو كثير الغلط) (٢). قلت: الإسناد الثاني أقوى من الأول؛ فإن داود - وهو ابن أبي هند - أوثق من مجالد، وهو ابن سعيد؛ فإن فيه ضعفًا. ١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل الصائم إذا أكل عنده: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن مولاتها، عن النبي ﷺ قال: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة". قال أبو عيسى: وروى شعبة هذا الحديث، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ … نحوه. حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، عن حبيب بن زيد، قال: سمعت مولاة لنا يقال لها: ليلى تحدث، عن جدته أم عمارة ابنة كعب الأنصارية، أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت إليه طعاما، فقال: "كلي"، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا"، وربما قال: "حتى يشبعوا".

стр. 328

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث شريك. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن مولاة لهم يقال لها: ليلى، عن جدته أم عمارة بنت كعب، عن النبي ﷺ … نحوه، ولم يذكر فيه: "حتى يفرغوا" أو "يشبعوا". قال أبو عيسى: وأم عمارة هي جدة حبيب بن زيد الأنصاري) (١). قلت: قد ساق المصنف لهذا الخبر ثلاثة أسانيد، بدأها بالأضعف، وهو طريق شريك، ثم أتبعه بذكر ما هو أصح منه، وهو طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، وختمها بأصحها كلها، وهو طريق محمد بن جعفر، عن شعبة. ١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المسك للميت: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ سئل عن المسك؟ فقال: "هو أطيب طيبكم". حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود وشبابة، قالا: حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر … نحوه (٢).

стр. 329

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: هذا خبر صحيح سندًا ومستقيم متنًا، لذا صححه أبو عيسى، وصححه أيضًا مسلم بأن أخرجه في "صحيحه" (٢). ويلاحظ أن المصنف رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن شعبة به، وهذا الإسناد فيه سفيان بن وكيع وهو متكلَّم فيه كما هو معلوم، ثم رواه عن محمود بن غيلان عن أبي داود وشبابة، كلاهما عن شعبة به، وحكم عليه بأنه حسن صحيح، فالثاني هو الصحيح بخلاف الأول، كما بيّن أبو عيسى. وأحيانا يبدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك: قال في باب ما جاء في فضل من جهز غازيا: (حدثنا أبو زكريا يحيى بن درست، قال: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا". هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "من جهز غازيا في سبيل الله، أو خلفه في أهله فقد غزا". هذا حديث حسن (٣).

стр. 330

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبي ﷺ نحوه. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا". هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: في هذا الحديث بدأ أبو عيسى بالأصحّ، ثم ذكر بعده طريقا آخر دون الأول. وهذا أيضًا يفعله - في بعض الأحيان - في الرواة المختلف في أسمائهم، فقد يبدأ بالخطأ، ثم يذكر الصواب، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (وأبو هريرة اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهذا الأصح) (٢). ٢ - وقال أيضًا: (وأبو عطية: اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال: مالك بن عامر الهمداني، وابن عامر أصح) (٣). وربما بدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه

стр. 331

سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ما يذهب عني مَذمَّة الرضاع؟ فقال: "غرة عبد أو أمة". هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه. وهشام بن عروة يكنى أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد الله، وابن عمر) (١). ٢ - وقال ﵀: (وأبو المليح بن أسامة اسمه عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي) (٢). قلت: بدأ أبو عيسى بالراجح عنده فقال: (اسمه عامر)، ثم ذكر القول الآخر، وما رجحه قد رجحه الدارقطني أيضًا (٣). والأمثلة عديدة. * * *

стр. 332

الوجه الثاني: أنه غالبًا يشير إلى كل اختلاف يقع في الحديث. ومن الأمثلة على ذلك: قال ﵀ في باب في فضل التكبيرة الأولى: (حدثنا عقبة بن مكرم ونصر بن علي، قالا: حدثنا سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق". قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن أنس موقوفا، ولا أعلم أحدا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو. وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس بن مالك قوله. حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس قوله، ولم يرفعه. وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ نحو هذا. وهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل؛ عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك (١)) (٢). والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وهناك العديد منها منثور في أثناء هذا "المدخل". * * *

стр. 333

الوجه الثالث: اعتناؤه بنقل كلام النقاد في تعليل الأخبار والحكم عليها، وخاصة الإمام البخاري. من يطلع على كتاب أبي عيسى يلاحظ اعتناءه بنقل كلام الحفّاظ من شيوخه أو من شيوخ شيوخه - أو غيرهم - في الحكم على الحديث أو في بيان علته، أو في الحكم على أحد رواته، حتى أنه قلّ أن يخلو بابٌ من الكتاب من هذه النقولات، وخاصة فيما ينقله عن الإمام البخاري، حتى أصبحتْ كتبه هي المصدر الثاني بعد كتب الإمام البخاري في النقل عنه (١)، ولا يخفى أهمية ذلك، وخاصة في معرفة علة الخبر، وبهذا حفظ لنا ثروةً كبيرة، من كلامهم على الأحاديث والرواة. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء أن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين". قال أبو عيسى: وفي الباب عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر. حديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). وروى أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حُدِّثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، هذا الحديث.

стр. 334

قال أبو عيسى: وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح، عن عائشة. قال: وسمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح، عن عائشة في هذا) (١). قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلافٌ شديدٌ، يصعب معه الترجيح بين أوجُهه المختلفة، وهنا ذكر أبو عيسى أحكامًا متباينةً عن ثلاثة من كبار الحفاظ، والنظر فيها يساعد في الحكم على هذا الحديث ومعرفة الوجه الراجح. ٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في التأمين: (حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقال: "آمين"، ومدّ بها صوته. وفي الباب عن علي، وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن … ... وروى شعبة هذا الحديث، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: "آمين" وخفض بها صوته. قال أبو عيسى: سمعت محمدا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر

стр. 335

أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن. وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومد بها صوته. قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة، قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، نحو رواية سفيان. قال أبو عيسى: حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان، عن سلمة بن كهيل) (١). * * *

стр. 336

الوجه الرابع: أنه يحتاط كثيرًا في تصحيح الخبر وقبوله. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في فضل صوم يوم عرفة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله (١). وفي الباب عن أبي سعيد. قال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن، وقد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة، إلا بعرفة) (٢). ٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". وفي الباب عن علي، ومحمد بن صيفي، وسلمة بن الأكوع، وهند بن أسماء، وابن عباس، والربيع بنت مُعَوّذ ابن عفراء، وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه، وعبد الله بن الزبير. ذكروا عن رسول الله ﷺ أنه حثّ على صيام يوم عاشوراء. قال أبو عيسى: لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، إلا في حديث أبي قتادة. وبحديث أبي قتادة، يقول أحمد، وإسحاق) (٣).

стр. 337

٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم الدهر: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر"، أو "لم يصم ولم يفطر". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين، وأبي موسى. قال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (١). قلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقاتٌ، وقد حكم الإمام مسلم بصحته، فأخرجه في كتابه "الصحيح" (٢) - وساقه سوْقا واحدا، وفرقه أبو عيسى كما ترى -، وصححه ابن حبان (٣)، وقال البغوي بعد أن أخرجه: (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم) (٤). إذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ هل لقوله: (لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة)؟ لكنه ساقه دون هذه الجملة واكتفى بتحسينه أيضًا، وقد عُلِم من منهج أبي عيسى: أنه - في بعض الأحيان - إذا ساق الخبر دون موضع الإشكال فقد يصححه (٥)، ويجاب عن ذلك: بأن هذه اللفظة جزءٌ من الحديث، وهي موجودةٌ فيه من حيث الأصل.

стр. 338

وقد يكون توقف في تصحيحه لقول البخاري في عبد الله بن معبد: (لا يعرف له سماع من أبي قتادة) (١)، وهذا أقرب. ٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ : "يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، فإن صُلِّيت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك". وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت. قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن. وأبو عمران الجوني اسمه: عبد الملك بن حبيب) (٢). قلت: هذا حديث صحيح، وقد توبع جعفر بن سليمان عليه عند مسلم من قبل حماد بن زيد (٣)، كما أخرجه أيضًا من وجه آخر عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه (٤). وقد يكون تحسين المصنف للحديث دون تصحيحه لخصوص طريق جعفر بن سليمان فقط، فإنه ليس بالقوي كما هو معلوم (٥).

стр. 339

٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق: (حدثنا أبو عمار (١)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة نحر نسكه، ثم ناول الحالقَ شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فقال: "اقسمه بين الناس". حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام نحوه. هذا حديث حسن) (٢). قلت: أخرجه مسلم (٣) عن ابن أبي عمر به. وأخرجه قبله من حديث حفص بن غياث - في بعض الروايات عنه -، وعبد الأعلى بعكس رواية ابن عيينة: أن الشق الأيسر هو الذي أعطاه أبا طلحة. وأخرجه البخاري (٤) من طريق ابن عوْن، عن ابن سيرين به مختصرًا، ولفظه: (لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره) (٥).

стр. 340

فتبين مما تقدم أن هذا الحديث حديث صحيح، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد توبع ابن عيينة من قبل عبد الأعلى وحفص، كما أن هشاما توبع من قبل ابن عون، وإن كانت روايتهم مختصرة، لذا خرّجه الشيخان كما تقدم، فلا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى، هل للاختلاف الذي وقع فيه؟ وهو كما تقدم في التخريج. والله أعلم. ٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء في المسجد. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (١). قلت: لا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى؟ مع أنه حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢) من طريق الدراوردي به، وقد توبع الدراوردي، تابعه موسى بن عقبة كما عند مسلم (٣). كما أن عبد الواحد بن حمزة قد توبع أيضًا، تابعه صالح بن عجلان، ومحمد بن عبد الله بن عباد، كما عند أحمد (٤)، وأبي داود (٥). فلعله إنما حكم على الإسناد الذي ساقه فقط، بغض النظر عن الأسانيد الأخرى، وهذا الإسناد - أي: الذي ساقه - فيه عبد الواحد بن حمزة وهو ليس بالمشهور، ولا يصل إلى درجة الثقة، وإنما هو لا بأس به، ولم يذكر في ترجمته أنه روى عن أحد سوى عمه عباد بن عبد الله بن الزبير، وليس له عند مسلم والترمذي والنسائي سوى هذا الحديث. * * *

стр. 341

الوجه الخامس: أنه في بعض الأحيان قد يتوقف في تصحيح الحديث لأدنى اختلاف وقع فيه، مع ترجيحه لجانب الرفع أو الوصل مثلًا، وفي بعض الأحيان لا يلتفت إلى هذا الاختلاف إذا ترجح لديه أحد الأوجه، فيحكم بصحة الخبر. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وفي الباب عن ابن بحينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وابن عباس، وأنس. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن. وهكذا روى أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، ولم يرفعاه. والحديث المرفوع أصحّ عندنا. وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه؛ رواه عياش بن عباس القتباني المصري، عن أبي سلمة، عن

стр. 342

أبي هريرة، عن النبي ﷺ (١)) (٢). قلت: هذا الحديث صحيح مرفوع، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد رجح أبو عيسى الرفع كما تقدم، ومع أن الحديث قد خرّجه مسلم (٣)، فلم يصححه أبو عيسى وإنما اكتفى بتحسينه لأجل الخلاف الذي وقع فيه. ٢ - وقال ﵀ في باب ما جاء في وصال شعبان برمضان: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. وفي الباب عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن. وقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله. حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بذلك. وكذلك روى سالم أبو النضر وغير واحد، عن أبي سلمة، عن عائشة نحو رواية محمد بن عمرو) (٤).

стр. 343

قلت: حسّن أبو عيسى هذا الخبر مع أن رجاله من الثقات المشاهير؛ وذلك لكونه قد جاء أيضًا من طريق أبي سلمة عن عائشة، فهل هو اختلاف عن أبي سلمة أو أن الخبر في أصله حديثان؟ الصحيح الثاني، لذا عندما رواه في "الشمائل" (١) صحح كلا الطريقين، فقال: (حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. قال أبو عيسى: هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة عن أم سلمة. وروى هذا الحديث غير واحد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النّبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعا عن النّبي ﷺ ). ٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة". وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن سعد، وزيد بن خالد الجهني. قال أبو عيسى: حديث زيد بن ثابت حديث حسن. وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث:

стр. 344

فرواه موسى بن عقبة وإبراهيم بن أبي النضر، عن أبي النضر مرفوعًا، وأوقفه بعضهم، ورواه مالك بن أنس، عن أبي النضر ولم يرفعه، والحديث المرفوع أصح) (١). قلت: القول في هذا الحديث كالقول في الذي قبله، فمع أن الترمذي رجّح جانب الرفع - وهو ما ذهب إليه الشيخان حين أخرجاه في "صحيحيهما" (٢) - إلا أنه لم يصححه. ٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء: (حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، لم يُرْوَ (٣) حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (٤). قلت: مع تجويده لطريق أبي أسامة فإنه لم يصححه. ٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم

стр. 345

الخلاء فليبدأ بالخلاء: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، قال: أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه - وكان إمام قومه - وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء". وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وثوبان، وأبي أمامة. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح. هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم. وروى وهيب وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم) (١). قلت: هذا الحديث وإن كان قد وقع فيه اختلاف إلا أنه لا يضر، والصواب أن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم لأمرين: ١ - أن أكثر الرواة - ومنهم مالك - لم يذكروا واسطة بينهما. ٢ - أن عبد الرزاق رواه عن معمر والثوري، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كنا مع عبد الله بن الأرقم … الحديث. فهذا يدل على أنه سمع منه، لذا صححه أبو عيسى، ولم يلتفت إلى هذا الاختلاف. ٦ - وقال أيضًا: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال في صلاة الوسطى: "صلاة العصر" (٢).

стр. 346

وفي الباب عن علي، وعائشة، وحفصة، وأبي هريرة، وأبي هاشم بن عتبة. قال أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة حديث حسن (١)، وقد سمع منه. وقال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن (٢) … ... حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة، فسألته، فقال: سمعته من سمرة بن جندب. قال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن المديني، عن قريش بن أنس، بهذا الحديث. قال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، واحتج بهذا الحديث) (٣). قلت: أولًا: اختلفت نسخ الترمذي في قول علي بن المديني هذا، ففي بعضها: "صحيح"، هكذا في نسخةٍ و"شرح ابن سيد الناس" (٤)، وفي نسخة أخرى: "حسن صحيح"، ولعل الأرجح عنه قوله: "صحيح"؛ وذلك لقوله: سماع الحسن من سمرة صحيح. ثانيًا: قول أبي عيسى: "حديث حسن"، هكذا فيما وقفت عليه من النسخ. وأما ما جاء في طبعة بشار من قوله: "حسن صحيح" (٥)، فهذا فيما يظهر أنه تابع ما جاء في "تحفة الأشراف" (٦).

стр. 347

ويجاب عما جاء في "التحفة": بأن المزي من عادته إذا خرج الترمذي الحديث في موضعين، ويكون هناك اختلاف في حكمه = لا يشير إلى هذا الاختلاف، والترمذي قد خرج هذا الحديث الذي معنا في "التفسير" (١) وقال: "حسن صحيح"، فنقل المزي ذلك. ثالثًا: إذا عُلم ذلك - أي قوله في الموضع الأول: (حسن)، وفي الثاني: (حسن صحيح) -؛ فالجواب عنه: أن أبا عيسى أحيانًا يصحح رواية الحسن عن سمرة، وأحيانًا يحسنها فقط، والسبب في ذلك أن الحسن قد اختلف في سماعه من سمرة، فأحيانًا يراعي ذلك فيحكم بالحسن فقط، وأحيانا لا يراعيه فيصحح الخبر. ٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الحصير: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير. وفي الباب عن أنس، والمغيرة بن شعبة. قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (٢). قلت: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه مسلم (٣)، وإنما توقف المصنف في تصحيحه من أجل ما قيل إن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، وإن روايته من صحيفةٍ، ويؤيد هذا أنه خرّج عدة أحاديث بهذه السلسلة مكتفيا بتحسينها، نعم هناك أحاديث أخرى بنفس الإسناد صححها (٤).

стр. 348

٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد - يعني الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو -، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه". وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة. قال أبو عيسى: حديث أبي الجعد حديث حسن. قال: وسألت محمدا: عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه. وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث. قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو) (١). قلت: قد صحح أبو عيسى لمحمد بن عمرو بعض الأحاديث، وتوقف في بعضها، وهذا أحدها، وقد يكون توقفه هنا من أجل قول الراوي: ( … وكانتْ له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو)، فكأنه شك في صحبة أبي الجعد الضمري. ويلاحظ أنه لا اختلاف في الإسناد، وإنما الشك في صحبة أبي الجعد الضمري، وهو داخل من حيث العموم فيما نحن بصدده.

стр. 349

٩ - وقال أيضًا في باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع: (حدثنا بندار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: "يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية". قال قتادة: وهذا ما لم يَطعَما، فإذا طَعِما غُسلا جميعا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ولم يرفعه) (١). قلت: توقف في تصحيحه فيما يظهر من أجل الاختلاف في وقفه ورفعه، مع أن الذي رفعه ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ، وهو مقدم على من وقفه وهو سعيد بن أبي عروبة، وإن كان سعيد أيضًا من أثبت الناس في قتادة. والخبر أخرجه عبد الرزاق (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، وأبو داود (٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن علي بن أبي طالب موقوفا. وأخرجه البزار (٥) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة به مرفوعا، ثم قال: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام عن أبيه، وقد رواه غير معاذ، عن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن علي موقوفا). وقال البخاري في "العلل الكبير" (٦) للترمذي: (شعبة لا يرفعه، وهشام

стр. 350

الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة فلم يرفعه). ١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أدّيت الزكاة فقد قضيت ما عليك: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حديث علي بن عبد الحميد الكوفي، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل فيسأل النبي ﷺ ونحن عنده … الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: هذا حديثٌ صحيحٌ، فقد علّقه البخاري في "صحيحه" (٢)، وخرّجه مسلم (٣) موصولًا، وصححه ابن حبان حيث خرجه في كتابه "التقاسيم والأنواع" (٤)، ورواته من الثقات، وتوقف أبو عيسى في تصحيحه من أجل أن حماد بن سلمة رواه عن ثابت فأرسله، كما في "العلل" للدارقطني، ففيه أنه سئل عن حديث ثابت، عن أنس: سأل رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ ، فقال: من خلق السماء؟ فقال: "الله". فقال: (يرويه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وخالفهما (٥) حماد بن سلمة؛ فرواه عن ثابت، مرسلا. وحماد بن سلمة أثبت الناس في حديث ثابت) (٦). قلت: سليمان بن المغيرة ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ، قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ. وقال

стр. 351

ابن معين: ثقةٌ ثقةٌ. وقال علي بن المديني: أثبت الناس في ثابت: حمادُ بن سلمة، ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد (١). فتبين مما تقدم أن الوصل زيادةٌ من ثقةٍ ثبتٍ، فتكون مقبولة، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء من لا تحل له الصدقة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا سفيان (ح) وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". وفي الباب عن أبي هريرة، وحبشي بن جنادة، وقبيصة بن المخارق. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. وقد روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه) (٢). قلت: هذا الحديث توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ، وريحان بن يزيد جيد الحديث، وقد جاء عن شعبة أيضًا رفعه، قال البخاري في "تاريخه": (ريحان بن يزيد العامري، قال حجاج: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمع ريحانا - وكان أعرابي صدق -، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني". وروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ولم يرفعه.

стр. 352

وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن سعد، عن ريحان بن يزيد العامري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: والرفع صحيحٌ؛ لأن سفيان إمامٌ حافظٌ، كيف وقد توبع على الرفع؟! وهذا هو ظاهر صنيع البخاري حيث إنه يذهب إلى صحة رفعه. ١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ﷺ ، وأهل بيته ومواليه: (حدثنا بندار، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، ويوسف بن يعقوب الضبعي، قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بشيء سأل: "أصدقة هي، أم هدية؟ "، فإن قالوا: صدقة لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل. وقد روي هذا الحديث أيضًا عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، عن النبي ﷺ ، وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القشيري. قال أبو عيسى: حديث بهز بن حكيم حديث حسن غريب) (٢). قلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في بهزٍ، وهذه السلسلة بعض الحفاظ لا يرى الاحتجاج بها، وبعضهم يرى ذلك، وهو الصواب، وعندما نقل أبو عيسى كلام شعبة في بهز، قال: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (٣). فهذا نصٌ منه بتوثيق بهزٍ، ومع ذلك لم يصحح له سوى حديثٍ

стр. 353

واحدٍ (١)، وحسّن الباقي، وهي سبعة أحاديث، وهذا احتياط منه، وإلا فإن هذه السلسلة كأنها قوية عنده، والله تعالى أعلم. ١٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة". قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ ، مرسلا) (٢). قلت: هذا الحديث صحيح، ورواته من الثقات المشاهير، وقد خرَّجه الشيخان في صحيحيهما (٣)، ويظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه لكونه جاء مرسلًا، ولكن هذا الإرسال لا يؤثر، والله تعالى أعلم. ١٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري،

стр. 354

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم". حديث أبي هريرة حديث حسن) (١). قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي أكثرها كـ "التأصيل"، و"الرسالة" (٢)، و"تحفة الأحوذي" (٣)، والطبعة الحجرية التي مع "تحفة الأحوذي"، والنسخة التي مع "عارضة الأحوذي" (٤) في أعلاها: (حسن)، وجاء في "تحفة الأشراف" (٥): (حسن صحيح). الذي يظهر أن ما جاء في "تحفة الأشراف" إنما أُخذ من حكم الترمذي السابق لهذا الحديث - والذي تقدم في الصلاة -، فهنالك حكم عليه بـ "حسن صحيح" (٦)؛ وبالتالي لا يوجد بين "نسخ الترمذي" اختلافٌ في حكمه عليه. وهنا يرد إشكالٌ: لماذا حكم عليه في كتاب الصيام بـ "حسن"، هل من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده؟ حيث إن شعبة رواه عن أبي بشر، عن حميد به، مرسلًا، أخرجه النسائي (٧). الجواب: نعم؛ من أجل هذا الاختلاف، ولكنَّ وصل الحديث ثابتٌ، كما في الطريق الآخر الذي أخرجه مسلم وغيره. قال مسلم في "صحيحه": (حدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة،

стр. 355

عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل". وحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه، قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم" (١). وقال البزار في "مسنده": (حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن - يعني: الحميري -، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، قال: "جوف الليل"، وسئل عن أفضل الصيام بعد شهر رمضان، قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم". وهذا الحديث هكذا رواه أبو عوانة وزائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهو الصواب. ورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب، عن النبي ﷺ ، فلم يحفظ عبيد الله بن عمرو، والحديث لزائدة ولأبي عوانة) (٢). وقال الطوسي: (نا الحسن بن عرفة، قال: نا يحيى بن أبي بكير الكرماني، قال: أنا زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد - وهو ابن عبد الرحمن الحميري -، عن أبي هريرة،
следующие страницы →