← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ابن معين: ثقةٌ ثقةٌ. وقال علي بن المديني: أثبت الناس في ثابت: حمادُ بن سلمة، ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد (١). فتبين مما تقدم أن الوصل زيادةٌ من ثقةٍ ثبتٍ، فتكون مقبولة، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء من لا تحل له الصدقة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا سفيان (ح) وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي". وفي الباب عن أبي هريرة، وحبشي بن جنادة، وقبيصة بن المخارق. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. وقد روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه) (٢). قلت: هذا الحديث توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ، وريحان بن يزيد جيد الحديث، وقد جاء عن شعبة أيضًا رفعه، قال البخاري في "تاريخه": (ريحان بن يزيد العامري، قال حجاج: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمع ريحانا - وكان أعرابي صدق -، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني". وروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ولم يرفعه.

стр. 352

وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن سعد، عن ريحان بن يزيد العامري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: والرفع صحيحٌ؛ لأن سفيان إمامٌ حافظٌ، كيف وقد توبع على الرفع؟! وهذا هو ظاهر صنيع البخاري حيث إنه يذهب إلى صحة رفعه. ١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ﷺ ، وأهل بيته ومواليه: (حدثنا بندار، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، ويوسف بن يعقوب الضبعي، قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بشيء سأل: "أصدقة هي، أم هدية؟ "، فإن قالوا: صدقة لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل. وقد روي هذا الحديث أيضًا عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، عن النبي ﷺ ، وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القشيري. قال أبو عيسى: حديث بهز بن حكيم حديث حسن غريب) (٢). قلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في بهزٍ، وهذه السلسلة بعض الحفاظ لا يرى الاحتجاج بها، وبعضهم يرى ذلك، وهو الصواب، وعندما نقل أبو عيسى كلام شعبة في بهز، قال: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (٣). فهذا نصٌ منه بتوثيق بهزٍ، ومع ذلك لم يصحح له سوى حديثٍ

стр. 353

واحدٍ (١)، وحسّن الباقي، وهي سبعة أحاديث، وهذا احتياط منه، وإلا فإن هذه السلسلة كأنها قوية عنده، والله تعالى أعلم. ١٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة". قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ ، مرسلا) (٢). قلت: هذا الحديث صحيح، ورواته من الثقات المشاهير، وقد خرَّجه الشيخان في صحيحيهما (٣)، ويظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه لكونه جاء مرسلًا، ولكن هذا الإرسال لا يؤثر، والله تعالى أعلم. ١٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري،

стр. 354

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم". حديث أبي هريرة حديث حسن) (١). قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي أكثرها كـ "التأصيل"، و"الرسالة" (٢)، و"تحفة الأحوذي" (٣)، والطبعة الحجرية التي مع "تحفة الأحوذي"، والنسخة التي مع "عارضة الأحوذي" (٤) في أعلاها: (حسن)، وجاء في "تحفة الأشراف" (٥): (حسن صحيح). الذي يظهر أن ما جاء في "تحفة الأشراف" إنما أُخذ من حكم الترمذي السابق لهذا الحديث - والذي تقدم في الصلاة -، فهنالك حكم عليه بـ "حسن صحيح" (٦)؛ وبالتالي لا يوجد بين "نسخ الترمذي" اختلافٌ في حكمه عليه. وهنا يرد إشكالٌ: لماذا حكم عليه في كتاب الصيام بـ "حسن"، هل من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده؟ حيث إن شعبة رواه عن أبي بشر، عن حميد به، مرسلًا، أخرجه النسائي (٧). الجواب: نعم؛ من أجل هذا الاختلاف، ولكنَّ وصل الحديث ثابتٌ، كما في الطريق الآخر الذي أخرجه مسلم وغيره. قال مسلم في "صحيحه": (حدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة،

стр. 355

عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل". وحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه، قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم" (١). وقال البزار في "مسنده": (حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن - يعني: الحميري -، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، قال: "جوف الليل"، وسئل عن أفضل الصيام بعد شهر رمضان، قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم". وهذا الحديث هكذا رواه أبو عوانة وزائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهو الصواب. ورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب، عن النبي ﷺ ، فلم يحفظ عبيد الله بن عمرو، والحديث لزائدة ولأبي عوانة) (٢). وقال الطوسي: (نا الحسن بن عرفة، قال: نا يحيى بن أبي بكير الكرماني، قال: أنا زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد - وهو ابن عبد الرحمن الحميري -، عن أبي هريرة،

стр. 356

قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، فقال: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان الشهر الذي يدعونه المحرم". وفي الباب عن جابر وبلال. وحديث أبي هريرة حديث حسن) (١). وفي "العلل" للدارقطني: (وسئل عن حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان المحرم". فقال: واختلف فيه على حميد بن عبد الرحمن؛ فرواه عبد الملك بن عمير واختلف عنه؛ فرواه زائدة بن قدامة، وأبو حفص الأبار، والثوري، وشيبان، وأبو حمزة، وأبو عوانة، وعبد الحكيم بن منصور، وعكرمة بن إبراهيم، وجرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وخالفهم عبيد الله بن عمرو الرقي، رواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، عن النبي ﷺ ، ووهم فيه، والذي قبله أصح عن عبد الملك. ورواه أبو بشر جعفر بن إياس، عن حميد الحميري، واختلف عنه؛ فأسنده أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد الحميري، عن أبي هريرة. وخالفه شعبة؛ فرواه عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلا، ورفعه صحيح) (٢).

стр. 357

١٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الذي يُهلّ بالحج فيُكسَر أو يُعرَج: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حجاج الصواف، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: حدثني الحجاج بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من كُسر أو عَرج فقد حل وعليه حجة أخرى". فذكرت ذلك لأبي هريرة، وابن عباس، فقالا: صدق. حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن الحجاج مثله. قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث. وروى معمر ومعاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ . وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث. وسمعت محمدا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح. حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه) (١). قلت: توقف أبو عيسى في تصحيحه فيما يظهر لي بسبب الاختلاف

стр. 358

الذي وقع في إسناده، وإلا فإنّ رجاله كلهم من الثقات المشاهير، وسواء قلنا إن الراجح رواية من رواه عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو دون واسطة، أو أن بينهما عبد الله بن رافع = فإن الحديث صحيح، وعبد الله بن رافع ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة سوى البخاري. ورواية من رواه بذكر عبد الله بن رافع أرجح، وذلك لأمرين: الأول: أنها زيادة، وهي مقبولة إذا كانت من ثقة كما في هذا الخبر، فمعمر ومعاوية بن سلام كلاهما من الثقات المشاهير، وتابعهما يوسف بن سعيد عند الطبراني. الثاني: أن يزيد بن أبي حبيب قد رواه عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، قاله البيهقي (١)، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ويظهر أن الترمذي يذهب إلى ذلك؛ لأنه نقل قوله في "الجامع" و"العلل"، ولم يتعقبه بشيء. وأما قوله عن الحجاج بن الصواف: (ثقة حافظ عند أهل الحديث) فهو كذلك، ولا يظهر لي أن أبا عيسى يريد بذلك ترجيح روايته، وقد يكون هذا الاضطراب من يحيى نفسه - وهو الأقرب -، ويحتمل أن عكرمة سمعه من عبد الله بن رافع، ثم سمعه من حجاج بن عمرو نفسه كما في رواية حجاج بن الصواف، فحدث به على الوجهين، وقد ذهب علي بن المديني إلى ترجيح رواية الحجاج الصواف، فقد قال البيهقي: (قال علي بن المديني: الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (٢). وإلى هذا ذهب الحاكم؛ لأنه عندما ساق رواية الحجاج الصواف قال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرّجاه، وقيل: عن

стр. 359

عكرمة، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ﵂، عن الحجاج بن عمرو) (١). وقال البيهقي: (فهو حديث مختلف في إسناده. فقيل هكذا. وقيل: عنه عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، وحديث الاستثناء في الحج أصح من هذا) (٢). ١٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره، أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن"، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، فقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. وفي الباب عن أنس بن مالك. قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وروي عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعير، عن النبي ﷺ ، ومنهم من ذكره عن جابر) (٣). قال ابن حجر: (قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الليث عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن جابر: أن النبي ﷺ كان يجمع بين قتلى أحد ويقدم أقرأهم، وقد رواه ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن

стр. 360

الزهري، مرسلا، عن جابر، ورواه معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، عن جابر، ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، حدثني من سمع جابرا، وهو حديث مضطرب. انتهى. أطلق الدارقطني القول في هذا الحديث بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه، بأن يفسر المبهم الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، وأما رواية الأوزاعي المرسلة فقصر فيها بحذف الواسطة. فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف فيه، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها؛ لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك، عن الليث والأوزاعي جميعا، عن الزهري، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب، وأثبته الليث، وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه، فقبلت زيادة الليث لثقته. ثم قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عمن سمع جابرا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة، وتأكيد رواية الليث بذلك، ولم يرها علة توجب اضطرابا. وأما رواية معمر فقد وافقه عليها سفيان بن عيينة، فرواه عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، وقال: ثبتني فيه معمر، فرجعت روايته إلى رواية معمر. وعن الزهري فيه اختلاف لم يذكره الدارقطني، فقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود، والترمذي، ونقل في "العلل" عن البخاري أنه قال: حديث أسامة خطأ، غلط فيه. يعني: أن الصواب حديث الليث. ووهم الحاكم فأخرج حديث أسامة هذا في "مستدركه".

стр. 361

وعن الزهري فيه اختلاف آخر، رواه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وهو خطأ أيضًا، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذق أن رواية الليث أرجح هذه الروايات، كما قررناه، وأن البخاري لا يعل الحديث بمجرد الاختلاف) (١). وقال أيضًا: (قوله: "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر" كذا يقول الليث، عن ابن شهاب، قال النسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك. ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرا. وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلهم عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل. وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، فزاد فيه جابرا، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة. وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر: رواه أسامة بن زيد الليثي عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود، والترمذي، وأسامة سيء الحفظ، وقد حكى الترمذي في "العلل" عن البخاري: أن أسامة غلط في إسناده. وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن

стр. 362

ابن شهاب فقال: عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه) (١). قلت: يتلخص مما تقدم أن هذا الحديث صحيح إلى الزهري، ولكن اختلف فيه عليه في موضعين: الأول: في شيخه. والثاني: في راوي الحديث. فأما الأول: فقيل: عبد الرحمن بن كعب، وقيل بإبهامه - عمن سمع جابرًا -، وقيل بإسقاطه، فيكون الخبر مرسلًا الزهري عن جابر. وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير. فأما الأول، فهي رواية الليث بن سعد. وأما الثاني، فهي رواية سليمان بن كثير. وأما الثالث، فهي رواية الأوزاعي. وأما الرابع، فهي رواية معمر من رواية ابن المبارك عنه، وتابعه على ذلك سفيان بن عيينة، كما عند أحمد (٢)، ومحمد بن إسحاق، عند أحمد أيضًا (٣). وتابعهم: عبد الرحمن بن إسحاق، كما عند ابن أبي عاصم (٤)، وأبو بكر الشافعي (٥). وعمرو بن الحارث، كما عند ابن أبي عاصم (٦)، والطحاوي (٧).

стр. 363

وصالح بن كيسان، كما عند ابن أبي عاصم (١). قلت: أما من أبهمه كما في رواية سليمان بن كثير، فالجواب عن ذلك: أن رواية من سماه أولى بالتقديم، خاصة أنه أوثق من سليمان بن كثير، وسليمان ليس مقدمًا في الزهري، بلى قد تُكلم في روايته عنه. وأما من أسقطه، فرواية مَن ذكره أولى؛ لأن معه زيادة علمٍ، وهم جماعة كما تقدم في تخريج الخبر. بقي النظر في تسمية شيخه، هل هو عبد الرحمن بن كعب، أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير؟ فالأول هو الذي وقع في رواية الليث. وأما الثاني، فهو الذي وقع في رواية الجماعة. وعلى كلا القولين فإن الخبر صحيحٌ، وذلك أنه إذا قلنا برجحان رواية الليث، فهذا ظاهر، وعبد الرحمن بن كعب ثقة. وإذا قلنا بترجيح رواية الجماعة، فإن عبد الله بن ثعلبة له رؤية، وقد جاء عند البخاري معلقًا: (أن النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح) (٢). لذا قال أبو حاتم: (قد رأى النبيَّ ﷺ وهو صغير) (٣)، فروايته قد تلحق بمراسيل الصحابة، كيف وقد جاء أن عبد الله بن ثعلبة قد رواه عن جابر بن عبد الله، كما عند عبد الرزاق (٤) وأحمد (٥) عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر. وفي هذه الرواية جمعٌ بين الروايتين السابقتين، فيكون للزهري شيخان

стр. 364

في هذا الخبر، أو يكونان حديثين، وقد قوّى ذلك ابن حجر؛ لأن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، والله تعالى أعلم. وأما الموضع الثاني، وهو الاختلاف في راوي الحديث، فقيل: عن جابر، وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة، وقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس. وقيل: عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وقد تقدم ذلك كله. ولا شك أن رواية أسامة وعبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري خطأ ظاهرٌ؛ لأنهما لم يتابعا على ذلك، وقد خالفا رواية الأكثر، كما أنه قد تُكلم فيهما، فبطلت روايتهما، وبالتالي لا يلتفت إلى ما روياه. فبقي رواية من جعله عن جابر، وقد رواها أربعة كما تقدم. وأما الرواية الثانية، فقد رواها ستةٌ. والجمع بين هذين الوجهين: هو ما جاء في رواية معمر؛ لأنه روى كلا الروايتين، ثم إن في رواية عبد الرزاق عنه ما يفيد أن عبد الله بن ثعلبة قد روى ذلك عن جابر، وبهذا يُجمع بينهما. والخلاصة أن للزهري شيخين في هذا الحديث. قال ابن حجر: (وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين) (١)، ويؤيد هذا أن في رواية أحدهما ما ليس في رواية الآخر كما تقدم، والأقرب أن الحديث واحدٌ، رواه عبد الرحمن بن كعب تامًّا، واختصره عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر. وأما من ردّ هذا الخبر بدعوى الاضطراب، فهذا فيه بعض النظر لما تقدم، فالحديث صحّ عن جابر، وصح أيضًا عن عبد الله بن ثعلبة، فإذا قلنا: إن عبد الله قد أخذه من جابر - كما في رواية معمر - انتفى الاضطراب، وإذا قلنا:

стр. 365

إن حديث عبد الله بن ثعلبة هو الصحيح، فيكون صحيحًا أيضًا؛ لأن مراسيل الصحابة يحتج بها، وعبد الله بن ثعلبة ممن يُلحق بهم، والله تعالى أعلم. ١٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تسوية القبور: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حديث عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرا مُشرفا إلا سوّيته، ولا تمثالا إلا طمسته. وفي الباب عن جابر. قال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن) (١). قلت: رجال هذا الحديث ثقات، إذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ يظهر لي أنه بسبب الاختلافُ الذي وقع في إسناده: فمنهم من رواه عن أبي وائل، أن عليًا قال لأبي الهياج. ومنهم من رواه عن أبي وائل، عن أبي الهياج، قال لي علي. وذكره أبو عيسى في "العلل الكبير" (٢) قال: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج: أبعثك على ما بعثني عليه النبي ﷺ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وقال بشر بن السري: عن سفيان الثوري، عن حبيب، عن أبي هياج قال: قال لي علي. فسألت محمدًا فقال: الصحيح عن أبي وائل أن عليا قال لأبي الهياج).

стр. 366

وذهب بعض الحفاظ إلى ترجيح الوجه الثاني، كما صنع مسلم، فقد أخرجه في "صحيحه" من هذا الوجه (١)، وهو ما أشار إليه أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: (سمعت أبي يقول: أبو وائل قد أدرك عليا، غير أن حبيب بن أبي ثابت روى عن أبي وائل عن أبي الهياج عن علي ﵁، أن النبي ﷺ بعثه أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته) (٢). والدارقطني أيضًا، فقد سئل عنه فقال: (يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه: فرواه الثوري، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج. قال ذلك يحيى القطان، وخالد بن الحارث، ووكيع، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، وقبيصة، وغيرهم … والحديث حديث الثوري، ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، ومن تابعهما وهو الصحيح) (٣). قلت: بعض من ذكرهم الدارقطني جاء عنهم أيضًا أنهم رووه عن الثوري عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي أنه قال لأبي الهياج، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي. فقد رواه أحمد بن حنبل (٤) والحاكم (٥) من طريقه، والترمذي من طريق محمد بن بشار. كلاهما (أحمد، ومحمد بن بشار) عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي، أنه قال لأبي الهياج.

стр. 367

ورواه عبيد الله القواريري، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عليًا (١). ورواه أبو نعيم كما عند الدارقطني، وابن المبارك كما ذكره الدارقطني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو أحمد الزبيري (٢) كلهم عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، أن عليًا … مثل رواية ابن مهدي (٣). فتبين أن الخلاف قوي على سفيان، بل جاء في بعض الطرق: أن أبا وائل ذكر بينه وبين أبي الهياج واسطة: قال الدارقطني: (وقال معاوية بن هشام، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا في بيت إلا طمسته. وقال قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وزياد بن خيثمة: عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي) (٤). قلت: أما رواية معاوية بن هشام عن الثوري، فهي خطأ؛ ذلك أن الحفّاظ من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم القطان وابن مهدي - لم يذكروا ما ذكره معاوية بن هشام، خاصة أن معاوية وُصف بشيء من الوهم؛ فتبين أنّ في روايته نظرًا.

стр. 368

ورواه الأعمش: قال الدارقطني: (ورواه الأعمش، واختلف عنه: فرواه جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج. وهو غريب عن الأعمش، لا أعلم حدث به عن الأعمش هكذا غير جرير. وخالفه عيسى بن الضحاك - أخو الجراح بن الضحاك - وروح بن مسافر، فقالا: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي. وقال عمرو بن قيس: عن الأعمش عن أبي وائل عن علي، ولم يذكر أبا الهياج) (١). قلت: إما أن يكون الأعمش روى عن حبيب بن أبي ثابت فيكون متابعًا لسفيان الثوري، وإما أن يكون رواه عن أبي وائل، والاختلاف الذي وقع عليه هو نفسه الذي وقع على سفيان الثوري، فعادت روايته إلى الطريق المتقدمة. طريق أخرى: رواه مسعر، والمسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج به. أخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا يعلى بن عبيد (ح) وحدثنا محمد بن مخلد، وحمزة بن الحسين بن عمر السمسار، قالا: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، وأبو النضر (ح) وحدثنا أحمد بن محمد بن سعدان بواسط، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يعلى بن عبيد، وعبد الله بن رجاء البصري

стр. 369

(ح) وحدثنا ابن مبشر، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، قالوا: حدثنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، عن علي ﵁ قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، أن لا تدع تمثالا إلا لطخته، ولا قبرا إلا سويته. هذا لفظ شعيب. وقال يوسف: قال: قال لي علي: أبعثك، وقال الرمادي: ولا قبرا مشرفا إلا سويته. وقال يزيد: أخبرنا المسعودي، وقال أيضًا: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ : لا تدع قبرا ولا تمثالا إلا نطحته؛ بالحاء. حدثنا عبد الملك بن يحيى بن الحسن العطار بن أبي زكار، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، حدثنا أحمد بن محمد الكوفي، حدثنا بشر بن آدم، عن حماد بن دليل، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج الأسدي، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني النبي ﷺ ، فقال: "لا تتركن قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها") (١). وأخرج رواية المسعودي أبو يعلى الموصلي، قال: (حدثنا عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، قال: قال علي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته) (٢). قلت: فسقط من هذه الرواية أبو وائل، لذا قال الدارقطني: (تفرد به حماد بن دليل - أبو زيد، قاضي المدائن -، عن مسعر، عن حبيب.

стр. 370

ولم يسمع حبيب هذا من أبي الهياج، وإنما سمعه من أبي وائل شقيق بن سلمة، عن أبي الهياج، كما قال الثوري) (١). ورواه قيس بن الربيع: أخرجه أبو داود الطيالسي، قال: (حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي ﵁: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ : على مسخ التماثيل وتسوية القبور) (٢). وأخرجه البزار (٣) من طريق أبي داود، وحسين بن الحسن، قالا: نا قيس به. قال البزار: (وهذا الحديث قد رواه غير قيس عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس). وأخرجه الدارقطني قال: (حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا أبو الحسين كردوس بن محمد بن عيسى الواسطي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن شقيق بن سلمة، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: بعثني على تسوية القبور ومسح التماثيل. وقال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن يونس، حدثنا قيس، عن حبيب، عن شقيق، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : تسوية القبور وكسر التماثيل) (٤).

стр. 371

قلت: رواية الثلاثة: قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وقيس بن خيثمة؛ رواية قوية، فقيس وإن كان ليس بالقوي، ومثله سعاد = لكنَّ أحدهما يقوي الآخر، فكيف إذا انضم إليهما زياد بن خيثمة، وهو ثقة؟ فسوف تزداد قوةً إلى قوةٍ، وقد زادوا زيادةً، والأصل قبولها، فمن علِم حجة على من لم يعلم، وإن كان سعيد بن أبي الهياج لا يُعرف، ولكن رواية أبي وائل - وهو من كبار التابعين - عنه مما يقويه، فهو إسناد قويٌ، كيف وقد جاء أيضًا من طرق أخرى سوى ما تقدم: قال الدارقطني: (ورواه يونس بن خباب، وسيار أبو الحكم، عن جرير بن حيان، عن أبيه، عن علي. وجرير هذا هو ابن أبي الهياج، وأبوه: حيان بن حصين، يكنى: أبا الهياج) (١). قلت: هذه الرواية إسنادها قويٌ، سيار ثقة بالاتفاق، بل قال أحمد: (ثقة ثبت في كل المشايخ) (٢). وأما يونس، فقد تكلموا فيه، حتى أن هناك من كذّبه، ولكن أغلب كلامهم فيما يظهر إنما بسبب خبث رأيه، وسوء معتقده، وأما من حيث استقامة حديثه، فيظهر أنه قوي: قال عثمان الدارمي: ثقة صدوق (٣)، وقال أبو داود: وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة (٤). وقال ابن عدي - بعد أن ذكر له بعض أحاديث -: ويونس بن خباب له غير ما ذكرت، وهو من الغالين في التشيع، وكان يحمل على عثمان، وأحاديثه مع غلوه تُكتب (٥). وأما جرير بن حيان، فليس بالمشهور، وإنما عُرف بهذا الحديث، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦).

стр. 372

أخرجه أحمد قال: (حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن يونس بن خباب، عن جرير بن حيان، عن أبيه، أن عليا، قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله ﷺ أمرني أن أسوي كل قبر، وأطمس كل صنم) (١). وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند"، قال: (حدثنا شيبان أبو محمد، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس بن خباب به) (٢). طريق أخرى: رواه شعبة: أخرجه أحمد قال: (حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني، عن أبي محمد، عن علي، قال: بعثه النبي ﷺ إلى المدينة فأمره أن يسوي القبور) (٣). وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا، قال: (حدثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد، حدثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي المورع، عن علي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: "من يأتي المدينة فلا يدع قبرا إلا سواه، ولا صورة إلا طلخها، ولا وثنا إلا كسر") (٤). وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن رجل من أهل البصرة - قال: وأهل البصرة يكنونه أبا مورع، قال: وكان أهل الكوفة يكنونه بأبي محمد -، قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة، فذكر نحو حديث أبي داود، عن أبي شهاب) (٥).

стр. 373

وأخرجه النسائي في مسند علي، - كما في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي محمد الهذلي - عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن الحكم به نحوه (١). وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا قال: (حدثني شيبان أبو محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أخبرنا حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي محمد الهذلي، عن علي بن أبي طالب به نحوه مسندًا كرواية أسود بن عامر وأبي شهاب) (٢). قلت: إسناد هذه الطريق صحيح إلى الحكم وهو ابن عتيبة، ولكن شيخه أبا محمد - ويكنى أيضًا بأبي المورع - لا يُعرف، ولا يُدرى عن سماعه من علي، مع أن محمد بن جعفر قد أرسل هذا الخبر عن شعبة. طريق أخرى عن علي: قال أحمد: (حدثنا يزيد، أخبرنا أشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش بن أبي المعتمر، أن عليا، بعث صاحب شرطه فقال: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ : لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا وضعته) (٣). وقال عبد الله بن أحمد: (حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا السكن بن إبراهيم، حدثنا الأشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش الكناني، عن علي: أنه بعث عامل شرطته، فقال له: أتدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن أنحت كل - يعني صورة -، وأن أسوي كل قبر) (٤). قلت: أشعث لا يحتج به. وابن أشوع هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، ثقةٌ.

стр. 374

وحنش بن أبي المعتمر مختلف فيه. فهذه الطريق صالحة للاعتبار والاعتضاد، فيزداد الخبر قوةً إلى قوة. طريق أخرى: أخرجها البزار، قال: (حدثنا محمد بن صالح العدوي، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: أُخبرتُ عن الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم، عن علي ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، وأمرني أن لا أمر بقبر إلا سويته) (١). قلت: هذا منقطع؛ لقول صالح بن كيسان: أُخبرتُ (٢). وقد تقدم من رواية شعبة وحجاج، عن الحكم، عن أبي محمد الهذلي. فهل هو اختلاف على الحكم بن عتيبة، فتكون رواية شعبة ومن معه هي الراجحة، (وذلك لأن صالح بن كيسان قال: أخبرتُ) أو طريق أخرى؟ وهذا هو الأقرب؛ لأنه هو الظاهر، وذلك لشهرة هذا الخبر، ويؤيد ذلك الإسناد الذي بعده: طريق أخرى: أخرجه البزار قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: نا سعيد بن سليمان، قال: نا عباد يعني ابن العوام، قال: نا أبان بن تغلب، عن الحكم بن عتيبة، عن ثعلبة بن يزيد، عن علي بن أبي طالب ﵁ أو يزيد بن ثعلبة عن علي -، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أسوي كل قبر شاخص وأطمس كل صنم، ففعلت ثم أتيته فقال: أفعلت؟ قلت: نعم) (٣).

стр. 375

قلت: هذا إسناد قوي، ورجاله كلهم ثقات، سوى ثعلبة، فقد اختلف فيه، ذكره البخاري فقال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر. قال النبي ﷺ لعلي: إن الأمة ستغدر بك، ولا يتابع عليه) (١). وأما النسائي، فروى له في "مسند علي" وقال عنه: ثقة (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، ولكن أورده في "المجروحين" أيضًا، وقال: (كان غاليا في التشيع لا يحتج بأخباره التي يتفرد بها عن علي) (٤). وذكره العقيلي، قال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، قال البخاري: لا يتابع، في حديثه نظر. والحديث ما حدثناه محمد بن إسماعيل قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا كامل أبو العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عهد إلي النبي ﵇: "أن هذه الأمة ستغدر بي") (٥). وأما ابن عدي، فقال في "الكامل": (حدثنا أحمد بن الحسين بن عبد الصمد، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن الأجلح، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار") (٦). قال ابن عدي: (ولثعلبة عن علي غير هذا، ولم أر له حديثا منكرا في مقدار ما يرويه، وأما سماعه من علي ففيه نظر، كما قال البخاري) (٧).

стр. 376

قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه ابن عدي، وأن أحاديث ثعلبة مستقيمة، قد ذكرها البزار في "مسنده" (١). وجاءت من طرق أخرى وليس فيها ما ينظر فيه، سوى الحديث الذي استنكره البخاري، وهذا قد جاء من أكثر من وجه عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة به، ولم أقف على تصريح لحبيب بسماعه هذا الخبر من ثعلبة، مع أنه أيضًا قد جاء من وجه آخر: قال الدولابي: (حدثنا يحيى بن غيلان، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، وحدثنا فهد بن عوف، قال، ثنا أبو عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس إبراهيم بن أبي حديد الأودي: أن علي بن أبي طالب، قال: عهد إلي النبي ﷺ أن الأمة ستغدر بي من بعده) (٢). وأخرجه الحاكم: (حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد الجمحي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأودي، عن علي ﵁ قال: إن مما عهد إلي النبيّ ﷺ : أن الأمة ستغدر بي بعده. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) (٣). وقد استنكره أيضًا العقيلي، فقال بعد أن رواه: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس العبدي، عن سعيد بن عمرو بن سفيان، عن أبيه، قال: خطب علي ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة عهدا نأخذ به، ولكنه رأي رأيناه، استخلف أبو بكر

стр. 377

فأقام واستقام، ثم استخلف عمر فأقام واستقام، حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا يعفو الله عن من يشاء، ويعذب من يشاء) (١). قلت: وهذا الخبر في استقامته ونكارته تفصيل: قول علي ﵁: (عهد إلي النبي ﷺ أن هذه الأمة ستغدر بي) لا يلزم أن يكون هذا الغدر في الخلافة، فقد يكون في القتل، كما هو ظاهر، ولكن وصف الأمة بالغدر في نفسي منه شيء؛ لأن الله قد أثنى على هذه الأمة، فوصفها بأنها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فعلى هذا يكون الوصف بالغدر منكرا، فالأمة - بحمد الله - لم تغدر بأمير المؤمنين علي ﵁، وإنما غدر به من قتله وتمالأ على قتله دون باقي الأمة. ولأجل ما تقدم؛ قال عنه ابن حجر: صدوق شيعيٌّ (٢). والخلاصة؛ إذا كان حديث الغدر منكرًا، فإن حديث تسوية القبور حديث مستقيم، فقول البخاري: (فيه نظر) لعله منصبٌّ على حديث الغدر؛ لأنه ذكر هذا الحديث بعد قوله المتقدم، ثم قال: (ولا يتابع عليه)، وهذا ظاهر صنيع العقيلي. طريق أخرى: أخرجه الطبراني قال: (حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: نا أبو حماد المفضل بن صدقة، عن أبي إسحاق، عن أبي الهياج الأسدي، قال: بعثني علي بن أبي طالب ﵁، فقال: تدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني رسول الله ﷺ قال: "لا تدع تمثالا إلا كسرته، ولا قبرًا مسنمًا إلا سويته" (٣).

стр. 378

وأخرجه في "المعجم الصغير" بنفس الإسناد، وقال: (لم يروه عن أبي إسحاق إلا المفضل، ولا عنه إلا إسحاق الرازي تفرد به محمد بن عمار) (١). قلت: وهذا الإسناد فيه المفضل بن صدقة، ليس بقوي، قاله أبو حاتم، وقال أبو زرعة: ضعيف (٢). وقال يحيى بن معين: ليس بشيء (٣). وقال النسائي: متروك الحديث (٤). وقال الدارقطني: ليس بالقوي (٥). وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى يروي عن المشاهير الأشياء المناكير فخرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا (٦). فهذا الإسناد لا يعتبر به. طريق أخرى: رواه الشعبي؛ أخرجه ابن المخلص، قال: (حدثنا محمد قال: حدثنا ابن أبي مذعور محمد بن عمرو بن سليمان قال: حدثنا النضر بن إسماعيل قال: حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي قال: استعمل علي بن أبي طالب ﵇ أبا الهياج، وقال له: استعملتك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ : "لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض") (٧). وأخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا أبو حامد بن محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، حدثنا النضر بن

стр. 379

إسماعيل، حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي، قال: استعمل علي بن أبي طالب أبا الهياج، فقال: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ : لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض. تفرد به النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، عن إسماعيل، عن جابر) (١). قلت: هذا إسناد لا يصح؛ النضر بن إسماعيل ليس بالقوي. قال المزي: (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: لم يكن يحفظ الإسناد، روى عن إسماعيل، عن قيس، قال: رأيت أبا بكر أخذ بلسانه، وهو حديث منكر، وإنما هو حديث زيد بن أسلم. وحكى البخاري عن أحمد نحو ذلك. وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: قد كتبنا عنه ليس بقوي، يعتبر بحديثه، ولكن ما كان من رقائق، وكان أكثر حديثا من ابن السماك. وقال عباس الدوري، ويعقوب بن شيبة، عن يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن معين: كان ضعيفًا. وقال الليث بن عبدة المصري، عن يحيى بن معين: كان صدوقًا، وكان لا يدري ما يحدث به. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان إمام مسجد الجامع.

стр. 380

وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، ضعيف الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: تجيء عنه مناكير. وقال أبو زرعة، والنسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: صالح. وقال أبو أحمد بن عدي: أرجو أنه لا بأس به) (١). وجابرٌ، هو الجعفي (٢)، متروك. والشعبي في سماعه من عليٍّ خلافٌ (٣). يتبين مما تقدم صحة هذا الحديث بمجموع طرقه، والله تعالى أعلم. ١٨ - وقال أيضًا في باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ويونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: كان مالك بن هبيرة، إذا صلى على جنازة فتقالَّ الناس عليها، جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب". وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وميمونة زوج النبي ﷺ . قال أبو عيسى: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن. هكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق، وروى إبراهيم بن سعد،

стр. 381

عن محمد بن إسحاق هذا الحديث، وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا، ورواية هؤلاء أصح عندنا) (١). قلت: هذا الحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ذكره أبو عيسى: فرواه حماد بن زيد كما عند أبي داود (٢) وغيره، وعبد الله بن نمير كما عند ابن ماجه (٣) وغيره، ويزيد بن هارون وإسماعيل بن علية كما عند الحاكم (٤)، وعبد الله بن المبارك ويونس بن بكير عند الترمذي كما تقدم، ومحمد بن أبي عدي كما في "مسند الروياني" (٥)، وأبو شهاب الحناط كما عند أبي يعلى (٦)، وعبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى السامي - كما ذكره أبو نعيم (٧)، وجرير بن حازم كما عند البيهقي (٨)؛ كلهم عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن مالك بن هبيرة به. وقد وقع تصريح محمد بن إسحاق بالتحديث في رواية محمد بن أبي عدي عنه كما عند الروياني وابن عساكر (٩)، وفي رواية إبراهيم بن سعد كما سوف يأتي. وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه فزاد رجلًا بين مرثد ومالك بن هبيرة. أخرجه ابن عساكر (١٠) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مالك، عن مالك بن هبيرة موقوفًا عليه.

стр. 382

قلت: ولعل الصواب هنا رواية الجماعة؛ لأنهم جماعة، وقد فصلوا الموقوف من المرفوع، فروايتهم فيها زيادة علمٍ، فتُقدم روايتهم على رواية إبراهيم بن سعد. ثم إن سياق الحديث يقتضي ذلك، ولكنْ عندي تردد في هذا كما سوف يأتي. قال أبو عيسى - بعد أن ذكر رواية إبراهيم بن سعد -: (ورواية هؤلاء أصح)، وقد ساق قبل ذلك رواية ابن المبارك، ويونس بن بكير، فقوله: (رواية هؤلاء أصح)، هل يعني رواية إبراهيم بن سعد؛ لأنه هو أقرب مذكور، أو يقصد الرواية المتقدمة؛ لأنها هي رواية الأكثر؟ هذا محتمل أيضًا (١)، ولكن في النفس شيء من ذلك لأنه قال: (رواية هؤلاء)، وهذا يعود إلى رواية الجماعة، لكن قد يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أن البخاري قال في ترجمة مالك بن هبيرة: (له صحبة، روى عنه شرحبيل بن شفعة، ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مخلد (٢)، عن مالك بن هبيرة … ) (٣). فالذي يظهر أن البخاري يرى أن مرثد بن عبد الله اليزني لم يَرو عنه مباشرةً، وإنما روى عن الحارث بن مخلد عنه، وهو يشير - فيما يظهر - إلى رواية إبراهيم بن سعد.

стр. 383

وقد سمى أبو نعيم هذا الرجل الذي زاده إبراهيم بن سعد بـ (الحارث بن مالك) (١)، وكذا ابن منده فيما ذكره ابن حجر (٢). ومما يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أيضًا: أني لم أقف على تصريح بالتحديث بين مرثد بن عبد الله وبين مالك بن هبيرة في هذا الخبر. ويقوي هذا أن الأصل في الزيادة إذا كانت من حافظٍ فإنها تقبل، والأمر هكذا هنا، كما أنه لا يخفى اختصاص إبراهيم بن سعد بمحمد بن إسحاق، وأنه قد أكثر عنه جدًّا. قال البخاري - كما في "تهذيب الكمال" -: (قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه) (٣). وفي "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد رواية ابنه عبد الله (٤): (سمعت أبي يذكر عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه قال: نقض محمد بن إسحاق المغازي ثلاث مرات، كل ذلك أشهده وأحضره). وهذا يدل أيضًا على اختصاصه به. وأمر آخر أيضًا، وهو ما جاء في "العلل ومعرفة الرجال لأحمد" رواية المروذي وغيره (٥): (وقال - يعني الإمام أحمد -: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال … ).

стр. 384

وفي "سؤالات أبي داود للإمام أحمد" (١): (سمعت أحمد قال: إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق). فهذا كله مما يرجح رواية إبراهيم بن سعد، والله تعالى أعلم أيهما الراجح. وأما قول أبي عيسى عن هذا الخبر بأنه "حسن"؛ فلأن إسناده ليس بالقوي، وذلك أن الحارث بن مخلد أو ابن مالك، ليس بمعروف، ولأن الخبر أيضًا وقع فيه اختلاف كما تقدم. وأما ما وقع فيه التصريح بالتحديث بين ابن إسحاق ويزيد بن أبي حبيب، كما عند الروياني، ففيه بعض النظر. وله شاهدٌ، أخرجه أبو بكر الشافعي (٢) - ومن طريقه الذهبي (٣) -، عن محمد بن غالب ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما صُفَّ صفوف ثلاثة على ميت فيشفعون له، إلا شفعوا فيه". وأخرجه أيضًا في موضعه السابق (٤) عن محمد بن يونس، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان به مثله. قلت: وهذا الخبر لا يصح، بل هو باطل؛ قال ابن ماجه (٥): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي

стр. 385

صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له". وأخرجه الطحاوي (١) من طريق عبيد الله به. وأخرجه أيضًا (٢) من طريق أبي حمزة السكري عن الأعمش به. وأخرجه البزار (٣) من طريق شعبة عن الأعمش به. فهذا هو اللفظ الصحيح لهذا الخبر. وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليه مئة من المسلمين غفر له"، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه الحسين بن واقد، وأبو حمزة، وشيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. واختلف عن شعبة فرواه عنه عثمان بن عمر موقوفًا، وقال عفان، عن شعبة: رفعه مرة، ووقفه غيره عنه. وكذلك رواه ابن فضيل عن الأعمش موقوفًا. ورواه عبد الصمد بن النعمان، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فقال في لفظه: "ما صف قوم صفوفًا ثلاثة على ميت يشفعون له إلا شفعوا فيه" قاله تمتام عن عبد الصمد، وأظنه حدث به تمتام من حفظه، فوهم فيه) (٤).

стр. 386

قلت: وأحيانًا لا يلتفت أبو عيسى إلى الخلاف إذا ترجح لديه القول الآخر، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في صلاة الخوف: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، أنه قال في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك، فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين. قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال لي يحيى: اكتبه إلى جنبه، ولست أحفظ الحديث، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، هكذا روى أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفا، ورفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد. وروى مالك بن أنس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١).

стр. 387

قلت: هذا الخبر وقفه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم، ولكن رفعه شعبة وهو إمامٌ، وأيّد روايته برواية مالك، فلذا لم يلتفت أبو عيسى إلى من أوقف هذا الخبر. ٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في البول يصيب الأرض: (حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: دخل أعرابيّ المسجد والنبي ﷺ جالس، فصلى، فلما فرغ، قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال: "لقد تحجرت واسعا"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ : "أهريقوا عليه سجلا من ماء، أو دلوا من ماء"، ثم قال: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق. وقد روى يونس هذا الحديث، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة) (١). قلت: هذا الاختلاف على الزهري لا يضر؛ فقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة

стр. 388

عن أبي هريرة، كما رواه أيضًا عن أبي سلمة عن أبي هريرة بالشطر الأول منه (١). لذا لم يتوقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث. ٣ - وقال أيضًا في أبواب التفسير، باب: ومن سورة السجدة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مطرف بن طريف وعبد الملك وهو ابن أبجر، سمعا الشعبي، يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى سأل ربه فقال: أي رب، أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل (٢)، فيقول: كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ قال: فيقال له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له: فإن لك هذا ومثله ومثله ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك". هذا حديث حسن صحيح. وروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح) (٣). قلت: يلاحظ أن الاختلاف الذي وقع في هذا الحديث لم يمنع أبا عيسى من تصحيحه، فليس كل اختلاف عنده يمنع من تصحيح الخبر. * * *

стр. 389

الوجه السادس: أنه في بعض الأحيان لا يحكم على الخبر لوجود الاختلاف، مع أنه قد يكون في الدرجة العليا من الصحة. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الاعتكاف: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه. قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن النبي ﷺ مرسلا. رواه مالك وغير واحد، عن يحيى بن سعيد (١) مرسلا، ورواه الأوزاعي وسفيان الثوري، (٢) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة) (٣). قلت: هذا الاختلاف الذي وقع في الحديث لا يضر؛ فقد وصله جمعٌ. أخرجه البخاري من طريق حماد بن زيد، ومحمد بن فضيل بن غزوان (٤). وأخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، وابن عيينة، والثوري، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث وابن إسحاق (٥). كلهم عن يحيى به موصولًا. فتبين أن الوصل صحيح.

стр. 390

وأما عدم حكم المصنف عليه فهذا من احتياطه ﵀. ٢ - وقال أيضًا - وهذا أوضح من المثال السابق -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته. وفي الباب عن أبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي. وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا) (١). ٣ - وقال أيضًا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". وفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو. حديث معاوية هكذا روى الثوري أيضًا، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، عن النبي ﷺ . وروى ابن جريج ومعمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . سمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في
следующие страницы →