قلت: وأحيانًا لا يلتفت أبو عيسى إلى الخلاف إذا ترجح لديه القول الآخر، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في صلاة الخوف: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، أنه قال في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك، فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين.
قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال لي يحيى: اكتبه إلى جنبه، ولست أحفظ الحديث، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، هكذا روى أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفا، ورفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد.
وروى مالك بن أنس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١).
стр. 387
قلت: هذا الخبر وقفه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم، ولكن رفعه شعبة وهو إمامٌ، وأيّد روايته برواية مالك، فلذا لم يلتفت أبو عيسى إلى من أوقف هذا الخبر.
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في البول يصيب الأرض: (حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: دخل أعرابيّ المسجد والنبي ﷺ جالس، فصلى، فلما فرغ، قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال: "لقد تحجرت واسعا"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ : "أهريقوا عليه سجلا من ماء، أو دلوا من ماء"، ثم قال: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا.
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق.
وقد روى يونس هذا الحديث، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة) (١).
قلت: هذا الاختلاف على الزهري لا يضر؛ فقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
стр. 388
عن أبي هريرة، كما رواه أيضًا عن أبي سلمة عن أبي هريرة بالشطر الأول منه (١). لذا لم يتوقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث.
٣ - وقال أيضًا في أبواب التفسير، باب: ومن سورة السجدة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مطرف بن طريف وعبد الملك وهو ابن أبجر، سمعا الشعبي، يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى سأل ربه فقال: أي رب، أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل (٢)، فيقول: كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ قال: فيقال له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له: فإن لك هذا ومثله ومثله ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
هذا حديث حسن صحيح.
وروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح) (٣).
قلت: يلاحظ أن الاختلاف الذي وقع في هذا الحديث لم يمنع أبا عيسى من تصحيحه، فليس كل اختلاف عنده يمنع من تصحيح الخبر.
* * *
стр. 389
الوجه السادس: أنه في بعض الأحيان لا يحكم على الخبر لوجود الاختلاف، مع أنه قد يكون في الدرجة العليا من الصحة.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الاعتكاف: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه.
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن النبي ﷺ مرسلا.
رواه مالك وغير واحد، عن يحيى بن سعيد (١) مرسلا، ورواه الأوزاعي وسفيان الثوري، (٢) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة) (٣).
قلت: هذا الاختلاف الذي وقع في الحديث لا يضر؛ فقد وصله جمعٌ.
أخرجه البخاري من طريق حماد بن زيد، ومحمد بن فضيل بن غزوان (٤).
وأخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، وابن عيينة، والثوري، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث وابن إسحاق (٥).
كلهم عن يحيى به موصولًا.
فتبين أن الوصل صحيح.
стр. 390
وأما عدم حكم المصنف عليه فهذا من احتياطه ﵀.
٢ - وقال أيضًا - وهذا أوضح من المثال السابق -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته.
وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي.
وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا) (١).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو.
حديث معاوية هكذا روى الثوري أيضًا، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، عن النبي ﷺ .
وروى ابن جريج ومعمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
سمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في
стр. 391
هذا؛ أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد.
هكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فرفع القتل، وكانت رخصة.
والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه") (١).
قلت: قال ﵀ في آخر "الجامع": (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر.
وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقد بينّا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (٢).
* * *
стр. 392
الوجه السابع: أنه في بعض الأحيان مع ترجيحه لأحد الأوجه على غيره، يُعِلُّ الحديث بالاضطراب، وفي أحيان أخرى يعله به مع عدم الترجيح.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال أبو عيسى في باب في الاستنجاء بالحجرين: (حدثنا هناد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، نحو حديث إسرائيل.
وروى معمر وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه (١)، عن عبد الله.
وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.
وهذا حديث فيه اضطراب.
(٢) قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء.
стр. 393
وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، أشبه، ووضعه في كتاب "الجامع".
وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع.
وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم.
قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة.
سمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق.
وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه، ولا نعرف اسمه.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا) (١).
стр. 394
قلت: والشاهد في هذا أنه حكم على هذا الحديث بالاضطراب مع قوله: إن طريق إسرائيل وقيس هو أصح شيء عنده. وهذا الحديث قد خرجه البخاري (١)، وقد تكلمت عليه في موضعه من "الجامع".
٢ - وقال أيضًا في باب ما يقال بعد الوضوء: (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، قال: حديث زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء".
وفي الباب عن أنس، وعقبة بن عامر.
قال أبو عيسى: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث.
وروى عبد الله بن صالح وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر.
وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر.
وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.
قال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا) (٢).
قلت: هذا الحديث صحيح، وقد خرّجه الإمام مسلم، وفيه ما ينفي
стр. 395
عنه الاضطراب، فقال: (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة - يعني: ابن يزيد -، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر. (ح) وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة" قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرتُ فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء") (١).
فتبين من رواية مسلم أن معاوية بن صالح روى هذا الخبر بإسنادين، الأول: عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر عن عمر. والثاني قوله: فقال: وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر.
قلت: والعمل على الإسناد الأول، فهو إسناد جيد.
وأما الثاني ففيه أبو عثمان وغير متحقق من هو؟ قال ابن عساكر: (أظنه سعيد بن هانئ) (٢).
وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عند النسائي، قال: (أخبرنا سويد بن نصر بن سويد، قال: أخبرنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني زهرة بن معبد، أن ابن عمه أخي أبيه لحا أخبره، أن عقبة بن عامر
стр. 396
الجهني حدثه، قال: قال لي عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء") (١).
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، فرجاله كلهم ثقات، سوى ابن عم زهرة الذي لم يسمَّ، فتبين من هذا أن هذا الحديث محفوظ، لذا صحّحه مسلم كما تقدم.
وهذا ما أشار إليه أبو عيسى الترمذي في قوله: (روى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح … )، وهي رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، كما في طريق مسلم. وهي رواية ابن وهب أيضًا عند أبي داود.
وأما رواية معاوية بن صالح التي ذكرها الترمذي، فهي التي فيها اضطراب دون باقي الروايات عن معاوية بن صالح.
فمرةً جاءت عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر، بإسقاط عقبة. أخرجها الترمذي عن جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي.
ومرةً جاءتْ عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، وليس فيها ذكر عمر.
أخرجها أبو داود، قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن
стр. 397
رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة") (١).
قلت: يظهر أن أبا داود اقتصر على الشطر الأول من الحديث، ولم يذكر رواية عقبة عن عمر بالشطر الثاني.
ومرة رواه عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عامر به، دون ذكر عمر.
أخرجها النسائي (٢) عن الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن عقبة بن عامر به.
قلت: وقد تكون هذه الرواية مثل التي قبلها - أي رواية أبي داود - بدون ذكر الشطر الثاني.
وأصح شيء في الباب: ما رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ فذكر مثله، غير أنه قال: "من توضأ فقال: أشهد أن .... " (٣). وقول مسلم: (فذكر مثله) يعني: عن عمر.
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
стр. 398
هذا حديث في إسناده اضطراب (١).
وقد روي هذا الحديث، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث …
... وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه.
حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه.
هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق) (٢).
قال ابن أبي شيبة: (حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: أرى أبا سفيان ذكره عن جابر قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب والسنور (٣)) (٤).
وقال النَّسَائِي: (أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور، والكلب إلا كلب صيد.
قال النَّسَائِي: هذا الحديث منكر) (٥).
قال أبو عوانة: (حدثنا أَبو داود السجزي، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى والربيع بن نافع وعلي بن بحر، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن
стр. 399
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنَّور.
حدثني أَبو جعفر محمد بن هشام بن أبي الدميك، قال: حدثنا أحمد ابن جناب، (ح).
وحدثني أَبو جعفر بن سنان قاضي سكبزر، قال: حدثنا عبد الوهاب ابن نَجْدة، قالا: حدثنا عيسى بن يونس بمثله.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد الجذامي: أن علي بن رباح حدثهم، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي ".
رواه مسلم عن سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن أعين، قال: حدثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك.
ورواه حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور.
قال أَبو عوانة في الأخبار التي فيها نهى عن ثمن السنَّور: فيها نظر، في صحتها وتوهينها) (١).
وقال العقيلي: (وروى أبو سفيان، عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور. حدثناه علي بن عبد العزيز قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر … وهذا إسناد صالح) (٢).
стр. 400
وقال ابن حبان: (ذكر الزجر عن بيع السنانير، أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، قال: حدثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك). (١)
وقال الدارقطني: (حدثنا إسماعيل بن يونس، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب.
حدثنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا وهب الله بن راشد أبو زرعة الحجري، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا خير بن نعيم الحضرمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور وهي الهرة.
حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عباد بن العوام، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم. الحسن بن أبي جعفر ضعيف.
حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا إسحاق بن الجراح بأَذَنَة، حدثنا الهيثم بن جميل، (ح) وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد بن برد، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا حماد بن سلمة،
стр. 401
عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد. ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ . هذا أصح من الذي قبله) (١).
وقال البيهقي: (وأخبرنا أبو بكر بن الحارث، أبنا أبو محمد بن حيان، أبنا أبو يزيد القرشي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد، ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد.
فهكذا رواه عبد الواحد، وكذلك رواه سويد بن عمرو، عن حماد، ثم قال: ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ . ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد، بالشك في ذكر النبي ﷺ فيه.
ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، فقال: نهى رسول الله ﷺ .
ورواه الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وليس بالقوي.
والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم) (٢).
وقال أيضا في باب ما جاء في ثمن السنور: (أخبرنا أبو نصر محمد ابن علي الفقيه، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن محمد،
стр. 402
وعبد الله بن محمد، قالا: ثنا سلمة بن شبيب، ثنا الحسن بن أعين، ثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم في الصحيح عن سلمة بن شبيب.
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، ثنا أبو حاتم محمد بن عيسى بن محمد الرازي بالري، أبنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن عمر بن فلد الصنعاني، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنه. رواه أبو داود في السنن عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق بإسناده، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الهر.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم العدل بمرو، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا عيسى بن يونس، (ح) وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي، ثنا حفص بن غياث، جميعا عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
أخرجه أبو داود في "السنن" عن جماعة، عن عيسى بن يونس. وهذا حديث صحيح على شرط مسلم بن الحجاج دون البخاري؛ فإن البخاري لا يحتج برواية أبي الزبير، ولا برواية أبي سفيان، ولعل مسلما إنما لم يخرجه في "الصحيح"؛ لأن وكيع بن الجراح رواه عن الأعمش قال: قال جابر بن عبد الله، فذكره، ثم قال: قال الأعمش: أرى أبا سفيان ذكره، فالأعمش كان يشك في وصل الحديث، فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة.
وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوما
стр. 403
بنجاسته، ثم حين صار محكوما بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة، والله أعلم) (١).
وقال ابن عبد البر: (وقد روى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، وهذا لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة.
وروى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ مثله، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح؛ لأنها صحيفة، ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة، وكلما أبيح اتخاذه والانتفاع به وفيه منفعة فثمنه جائز في النظر، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له مما لا معارض له فيه، وليس في السنور شيء صحيح، وهو على أصل الإباحة، وباللّه التوفيق) (٢).
وقال ابن رجب: (ومنهم (٣) معقل بن عبيد الله الجزري، ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة، ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.
ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء، ومما أنكر على معقل بهذا الإسناد: حديث الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء، وحديث: "النهي عن ثمن السنور"، وقد خرّجهما مسلم في
стр. 404
صحيحه، وكذلك حديث: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده") (١).
قلت: تبين مما تقدم أن حديث "النهي عن بيع السنور" جاء من طرق، ولكن جميعها لا يخلو من كلام.
أما طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فقد اختلف عليه كما تقدم، فمنهم من أرسله عنه، ومنهم من وصله، وقد ثبت عن الأعمش أنه كان يشك في ذكره رواية أبي سفيان، وهي أقوى الروايات عنه، لذا أعله أبو عيسى بالاضطراب.
وأما طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فهي خطأ.
وأما طريق معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، فقد تكلم فيها الإمام أحمد كما تقدم، وأن هذه الأحاديث التي يرويها إنما هي أحاديث ابن لهيعة عن أبي الزبير.
وأما الطرق الأخرى عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها في الرفع والوقف.
وأما رواية عمر بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه، فقد تكلم فيها أبو عيسى فقال: (هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق).
وأما رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها بين الرفع والوقف.
стр. 405
ولأجل هذا اختلف الحفاظ في صحة هذا الخبر، فتقدم أن الإمام مسلما صححه، وكذا ابن حبان، وقوّاه العقيلي.
وضعّفه أبو عيسى الترمذي، وأبو عوانة، وأبو عمر ابن عبد البر، ومال إلى ذلك البيهقي، ولكن هذه الطرق إذا اجتمعت دلّت على أن لهذا الحديث أصلًا؛ لأنها طرقٌ تعدّدت وتباينت مخارجها، مما يدل على قوتها، والله تعالى أعلم.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء: (حدثنا محمد بن موسى الحَرشي (١) البصري، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن همام، عن خلاس نحوه، ولم يذكر فيه عن علي.
قال أبو عيسى: حديث عليّ فيه اضطراب.
وروي هذا الحديث عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها) (٢).
قلت: هذا الحديث أعلّه بالاضطراب، وذلك لأنَّه مختلف فيه على قتادة، فمنهم من وصله كما في رواية همام، ومنهم من أرسله كما في رواية حماد، وكأن روايته هي الأرجح؛ لأن هشام الدستوائي قد تابعه على الإرسال، وهذا ما ذهب إليه الدارقطني فقال: (والمرسل أصح) (٣).
стр. 406
الوجه الثامن: -أنه يتوقف- أحيانا- في تصحيح الحديث من أجل غرابته، مع أنها في بعض الأحيان غرابة لا تضر - وهذا ليس دائمًا كما سيأتي -، وفي أحيان أخرى يعلل الخبر بها، وفي أحيان كثيرة يصححها إذا استوفت شروطَ قبولِ الخبر الغريب.
ومن أمثلة الأحاديث التي توقف في تصحيحها من أجل الغرابة، ما يأتي:
١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها:
(حدثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام ابن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: سألت النبي ﷺ عن مواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها".
وفي الباب عن عائشة، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب) (١).
قلت: إسناد هذا الحديث قوي، ورجاله ثقات، وقد توبع معاوية بن صالح، تابعه الهيثم بن حميد كما عند أبي داود (٢) وغيره، وسكت عنه أبو داود، وهذا مما يدل على قوته عنده، بل قد صححه ابن خزيمة (٣)، وخرجه ابن الجارود (٤)، ولعل السبب في توقف المصنف في تصحيحه هو حكمه عليه بالغرابة.
وأما الاختلاف في حرام بن حكيم - أو حرام بن معاوية كما وقع في
стр. 407
بعض الروايات -؛ فهو اختلافٌ في اسمه ولا يضر، وقد صوّب الخطيب البغدادي أنه رجل واحد، وتابعه ابن حجر (١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق".
وفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب.
وروي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار، ليحفظوا عنه.
وخالد الحذاء هو خالد بن مهران، يكنى أبا المنازل.
سمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن خالدا الحذاء ما حذا نعلا قط، إنما كان يجلس إلى حذاء فنسب إليه.
وأبو معشر اسمه زياد بن كليب) (٢).
قلت: هذا الحديث رجاله ثقات، وأبو معشر صدوق جيد الحديث، وقد أخرجه مسلم (٣)، ولكنَّ أبا عيسى توقف في صحته؛ لعله من أجل غرابته، ولهذا ذكر أبو الفضل بن الشهيد هذا الحديث في "جزئه على
стр. 408
مسلم" (١)، ضمن أحاديث يرى أنها معلولة، ثم روى عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر).
قال ابن الشهيد: (إنما أنكره أحمد من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري، فهو صحيح).
قلت: يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم من طريق أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (٢).
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الإشارة: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.
قال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حجر.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (٣).
قلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل غرابته عن عبيد الله خاصةً، وذلك لقوله: إلا نعرفه ص حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه)؛
стр. 409
وذلك أن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر عن نافع وعن غيره، وقد ساق مسلم (١) هذه الأوجه الثلاثة، فبدأ أولًا بحديث عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله، ثم ساق حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ثم ساق طريق مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي عن ابن عمر.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء: (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة، أنه سمع أسيد بن ظهير الأنصاري - وكان من أصحاب النبي ﷺ يحدث، عن النبي ﷺ قال: "الصلاة في مسجد قباء كعمرة".
وفي الباب عن سهل بن حنيف.
قال: حديث أسيد حديثٌ غريبٌ (٢).
ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.
وأبو الأبرد اسمه زياد مديني) (٣).
قلت: وقد بين أحمد شاكر ومحققو ط. الرسالة أنهم لم يقفوا على نسخة من نسخ الترمذي فيها: (حسن صحيح)، بل هي بين (غريب) و (حسن غريب). وأما ما نقله الذهبي أن الترمذي صحّح لأبي الأبرد (٤)، فهذا قد
стр. 410
يكون من قول الترمذي بعد ذلك: (ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث).
وتأسيسًا على ما تقدم؛ فإن الترمذي توقف في تصحيحه لغرابته، وذلك عندما ساق إسناده، ثم بيّن أنه - مع ذلك - حديث صحيحٌ.
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في صلاة التسبيح: (حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أم سليم غدت على النبي ﷺ ، فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي، فقال: "كبري الله عشرا، وسبحي الله عشرا، واحمديه عشرا، ثم سلي ما شئت، يقول: نعم نعم" (١).
وفي الباب عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والفضل بن عباس، وأبي را فع.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب.
وقد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء) (٢).
стр. 411
قلت: ظاهر إسناد هذا الحديث أنه جيد، ولكن متنه غريب، لذا توقف المصنف في صحته، ولكنَّ الحديث قد جاء من طرقٍ أخرى (١).
стр. 412
٦ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف مكانا يباعده عمرو، فقال: إني رسول
стр. 413
رسول الله ﷺ إليكم يقول: "كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم".
وفي الباب عن علي، وعائشة، وجبير بن مطعم، والشريد بن سويد الثقفي.
قال أبو عيسى: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار.
وابن مربع: اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد) (١).
قلت: هذا الحديث حديث صحيح ورجاله كلهم ثقات، وعمرو بن عبد الله بن صفوان روى عنه أربعة منهم عمرو بن دينار، وقال عنه الزبير بن بكار: كان من أشرف أهل زمانه (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وقال ابن حجر: صدوق شريفٌ (٤)، وقد صرح بسماعه من يزيد بن شيبان، وهو من أخواله كما في "التاريخ الكبير" (٥)، وفيه أيضًا: أن عمرو بن دينار صرح بسماعه من عمرو بن عبد الله بن صفوان (٦).
وقد صحّحه ابن خزيمة، والحاكم، ورواه أبو داود وسكت عنه (٧)، وأما عدم تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر، فلعله من أجل غرابته، والله أعلم.
٧ - وقال أيضا في باب ما - جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة:
стр. 414
(وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أن البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وهو قول إسحاق، واحتج بهذا الحديث، وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد.
حدثنا الحسين بن حريث وغير واحد قالوا: حدثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد) (١).
قلت: ظهر من كلام أبي عيسى أنه إنما توقف في تصحيحه من أجل الغرابة.
٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في نزول الأبطح: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، ينزلون الأبطح.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب (٢)، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر) (٣).
قلت: لم يصححه من أجل تفرد عبد الرزاق به عن عبيد الله بن عمر.
стр. 415
٩ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليم بن حيان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن أنس بن مالك، أن عليا قدم على رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: "بم أهللت؟ " قال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ، قال: "لولا أن معي هديا لأحللت ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (١).
قلت: هذا الحديث قد أخرجه الشيخان من طريق عبد الصمد به (٢)، وأخرجه مسلم من طريق ابن مهدي وبهز، كلاهما عن سليم به (٣).
ورجاله كلهم ثقات، ومروان ليس له عند مسلم والترمذي سوى هذا الحديث كما قاله المزي (٤).
والذي يظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه من أجل غرابته، فقد أخرجه البزار (٥) من طريق عبد الصمد به، وقال: (ولا نعلم أسند الأصفر، عن أنس، إلا هذا الحديث).
ملحوظة: لم يصرح مروان بسماعه من أنس، وفي "التاريخ الكبير"، قال: (سمع ابن عمر ومسروقا) (٦) ولم يذكر أنسًا، ولكن كونه سمع ابن عمر وقد توفي قبل أنس بنحو عشرين سنة، وكونه أيضًا بصريا، وأنس كذلك، فالأقرب أنه سمع منه.
وهذا المتن لاشك في صحته، فقد جاء أيضًا من حديث جابر في "الصحيح" (٧).
стр. 416
١٠ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١).
قلت: توقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث من أجل غرابته، فهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سلسلة مشهورة جدًا، فأين أصحاب هشام عن هذا الخبر؟! ثم أين أصحاب زهير بن معاوية حتى لا يرويه إلا الخلاد وهو ليس بالمشهور؟!
١١ - وقال أيضا في باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد تمرا فليفطر عليه، ومن لا، فليفطر على ماء، فإن الماء طهور".
وفي الباب عن سلمان بن عامر.
قال أبو عيسى: حديث أنس لا نعلم أحدا رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس.
وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح من حديث سعيد بن عامر.
стр. 417
وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب.
والصحيح ما روى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (١).
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، فهو خبرٌ غيرُ محفوظٍ؛ لأن أصحاب شعبة قد رووه بخلاف ما رواه سعيد، فهو قد تفرد به، وهذا يدل على خطئه، وهو وإن كان ثقةً إلا أن له بعض الأغلاط.
١٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (٢).
قال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح) (٣)، وقد احتج به ابن حزم (٤) - وهذا يقتضي ثبوته عنده؛ لأنَّه لا يحتج بضعيفٍ -، وأخرجه الضياء في "المختارة" (٥).
قلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من التوقف في تصحيح هذا الحديث، وذلك لغرابته، فإني لم أقف عليه إلا من طريق جعفر، ولا عن جعفر إلا عبد الرزاق، حتى أن أبا نعيم والضياء لم يخرجاه إلا من
стр. 418
طريقه (١)، ولكن لم ينصّ أحد منهم على أن عبد الرزاق تفرد به. نعم، قال أبو عيسى: (غريب)، لكن لم يبين أن الغرابة من عبد الرزاق أو من جعفر، فالله أعلم.
نعم، قد توبع عبد الرزاق في هذا الحديث، تابعه سعيد بن سليمان النشيطي، وعمار بن هارون، أخرج حديثهما ابن عدي (٢)، كلاهما عن جعفر بن سليمان به. ولكن كلا المتابعتين فيهما نظر، فسعيد بن سليمان، قال عنه الذهبي: (صويلح الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: فيه نظر. وقال أبو داود: لا أحدث عنه) (٣).
قلت: وقول الذهبي: (صويلحٌ) ليس بظاهر، بل هو ضعيفٌ، والسؤال: ما هي درجة ضعفه، هل يكتب حديثه، فيتقوى بغيره فتقوى هذه المتابعة، أو لا يكتب حديثه، وبالتالي لا يعتد بها؟
أما عمار بن هارون، قال الذهبي: (قال موسى بن هارون: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. كان يسرق الحديث) (٤).
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (ربما أخطأ) (٥)، وهذا فيه نظر لما تقدم.
قال ابن عدي في ترجمة جعفر -بعد أن ساق الحديث-: (وهذا الحديث يعرف بعبد الرزاق عن جعفر، ومن إفرادات جعفر، عن ثابت، عن أنس، لا أعلم يرويه عن جعفر غير ثلاثة أنفس، اثنين قد ذكرتهما، والثالث
стр. 419
عبد الرزاق، عن جعفر، والحديث به مشهور عن جعفر، وقد رواه سعيد بن سليمان، وعمار بن هارون، وزاد في حديث عبد الرزاق: كان النبي، ﷺ يفطر على الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر) (١).
وقال في ترجمة عمار بن هارون بعد أن ساق الحديث من طريقه: (وهذا معروف بعبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، وقد رواه عمار بن هارون، وسعيد بن سليمان النشيطي، جميعا عن جعفر أيضا) (٢).
ولأجل ما تقدم لم يعتد أبو حاتم وأبو زرعة بهذه المتابعة، وجزما بأنه لم يروه سوى عبد الرزاق، فقالا - بعد أن سألهما عبد الرحمن عن هذا الحديث -: (لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟) يعني: من أين جاء به. قال ابن أبي حاتم: (قلت: وقد رواه سعيد بن سليمان النشيطي، وسعيد بن هبيرة، فقال أبي: لا يسقى بالنشيطي وسعيد بن هبيرة شربة من ماء مثلًا. قال أبو زرعة: لا أدري ما هذا الحديث! لم يرفعه (٣) إلا من حديث عبد الرزاق) (٤).
والحديث له شاهدٌ، أخرجه أبو يعلى الموصلي (٥) - ومن طريقه الضياء (٦) - والعقيلي (٧)، عن إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا أبو ثابت عبد الواحد بن ثابت، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار.
قلت: وهذه المتابعة لجعفر لا يفرح بها، وذلك أن عبد الواحد بن ثابت ضعيف، مع أن متنه يخالف ما رواه جعفر بن سليمان.
стр. 420
قال العقيلي بعد أن ساق الحديث: (وقد روى جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يفطر على التمر. وروى جماعة من أصحاب النبي ﷺ عنه بأسانيد جياد أنه قال: "تسحروا فإن في السحور بركة"، وفى السحور أسانيد ثابتة، وأما اللفظتان اللتان جاء بهما هذا الشيخ: "ولو بجرعة من ماء"، أو "شيء لم تمسه النار"، فليس يتابعه عليهما ثقة) (١).
* * *
ومن الأمثلة على الأحاديث التي صححها أبو عيسى مع استغرابه لها:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في القراءة على المنبر: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان ابن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.
قال أبو عيسى: حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (٢).
قلت: هذا الحديث تفرد به ابن عيينة كما هو ظاهر كلام أبي عيسى، وقد صححه، وأخرجه الشيخان من طريق ابن عيينة، ومثلهما أبو داود، والنسائي (٣).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن
стр. 421
عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا وعليه برد.
قال أبو عيسى: هذا حديث الثوري، عن ابن جريج، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح.
وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى عن أبيه، وهو يعلى بن أمية) (١).
قلت: هذا الخبر صححه أبو عيسى مع غرابته، فقد تفرد به ابن جريج ولم يروه عنه سوى سفيان الثوري وهو إمام، فمثل هذه الغرابة لا تضر، نعم، قد تابعه عمر بن هارون البلخي عند أحمد (٢)، قال: حدثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، حدثنا ابن جريج، عن بعض بني يعلى بن أمية، عن أبيه به.
لكن خالفه فأسقط شيخ ابن جريج، وهو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة بالاتفاق، والصواب إثباته، ويظهر أن هذا الإسقاط حصل من ابن جريج، فقد رواه وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى به (٣).
وهذه الرواية أيضًا فيها إسقاطه.
ومرة قال: عن رجلٍ، كما في رواية عبد الله بن الوليد، عن الثوري (٤)، وفي أخرى سماه عبد الحميد كما في رواية قبيصة (٥)، والفريابي (٦).
стр. 422
وعمر قد اتهم، ولكن قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل -أو قال: يتفرد به- إلا هذا الحديث: كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون (١).
قلت: ومتابعته هنا مقبولة؛ لأن رواية الثوري لهذا الحديث تؤكد أن ابن جريج قد رواه، وأنَّه من حديثه.
ويؤيد هذا ما جاء في "تهذيب الكمال": (قال بهز: أرى يحيى بن سعيد حسده، قال: أكثر عن ابن جريج. من لزم رجلا اثنتي عشرة سنة لا يريد أن يكثر عنه؟!
قال أبو غسان: وبلغني أن أمه كانت تعينه على الكتاب.
قال أبو بكر الخطيب: وذكر مسلم بن عبد الرحمن البلخي أن ابن جريج تزوج أم عمر بن هارون؛ فمن هناك أكثر السماع منه.
وقال أبو أحمد بن عدي: يقال: إنه لقي ابن جريج بمكة، وكان حسن الوجه، فسأله ابن جريج: ألك أخت؟ قال: نعم. فتزوج بأخته، فقال: لعل هذا الحسن يكون في أخته كما هو في أخيها، فتفرد عن ابن جريج، وروى عنه أشياء لم يروها غيره) (٢).
ثم إن متن هذا الخبر ليس بغريب، فقد أخرج أحمد من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرّانة، فاضْطَبَعوا، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رَمَلُوا (٣).
стр. 423
وجاء عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١)، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج؛ أن عمر بن عبد العزيز طاف بالبيت مضطبعا.
ولهذا وغيره صححه أبو عيسى الترمذي، والله أعلم.
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف: (حدثنا محمد ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف" …
وفي الباب عن جابر.
قال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا) (٢)
قلت: هذا الحديث مثل الحديث السابق.
٤ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير الواسطي المعنى واحد، قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: قلت لأنس: حدثني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قال: قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، يستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوري) (٣).
стр. 424
قلت: إنما صحح أبو عيسى هذا الحديث مع غرابته عن الثوري؛ لأنَّه قد جاء مختصرًا من وجه آخر عن عبد العزيز: أخرجه البخاري (١)، قال: (حدثنا علي، سمع أبا بكر بن عياش، حدثنا عبد العزيز، لقيت أنسا (ح)، وحدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو بكر، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنسا ﵁ ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ).
стр. 425
الوجه التاسع: أنه - أحيانًا - يتوقف في تصحيح الخبر الذي ظاهره الصحة إذا كان متنه غريبا.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه.
ووصفت الباب في القبلة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (١).
قلت: هذا الحديث لم يصححه من أجل غرابة متنه وإسناده، فتفرد بُرد عن الزهري لا يحتمل؛ فاين أصحابه الملازمون له؛ كمالك، وشعيب، وسفيان، ومعمر، ويونس بن يزيد، وغيرهم؟ لذا قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
وبُرد قد تتابع الأئمة على توثيقه أو تصديقه، إلا ما جاء عن علي بن المديني، فإنه قد ضعَّفه، وقال عنه ابن حبان: رديء الحفظ (٢)، ولكن ذكره أيضًا في "الثقات" (٣).
قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي، فاستفتحت الباب، فجاء النبي ﷺ ففتح الباب، ومضى في صلاته. قلت لأبي: ما حال هذا الحديث؟