محفوظٌ، فالصواب في هذا الخبر وقفه، كما ذهب إلى هذا أبو عيسى الترمذي وغيره من كبار الحفاظ، كالبخاري (١)، وأبي داود (٢)، وأبي حاتم (٣)، والنسائي (٤)، وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك في موضعه من الكتاب.
٤ - وقال أيضاً في باب ما جاء في صيام العشر: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت النبي ﷺ صائما في العشر قط.
قال أبو عيسى: هكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
وروى الثوري وغيره هذا الحديث، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ لم يُر صائما في العشر.
وروى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه: عن الأسود. وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح وأوصل إسنادا.
قال: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور) (٥).
قلت: رجّح رواية الأعمش؛ لأنَّه أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، كما روى ذلك أبو عيسى عن وكيع، فتكون زيادةً من ثقةٍ حافظٍ، فبالتالي يجب قبولها.
стр. 457
٥ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: وروى جرير بن حازم هذا الحديث، فقال: عن جابر، عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد وإسحاق) (١).
قلت: جرير بن حازم وإن كان ثقة مشهوراً، ولكن له بعض الأوهام، فلذا قُدم ابن جريج عليه، مع أنه قد جاء هذا الخبر عنه - أي جرير - دون ذكر عمر، رواه أبو داود (٢)، وابن خزيمة (٣).
٦ - وقال أيضاً في باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر (٤)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (٥)، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية".
قال أبو عيسى: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح.
стр. 458
وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح هو عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري.
وفي الباب عن زيد بن خالد، وأبي هريرة، وابن عباس) (١).
قلت: وأنا أذهب إلى ذلك، وذلك أن عبد الملك بن أبي بكر ثقة خرج له الجماعة، وقد رواه عن خلاد عن أبيه السائب، وروايته مقدمة على رواية المطلب بن عبد الله الذي جعله عن خلاد عن زيد بن خالد، والمطلب كثير الإرسال والتدليس، وأخشى أنه لم يسمعه من خلاد، فلذا تكون رواية عبد الملك هي الراجحة، وهذا ما ذهب إليه البخاري كما في "العلل الكبير" (٢).
٧ - وقال أيضاً: (باب ما جاء ما يقرأ في ركعتي الطواف: أخبرنا أبو مصعب المدني قراءة، عن عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران، وحديث جعفر بن محمد عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر عن النبي ﷺ .
стр. 459
وعبد العزيز بن عمران ضعيف في الحديث) (١).
قلت: لا شك أن الثوري من أحفظ الناس، فلا شك أن روايته هي الراجحة.
ومن ترجيحه رواية الأحفظ أيضاً:
٨ - وقال أيضاً في باب ما جاء في المشي أمام الجنازة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن همام، عن منصور وبكر الكوفي وزياد وسفيان، كلهم يذكر أنه سمعه من الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
وفي الباب عن أنس.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو حديث ابن عيينة.
وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفاظ عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة.
стр. 460
وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح.
قال أبو عيسى: وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة.
قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة.
قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى هذا الحديث، عن زياد - وهو ابن سعد - ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام …
... قال: وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ.
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان.
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث (١) أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا (٢) عن يونس، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.
قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
قال محمد: هذا أصح) (٣).
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من ترجيح رواية الإرسال وذلك لأمور:
стр. 461
أ - أن من أرسل أتقنُ ممن وصل، فمالك من أتقن الناس في الزهري، كيف وقد تابعه معمر ويونس، وهما أيضاً من المقدَّمين في حديث الزهري؟!
ب - أن بعض من وصل أخذ بعضُهم عن بعض؛ فابن جريج فيما يظهر أخذه عن سفيان بن عيينة أو زياد بن سعد.
ج - أن من وصله سلك الجادة، بخلاف من أرسل فقد خالف الجادة، فتكون روايته هي المقدَّمة.
د - أن الذين أرسلوا فصَلوا المرفوع من الموقوف، فكانت روايتهم للموقوف موصولة، بخلاف المرفوع فإنهم قد فصلوه وبينوا أنه مرسلٌ، فدل هذا على حفظهم وعلمهم، فتُقدّم روايتهم على غيرهم.
وإلى هذا ذهب النَّسَائِي، قال: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلا.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا سفيان ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه سمعه من الزهري، يحدث أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة.
بكر وحده لم يذكر عثمان.
قال لنا أبو عبد الرحمن: وهذا أيضاً خطأ، والصواب مرسل، وإنما أتى هذا عندي - والله أعلم - لأن هذا الحديث رواه الزهري عن سالم عن
стр. 462
أبيه: أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال: "كان النبي ﷺ " إنما هو من قول الزهري.
قال ابن المبارك: الحفَّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قولٍ أخذنا به وتركنا قول الآخر.
قال لنا أبو عبد الرحمن: وذكر ابن المبارك هذا الكلام عند هذا الحديث) (١).
وقد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد استوفاه الدارقطني في كتابه "العلل" (٢).
وخالفهم البيهقي، فرجّح الوصل، قال في "السنن الكبرى" - بعد أن ساق أسانيد هذا الخبر -: (وقد اختلف على ابن جريج ومعمر في وصل الحديث، فروي عن كل واحد منهما الحديث موصولا، وروي مرسلا، وقد قيل: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري.
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو ذر محمد بن محمد بن عبد الرحمن حفدة أبي القاسم المذكر، قالا: ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ، ثنا علي بن الحسن الدرابجردي، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا همام، عن سفيان يعني ابن عيينة ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه: سمع من الزهري، أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة، غير أن بكرا لم يذكر عثمان.
تفرد به همام وهو ثقة، واختلف فيه على عقيل ويونس بن يزيد، فقيل عن كل واحد منهما عن الزهري موصولا، وقيل مرسلا، ومن وصله واستقر
стр. 463
على وصله ولم يختلف عليه فيه وهو سفيان بن عيينة حجة ثقة والله أعلم) (١).
٩ - وقال أيضاً في باب النهي عن البول قائما: (وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي ﷺ أبول قائماً، فقال: "يا عمر، لا تبل قائما"، فما بلت قائما بعد.
وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه.
وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: ما بلت قائما منذ أسلمت.
وهذا أصح من حديث عبد الكريم) (٢).
قلت: ما ذهب إليه أبو عيسى ظاهرٌ، فعبد الكريم لا يحتج به، وقد رواه عبيد الله بن عمر، وهو ثقةٌ ثبتٌ، عن نافع فوقفه، فتكون روايته هي الصحيحة.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها في (باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة) (٣)، و (باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم) (٤)، الحديث الثاني فيه.
الثاني: ترجيح رواية الأكثر، وهو كثيرٌ أيضاً في كتابه "الجامع"، وهو مسلكٌ مشهورٌ ومعروفٌ عند النقاد.
ومن الأمثلة على ذلك:
стр. 464
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - أي في تزويج المحرم -: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الاسم، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالا، وماتت بسرف، ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.
وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا، أن النبي ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال) (١).
وهذا أيضاً ما جاء في "العلل الكبير"، قال: (وسألت محمدا عن حديث يزيد بن الأصم، فقال: إنما روي هذا عن يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، ولا أعلم أحدا قال: عن يزيد بن الأصم عن ميمونة، غير جرير بن حازم. قال: قلت له: فكيف جرير بن حازم؟ قال: هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء) (٢).
قلت: ضعف الترمذي رواية الوصل التي هي من طريق جرير بن حازم، وذلك بحكمه على حديثه بأنه غريب، لذا ذكره في "العلل الكبير"، ونقل عن شيخه البخاري ما يفيد ترجيح الإرسال؛ وذلك لأنَّه رواه غير واحدٍ مرسلاً عن يزيد بن الأصم، ومنهم الزهري كما في مسلم، ولأن من وصل هذا الخبر - وهو جرير بن حازم - له بعض الأوهام إذا حدث من حفظه، وهذا ما رجحه أيضاً الدارقطني (٣).
٢ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء
стр. 465
بالمزدلفة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، أن ابن عمر صلى بجْمعٍ فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله.
قال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان.
وفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر رواية سفيان أصح من رواية إسماعيل ابن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح.
قال: وروى إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر.
وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث حسن صحيح أيضاً، رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير.
وأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (١).
قلت: قدم رواية سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي، على رواية إسماعيل بن أبي خالد، وذلك لأنهما اثنان، وهما أيضاً أوثق في أبي إسحاق من إسماعيل بن أبي خالد.
стр. 466
٣ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الصوم بالشهادة: (حدثنا محمد ابن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا".
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن سماك، نحوه (١).
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس فيه اختلاف، روى سفيان الثوري وغيره، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (٢).
قلت: كما ذكر أبو عيسى أن الأكثر رووه مرسلاً، فرجح الإرسال، كما هو ظاهر صنيعه.
٤ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء: (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام".
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ.
وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث، عن زيد بن أسلم مرسلا، ولم يذكروا فيه: عن أبي سعيد.
стр. 467
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، سمعت أبا داود السجزي يقول: سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به.
وسمعت محمدا يذكر، عن علي بن عبد الله، قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.
قال محمد: ولا أروي عنه شيئا) (١).
قلت: في هذا الحديث: الترجيح برواية الأكثر والأوثق، فالدّراوردي صدوق جيد الحديث، بخلاف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو متروك؛ كيف وقد تابع الدّراوردي: عبد الله بن زيد بن أسلم - وهو أقوى من أخيه أيضاً - وغير واحد.
٥ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - يعني في البول قائما -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال عليها قائما، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عقيبه، فتوضأ ومسح على خفيه.
قال أبو عيسى: وسمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعاً يحدث بهذا الحديث، عن الأعمش، ثم قال وكيع: هذا أصحّ حديث روي عن النبي ﷺ في المسح.
وسمعت أبا عمار الحسين بن حريث، يقول: سمعت وكيعا، فذكر نحوه.
وهكذا روى منصور وعبيدة الضبي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش.
стр. 468
وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ، وحديث أبي وائل عن حذيفة أصح.
وقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائماً) (١).
قلت: مع كون طريق المغيرة اتفق عليها اثنان وهما عاصم وحماد، ومع ذلك لم يذهب يصحح أبو عيسى روايتهما، بل رجح أن ذلك وهمٌ، وأن الصواب رواية الأعمش ومنصور؛ وذلك لكونهما أحفظ وأتقن، وقد تابعهما عبيدة الضبي أيضاً، بخلاف أبي بكر ابن خزيمة فإنه قد ذهب إلى تصحيح كلتا الروايتين (٢)، وهذا ما يسلكه كثير من المتأخرين، بخلاف طريقة المتقدمين فإنهم يذهبون إلى الترجيح، لذا أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.
ومثل ذلك ما جاء في الباب الذي قبله - باب النهي عن البول قائما -:
٦ - فقد قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عمر وبريدة). ثم قال في نهاية الباب: (وحديث بريدة في هذا غير محفوظ) (٣).
قلت: حديث بريدة أخرجه البزار قال: (حدثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده".
وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه إلا سعيد بن عبيد الله،
стр. 469
ورواه عن سعيد: عبد الله بن داود، وعبد الواحد بن واصل، ولا نعلم رواه عن عبد الله إلا نصر بن علي) (١).
قلت: قال الهيثمي: (رجال البزار رجال الصحيح) (٢).
قال ابن سيد الناس بعد أن ذكر طريق البزار: (إن لم يكن لهذا الحديث علة فهو أقوى من حديث عائشة (٣)، فإن سعيد بن عبيد الله احتج به البخاري، ووثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة) (٤).
قلت: هذه الطريق معلولةٌ، وقد بين علتها أبو بكر البيهقي، فقال: (أخبرنا أبو زكريا بن المزكي، أبنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد ابن عبد الوهاب، أبنا جعفر بن عون، أبنا سعيد، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: "أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله".
وكذلك رواه الجريري، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود.
ورواه سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمعناه، إلا أنه قال: "والنفخ في الصلاة" بدل المرور، ولم يقل: "أربع"، قال البخاري: هذا حديث منكر، يضطربون فيه) (٥).
стр. 470
٧ - وقال أيضاً في باب كراهية ما يستنجى به: (حدثنا هناد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
وفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر.
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث) (١).
قلت: مع أن حفص بن غياث من الثقات المشهورين، إلا أن أبا عيسى مال إلى أن روايته غير محفوظة، وأن الأرجح رواية ابن علية، وهذا لأمرين:
الأول: أن ابن علية أتقن وأحفظ، وقد توبع على ذلك.
الثاني: أن معه زيادة علمٍ، فقد بيّن في هذا الخبر المرسلَ من الموصول، وبالتالي تكون روايته هي الأرجح، لذا لم يقل أبو عيسى أن حفص بن غياث قد وصل هذا الخبر، وأنها زيادة ثقة فتقبل.
وينظر الكلام على هذا مع زيادة تفصيلٍ في موضعه من "الجامع".
وينظر أيضاً: "صحيح مسلم" (٢) فقد ساق الخلاف، و"التتبع" (٣)
стр. 471
و"العلل" (١) للدارقطني، و"الفصل للوصل" للخطيب البغدادي (٢).
٨ - وقال أيضاً في باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن فعلته، قال: "عمدا فعلته".
هذا حديث حسن صحيح.
قال أبو عيسى: وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه: توضأ مرة مرة.
وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضاً، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة.
ورواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسل، وهذا أصح من حديث وكيع) (٣).
قلت: وكيع من كبار الحفاظ، وقد زاد فوصل الخبر، ومع ذلك لم يقبل منه أبو عيسى هذه الزيادة، وإنما رجح رواية ابن مهدي المرسلة، وذلك لمزيد حفظه وإتقانه، كيف وقد توبع على ذلك؟!
стр. 472
الثالث من أوجه الترجيح: أن يأتي عن الراوي نفي لما روي عنه:
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال: "اقضيا يوما آخر مكانه".
قال أبو عيسى: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مثل هذا.
وروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلا، ولم يذكروا فيه: عن عروة، وهذا أصح؛ لأنَّه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري فقلت له: أحدّثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من أناس، عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث) (١).
قلت: نفي الزهري أن يكون سمع هذا الحديث من عروة؛ قرينةٌ ظاهرةٌ ودليلٌ أكيدٌ على تعليل رواية من روى عنه، عن عروة، عن عائشة، وهذا ما ذهب إليه أبو عيسى.
الرابع: الترجيح بمجيء الحديث من وجه آخر موافقٍ له، وهذا أمر متفق عليه بين أهل الحديث.
стр. 473
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسول الله ﷺ يصليها بسقوط القمر لثالثة.
حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد نحوه.
قال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم: عن بشير بن ثابت.
وحديث أبي عوانة أصح عندنا؛ لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر، نحو رواية أبي عوانة) (١).
٢ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلا صلى خلف الصف وحده - والشيخ يسمع - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.
وفي الباب عن علي بن شيبان، وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسن …
стр. 474
وروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحد، مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة.
وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالا قد أدرك وابصة.
واختلف أهل الحديث في هذا:
فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو ابن راشد، عن وابصة أصح.
وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصح.
قال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنَّه روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة ابن معبد) (١).
قلت: رجح أبو عيسى طريق حصين عن هلال بن يساف، وذلك لأنَّه قد روي من غير طريق هلال، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فدل هذا على أن طريق حصين محفوظةٌ.
٣ - وقال أيضاً في باب ما جاء في الإشارة في الصلاة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب، قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إليّ إشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه.
وفي الباب عن بلال، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة.
стр. 475
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث عن بكير.
وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف، قال: كان يرد إشارة.
وكلا الحديثين عندي صحيح (١)؛ لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا) (٢).
قلت: لم يجعلهما حديثاً واحداً، وسبب ذلك: أن الأول رواه ابن عمر عن صهيب، وأن ذلك كان بمرورٍ منه على رسول الله ﷺ .
والثاني رواه عن بلال، وكان عن سؤالٍ منه له.
فتبين أنهما قصتان، وهذا ما قاله أبو عيسى، وبالتالي هما حديثان وليسا بحديثٍ واحدٍ، وحينئذٍ لا يحتاج أن نرجح أحدهما على الآخر، هذا مع اختلاف مخرجهما.
٤ - ومثله ما جاء في باب ما جاء في السواك، فقد روى من طريق
стр. 476
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (١).
وقد روى هذا الحديث أيضاً محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، فجعله عن زيد بن خالد الجُهَني، ولفظه كالسابق، وزاد: "ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل". قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه (٢).
فهل هذان الحديثان متغايران؟ أم هما حديث واحد أخطأ الراوي فيه، فعندئذٍ نحتاج إلى الترجيح بينهما؟
ذهب البخاري للثاني، قال الترمذي: (وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح).
قلت: وأما أبو عيسى فذهب إلى الأول، وأنهما حديثان متغايران، قال: (كلاهما عندي صحيحٌ؛ لأنَّه قد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وإنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه).
قلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، وذلك:
أولاً: لأن الخبر رُوي عن أبي هريرة من غير وجهٍ، كما تقدم، وهذا يدل على أنه محفوظ.
ثانياً: أن محمد بن عمرو أقوى من محمد بن إسحاق، فهذا يؤيد كونه محفوظاً عن أبي هريرة.
ولكن مع ذلك لا أقول بأن طريق زيد بن خالد خطأ؛ فقد جاء ما يدل
стр. 477
على أنها محفوظةٌ أيضاً؛ لأن فيها قصةً، وهي ما جاء بأن زيد بن خالد كان يضع السواك في أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، ومما يؤكد أيضاً صحة هذا الوجه؛ أن الراوي قد خالف الجادة في حديث أبي سلمة، وذلك أن الغالب على حديثه عن أبي هريرة كما هو معلومٌ، وعند الحفاظ أن من خالف الجادة يقدم على غيره؛ لأنَّه يدل على حفظه، وبالتالي كلا الوجهين قد جاء ما يدل على صحته.
وهذا وغيره ما جعل أبا عيسى يصحح كلا الوجهين، بخلاف البخاري الذي رجّح طريق زيد بن خالد، وبالتالي يكون قد حكم على طريق أبي هريرة بالخطأ، وهذا فيه نظر؛ لأن الحديث جاء من أوجهٍ أخرى عن أبي هريرة، فيكون قول أبي عيسى هو الأرجح.
وهذه قضيةٌ دقيقةٌ في "علم العلل"، وذلك أن كثيراً من الأحاديث الضعيفة أصلها أحاديثُ صحيحةٌ (١) أخطأ الراوي فيها، أو بعض
التي تروى على أوجهٍ متعددةٍ، قد يكون أصلها حديثا واحدا أخطأ فيه الراوي، فرواه على وجه آخر، وحينئذٍ على الناقد أن ينظر في هذه الأحاديث فيوازن بينها؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديثُ متغايرة، كما هو صنيع نقاد أئمة الحديث من المتقدمين، بخلاف كثيرٍ من الفقهاء وممن تأخر من أهل الحديث، الذين يعتبرون في كثيرٍ من الأحيان كلّ وجهٍ حديثاً مستقلاً.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما قاله في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تتقرؤون وراء إمامكم"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال: حديث عبادة حديث حسن.
وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وهذا أصح) (١).
قلت: بيّن أبو عيسى أن هذين الطريقين هما في الأصل حديثٌ واحدٌ، وبالتالي لا بد من الترجيح بين الطريقين، وعندئذٍ تكون طريق الزهري أصح، بينما غيره ذهب إلى أنهما حديثان.
٢ - ومثل هذا: ما جاء في باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف
стр. 481
من صلاة القائم: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلاها قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلاها نائما فله نصف أجر القاعد".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأنس، والسائب.
قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول: عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض؟ فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
قال أبو عيسى: حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.
لا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.
وقد روى أبو أسامة وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس) (١).
قلت: ذهب البخاري إلى أن هذيْن الحديثيْن متغايران، بخلاف أبي عيسى فإنه ذهب إلى أنهما حديثٌ واحدٌ، اختلف فيه على حسين المعلم، لذا ذهب إلى ترجيح رواية الأكثر وهي رواية عيسى بن يونس وأبي أسامة وغيرهما على رواية إبراهيم بن طهمان، والذي تفرد بها.
стр. 482
ودليله على ذلك أن مخرجهما واحدٌ، وبالتالي هما حديثٌ واحدٌ اختلف فيه على راويه.
٣ - ومثله أيضاً ما جاء في باب فيمن يتطوع جالسا: (وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يصلي من الليل جالسا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ، ثم ركع، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك.
وروي عنه أنه كان يصلي قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد.
قال أحمد، وإسحاق: والعمل على كلا الحديثين.
كأنهما رأيا كلا الحديثين صحيحاً معمولا بهما) (١).
قلت: جعل كلا الوجهيْن صحيحاً، ومن الأدلة على ذلك؛ أنّ كلا الوجهين قد رواهما ثقاتٌ مشاهيرُ، مع اختلاف المتن الأول عن الثاني، وبالتالي هما خبران متغايران، وهذا ما ذهب إليه الإمامان أحمد وإسحاق.
الخامس من أوجه الترجيح: أن يكون الإسناد الذي روي به الحديث قد روي به أحاديث أخرى، مما يدل على أنه مشهور، ليس بغريب، وبالتالي يبعد الخطأ في مثل هذه الحالة.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة: (حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا سهل بن حماد، قال: حدثنا همام، قال: حدثني قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، قال: قدمت المدينة، فقلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، قال فجلست إلى أبي هريرة، … الحديث.
стр. 483
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة.
وقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث.
والمشهور هو قبيصة بن حريث.
وروي عن أنس بن حكيم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا) (١).
قلت: قول أبي عيسى: (وقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث)، يريد بهذا أن يدلل على أن الطريق السابقة ليست بالخطأ، بدليل أنه قد رُوي بهذا الإسناد أكثر من متنٍ.
والسادس من أوجه الترجيح: أن يُروى الحديث من وجهيْن: أحدهما مشهورٌ، والثاني غريبٌ، فيكون الراجحَ الوجهُ المشهورُ، وأما الغريب فغالبا يكون خطأ من أحد الرواة، رواه على الوجه الذي لا يُعرف.
ومن أمثلة ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر والقراءة فيها: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رمقت النبيّ ﷺ شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
стр. 484
وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد.
والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق.
وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضاً.
وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ.
قال: سمعت بندارا، يقول: ما رأيت أحدا أحسن حفظا من أبي أحمد الزبيري.
وأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي) (١).
قلت: قد رواه عبد الرزاق عن الثوري به، كما في "المصنف" (٢) - وعنه أحمد في "المسند" (٣)، فقال: أخبرنا الثوري به.
وأما رواية إسرائيل فأخرجها أحمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به (٤).
وقد رواه غيرهما عن أبي إسحاق، فرواه أبو الأحوص ومعمر وعمرو بن قيس وشريك، ينظر: "العلل" للدارقطني (٥).
وهذا الخبر لا يصح، كما بين ذلك مسلم في "التمييز" (٦)، والدارقطني في "العلل" (٧).
стр. 485
والشاهد من ذلك: أن أبا عيسى مرّض القول في رواية الثوري، باعتبار غرابتها عنده، وأن الزبيري تفرد بها عنه، ولكن تبين مما تقدم أنه لم يتفرد بها عن الثوري، وظاهر صنيع أبي عيسى تقديم رواية إسرائيل باعتبار أنها هي المشهورة.
٢ - وقال أيضاً في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (١)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس …
... حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٢).
قلت: قدم أبو عيسى الرواية المشهورة - وهي رواية عمرو بن عامر - على الغريبة - وهي رواية ابن إسحاق عن حميد -، فصحح الأولى بخلاف الثانية.
هذه بعض أوجه الترجيح، وثمة أوجه غيرها.
* * *
стр. 486
الوجه السادس عشر: أنه أحيانا يصحح كلا الوجهين.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في التعوذ للمريض: (حدثنا بشر بن هلال البصري الصواف، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ابن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: "نعم"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة، باسم الله أرقيك والله يشفيك.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: أفلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: "اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما".
وفي الباب عن أنس، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.
وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقلت له: رواية عبد العزيز، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أصح، أو حديث عبد العزيز، عن أنس، قال: كلاهما صحيح.
أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس) (١).
стр. 487
قلت: قد يُظن أن هذا الحديث وقع فيه اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فروي مرةً عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد، ومرة أخرى عنه عن أنس، لذا سأل أبو عيسى أبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأجابه بصحة كلا الإسنادين، وأقر ذلك أبو عيسى، وهذا ما ذهب إليه غيرهما من الحفاظ؛ فقد خرَّج الإمام مسلم حديث أبي سعيد (١)، وخرّج البخاري حديث أنس (٢)، فهما حديثان صحيحان.
وبالتالي ليس هو اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فلا يقال إن رواية من رواه عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد أصحّ؛ لأن هذا مخالف للجادة في حديث عبد العزيز، وأنَّه في الغالب عن أنس؛ بل كلا الحديثين صحيح كما تقدم؛ لأن كلا الطريقين ثابت عنه.
٢ - وقال أيضاً: (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة، كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق، أو الطالع في تفاضل الدرجات"، فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين".
هذا حديث صحيح) (٣).
قلت: هذا الحديث قد حكم الترمذي بصحته، ولم يقل: حسن صحيح، كما هو الغالب على طريقته ومنهجه، وهذا فيما يظهر من أجل الاختلاف الذي وقع في صحابي الحديث، هل هو أبو هريرة أم أبو سعيد؟
стр. 488
فالبخاري، ومسلم (١) أخرجاه من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.
والترمذي يرى أيضاً صحة طريق فليح بن سليمان، ومثله ابن خزيمة في "التوحيد"، ونقل عن محمد بن يحيى الذهلي أنه يميل إلى صحة كلا الوجهين، فقال: (حدثنا محمد بن يحيى - في عقب خبر عطاء بن يسار -، عن أبي سعيد، في ذكر أهل الغرف من الجنة، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة" بهذا، يريد بمثل حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ .
قال أبو بكر ﵁: قال لنا محمد بن يحيى: لا أبعد أن يكون عطاء ابن يسار قد سمعه من أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄) (٢).
وأيضاً نقل الدارقطني في "الغرائب" كلام الذهلي، قال ابن حجر في "الفتح": (ونقل الدارقطني في "الغرائب" عن الذهلي أنه قال: لست أدفع حديث فليح؛ يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد وعن أبي هريرة) (٣).
قلت: لا شك أن طريق أبي سعيد أصح، وذلك أن طريق مالك أقوى بكثير من طريق فليح، كيف وقد جاء عن أبي سعيد من وجه آخر كما تقدم عند البخاري، وقال أيضاً: (حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة، كما تتراءون الكوكب في السماء".
стр. 489
قال أبي: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد، يحدث ويزيد فيه: "كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق: الشرقي والغربي") (١).
وجاء أيضاً من حديث عطية عن أبي سعيد بنحوه، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢)، وغيرهم عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الدرجات العلى يراهم من أسفل منهم كما يرى الكوكب الطالع في الأفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما".
والذي يظهر لي أن أبا عيسى يذهب إلى أن كلا الوجهين محفوظ، وهو ما ذهب إليه الذهلي وابن خزيمة.
* * *
стр. 490
الوجه السابع عشر: ليس كل خبر ضعيف تعددت طرقه يكون بمجموعها قوياً عند أبي عيسى.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في التسمية عند الوضوء: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي وبشر بن معاذ العقدي البصري، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس.
قال أبو عيسى: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد …
قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.
قال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
وأبو ثفال المري اسمه: ثمامة بن حصين.
ورباح بن عبد الرحمن، هو أبو بكر بن حويطب.
منهم من روى هذا الحديث، فقال: عن أبي بكر بن حويطب، فنسبه إلى جده) (١).
стр. 491
قلت: وذكر هذا الحديث في كتابه "العلل" (١) وساق طرقاً أخرى له، ومع ذلك لم يقل بتقويته بمجموع طرقه، والسبب في ذلك أنها معارضة بما هو أصح منها، وذلك أن الأحاديث الصحيحة التي فيها بيان صفة وضوئه ﷺ لم يذكر فيها أنه كان يسمي، وإنما جاء ذلك في أحاديث ضعيفة، وبالتالي أصبحت هذه الأحاديث ضعيفة ولا تتقوى مع بعضها، ولو لم يكن ثَمّ ما يعارضها من الصحيح؛ لكان القول بتقويتها وجيهاً.
ويؤكد هذا، أنه قد حُفظ عنه ﷺ ماذا كان يقول بعد الوضوء.
٢ - وقال أيضاً في باب المنديل بعد الوضوء: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء.
وفي الباب عن معاذ بن جبل.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي؛ يضعفان في الحديث.
قال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (٢).
стр. 492
قلت: قد جاء هذا الحديث من أكثر من طريق، ولا يصح شيء منها، كما أنها لا تتقوى بمجموعها، وذلك لشدة ضعفها ونكارتها، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه ﷺ وليس فيها أنه كان له خرقة يتنشف بها، بل جاء في "الصحيحين" من حديث ميمونة أنها عندما ناولتْه المنديل ردّه (١)، لذا قال أبو عيسى: (ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ).
ولهذأ أخطأ من قوّى هذه الأحاديث بمجموع طرقها.
ومثل هذا "مسح الوجه باليدين بعد الدعاء"، فقد جاءت عدة أحاديث ولكنها كلها ضعيفة، فهل تتقوى بمجموع طرقها؟
ذهب الحافظ ابن حجر إلى ذلك (٢).
وذهب الإمام ابن تيمية إلى خلاف ذلك، فقال بضعفها (٣)، وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأنَّه قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في كونه ﵊ دعا ورفع يديه، ولكن لم يأت في واحد منها أنه مسح بيديه على وجهه، فلو كان المسح محفوظا لجاء في بعضها، فدل هذا على نكارة مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
ومثله ما ورد في بعض الطرف من كونه ﵊ "كان يمسح رقبته في الوضوء"، فهذه الزيادة باطلة، وقد خلت الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء من ذلك، لذا أخطأ الشوكاني في تحسينها بمجموع هذه الطرق (٤).
* * *
стр. 493
الوجه الثامن عشر: تصحيحه الحديث - أو الطريق - الذي يروى من غير وجه.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه.
هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن لهيعة هذا الحديث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بما غير من فضل يديه.
ورواية عمرو بن الحارث، عن حبان أصحّ؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره، أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا: أن يأخذ لرأسه ماء جديداً) (١).
قلت: والشاهد من ذلك قوله أن (رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث)، وهذا ما اختاره مسلم (٢).
ومن الأمثلة عليه أيضاً ما سبق نقله في كلامه على حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
* * *
стр. 494
الوجه التاسع عشر: أن الراوي ولو كان ثقة عنده، لا يلزم أن يكون كل ما رواه صحيحاً، وذلك أنه إذا تبين أنه قد أخطأ في حديث ما، أو تفرد به؛ فإنه يرده، أو يتوقف في حديثه ولا يصححه.
ومنهج أبي عيسى في هذا هو منهج كبار الحفاظ، بخلاف بعض من تأخر؛ كأبي محمد ابن حزم وابن القطان الفاسي وغيرهما، فإن الراوي الثقة عندهم يلزم أن يكون حديثه صحيحا.
والأمثلة على هذا من كتاب "الجامع" كثيرة، فإنه بين في عدة أحاديث خطأ بعض الرواة الثقات، أو توقف في حديثهم عند التفرد.
كما أن الراوي المتكلم فيه لا يلزم أن يكون حديثه دائما ضعيفا، ومن الأمثلة على ذلك:
سفيان بن وكيع، فإنه قد صحح له أحاديث كثيرة، وهذا فيما استقام منها.
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: شريك بن عبد الله النخعي، فإنه صحح له عدة أحاديث، كما أنه توقف في أحاديث أخرى، وذلك فيما تفرد به، ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
قال أبو عيسى: سمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعا، يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك) (١).
стр. 495
ولم يحكم عليه بشيء.
وقال أيضاً: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي".
حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان) (١).
كما أنه في حديث آخر عندما تبين له خطؤه ردّه:
قال ﵀: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.
حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت.
وهذا أصح من حديث شريك؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع. وشريك كثير الغلط) (٢).
قلت: لا شك أن وكيعا أحفظ بكثير من شريك، فعندما خالفه علم أن شريكا قد أخطأ في هذا الحديث، لذا قال عنه: كثير الغلط.
وكذلك حكمه بالصحة على حديث بإسناد معين لا يلزم منه أن يصحح كل الأحاديث التي جاءت بهذا الإسناد.