← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا وعليه برد. قال أبو عيسى: هذا حديث الثوري، عن ابن جريج، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح. وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى عن أبيه، وهو يعلى بن أمية) (١). قلت: هذا الخبر صححه أبو عيسى مع غرابته، فقد تفرد به ابن جريج ولم يروه عنه سوى سفيان الثوري وهو إمام، فمثل هذه الغرابة لا تضر، نعم، قد تابعه عمر بن هارون البلخي عند أحمد (٢)، قال: حدثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، حدثنا ابن جريج، عن بعض بني يعلى بن أمية، عن أبيه به. لكن خالفه فأسقط شيخ ابن جريج، وهو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة بالاتفاق، والصواب إثباته، ويظهر أن هذا الإسقاط حصل من ابن جريج، فقد رواه وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى به (٣). وهذه الرواية أيضًا فيها إسقاطه. ومرة قال: عن رجلٍ، كما في رواية عبد الله بن الوليد، عن الثوري (٤)، وفي أخرى سماه عبد الحميد كما في رواية قبيصة (٥)، والفريابي (٦).

стр. 422

وعمر قد اتهم، ولكن قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل -أو قال: يتفرد به- إلا هذا الحديث: كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون (١). قلت: ومتابعته هنا مقبولة؛ لأن رواية الثوري لهذا الحديث تؤكد أن ابن جريج قد رواه، وأنَّه من حديثه. ويؤيد هذا ما جاء في "تهذيب الكمال": (قال بهز: أرى يحيى بن سعيد حسده، قال: أكثر عن ابن جريج. من لزم رجلا اثنتي عشرة سنة لا يريد أن يكثر عنه؟! قال أبو غسان: وبلغني أن أمه كانت تعينه على الكتاب. قال أبو بكر الخطيب: وذكر مسلم بن عبد الرحمن البلخي أن ابن جريج تزوج أم عمر بن هارون؛ فمن هناك أكثر السماع منه. وقال أبو أحمد بن عدي: يقال: إنه لقي ابن جريج بمكة، وكان حسن الوجه، فسأله ابن جريج: ألك أخت؟ قال: نعم. فتزوج بأخته، فقال: لعل هذا الحسن يكون في أخته كما هو في أخيها، فتفرد عن ابن جريج، وروى عنه أشياء لم يروها غيره) (٢). ثم إن متن هذا الخبر ليس بغريب، فقد أخرج أحمد من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرّانة، فاضْطَبَعوا، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رَمَلُوا (٣).

стр. 423

وجاء عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١)، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج؛ أن عمر بن عبد العزيز طاف بالبيت مضطبعا. ولهذا وغيره صححه أبو عيسى الترمذي، والله أعلم. ٣ - وقال أيضا في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف: (حدثنا محمد ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف" … وفي الباب عن جابر. قال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا) (٢) قلت: هذا الحديث مثل الحديث السابق. ٤ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير الواسطي المعنى واحد، قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: قلت لأنس: حدثني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قال: قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، يستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوري) (٣).

стр. 424

قلت: إنما صحح أبو عيسى هذا الحديث مع غرابته عن الثوري؛ لأنَّه قد جاء مختصرًا من وجه آخر عن عبد العزيز: أخرجه البخاري (١)، قال: (حدثنا علي، سمع أبا بكر بن عياش، حدثنا عبد العزيز، لقيت أنسا (ح)، وحدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو بكر، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنسا ﵁ ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ).

стр. 425

الوجه التاسع: أنه - أحيانًا - يتوقف في تصحيح الخبر الذي ظاهره الصحة إذا كان متنه غريبا. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه. ووصفت الباب في القبلة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (١). قلت: هذا الحديث لم يصححه من أجل غرابة متنه وإسناده، فتفرد بُرد عن الزهري لا يحتمل؛ فاين أصحابه الملازمون له؛ كمالك، وشعيب، وسفيان، ومعمر، ويونس بن يزيد، وغيرهم؟ لذا قال أبو حاتم: هذا حديث منكر. وبُرد قد تتابع الأئمة على توثيقه أو تصديقه، إلا ما جاء عن علي بن المديني، فإنه قد ضعَّفه، وقال عنه ابن حبان: رديء الحفظ (٢)، ولكن ذكره أيضًا في "الثقات" (٣). قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : أنه كان يصلي، فاستفتحت الباب، فجاء النبي ﷺ ففتح الباب، ومضى في صلاته. قلت لأبي: ما حال هذا الحديث؟

стр. 426

فقال أبي: لم يَرو هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غيرُ برد، وهو حديث منكر، ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان بُرد يرى القدر) (١). ٢ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الاغتسال عندما يُسْلم الرجل: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم، أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. وفي الباب عن أبي هريرة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٢). قلت: بيّن أن هذا الخبر لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن النبي ﷺ لم يأمر أحدا من الذين أسلموا بالاغتسال، إلا ما جاء في هذا الخبر وخبر ثمامة بن أثال في بعض رواياته المرجوحة، فعليه يكون غريبا سندا ومتنا. وفي "أطراف الغرائب والأفراد": (حديث: أتيت النبي ﷺ لأبايعه على الإسلام، فقال: يا قيس بن عاصم، اغتسل بماء وسدر … الحديث. قال: غريب من حديثه عن النبي ﷺ ) (٣). قلت: روى هذا الحديث جمع عن سفيان الثوري -منهم القطان، وابن مهدي-، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم (٤).

стр. 427

وخالفهم قبيصة، فرواه عن الثوري، عن الأغر، عن خليفة، عن أبيه، عن جده (١). قال أبو حاتم: (إن هذا خطأ؛ أخطأ قبيصة في هذا الحديث؛ إنما هو: الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس: أنه أتى النبي ﷺ … ليس فيه أبوه) (٢). قلت: وأنا أذهب إلى هذا، فالصواب بدون: عن أبيه. ورواه وكيع - في روايةٍ عنه - كما رواه قبيصة (٣)، والصواب عنه كرواية الجماعة (٤). وجاء في رواية عن وكيع أيضًا: عن سفيان الثوري، عن خليفة: أن جدّه أتى إلى النبي ﷺ ، فذكره مرسلًا. قال البيهقي: (وبمعناه رواه محمد بن كثير وجماعة، إلا أن أكثرهم قالوا: عن جده قيس بن عاصم، ورواه قبيصة بن عقبة فزاد في إسناده) (٥). قلت: وخليفة لا يعرف أنه سمع من جده، فليس هناك تصريح في هذا الحديث بسماعه من جده، لذا عندما ترجم له البخاري لم يذكر سماعه من

стр. 428

جده، بل لم يذكر روايته عن جده، وإنما قال (روى عن أبيه) (١)، وكذا في ترجمة قيس بن عاصم (٢) لم يذكر أن خليفة سمع منه. وأما أبو حاتم فلم يذكر أنه يروي عن أبيه (٣)، وعندما ترجم لقيس بن عاصم قال: (روى عنه ابن ابنه خليفة بن حصين) (٤)، فالأقرب في هذا الخبر أنه منقطعٌ. ٣ - وقال أيضا في باب فيمن أكل ثم خرج سفرا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب. حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، فذكر نحوه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر، هو ابن أبي كثير، هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر. وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح، والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه) (٥). قلت: الإسناد الأول فيه عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني، وهو لا يحتج به.

стр. 429

وأما الإسناد الثاني، فهو صحيح جدًا، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، فلماذا لم يصححه أبو عيسى؟ الظاهرُ أنه لغرابة متنه، وذلك أن المسافر لا يفطر إلا بعد خروجه من بلده. وقد قال الدارقطني بعد أن أخرجه: (رجاله كلهم ثقات)، وقول الدارقطني هذا ليس موجودًا في المطبوع، وإنما في "الإتحاف" لابن حجر، وقد نقل أيضًا أن ابن القطان الفاسي قد صححه (١). وأخرجه الضياء (٢)، ونقل تحسين الترمذي. وذكره ابن أبي حاتم قال: (وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال ليس بسنة. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث؛ قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة. قال أبي: حديث الدراوردي أصح) (٣). قلت: لا شك أن رواية الدراوردي أرجح؛ لأن محمد بن عبد الرحمن بن مجبر متروك، ولكن لم يذكر أبو حاتم ولا ابنه طريق الترمذي الصحيحة، وهي لا شك أقوى من طريق الدراوردي. وأخرجه الدارقطني من طريقين عن روح، ثنا شعبة، عن عمرو بن

стр. 430

عامر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال لي أبو موسى: ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائما، وإذا دخلت دخلت صائما؟ فإذا خرجت فأخرج مفطرا، وإذا دخلت فادخل مفطرا (١). وأخرجه البيهقي (٢) من طريق عثمان بن عمر حدثنا شعبة به. قلت: وهذا صحيح عن أنس، وفيه أن أنسًا كان إذا أراد أن يسافر لا يفطر بل يخرج صائمًا، وكذا إذا رجع إلى بلده، فإنه يكون صائمًا أيضًا، وظاهر الخبر أنه فعل ذلك مرارًا، وأن هذا هو ديدنه، فأمره أبو موسى أن يكون مفطرًا عندما يريد السفر في الخروج، وعند الدخول. وقد يكون هذا ما دعا أنسًا أن يفطر عند إرادة السفر بعد أن كان يفعل خلاف ذلك، ولعله ظنَّ من قول أبي موسى الأشعري له في ذلك أنه سنة، ولكن كلامه الذي تقدم ليس فيه ذكر لذلك، وهو الأصح؛ لأنَّه من المتفق عليه: أن المسافر لا يجوز له أن يقصر من الصلاة قبل أن يخرج؛ لأنَّه ما دام في بلده فإنه يعتبر مقيمًا حتى ولو كان قد نوى السفر، فالصيام مثل ذلك، ثم إن الإنسان قد يعزم على السفر فيركب دابته ثم بعد ذلك قد يطرأ عليه ترك السفر، فيكون قد أفطر هذا اليوم وهو لم يسافر، وقبل هذا وبعده لم يُنقل عن رسول الله ﷺ ولو مرة واحدة أنه قد أفطر قبل أن يخرج، بل ثبت في أحاديث كثيرة أنه كان يصوم في السفر -مع أن الفطر رخصةٌ-، وثبت أن من الصحابة من كان يصوم في السفر أيضًا، وهم مع رسول الله ﷺ ، لذا كان الصيام في السفر أفضل لمن لم يشق عليه، والفطر أفضل لمن شق عليه الصيام، والله تعالى أعلم. وأختم بمثال يوضح منهجه في ذلك ويؤكده: ألا وهو حديث ابن

стр. 431

عباس، قال ﵀: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وفي الباب عن أبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي. وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا. حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر". قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. والعمل على هذا عند أهل العلم: ألا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة … ) (١). قلت: يلاحظ أنه لم يحكم عليه بالصحة، وهو صحيح لا شك في صحته عنده؛ لأنَّه ذكر ثلاثة ممن رووه عن ابن عباس، وكلهم من الثقات المشاهير، والحديث صححه الشيخان وغيرهما، فلم يبق إلا استغراب متنه، وهذا ما نص عليه في "العلل الصغير" بقوله: (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:

стр. 432

حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر. وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ". وقد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (١). قلت: وينظر كلامه على حديث شارب الخمر في المرة الرابعة، فإنه لم يحكم عليه أيضا حكما صريحا بينا، وإنما أطال الكلام عليه من الناحية الفقهية كما فعل في حديث ابن عباس. * * *

стр. 433

الوجه العاشر: الحديث الذي لا يذكر فيه اختلافًا ولا غرابةً، وقد حكم بصحته؛ فهذا غالبًا ما يكون كذلك. وذلك لما تقدم من حال أبي عيسى أنه كثيرًا ما يشير للاختلاف الذي وقع في الحديث - حتى ولو كان يسيرًا، وليس له كبير تأثير - وللغرابة إن وجدت، فإذا لم يذكر شيئًا من ذلك، فالقلب حينئذٍ يطمئن إلى صحة الخبر. ومن الأمثلة على ذلك: قال ﵀ في باب ما يقول إذا أذن المؤذن: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك (ح) وحدثنا قتيبة، عن مالك، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". وفي الباب عن أبي رافع، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن ربيعة، وعائشة، ومعاذ بن أنس، ومعاوية. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح. وهكذا روى معمر وغير واحد، عن الزهري مثل حديث مالك. وروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ورواية مالك أصح) (١). قلت: أين رواية عبد الرحمن بن إسحاق من رواية الإمام مالك ومعمر من حيث القوة والصحة؟! فلا يخفى أن بينهما البون الشاسع، ومع ذلك

стр. 434

أشار إلى رواية عبد الرحمن المخالفة، ونص على صحة رواية مالك، وهذا مثال من عشرات الأمثلة على عنايته بالاختلاف الذي يقع في الخبر حتى ولو لم يكن مؤثرا. * * *

стр. 435

الوجه الحادي عشر: الخبر الذي ظاهره الصحة ولم يحكم بصحته؛ غالبًا ما يكون فيه علة خفية، لا تدرك إلا بالبحث، وجمع الطرق لهذا الخبر. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء؛ فإنه طهور". وقال: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة". وفي الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، وجابر، وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث سلمان بن عامر حديث حسن. والرباب هي أم الرائح ابنة صليع. وهكذا روى سفيان الثوري، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ نحو هذا الحديث. وروى شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر ولم يذكر فيه عن الرباب. وحديث سفيان الثوري وابن عيينة أصح. وهكذا روى ابن عون وهشام بن حسان، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (١).

стр. 436

قلت: هذا الحديث أخرجه في "الصيام" (١) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن عاصم به، وقال: حسنٌ صحيحٌ، ولكن ليس فيه: "فإنه بركة"، وذلك عندما ذكر التمر، كما أنه ليس فيه قصة الصدقة. فأما الزيادة الأولى، وهي: (فإنه بركة)، فالأقرب أنها غير محفوظة، قال النَّسَائِي: (لا نعلم أن أحدا ذكر في هذا الحديث "فإنه بركة" غير سفيان) (٢)، وقال في موضعٍ آخر: (هذا الحرف "فإنه بركة"، لا نعلم أن أحدا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظا) (٣). ورواها أيضًا ابن ماجه (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن ابن عون به، مقتصرًا على الصدقة فقط. وأما قصة الصدقة، فإنها صحيحةٌ، فقد رواها النَّسَائِي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن عونٍ، عن حفصة (٥). ورواه أيضًا الحميدي (٦) عن سفيان بن عيينة به. وابن خزيمة (٧) عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان به. ولكون زيادة "فإنه بركة" غير محفوظة لم يصحح أبو عيسى هذا الخبر فيما يظهر، والله أعلم. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولي أحدكم أخاه، فليحسن كفنه".

стр. 437

وفيه عن جابر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (١). قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات، وعمر بن يونس ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة، وقد توبع من قبل مسلم بن إبراهيم الأزدي عند ابن أبي الدنيا (٢)، والبيهقي، وزاد في آخره: "فإنهم يتزاورون في قبورهم"، قال البيهقي: (وهذا إن صح لم يخالف قول أبي بكر الصديق ﵁ في الكفن: "إنما هو للمُهْل"، يعني: الصديد؛ لأن ذلك كذلك في رؤيتنا، ويكون كما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهو ذا نراهم يتشحطون في الدماء، ثم يفتنون، وإنما يكونون كذلك في رؤيتنا، ويكونون في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر الله عنهم لارتفع الإيمان بالغيب) (٣). وأما عكرمة بن عمار فهو مستقيم الحديث، نعم، تُكلِّم في روايته ولكن عن يحيى بن أبي كثير، وهذا ليس منها. إذنْ لماذا توقف المصنف عن تصحيحه؟! لعله من أجل أن سفيان الثوري، رواه عن هشام، عن ابن سيرين قال: كان يقال … فرواية عكرمة بن عمار، عن هشام في وصل هذا الحديث غريبة، وهذا ما جعل أبا عيسى - فيما يظهر - لا يصحح هذا الخبر، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 438

الوجه الثاني عشر: أنه عند نقده للأخبار غالبًا ينقدها من حيث الإسناد، وفي بعض الأحيان من حيث الإسناد والمتن معا، وفي بعضها من حيث المتن فقط. ومن الأمثلة على نقده للخبر من جهة الإسناد والمتن: ١ - قوله ﵀ في باب ما جاءكم حج النبي ﷺ : (حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ : حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، ومعها عمرة، فساق ثلاثة وستين بدنة، وجاء عليٌّ من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة فنحرها (١)، فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه، عن عبد الله بن أبي زياد. وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي: ﷺ ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسل. حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كم حج النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة حنين.

стр. 439

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وحبان بن هلال هو أبو حبيب البصري هو جليل ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان) (١). قلت: يلاحظ أن حديث جابر هذا نقده أبو عيسى سندًا ومتنًا: أما من حيث الإسناد فقد حكم عليه بالغرابة، ثم بيَّن أن الصواب فيه الإرسال، وذلك فيما نقل عن البخاري. وأما من حيث المتن فقد ذكر حديث أنس، وهو حديث صحيح كما قال أبو عيسى، وقد صححه أيضًا البخاري ومسلم (٢)، وفيه أن النبي ﷺ حجَّ حجةً واحدةً (٣)، وليس ثلاثًا كما جاء في الحديث السابق. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي، قال: سمعت ابن نمير، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلي عنها غيرها، هي تلبي، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية). قلت: يلاحظ أن أبا عيسى قد نقد هذا الخبر سندًا ومتنًا. ٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التطوع في السفر: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عمر،

стр. 440

قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية، ونافع، عن ابن عمر. حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصلّ بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، فلا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. سمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إليّ من هذا (١)) (٢). قلت: هذا الحديث معلولٌ، لا يصح، لا من حيث الإسناد ولا من حيث المتن. أما من حيث الإسناد؛ ففيه حجاج وهو ابن أرطاة، وعطية وهو العوْفي. وأما في الإسناد الثاني؛ ففيه ابن أبي ليلى، بالإضافة إلى عطية، وثلاثتهم لا يحتج بهم. وأما المتن، فهو مخالفٌ لما ثبت عن ابن عمر: أن الرسول ﷺ وأبو

стр. 441

بكر وعمر، وعثمان ﵁ كانوا يقتصرون على الركعتين في السفر، وأن ابن عمر كذلك، فكان لا يتطوع إذا كان مسافرًا، أخرجه الشيخان عنه (١). وفي حديث عطية العوفي السابق: أن الرسول ﷺ ، كان يتطوع بعد الظهر والمغرب ركعتين. فتبين أن هذا المتن منكر. ولذلك لم يصحح أبو عيسى هذا الحديث، بل ذكره في "العلل الكبير"، وقال: (وسمعت محمدا يقول: لا أعرف لابن أبي ليلى حديثا هو أعجب إليّ من هذا، وهو حديثه عن عطية ونافع، عن ابن عمر: صليت مع النبي ﷺ في الحضر الظهر أربعا، وبعدها ركعتين … الحديث، قال محمد: ولا أروي عن ابن أبي ليلى شيئا) (٢). ومن أمثلة نقده للخبر من حيث المتن فقط: ١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه، أن النبي ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما. قال أبو عيسى: هكذا روى ابن عيينة. وروى مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه. ورواية مالك أصح …

стр. 442

حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك بن أنس قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر. وهذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر) (١). قلت: الاختلاف بين الروايتين في المتن وفي الإسناد: فأما في المتن فرواية مالك أتم وأوضح في المقصود، وذلك أن في روايته أن الرعاة يرمون اليوم الأول وهو يوم النحر، ويرمون يوما آخرا يجمعون فيه رمي يومين، ثم يرمون في اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر. وأما رواية ابن عيينة فليس فيها هذا التفصيل، وإنما فيها أنهم يدعون رمي يوم، ولم يبين هل يجمعون رميه مع يوم آخر. ولم يذكر الرمي في يوم النفر، فلا شك عندئذ أن رواية مالك أصح؛ لأنَّه أتقن لفظ الخبر، وهذا من دقة نقد أبي عيسى. وأما الإسناد، فقال ابن عبد البر: (وذكر أحمد بن خالد: أن يحيى بن يحيى وحده من بين أصحاب مالك قال في هذا الحديث عن مالك بإسناده أن أبا البداح عاصم بن عدي، فجعل أبا البداح كنية عاصم بن عدي، وجعل الحديث له، والحديث إنما هو لعاصم بن عدي هو الصاحب، وأبو البداح ابنه يرويه عنه، وهو الصحيح فيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: وكذلك رواه ابن وهب وابن القاسم.

стр. 443

قال أبو عمر: لم نجده عند شيوخنا في كتاب يحيى إلا عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، كما رواه جماعة الرواة عن مالك، وهو الصحيح في إسناد هذا الحديث، كما قال أحمد، فإن كان يحيى رواه كما قال أحمد فهو غلط من يحيى - والله أعلم - أو من غيره، ولم يختلفوا في إسناد هذا الحديث عن مالك، إلا ما ذكر أحمد بن خالد عن يحيى، وقد اختلفوا عنه في ألفاظه. وقد كان سفيان بن عيينة يقول في إسناد هذا الحديث شيئا يشبه ما حكاه أحمد عن يحيى في روايته عن مالك ويعضده، وذلك أنه قال فيه: عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة لم يقل: عن أبيه، والصواب في إسناد هذا الحديث ما قاله مالك في رواية جمهور الرواة عنه) (١). ٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الأذان بالليل: (وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي ﷺ أن ينادي: إن العبد نام. قال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". وروى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، أن مؤذنا لعمر أذن بليل، فأمره عمر أن يعيد الأذان. وهذا لا يصح؛ لأنَّه عن نافع، عن عمر منقطع. ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث، والصحيح رواية عبيد الله بن

стр. 444

عمر وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "إن بلالا يؤذن بليل ". قال أبو عيسى: ولو كان حديث حماد صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى؛ إذ قال رسول الله ﷺ : "إن بلالا يؤذن بليل" فإنما أمرهم فيما يستقبل، فقال: "إن بلالا يؤذن بليل" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: "إن بلالا يؤذن بليل ". قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة) (١). ٣ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (٢). قلت: لم يصححه أبو عيسى (٣)، ولعله من أجل غرابة متنه، فقد خرّج حديثين بهذا الإسناد، وحكم بصحتهما: الأول: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم ".

стр. 445

وفي الباب عن سمرة، وابن عمر، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (١). الثاني: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا سعيد بن جبير وأبو الطفيل، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ". هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه) (٢). لذا عندما أخرجه أبو نعيم، قال: (غريب من حديث سعيد، تفرد به بن خثيم (٣). * * *

стр. 446

الوجه الثالث عشر: أنه لا يقبل زيادة الثقة دائمًا، وإنما يقبلها إذا كان هذا الثقة من الحفاظ. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: رأى النبي ﷺ أعرابيا قد أحرم وعليه جبة، فأمره أن ينزعها. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه. قال أبو عيسى: وهذا أصح، وفي الحديث قصة. وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلى بن أمية. والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما إمام، وقد زادا في الحديث فزيادتهما مقبولة. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك "، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك ".

стр. 447

هذا حديث حسن. حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بمثله. هذا حديث حسن صحيح. حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا سعيد بن الربيع أبو زيد، قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك أو من طعامك، وأن تزني بحليلة جارك ". قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. حديث سفيان، عن منصور والأعمش، أصح من حديث واصل؛ لأنَّه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ نحوه. هكذا روى شعبة عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل) (١). قلت: نصّ المصنف على قبول الزيادة التي وقعت في إسناد هذا الخبر؛ وذلك لأن الذي زادها إمام حافظ، وهو سفيان الثوري.

стр. 448

٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل". وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا، حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ مثله. وقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد الله ابن عبد الله، عن أبيه، كلا الحديثين صحيح. وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر. قال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح. ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت: أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل. حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.

стр. 449

وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث. وروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث. وسألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو هذا الحديث) (١). قلت: قول البخاري: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، يعني بذلك أن رواية مالك المرسلة لا تؤثر على الرواية الموصولة بذكر عبد الله بن عمر؛ لأنها زيادة من ثقة فتقبل، وبالتالي فكل هذه الأسانيد التي ذكرها أبو عيسى صحيحة ما عدا رواية الإمام مالك المرسلة، فهذا الخبر قد سمعه ابن عمر من النبي ﷺ ، وسمع أباه يحدث به عن رسول الله ﷺ . ويؤيد هذا قول أبي عيسى عن رواية ابن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ : (حديث صحيح). ٤ - وقال أيضا: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.

стр. 450

وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحو حديث أيوب، وزاد فيه: من المسلمين. ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه: من المسلمين) (١). قلت: صحح أبو عيسى رواية مالك والتي فيها زيادة: "من المسلمين"، مع قوله: (رواه غير واحد عن نافع دونها)، وقد بين ذلك بيانا واضحا في "علله الصغير" فقال: (ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير. قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين. وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين. وقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد ابن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد عنهم صدقة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه) (٢). * * *

стр. 451

الوجه الرابع عشر: أنه في بعض الأحيان يتوقف في قبول زيادة الثقة ولو كان حافظاً. ومن الأمثلة على ذلك: قال ﵀ في باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد: (حدثنا يحيى ابن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد (١)، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا. وفي الباب عن عبد الله بن عباس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حسن غريب. وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (٢). قلت: هذا الحديث خرّجه الشيخان (٣) من طريق خالد بن عبد الله به. ولم يصححه أبو عيسى، مع قوله عن خالد: ثقة حافظ، ومع أن هذه الزيادة قد تابعه عليها سليمان بن بلال. قال البخاري: (حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ. فدعا بتور من

стр. 452

ماء، فأكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يتوضأ) (١). قال ابن حجر: (قوله: "ثم تمضمض واستنثر" وللكشميهني: "مضمض واستنشق"، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة، وزاد بعد قوله ثلاثا: "بثلاث غرفات"، واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، وفي رواية خالد ابن عبد الله الآتية بعد قليل: "مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا"، وهو صريح في الجمع كل مرة، بخلاف رواية وهيب فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند المصنف في باب الوضوء من التور: "فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة"، واستدل بها على الجمع بغرفة واحدة، وفيه نظر لما أشرنا إليه من اتحاد المخرج فتقدم الزيادة) (٢). وأكتفي بهذا المثال هنا؛ لأنَّه سوف تأتي أمثلة كثيرة على ذلك. * * *

стр. 453

الوجه الخامس عشر: أنه يسلك طريق الترجيح بين الروايات. لا يخفى على المشتغلين بعلم الحديث أن الأحاديث تنقسم إلى قسمين: ١ - أحاديثُ استوفتْ شروط الصحة، ولم يقع في أسانيدها ضعفٌ أو اختلافٌ، أو غرابةٌ وشذوذٌ. ٢ - وأحاديث لم تستوف شروط الصحة؛ بأن وقع في أسانيدها من هو متكلّمٌ فيه، فهذه ضعيفةٌ كما هو معلومٌ، وضعفها على درجاتٍ، فأحياناً تتقوَّى إذا تعددتْ طرقها، أو إذا جاء ما يشهد لها؛ وأحياناً لا تتقوَّى. وسوف يأتي الكلام عليها بإذن الله. وأما التي وقع في أسانيدها أو متونها غرابةٌ أو شذوذٌ، فهذه فيها تفصيلٌ مطولٌ، وقد تقدم الكلام عليها. وأما التي وقع في أسانيدها أو متونها اختلافٌ؛ فهذه إن أمكن الجمع بين أوجه هذا الاختلاف فبها، وإلا فإنه يُسلَك فيها مسلك الترجيح، وينظر إلى القرائن. ويلحظ الدارس لمنهج أبي عيسى: أنه يسلك أوجهاً كثيرةً للترجيح بين الروايات، من أشهرها وأظهرها ما يلي: الأول: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ على غيره: وهذا كثيرٌ في كتابه "الجامع" وهو محلُ اتفاقٍ بين أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر، أو ينساه: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال:

стр. 454

قال رسول الله ﷺ : "من نام عن الوتر أو نسيه، فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ". حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من نام عن وتره فليصل إذا أصبح". قال أبو عيسى: وهذا أصح من الحديث الأول. سمعت أبا داود السجزي - يعني: سليمان بن الأشعث - يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به. وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله أنه ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة) (١). قلت: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإن كان من أهل العلم والفضل، إلا أنه في باب الرواية ضعيف جداً، وعبد الله أخوه وإن كان قد تُكلم فيه إلا أنه أقوى منه، لذا رجح أبو عيسى روايته عليه. ٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر".

стр. 455

قال أبو عيسى: وسليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) (١). قلت: في هذا تعليلٌ بتفرد سليمان بن موسى بهذا السياق، واللفظ الصحيح هو ما جاء في رواية عبيد الله، ولا شك أن عبيد الله أوثق بكثير من سليمان بن موسى (٢)، ويؤكد هذا ما جاء عند مسلم في رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ ، قال: "بادروا الصبح بالوتر" (٣). ٣ - وقال أيضاً في باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى ابن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له". قال أبو عيسى: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله، وهو أصح (٤) ((٥). قلت: هذا الحديث رفعه يحيى بن أيوب وغيره، ولكن وقفه من هو أوثق منهم وأكثر، على عبد الله بن عمر، وعلى رأس هؤلاء مالك كما في "الموطأ" (٦)، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عمر، عن حفصة، وكلا الطريقين

стр. 456

محفوظٌ، فالصواب في هذا الخبر وقفه، كما ذهب إلى هذا أبو عيسى الترمذي وغيره من كبار الحفاظ، كالبخاري (١)، وأبي داود (٢)، وأبي حاتم (٣)، والنسائي (٤)، وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك في موضعه من الكتاب. ٤ - وقال أيضاً في باب ما جاء في صيام العشر: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت النبي ﷺ صائما في العشر قط. قال أبو عيسى: هكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وروى الثوري وغيره هذا الحديث، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ لم يُر صائما في العشر. وروى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه: عن الأسود. وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح وأوصل إسنادا. قال: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور) (٥). قلت: رجّح رواية الأعمش؛ لأنَّه أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، كما روى ذلك أبو عيسى عن وكيع، فتكون زيادةً من ثقةٍ حافظٍ، فبالتالي يجب قبولها.

стр. 457

٥ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: وروى جرير بن حازم هذا الحديث، فقال: عن جابر، عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد وإسحاق) (١). قلت: جرير بن حازم وإن كان ثقة مشهوراً، ولكن له بعض الأوهام، فلذا قُدم ابن جريج عليه، مع أنه قد جاء هذا الخبر عنه - أي جرير - دون ذكر عمر، رواه أبو داود (٢)، وابن خزيمة (٣). ٦ - وقال أيضاً في باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر (٤)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (٥)، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية". قال أبو عيسى: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح.

стр. 458

وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح هو عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري. وفي الباب عن زيد بن خالد، وأبي هريرة، وابن عباس) (١). قلت: وأنا أذهب إلى ذلك، وذلك أن عبد الملك بن أبي بكر ثقة خرج له الجماعة، وقد رواه عن خلاد عن أبيه السائب، وروايته مقدمة على رواية المطلب بن عبد الله الذي جعله عن خلاد عن زيد بن خالد، والمطلب كثير الإرسال والتدليس، وأخشى أنه لم يسمعه من خلاد، فلذا تكون رواية عبد الملك هي الراجحة، وهذا ما ذهب إليه البخاري كما في "العلل الكبير" (٢). ٧ - وقال أيضاً: (باب ما جاء ما يقرأ في ركعتي الطواف: أخبرنا أبو مصعب المدني قراءة، عن عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران، وحديث جعفر بن محمد عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر عن النبي ﷺ .

стр. 459

وعبد العزيز بن عمران ضعيف في الحديث) (١). قلت: لا شك أن الثوري من أحفظ الناس، فلا شك أن روايته هي الراجحة. ومن ترجيحه رواية الأحفظ أيضاً: ٨ - وقال أيضاً في باب ما جاء في المشي أمام الجنازة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن همام، عن منصور وبكر الكوفي وزياد وسفيان، كلهم يذكر أنه سمعه من الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. وفي الباب عن أنس. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو حديث ابن عيينة. وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفاظ عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة.

стр. 460

وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح. قال أبو عيسى: وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة. قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة. قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى هذا الحديث، عن زياد - وهو ابن سعد - ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام … ... قال: وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ. حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان. سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث (١) أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا (٢) عن يونس، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح) (٣). قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من ترجيح رواية الإرسال وذلك لأمور:
следующие страницы →