قلت: وذكر هذا الحديث في كتابه "العلل" (١) وساق طرقاً أخرى له، ومع ذلك لم يقل بتقويته بمجموع طرقه، والسبب في ذلك أنها معارضة بما هو أصح منها، وذلك أن الأحاديث الصحيحة التي فيها بيان صفة وضوئه ﷺ لم يذكر فيها أنه كان يسمي، وإنما جاء ذلك في أحاديث ضعيفة، وبالتالي أصبحت هذه الأحاديث ضعيفة ولا تتقوى مع بعضها، ولو لم يكن ثَمّ ما يعارضها من الصحيح؛ لكان القول بتقويتها وجيهاً.
ويؤكد هذا، أنه قد حُفظ عنه ﷺ ماذا كان يقول بعد الوضوء.
٢ - وقال أيضاً في باب المنديل بعد الوضوء: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء.
وفي الباب عن معاذ بن جبل.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي؛ يضعفان في الحديث.
قال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (٢).
стр. 492
قلت: قد جاء هذا الحديث من أكثر من طريق، ولا يصح شيء منها، كما أنها لا تتقوى بمجموعها، وذلك لشدة ضعفها ونكارتها، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه ﷺ وليس فيها أنه كان له خرقة يتنشف بها، بل جاء في "الصحيحين" من حديث ميمونة أنها عندما ناولتْه المنديل ردّه (١)، لذا قال أبو عيسى: (ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ).
ولهذأ أخطأ من قوّى هذه الأحاديث بمجموع طرقها.
ومثل هذا "مسح الوجه باليدين بعد الدعاء"، فقد جاءت عدة أحاديث ولكنها كلها ضعيفة، فهل تتقوى بمجموع طرقها؟
ذهب الحافظ ابن حجر إلى ذلك (٢).
وذهب الإمام ابن تيمية إلى خلاف ذلك، فقال بضعفها (٣)، وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأنَّه قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في كونه ﵊ دعا ورفع يديه، ولكن لم يأت في واحد منها أنه مسح بيديه على وجهه، فلو كان المسح محفوظا لجاء في بعضها، فدل هذا على نكارة مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
ومثله ما ورد في بعض الطرف من كونه ﵊ "كان يمسح رقبته في الوضوء"، فهذه الزيادة باطلة، وقد خلت الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء من ذلك، لذا أخطأ الشوكاني في تحسينها بمجموع هذه الطرق (٤).
* * *
стр. 493
الوجه الثامن عشر: تصحيحه الحديث - أو الطريق - الذي يروى من غير وجه.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه.
هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن لهيعة هذا الحديث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بما غير من فضل يديه.
ورواية عمرو بن الحارث، عن حبان أصحّ؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره، أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا: أن يأخذ لرأسه ماء جديداً) (١).
قلت: والشاهد من ذلك قوله أن (رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث)، وهذا ما اختاره مسلم (٢).
ومن الأمثلة عليه أيضاً ما سبق نقله في كلامه على حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
* * *
стр. 494
الوجه التاسع عشر: أن الراوي ولو كان ثقة عنده، لا يلزم أن يكون كل ما رواه صحيحاً، وذلك أنه إذا تبين أنه قد أخطأ في حديث ما، أو تفرد به؛ فإنه يرده، أو يتوقف في حديثه ولا يصححه.
ومنهج أبي عيسى في هذا هو منهج كبار الحفاظ، بخلاف بعض من تأخر؛ كأبي محمد ابن حزم وابن القطان الفاسي وغيرهما، فإن الراوي الثقة عندهم يلزم أن يكون حديثه صحيحا.
والأمثلة على هذا من كتاب "الجامع" كثيرة، فإنه بين في عدة أحاديث خطأ بعض الرواة الثقات، أو توقف في حديثهم عند التفرد.
كما أن الراوي المتكلم فيه لا يلزم أن يكون حديثه دائما ضعيفا، ومن الأمثلة على ذلك:
سفيان بن وكيع، فإنه قد صحح له أحاديث كثيرة، وهذا فيما استقام منها.
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: شريك بن عبد الله النخعي، فإنه صحح له عدة أحاديث، كما أنه توقف في أحاديث أخرى، وذلك فيما تفرد به، ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
قال أبو عيسى: سمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعا، يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك) (١).
стр. 495
ولم يحكم عليه بشيء.
وقال أيضاً: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي".
حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان) (١).
كما أنه في حديث آخر عندما تبين له خطؤه ردّه:
قال ﵀: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.
حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت.
وهذا أصح من حديث شريك؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع. وشريك كثير الغلط) (٢).
قلت: لا شك أن وكيعا أحفظ بكثير من شريك، فعندما خالفه علم أن شريكا قد أخطأ في هذا الحديث، لذا قال عنه: كثير الغلط.
وكذلك حكمه بالصحة على حديث بإسناد معين لا يلزم منه أن يصحح كل الأحاديث التي جاءت بهذا الإسناد.
стр. 496
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء، أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا).
ثم قال في باب ما جاء أن مسح الرأس مرة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبيع بنت معوذ ابن عفراء، أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه، وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة.
وفي الباب، عن علي، وجد طلحة بن مصرف.
قال أبو عيسى: حديث الرُّبيع حديث حسن صحيح.
وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ أنه مسح برأسه مرة) (١).
قلت: مع أن كلا الحديثين من طريق ابن عقيل عن الرُّبيع بنت معوذ، إلا أن أبا عيسى غاير بينهما في الحكم، فصحح الثاني دون الأول، مع أن الأول إسناده إلى ابن عقيل أصح من الثاني؛ لأن بشر بن مفضل ثقة حافظ بخلاف ابن عجلان، والسبب في هذه المغايرة في الحكم: أن الأول ليس بمستقيم من حيث المتن، وذلك في أمرين:
الأول: قوله (مسح برأسه مرتين)، والصواب مرة واحدة كما تقدم.
стр. 497
الثاني: قوله: (بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه) والصواب العكس، ولأجل هذا لم يصحح هذا الحديث، بينما لفظ الثاني سلم من ذلك، لذا صححه.
٢ - وقال أيضاً في باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، قال: خرج رجل من المسجد بعد ما أذن فيه بالعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
… وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث، عن أبيه) (١).
قلت: أشعث ثقة، وبالتالي روايته صحيحة، لذا أخرجها مسلم (٢).
وأما طريق إبراهيم بن مهاجر ففيها ضعف؛ لأن إبراهيم متكلم فيه، وكأن أبا عيسى عندما حكم على الحديث من هذه الطريق بـ "حسن صحيح" حكم على هذا الحديث بمجموع طرقه، مع ملاحظة أن الإمام مسلماً قد أخرج أيضاً رواية إبراهيم بن مهاجر (٣).
ويؤيد هذا أنه لم يصحح له سوى هذا الخبر، فقد أخرج له أربعة أحاديث لم يصحح واحدا منها (٤).
وهذا كثير في كتابه "الجامع"؛ الإسناد الواحد قد يصححه وقد يتوقف
стр. 498
فيه، وذلك تبعًا للمتن من حيث الاستقامة وعدمها، فإن استقام صححه وإلا توقف فيه.
وينظر في ذلك سلسلة: محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بعضها صححه وبعضها توقف فيها.
ومنها سلسلة: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لم يصحح الترمذي منها سوى حديثين، وكثير منها حسنها، وبعضها ضعفها إذ كان في الإسناد إلى عمرو راو ضعيف.
ومنها أيضا سلسلة: قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فقد صحح بعضها، وحسن بعضها الآخر.
وغيرها كثير.
* * *
стр. 499
الوجه العشرون: الحديث المعلول قد يحكم عليه بأنه حسن، وقد لا يبين وجه العلة في بعض الأحيان، وإنما تظهر عن طريق البحث، وفي بعض الأحيان يبينها أو يشير إليها.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في كراهية فضل طهور المرأة: (حدثنا محمود ابن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي حاجب، عن رجل من بني غفار، قال: نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة.
وفي الباب عن عبد الله بن سرجس …
... حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا حاجب يحدث، عن الحكم بن عمرو الغفاري: أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال: بسؤرها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم.
وقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، ولم يشكّ فيه محمد بن بشار) (١).
قلت: هذا الحديث رجاله ثقات، ولكن أُعلّ بالوقف، قال الدارقطني: (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه: فرواه عمران بن جرير، وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفا، من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي ﷺ ) (٢).
стр. 500
وقد ذكر المصنف هذا الحديث في كتابه "العلل الكبير" وقال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح) (١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة بذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (٢).
قلت: لم يصححه؛ لأنه غير محفوظ، قال النسائي بعد أن ساقه بنفس إسناد الترمذي: (هذا منكر، لا نعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة) (٣).
٣ - وقال أيضا في باب في المسح على الخفين ظاهرهما: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة ابن الزبير، عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما.
قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، ولا نعلم أحدا يذكر عن عروة، عن المغيرة على ظاهرهما غيره.
قال محمد: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد) (٤).
قلت: لم يصححه الترمذي؛ لأنه معلول -كما أشار إلى ذلك- عند حكمه على الحديث، وأن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد بقوله: (على
стр. 501
ظاهرهما)، وقد جاء حديث المغيرة من طرق أخرى أصح من هذه الطريق وليس فيها ذلك.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال: حديث عبادة حديث حسن.
وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وهذا أصح) (١).
قلت: قوله عن طريق محمد بن إسحاق: (حديث حسن)؛ يريد هنا تعليله، بدليل أنه قال عن طريق الزهري: أصح؛ ولكونه ليس بالساقط قال عنه: حديث حسن.
وظاهر صنيع الإمام البخاري في كتابه "جزء القراءة" تقوية طريق ابن إسحاق، وقد ساق أسانيد أخرى لهذا الخبر من غير طريقه بمثل لفظ ابن إسحاق.
وأخرج البخاري هذا الحديث في كتاب "القراءة خلف الإمام" (٢)، واحتج به، وقال: رأيت علي بن عبد الله -يعني: المديني- يحتج بحديث ابن إسحاق (٣).
стр. 502
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوتر بسبع: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع.
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن) (١).
قلت: هذا الحديث اختلف فيه على الأعمش، فرواه محمد بن فضيل وأبو الأحوص وزائدة وأبو عوانة وسفيان، خمستهم عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة.
وخالفهم أبو معاوية فرواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، كما عند المصنف هنا، والصواب رواية الجماعة.
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يحيى بن الجزار، عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع فلما أسنّ أوتر بسبع، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة. وخالفه ابن فضيل، رواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة وقول ابن فضيل أشبه بالصواب) (٢).
٦ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر
стр. 503
وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها، وقال عبد الله: لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممتها.
وفي الباب عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعمران بن حصين، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، مثل هذا.
وقال محمد بن إسماعيل: وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن عبد الله بن عمر) (١).
قلت: لم يصححه؛ لأن هذا الإسناد معلولٌ، وإنما الصواب: عبيد الله عن رجلٍ من أهل سراقة عن ابن عمر، كما ذكر البخاري، لذا أعاد أبو عيسى هذا الحديث في "العلل الكبير"، ونقل عن البخاري أنه خطأ، فقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث -يعني: حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يصلون الظهر ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها، فقال: هذا حديث خطأ، وإنما هو عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر) (٢).
ومن أمثلة الأحاديث التي حسنها، ثم بيّن علّتها:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم: (حدثنا زياد بن أيوب البغدادي وإبراهيم بن عبد الله الهروي ومحمد بن كامل المروزي المعنى واحد، قالوا: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن
стр. 504
الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة … الحديث.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن … ، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين) (١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في زكاة البقر: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا، أو عِدْلَه مَعافِر.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وروى بعضهم هذا الحديث، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فأمره أن يأخذ، وهذا أصح) (٢).
٣ - وقال أيضا في باب في نفقة المرأة من بيت زوجها: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، له بما كسب، ولها بما أنفقت".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
стр. 505
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا، وللخازن مثل ذلك".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أصح، من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق) (١).
قلت: حكم على الإسناد الأول بأنه حسن فقط، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ مشاهيرٌ، والسبب أن إسناد هذا الخبر منقطعٌ، فأبو وائل لم يسمع هذا الحديث من عائشة، وإنما بينهما مسروق كما جاء في الإسناد الثاني، لذا صحح الثاني دون الأول.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد ابن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة.
وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال.
رواه مالك مرسلا.
ورواه أيضا سليمان بن بلال، عن ربيعة مرسلا) (٢).
стр. 506
قلت: بين أبو عيسى أن الصواب في هذا الحديث الإرسال، فقد ذكر أن مالك بن أنس، وسليمان بن يسار قد روياه عن ربيعة مرسلًا، ولا شك أنهما يقدَّمان على مطر الوراق الذي روى عن ربيعة موصولًا.
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء كم اعتمر النبي ﷺ ؟: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة الثانية من قابل، وعمرة القصاص (١) في ذي القعدة، وعمرة الثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.
وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب.
وروى ابن عيينة هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.
حدثنا بذلك سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ . فذكر نحوه) (٢).
قلت: هذا الحديث حكم عليه بـ "حسن" وفي بعض النسخ: "غريب" فقط، ثم بيَّن علته: وهي أن ابن عيينة قد رواه عن عمرو بن دينار مرسلًا، ولا شك أنه أحفظ من داود بن عبد الرحمن العطار الذي وصله، ففيه أيضًا ترجيح رواية الأحفظ على من دونه، لذا عندما رواه البيهقي وذكر الخلاف فيه نقل عن علي بن عبد العزيز البغوي قوله: (ليس أحد يقول في هذا الحديث: عن ابن عباس، إلا داود بن عبد الرحمن) (٣).
стр. 507
٦ - وقال أيضا في باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا: (حدثنا خلاد بن أسلم البغدادي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١).
(٢) وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح) (٣).
قلت: بعد أن حسنه بيّن علته وأن الراجح فيه الوقف.
٧ - وقال أيضا في باب ما جاء في الغسل من غسل الميت: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مِنْ غَسْلِه الغُسل، ومِنْ حمله الوُضوء" يعني: الميت.
وفي الباب عن علي، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفا) (٤).
قلت: لم يصحح هذا الحديث؛ لأن الصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه البخاري، وقد أطال في "تاريخه الكبير" بذكر أسانيد هذا الخبر
стр. 508
وذلك في ترجمة إسحاق أبي عبد الله مولى زائدة (١)، كما أن فيه علة أخرى: وهي أن ابن علية وسفيان بن عيينة، روياه عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا، ولهذا لم يصححه المصنف.
٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مُثِّل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها". قال: ثم دعا بنمرة، فكفنه فيها، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه. قال: فكثر القتلى، وقَلَّت الثياب. قال: فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم: "أيهم أكثر قرآنا"، فيقدمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه.
النمرة: الكساء الخلق.
وقد خولف أسامة بن زيد في رواية هذا الحديث:
فروى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله.
وروى معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر.
ولا نعلم أحدا ذكره عن الزهري عن أنس، إلا أسامة بن زيد.
стр. 509
وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، أصح) (١).
في "تحفة الأشراف" (٢)، وطبعة بشار: (غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه).
وفي طبعة شاكر (٣)، و"الرسالة" (٤)، و"التأصيل" (٥)، و"تحفة الأحوذي" (٦): (حسن غريب … ).
قلت: تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي مختلفة في حكمه على هذا الخبر، ولكن قد بيّن أنه خبر معلول ولا يصح، فإن كان حكم عليه بأنه حسن غريب ففيه دليل على أنه قد يحسن الخبر ثم يبين علته.
٩ - وقال أيضا في باب ما جاء يقول إذا أدخل الميت القبر: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر -وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده-، قال مرة: "بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله"، وقال مرة: "بسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله ﷺ ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
ورواه أبو الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
وقد روي عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، موقوف أيضا) (٧).
стр. 510
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يروى عن نافع، عن ابن عمر؛ كان النبي ﷺ إذا وضع الميت في قبره، قال: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ "، فقال: (يرويه حجاج بن أرطاة، واختلف عنه؛
فرواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ …
وغيره يرويه عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يفعل … ، غير مرفوع.
وهو الصواب) (١).
قلت: الذي يظهر أن أبا خالد الأحمر هو الذي تفرد به عن حجاج مرفوعًا، كما يفهم من كلام الدارقطني، وهو ظاهر كلام أبي عيسى، في قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).
وجاء من حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر: فرواه همام، عن قتادة، عنه، عن ابن عمر مرفوعًا، وتفرد بذلك، كما قاله أبو نعيم، والبيهقي.
قال أبو نعيم: (لم يرفعه عن قتادة إلا همام، ورواه شعبة وهمام موقوفًا) (٢).
وقال البيهقي: (والحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة، إلا أن شعبة، وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر) (٣).
قلت: خالفه شعبة وهشام، فوقفاه، وهو الصحيح.
стр. 511
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يروى عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، فقال: (يرويه قتادة، واختلف عنه؛
فرواه هشام (١)، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
حدث به عنه: يزيد بن هارون، وسعيد بن عامر، وحجاج بن منهال، وهدبة.
واختلف عن وكيع:
فرواه أحمد بن أبي رجاء المصيصي، عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن ابن عمر، ووهم فيه.
وخالفه سريج بن يونس وغيره؛ رووه عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، وهو الصواب.
وقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
والمحفوظ عن هشام، موقوفا، من قول ابن عمر، وفعله.
وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام.
وكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، موقوفا، وهو المحفوظ) (٢).
стр. 512
فتبين أن الصواب في هذا الخبر هو الوقف.
وجاء أيضًا من طريق أيوب عن نافع.
أخرجه البزار (١)، والطبراني (٢) من طريق سعيد بن عامر الضبعي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ".
قال البزار: (وحديث أيوب لا نعلم رواه عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر).
وقال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سعيد بن أبي عروبة، ولا عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر، ولا عن سعيد إلا سوار بن سهل).
قلت: ورفع هذا الحديث خطأ لا شك فيه، بل أنا أشك أن سعيدًا قد رواه، فأين أصحابه عن هذا الخبر؟! بل -وقبل سعيد- أين أصحاب أيوب عنه؟!
وسعيد بن عامر، وإن كان من الثقات، ولكنْ له أغلاط وأفراد.
وسوار، وإن كان أبو داود قال: (لو لم أثق به ما رويت عنه). إلا أن ابن حبان عندما ذكره في "الثقات" قال عنه: يغرب. وهذا من غرائبه.
كما قال عنه الذهبي في "الميزان": لا يدرى من هو.
والظاهر أنه صدوق كما قال ابن حجر (٣).
стр. 513
وقد جاء من وجه آخر عن أيوب موقوفًا، وهو غريب أيضًا:
أخرجه الطبراني أيضًا (١)، قال: (حدثنا موسى بن زكريا، نا شيبان بن فروخ، ثنا سويد أبو حاتم، نا حجاج بن أرطأة وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سويد أبي حاتم إلا شيبان).
قلت: وهذا الإسناد أيضًا لا يصح، سويد لا يحتج به، وشيبان له أوهام.
١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا زيد بن أخزم الطائي البصري، قال: حدثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: الذي ألحد قبر رسول الله -صلى الله عليه، وسلم- أبو طلحة والذي ألقى القطيفة تحته شقران مولى رسول الله ﷺ .
قال جعفر: وأخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر.
وفي الباب عن ابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث شقران حديث حسن غريب، وروى علي بن المديني، عن عثمان بن فرقد هذا الحديث) (٢).
قلت: وأخرجه ابن أبي عاصم، قال: (حدثنا يحيى بن خلف وزيد بن أخزم، قالا: ثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: ألحد قبرَ النبي ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران ﵁.
стр. 514
قال جعفر: وحدثني ابن أبي رافع، قال: سمعت شقران، يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر) (١).
وأخرجه المزي من طريق الطبراني، قال: (حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، قال: حدثنا زيد بن أخزم، قال: حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، قال: سمعت جعفر بن محمد، يحدث عن أبيه، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ ) (٢).
قال المزي: (رواه عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر ابن محمد، عن ابن أبي رافع، ولم يقل عن أبيه، وقال: حسن غريب. وقد روى علي ابن المديني هذا الحديث عن عثمان بن فرقد.
ورواية من قال: عن أبيه أولى بالصواب، والله أعلم).
وهو عند الطبراني (٣): عثمان الغطفاني. ولم ينسبه إلى أبيه.
قلت: قد رواه علي بن المديني، وزيد بن أخزم -كما رواه عنه أبو عيسى الترمذي، وابن أبي عاصم-، ويحيى بن خلف -كما عند ابن أبي عاصم أيضًا-، ثلاثتهم رووه عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، قال: أخبرني ابن أبي رافع، سمعت شقران … فذكره.
ولا شك أن روايتهم أولى بالصواب، ومحمد بن صالح بن الوليد النرسي، نعم، أكثرَ عنه الطبراني، ولكن لم أقف على توثيقٍ له، فرواية
стр. 515
الترمذي وابن أبي عاصم، -وهما من كبار الحفاظ- عن زيد بن أخزم تقدَّم على روايته عنه (١).
وقد روى عن عبيد الله بن رافع أناسٌ هم من أقران جعفر: كزيد بن علي بن الحسين، وقد ذكر أنه ولد سنة ثمانين، وجعفر قد ولد أيضًا في نفس السنة. وعبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وهو من الطبقة السادسة كما ذكر ابن حجر، وجعفر أيضًا من السادسة؛ فسماعه منه لا يُنكر.
لذا ذكر الذهبي في ترجمة جعفر: أنه يروي عن عبيد الله بن أبي رافع، ولم يتعقبه بشيء، كما ذكر في ترجمة جعفر (٢) أنه رأى بعض الصحابة؛ كأنس بن مالك، وسهل بن سعد.
ويؤكد هذا أن أبا حاتم الرازي قال: (روى عثمان، عن جعفر، عن عبيد الله بن أبي رافع … حديث منكر) (٣). فلم يذكر عن أبيه، وهذا ما وقع أيضًا في سؤال عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه، قال: (وسألت أبي عن حديث رواه علي ابن المديني، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، عن ابن أبي رافع؛ قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا -والله- طرحت لرسول الله ﷺ قطيفة في القبر. قال أبي: هذا حديث منكر) (٤).
وقد يكون عثمان بن فرقد أخطأ في روايته عن جعفر في قوله: أخبرني ابن أبي رافع، وقد تقدم أنه متكلَّم فيه.
стр. 516
والخلاصة في هذا الخبر، أنه خبرٌ منكرٌ في وصله.
وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن ابن جريج قال: (أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الذي لحد قبر النبي ﷺ أبو طلحة، وأن الذي ألقى القطيفة مولى النبي ﷺ شقران) (١).
فالصواب في هذا الخبر أنه مرسلٌ.
* * *
стр. 517
الوجه الحادي والعشرون: أن الصحيح عنده على درجات، فهناك صحيح وأصح.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".
وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . أنه قال: "ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر".
وهو أصح الروايات) (١).
قلت: يلاحظ أن أبا عيسى حكم على الإسناد الأول بأنه حسن صحيح، ثم بيَّن أن اللفظ الآخر -وهو أن الله ينزل في ثلثِ الليل الآخرِ- أصح، فعلى هذا يكون عنده صحيح وأصح، وهذا ما فعله مسلم في هذا الحديث فقد أخرج كلا اللفظين (٢).
стр. 518
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: جُعل في قبر النبي ﷺ قطيفةٌ حمراء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى شعبة، عن أبي حمزة القصاب -واسمه عمران بن أبي عطاء-، وروى عن أبي جمرة الضبعي -واسمه نصر بن عمران-، وكلاهما من أصحاب ابن عباس.
وقد روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيءٌ.
وقال محمد بن بشار، في موضع آخر: حدثنا محمد بن جعفر ويحيى، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وهذا أصحّ) (١).
قلت: وأنا أذهب إلى هذا، وهو أن الإسناد الثاني أصح، وإن كان الأول صحيحًا أيضًا، وذلك أن الإسناد الثاني رواه مع القطان محمد بن جعفر، ومحمد من أثبت الناس في شعبة، فصار بذلك أصح.
إلا إن كان أبو عيسى يقصد أن هذا الحديث قد سمعه محمد بن بشار من شيخيه في مجلس واحد، فالأولى في هذه الحالة: أن لا يفرد أحدهما عن الآخر عند التحديث به؛ لأن لفظ الخبر قد يكون للأول دون الثاني.
وكذا لو سُمع الحديث من كل واحد منهما في مجلس، ولم يبين هل اتفقا في سياق الخبر أم اختلفا، أم بينهما شيء من الاختلاف؟ فالأولى
стр. 519
أيضا في هذه الحالة أن يجمعهما عند تحديثه بهذا الخبر، إلا إذا بين (١)، وقد يكون لأبي عيسى قصد آخر فالله تعالى أعلم.
* * *
стр. 520
الوجه الثاني والعشرون: مع ما تقدم من جلالة أبي عيسى في هذا الفن، إلا أن ذلك لا يمنع أنه قد يصحح أحاديث يخالَف فيها وتكون معلولة.
ومن المعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في تخليل اللحية: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان بن عفان، أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١).
قلت: هذا الحديث معلول، عامر بن شقيق تكلم فيه يحيى بن معين، وأظن أن أبا وائل لم يسمع من عثمان، وأن بينهما واسطة.
ومما يؤكد أن هذا الخبر معلول، أن حديث عثمان جاء من طرق في "الصحيحين" وليس فيه أنه كان ﵊ يخلل لحيته، بل إن الإمام أحمد (٢)، وأبا حاتم الرازي (٣)، والعقيلي (٤)، وابن المنذر (٥)، وابن حزم (٦) ضعفوا كل الأحاديث المرفوعة التي وردت في التخليل.
стр. 521
ومما يؤيد أن هذا الخبر غير محفوظ، أن عامر بن شقيق روى أيضًا عن أبي وائل قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله فعل هذا. أخرجه أبو داود من طريق إسرائيل بن يونس عن عامر به (١).
قلت: هذا الحديث غير محفوظ، والصواب أن الرسول ﷺ مسح رأسه مرة واحدة، وهذا ما ذهب إليه جمع من أهل العلم، منهم أبو عيسى، كما بين ذلك في كتابه "الجامع" (٢)، وهذا يؤكد أن عامر بن شقيق لا يحتج به، وهذا ما ذهب إليه يحيى بن معين، فهو كما أخطأ في هذه القضية فقد أخطأ أيضا في الأولى.
٢ - وقال أيضا في باب في المسح على الجوربين والنعلين: (حدثنا هناد ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٣).
قلت: هو حديث معلول، وقد أعلّه كبار الحفّاظ.
قال عبد الله بن أحمد: (حدثت أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين. قال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي: أَبَى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر، يعني: حديث المغيرة هذا، لا يرويه إلا من حديث أبي قيس) (٤).
стр. 522
وقال الميموني: (سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير) (١).
وقال مسلم: (ذكرُ خبر ليس بمحفوظ المتن)، ثم أخرج الحديث، وتوسع في ذكر طرقه ثم قال: (قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح، بخلاف ما روى أبو قيس، عن هزيل، عن المغيرة، ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم، مثل مسروق. وذكر من قد قُدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بَيِّن لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر وتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله،
فأما في خبر المغيرة في المسح فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث -يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس- على الثوري فقال: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهمًا) (٢).
وقال أبو داود: (كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين. قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين وليس بالمتصل ولا بالقوي) (٣).
стр. 523
وقال النسائي: (ما نعلم أن أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين، والله أعلم) (١).
وقال الدارقطني -بعد أن سئل عن حديث هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه مسح على الجوربين والنعلين-: (يرويه الثوري، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة. ورواه كليب بن وائل، عن أبي قيس، عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل، ولكنه لم يسمه، ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يعد عليه به؛ لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين) (٢).
وقال البيهقي: (حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة، حديث المسح على الخفين) (٣).
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التيمم: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه سئل عن التيمم، فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو الوجه والكفان، يعني التيمم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (٤).
стр. 524
قلت: هذا الحديث لا يصح، محمد بن خالد لا يُدْرى من هو، وداود قد تُكلم في روايته عن عكرمة، ويخشى أن هشيمًا لم يسمع من محمد بن خالد، فهذا الخبر لا يصح، والله تعالى أعلم.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور، ويتبع فاه ها هنا، وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، أراه قال: من أدم، فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها بالبطحاء، فصلى إليها رسول الله ﷺ ، يمر بين يديه الكلب والحمار، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه قال سفيان: نراه حِبَرةً.
قال أبو عيسى: حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح) (١).
قلت: هذا الخبر -أي وضع الأصبعين في الأذنين- غير محفوظ، وقد أُنكر على عبد الرزاق، وقد نُقل تضعيفه عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن خزيمة، ويضاف إليهم الدارمي فيما يظهر.
قال ابن رجب: (ورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويتتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء … وذكر بقية الحديث.
خرّجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق.
وخرّجه من طريقه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وخرّجه البيهقي، وصححه أيضا.
стр. 525
وهذا هو الذي علقه البخاري ها هنا بقوله: "ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه".
وقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة في "الجامع" -رواية العدني عنه-، عن رجل لم يسمّه، عن عون.
قال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة مرسلًا، لم يقل: "عن أبيه"، والله أعلم.
قلت: وكذا روى وكيع في كتابه، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي ﷺ ، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يحرف رأسه يمينًا وشمالًا.
وروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة: أن بلالًا كان يجعل إصبعيه في أذنيه.
فرواية وكيع، عن سفيان، تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه.
ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم أيضا، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها ﵁.
وقد خرّج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ نزل بالأبطح … فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه الاستدارة، وإدخال الإصبعين في الأذنين.
وقال: هو صحيح على شرطهما جميعًا.
وليس كما قال؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذمًا شديدًا، وضعفه النسائي وغيره.
стр. 526
وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر.
وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه.
حجاج مدلس، قال ابن خزيمة: لا ندري هل سمعه من عون، أم لا.
وقال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالًا، فيكون موافقًا لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة.
وخرّجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالًا يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يمينًا وشمالًا.
وقد رُويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي -وهو ضعيف جدًا-، عن عبد الواحد بن زياد، عنه، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه. ولا يصح أيضا.
وخرّج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن سعد، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: "إنه أرفع لصوتك". وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره.
وروي من وجوه أخَر مرسلة) (١).
وقال أيضًا: (قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث. وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق، عن
стр. 527
سفيان، التي خرّجها في "مسنده" والترمذي في "جامعه" غير محفوظة) (١).
قلت: والدارمي أيضًا فيما يظهر من صنيعه يرى أن وع الأصبعين عند الأذان غير محفوظ، فقد قال في (باب الاستدارة في الأذان، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه ﵁، أنه رأى بلالا أذن، قال: فجعلت أتبع فاه ها هنا، وها هنا بالأذان.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالا ركز العنزة، ثم أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه، فرأيته يدور في أذانه.
قال عبد الله: حديث الثوري أصح) (٢).
وأما حكم ذلك من الناحية الفقهية: ففيه تفصيل؛ إن كان قصده رفع الصوت، فهذا حسن، وقد جاء ما يدل عليه، وهو ما أخرجه مسلم من طريق داود، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: "أي واد هذا؟ " فقالوا: وادي الأزرق، فقال: "كأني أنظر إلى موسى ﷺ -فذكر من لونه وشعره شيئا لم يحفظه داود- واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارا بهذا الوادي" قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: "أي ثنية هذه؟ " قالوا: هرشى -أو لفت- فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا" (٣).
وأخرج الجهضمي حديثًا لا بأس بإسناده: أن بلالًا أذّن، -والمقصود هنا مطلق المناداة وليس أذان الصلاة-، ووضع أصبعيه في أذنيه (٤).
стр. 528
ومن المعلوم أن وضع الأصبعين في الأذنين يجعل المنادي يرفع صوته أكثر.
وأما إذا لم يقصد ذلك، فلا يضع أصبعيه في أذنيه؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء.
ومما ينبغي التنبيه إليه، أن كثيرًا من المؤذنين يضع كفيه، أو أصابع كفيه على أذنيه، ويلتزم ذلك في أذانه، وهذا بدعة؛ لأنه لم يأت في ذلك خبر أصلًا (١).
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: (حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه".
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.
وقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر في بيته اضطجع على يمينه.
وقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا استحبابا) (٢).
قلت: تصحيح المصنف لهذا الحديث ثابتٌ، فقد نقله المزي في "التحفة" (٣)، وهكذا أيضًا في "تحفة الأحوذي" (٤)، والنسخة التي مع الشرح الطبعة الحجرية (٥).
стр. 529
كما صححه أيضًا ابن خزيمة (١)، وحمل الأمر على الاستحباب، وصححه ابن حبان أيضًا (٢)، وقال: (ذكر الأمر بالاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن أراد صلاة الغداة) ثم ساقه.
وصححه ابن حزم (٣)، وذهب إلى فرضية النوم قبل الصلاة بعد أداء الراتبة سواء أكانت فرضية أداءٍ أو قضاءٍ، وأن الصلاة لا تجوز إلا بذلك، وأما إذا لم يُصَل الراتبة فإنها تسقط، أي: الضجعة بعدها.
والصواب أن هذا الخبر معلولٌ، كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد، والبيهقي، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية أن هذا الخبر باطلٌ، وأن الصواب أنها من فعله لا من أمره (٤).
وأنا أذهب إلى هذا، وأن عبد الواحد قد أخطأ، وتفرد بهذا الخبر، وحديثه عن الأعمش متكلَّم فيه.
٦ - وقال أيضا في باب في الوضوء يوم الجمعة: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن صحيح.
قد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
стр. 530
ورواه بعضهم، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل مرسلا) (١).
قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الحديث، ففي نسخة "ب"، و"تحفة الأشراف"، والنسخة التي عليها "شرح العراقي": (حسن). وأما باقي النسخ الخطية ففيها: (حسن صحيح)، قاله محققو طبعة الرسالة (٢).
قلت: وفي "تحفة الأحوذي" (٣)، والنسخة الحجرية المطبوعة مع التحفة: (حسن) فقط.
وأما الاختلاف على قتادة في وصل هذا الحديث وإرساله؛ فالصواب الوصل، فقد وصله: شعبة (٤)، وأبو عوانة (٥)، وهمام (٦) عن قتادة، وهو الصحيح، ويؤكد ذلك رواية يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة (٧)، فالصواب الوصل. وإلى هذا ذهب العقيلي، والدارقطني (٨).
وأما الذين أرسلوه، فهم: معمر، -كما أخرجه عبد الرزاق عنه- (٩)، وأبان، -كما ذكره الدارقطني- (١٠)، وسعيد بن أبي عروبة -في رواية