← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر. وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه. حجاج مدلس، قال ابن خزيمة: لا ندري هل سمعه من عون، أم لا. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالًا، فيكون موافقًا لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة. وخرّجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالًا يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يمينًا وشمالًا. وقد رُويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي -وهو ضعيف جدًا-، عن عبد الواحد بن زياد، عنه، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه. ولا يصح أيضا. وخرّج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن سعد، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: "إنه أرفع لصوتك". وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره. وروي من وجوه أخَر مرسلة) (١). وقال أيضًا: (قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث. وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق، عن

стр. 527

سفيان، التي خرّجها في "مسنده" والترمذي في "جامعه" غير محفوظة) (١). قلت: والدارمي أيضًا فيما يظهر من صنيعه يرى أن وع الأصبعين عند الأذان غير محفوظ، فقد قال في (باب الاستدارة في الأذان، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه ﵁، أنه رأى بلالا أذن، قال: فجعلت أتبع فاه ها هنا، وها هنا بالأذان. أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالا ركز العنزة، ثم أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه، فرأيته يدور في أذانه. قال عبد الله: حديث الثوري أصح) (٢). وأما حكم ذلك من الناحية الفقهية: ففيه تفصيل؛ إن كان قصده رفع الصوت، فهذا حسن، وقد جاء ما يدل عليه، وهو ما أخرجه مسلم من طريق داود، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: "أي واد هذا؟ " فقالوا: وادي الأزرق، فقال: "كأني أنظر إلى موسى ﷺ -فذكر من لونه وشعره شيئا لم يحفظه داود- واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارا بهذا الوادي" قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: "أي ثنية هذه؟ " قالوا: هرشى -أو لفت- فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا" (٣). وأخرج الجهضمي حديثًا لا بأس بإسناده: أن بلالًا أذّن، -والمقصود هنا مطلق المناداة وليس أذان الصلاة-، ووضع أصبعيه في أذنيه (٤).

стр. 528

ومن المعلوم أن وضع الأصبعين في الأذنين يجعل المنادي يرفع صوته أكثر. وأما إذا لم يقصد ذلك، فلا يضع أصبعيه في أذنيه؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء. ومما ينبغي التنبيه إليه، أن كثيرًا من المؤذنين يضع كفيه، أو أصابع كفيه على أذنيه، ويلتزم ذلك في أذانه، وهذا بدعة؛ لأنه لم يأت في ذلك خبر أصلًا (١). ٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: (حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه". وفي الباب عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه. وقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر في بيته اضطجع على يمينه. وقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا استحبابا) (٢). قلت: تصحيح المصنف لهذا الحديث ثابتٌ، فقد نقله المزي في "التحفة" (٣)، وهكذا أيضًا في "تحفة الأحوذي" (٤)، والنسخة التي مع الشرح الطبعة الحجرية (٥).

стр. 529

كما صححه أيضًا ابن خزيمة (١)، وحمل الأمر على الاستحباب، وصححه ابن حبان أيضًا (٢)، وقال: (ذكر الأمر بالاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن أراد صلاة الغداة) ثم ساقه. وصححه ابن حزم (٣)، وذهب إلى فرضية النوم قبل الصلاة بعد أداء الراتبة سواء أكانت فرضية أداءٍ أو قضاءٍ، وأن الصلاة لا تجوز إلا بذلك، وأما إذا لم يُصَل الراتبة فإنها تسقط، أي: الضجعة بعدها. والصواب أن هذا الخبر معلولٌ، كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد، والبيهقي، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية أن هذا الخبر باطلٌ، وأن الصواب أنها من فعله لا من أمره (٤). وأنا أذهب إلى هذا، وأن عبد الواحد قد أخطأ، وتفرد بهذا الخبر، وحديثه عن الأعمش متكلَّم فيه. ٦ - وقال أيضا في باب في الوضوء يوم الجمعة: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن صحيح. قد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.

стр. 530

ورواه بعضهم، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل مرسلا) (١). قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الحديث، ففي نسخة "ب"، و"تحفة الأشراف"، والنسخة التي عليها "شرح العراقي": (حسن). وأما باقي النسخ الخطية ففيها: (حسن صحيح)، قاله محققو طبعة الرسالة (٢). قلت: وفي "تحفة الأحوذي" (٣)، والنسخة الحجرية المطبوعة مع التحفة: (حسن) فقط. وأما الاختلاف على قتادة في وصل هذا الحديث وإرساله؛ فالصواب الوصل، فقد وصله: شعبة (٤)، وأبو عوانة (٥)، وهمام (٦) عن قتادة، وهو الصحيح، ويؤكد ذلك رواية يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة (٧)، فالصواب الوصل. وإلى هذا ذهب العقيلي، والدارقطني (٨). وأما الذين أرسلوه، فهم: معمر، -كما أخرجه عبد الرزاق عنه- (٩)، وأبان، -كما ذكره الدارقطني- (١٠)، وسعيد بن أبي عروبة -في رواية

стр. 531

الخفاف (١)، وأما في رواية يزيد بن زريع عنه فقد وصله (٢) -. وقال أبو حاتم: (جميعا صحيحيْن؛ همام ثقة وصله، وأبان لم يوصله) (٣). وأما الحكم على هذا الحديث: فالصواب أنه لا يصح، وذلك؛ لأن رواية الحسن عن سمرة، إنما هي صحيفة، وسمع بعض الأحاديث من سمرة، كحديث العقيقة. قال ابن حجر في "فتح الباري": (وله علتان: إحداهما: أنه من عنعنة الحسن، والأخرى: أنه اختلف عليه فيه) (٤). قلت: أما الاختلاف فتبين أنه ليس بعلة، والصواب الوصل، فبقيت الأولى. تنبيه: جاء في بعض طرق هذا الحديث عن الحسن عن أنس، وعن جابر، والصواب ما تقدّم (٥). ٧ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، قال: سئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر، فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين.

стр. 532

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: وهذا لا يصح، ابن جدعان لا يحتج به. ٨ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار: أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٢). هكذا في أكثر من نسخةٍ، وفي "التحفة" أيضًا (٣). قلت: يحيى لم يلق عمارا، كما قاله الدارقطني (٤)، فبينهما رجلٌ، كما قاله أبو داود (٥)، بالإضافة إلى أن عطاء الخرساني متكلّمٌ فيه، هذا إضافة إلى غرابة هذا الحديث من هذا الوجه، وقد جاء نحوه من حديث عمر (٦)، وحديث عائشة (٧). ٩ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،

стр. 533

عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرا، فإذا بقي شيء من شعبان أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما يشبه قوله هذا، حيث قال النبي ﷺ : "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم". وقد دل في هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان) (١). قلت: خولف أبو عيسى في تصحيحه لهذا الخبر، وقبل أن أنقل من خالفه، أنقل قول من وافقه على تصحيحه. فقد وافقه أبو جعفر الطحاوي (٢)، وابن حبان (٣)، والحاكم (٤)، وابن عبد البر (٥)، وابن حزم (٦)، والجورقاني (٧)، فظهر أنه لم يصححه أحد من الأئمة المتقدمين سوى أبي عيسى. وأما الذين ضعفوه وأعلوه: فعلى رأسهم عبد الرحمن بن مهدي، قال أبو داود: بعد أن روى هذا

стр. 534

الحديث: (وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده: أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه، قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء، عن أبيه) (١). ومنهم: الإمام أحمد، فقال: هذا حديث منكر، كما في "مسائل أبي داود" (٢)، وقال المروذي: (وذكرت له حديث زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان نصف شعبان فلا صوم" فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه، فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ ) (٣). ونقله حرب عن أحمد، كما في "الفروسية" لابن القيم (٤)، وأحمد بن حفص السعدي، كما في "الكامل" لابن عدي (٥). ونقل الحافظ في "الفتح" (٦) عن ابن معين أنه قال: (منكر)، وذلك لما جاء عند أبي عوانة في "المستخرج" (٧): (حدثني جعفر بن محمد الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا، ومن كان عليه صوم من رمضان، فليسرد الصوم ولا يقطع". قال جعفر: كان عبد الرحمن قاصًّا هنا، وحدَّث عنه زيد بن الحباب وبهز ابن أسد أيضًا. سمع عبد الرحمن هذه الأحاديث من العلاء مع روح بن

стр. 535

القاسم، وحَدَث عنه حديث منكر، ثم ذكر جعفر هذا عن يحيى بن معين عن عفان). وقال ابن حجر: (وعن جعفر بن محمد الطيالسي، عن يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، كلهم عن العلاء، به. قال يحيى بن معين: هو منكر) (١). وقال السخاوي: (وقال أبو عوانة: قال جعفر الطيالسي: قال يحيى ابن معين: هذا حديث منكر انتهى. فما أدري لأي معنى خرجه مع حكاية هذا لا سيما ومسلم لم يخرجه، ويحتمل أن يكون حمل المنكر هنا على الفرد المطلق فإن ذلك يقع كثيرًا في كلامهم ولا يقتضي ذلك ضعفا، ويحصل التوفيق بين كلامهم، كما قاله شيخنا بحمل المنكر على هذا، وأن من حَسَّنه نظر إلى حال العلاء فإنه صدوق، لكنه ليس في درجة المتقنين، وقد أخرج له مسلم كثيرًا من حديث، مما له فيه متابع، أو شاهد، ولم يخرج له هذا … ) (٢). ويلاحظ أن ابن رجب في "اللطائف" (٣) عند ذكر من ضعف هذا الخبر لم يذكر ابنَ معينٍ معهم؛ لأن الكلام الذي تقدم ليس بصريح عنه الصراحة التامة. وفي "سؤالات ابن الجنيد" قال: (ذكر يحيى بن معين وأنا أسمع حديث العلاء … فقال: رواه زهير بن محمد، وعبد الرحمن بن إبراهيم والزنجي، قلت ليحيى: والدراوردي؟ قال: الدراوردي ومحمد بن جعفر لا يرفعانه. قلت ليحيى: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه) (٤).

стр. 536

فيلاحظ هنا أنه لم يحكم عليه بشيءٍ، وإنما ذكر اختلافًا بين أصحاب العلاء في وقفه ورفعه، ولكن قد رواه الأكثر بالرفع، والله تعالى أعلم. ومنهم: أبو زرعة الرازي، وأبو بكر الأثرم، كما نقل ابن رجب في "اللطائف" (١). وقال الخليلي: (العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة: مديني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان"، وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ) (٢). وقال ابن رجب -بعد أن ذكر الحديث-: (وصححه الترمذي وغيره، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثم في العمل به. فأما تصحيحه فصححه غير واحد، منهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم. وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين،

стр. 537

فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة) (١). قلت: تبين أن علة هذا الخبر هي تفرد العلاء به، ويظهر أنه أخطأ فيه، ولا أعلم أنه أُنكر على العلاء سوى هذا الحديث، وهذه السلسلة مشهورة قد خرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة بها، وكذلك أبو عيسى قد صحح أكثرها (٢). ١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو؟: (حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: حدثنا وكيع، عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، أي يوم أصومه؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من يوم التاسع صائما، قال: قلت: أهكذا كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم عاشر.

стр. 538

قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حسن صحيح) (١). قلت: الإسناد الأول صحيحٌ، وأما الثاني فهو منقطعٌ ما بين الحسن وابن عباس، فهل تصحيح أبي عيسى للأول أم للثاني؟ كلاهما محتمل، وقد قال العراقي: (وأما قول الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، فإنه لم يوضح مراده أيّ حديثيْ ابن عباس أراده، وقد فهم أصحابُ "الأطراف" أنه أراد تصحيح حديثه الأول، فذكروا كلامه هذا عقب حديثه الأول … ) (٢). ١١ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم: (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري ومحمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم ابن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم". وفي الباب عن سعد، وعلي، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن يسار، -ويقال: معقل بن سنان-، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى، وبلال. قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح (٣).

стр. 539

وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج. وذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان، وشداد بن أوس؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا، حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس … ... قال أبو عيسى: وأخبرني الحسن بن محمد الزعفراني، قال: قال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ولا أعلم واحدا من هذين الحديثين ثابتا، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، وإن احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره. قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة ولم ير بالحجامة بأسا، واحتج بأن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو محرم صائم) (١). قال ابن حجر: (ونقل الترمذي أيضا عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني عن أبي قلابة، قال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابة عن

стр. 540

أبي الأشعث عن شداد روى الحديثين جميعا. يعني: فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك. وكذا قال عثمان الدارمي: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد، قال: وسمعت أحمد يذكر ذلك. وقال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة. وقال ابن خزيمة: صح الحديثان جميعا، وكذا قال ابن حبان والحاكم، وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد. وقال أحمد: أصح شيء في باب (أفطر الحاجم والمحجوم) حديث رافع بن خديج. قلت: يريد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع. لكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا، فقال: حديث رافع أضعفها. وقال البخاري: هو غير محفوظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هو عندي باطل. وقال الترمذي: سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق، وقال: هو غلط، قلت: ما علته؟ قال: روى هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد حديث: "مهر البغي خبيث"، وروى عن يحيى، عن أبي قلابة: أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به، فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث، والله أعلم) (١).

стр. 541

١٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة في ذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم. وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (١). قلت: هذا الخبر لا يصح؛ لأن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به، وأيضًا الحديث بهذا اللفظ لا يصح -وسيأتي شرح ذلك-، لذا عندما رواه النسائي من طريق شعبة عن يزيد، ثم رواه أيضًا من طريق شعبة عن الحكم (٢)، كلاهما عن مقسم به، قال: (يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه، والحكم لم يسمعه من مقسم). قلت: ثم ساقه من طريق شريك عن خصيف عن مقسم به (٣). قلت: وهذا فيه خصيف لا يحتج به، وشريكٌ أيضًا فيه بعض الكلام، والله تعالى أعلم. ١٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". قال أبو عيسى: سألت محمدا: قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟

стр. 542

قال: نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة. قال أبو عيسى: فهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (١). قلت: هذا الحديث أسانيده لا تخلو من كلامٍ؛ وأقواها طريق ابن المنكدر عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه. وفيه علة أخرى، وهي الاختلاف على ابن المنكدر: فقد رواه ابن علية وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب به موقوفًا (٢). وخالفهم حماد بن زيد فرفعه (٣). وهذا لعله من أيوب، وهو إمامٌ، ولكنه لورعه قد يوقف الحديث. ويؤيد رواية حماد أن عبد الوارث (٤)، وروح بن القاسم (٥)، قد روياه عن ابن المنكدر مرفوعًا، والإسناد إليهما جيد، ويضاف إليهم معمر (٦)؛ فيكون الراجح في هذا الخبر الرفع، ولكن تبقى العلة الأولى، وهي الانقطاع. وجاء من طريق آخر: أخرجه الترمذي (٧) وغيره من حديث عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.

стр. 543

وهذا الإسناد فيه عبد الله بن جعفر هو المخرمي، وهو ثقة، ولكن تُكلم في روايته عن عثمان، قال ابن حبان: (يعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه) (١). وعثمان الأخنسي متكلم فيه بعض الشيء، وفي سماعه من المقبري شيء، قال البخاري: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من المقبري) (٢). فهل يقصد أنه قد تبين له خلاف ذلك؟ أو يريد تأكيد هذا الأمر وأنه لم يسمع منه؟ كلاهما محتملٌ، والسبب في ذلك أنه لم يذكر عنه سوى ما تقدم. قلت: وقد توبع الأخنسي، فقد رواه الدارقطني من طريق محمد بن عمر، قال: ثنا داود بن خالد وثابت بن قيس ومحمد بن مسلم، جميعًا عن المقبري به (٣). ولكن هذه المتابعة ليست بشيء؛ لأن محمد بن عمر هو الواقدي. وأما حديث عائشة، فطريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن عائشة خطأ. وقد رواه الشافعي من طريق عروة، عن عائشة (٤)، ولكن في إسناده ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروكٌ. ورواه يزيد بن عياض بن جعدبة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة به (٥)، ويزيد متروكٌ.

стр. 544

ورواه البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن علي بن الأقمر، عن مسروق عن عائشة، موقوفًا عليها (١). وهذا فيه أبو حنيفة، وهو لا يحتج به. فتبين مما تقدم أن تقوية هذا الخبر بمجموع طرقه فيها نظرٌ. ١٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاعتكاف إذا خُرج منه: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين. هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (٢). قلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في "المسند" (٣): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس). ومن طريق ابن أبي عدي أخرجه: ابن خزيمة (٤)، وابن حبان (٥)،

стр. 545

والحاكم (١)، والبيهقي (٢)، والبغوي (٣). وفي "العلل" للدارقطني أنه سئل عن حديث حميد، عن أنس كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين، فقال: (يرويه ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، وهذا يرويه حماد بن سلمة عن حميد عن أبي نضرة عن أبي سعيد) (٤). قلت: وحماد بن سلمة أثبت في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم: فروى عنه جمعٌ كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة. أخرجه أحمد (٥) والنسائي في "الكبرى" (٦) وابن ماجه (٧) والطيالسي (٨) وابن خزيمة (٩) وابن حبان (١٠)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في "المختارة" (١١). وهذا إما أن يكون حديثا آخر، وإما اختلافا على حماد، والثاني هو

стр. 546

الأقرب، ولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي (١)، وأحمد (٢)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين". وهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف، ولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في العشر الأول ثم الأوسط يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ : "إنها في العشر الأواخر"، وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في "الصحيحين"، والسنن، والمسانيد. ١٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضَعَفَة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (٣). قلت: هذا حديث معلول، وقد بين علته البخاري، قال: (وقال معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "لا ترموا الجمرة، حتى تطلع الشمس". وقال حفص: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا الحكم، عن مقسم، عن

стр. 547

ابن عباس: وقف النبي ﷺ وردفه الفضل بعرفة ثم أفاض، فلم أره رافعة يدها عادية حتى أتى جمعا، قال أسامة: ثم أردفني، ووقف جمعا وردفه أسامة، ثم أفاض يبادر طلوع الشمس، فلم أرها رافعة يدها حتى أتى منى، قال: ونحن على حُمُرات لنا، فجعل يضرب أفخاذنا، ويقول: "بنيّ، أفيضوا، ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". والمستفيض عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أردف أسامة، من عرفة إلى جمع. وكذلك قال أسامة: أردفني النبي ﷺ ، فقلت: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، ثم أردف الفضل من جمع إلى منى، وقوله: "بني" كأنه قال لهؤلاء الذين معه. وحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب؛ لما وصفنا، ولا يُدرى الحكم سمع هذا من مقسم أم لا. وروى المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: قدم النبي ﷺ ضعفة أهله من جمع بليل، يوصي كل إنسان أن لا يرمي حتى تطلع الشمس. وقد بينه زهير بن حرب قال: حدثنا وهب -يعني ابن جرير-، قال: حدثني أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. ورواه سفيان، عن سلمة، عن الحسن العرني، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لضَعَفة أهله: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، ولم يسمع الحسن من ابن عباس. حدثنا محمد قال: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة

стр. 548

مولى ابن عباس، عن ابن عباس: بعثني النبي ﷺ مع أهله إلى منى يوم النحر، فرمينا الجمرة مع طلوع الفجر. حدثنا محمد قال: حدثني عياش قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين: أن النبي ﷺ أمر إحدى نسائه وهي سودة، أن تنفر من جمع ليلة جمع، فتأتي جمرة العقبة فترميها، فتصبح في منزلها. وكان عطاء يفعلها حتى مات. حدثنا محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء: أنها ارتحلت من جمع حين غاب القمر فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح، فقلت لها، فقالت: إن رسول الله ﷺ أذن للظعن. وكذلك حكى عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: فمنهم من يقدم منى ليلا، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ، وكذلك فعلت أم سلمة، وحديث هؤلاء أكثر في الرمي قبل طلوع الشمس وأصح) (١). ١٦ - وقال أيضا في باب ما جاء كيف ترمى الجمار: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله".

стр. 549

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: هذا حديثٌ معلولٌ؛ عبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي، وقد اختلف فيه، والصواب في هذا الحديث الوقف، قال البيهقي -بعد أن ذكر رواية عبيد الله-: (ورواه ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة فلم يرفعه، ورواه حسين المعلم، عن عطاء، عن عائشة فلم يرفعه) (٢). قلت: ابن أبي مليكة ثقة ثبت عالم، فلا شك أن روايته مقدّمة على رواية عبيد الله بن أبي زياد، كيف وقد رواه ابن جريج -كما عند عبد الرزاق (٣) -، وحبيب المعلم -كما في "أخبار مكة" للفاكهي (٤) -، كلاهما عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا عليها؟. هذا بالإضافة إلى رواية حسين المعلم التي ذكرها البيهقي. فالخبر إذًا موقوفٌ وليس بمرفوعٍ، وقد أشار إلى هذا البيهقي، كما تقدم. وقد جاء عن عبيد الله بن أبي زياد وقفه أيضًا كما في رواية ابن عيينة عنه. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥). وهذا يدل على اضطرابه في وقف هذا الخبر ورفعه، ولكن رواية الرفع هي الأصح عنه، لذا فقد يكون وقف هذا الخبر إنما هو من ابن عيينة وليس منه. وقد صحح المرفوع ابن الجارود، وابن خزيمة، والحاكم (٦).

стр. 550

١٧ - وقال أيضا في باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة؟: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس -قال: يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح (١)) (٢). قلت: هذا الحديث معلول، والصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأبو داود، والبيهقي. قال الشافعي: (روى ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لبى في عمرة حتى استلم الركن، ولكنا هبنا روايته؛ لأنا وجدنا حفّاظ المكيين يقفونه على ابن عباس) (٣). وقال أبو داود: (رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفا) (٤). قال البيهقي -عقب كلام الشافعي السابق-: (رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرا، ضعفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه، وقد روي عن المثنى بن الصباح، عن عطاء مرفوعا، وإسناده أضعف مما ذكرنا) (٥).

стр. 551

١٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا هو أفضل". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: هذا خبر منكر لا يصح، وإنما هو موقوف، وحجاج هو ابن أرطاة، لا يحتج به، وهو موصوف بالتدليس. بل جاء عن جابر بإسناد قوي أنه قال: العمرة واجبة. ملحوظة: لم يصحح أبو عيسى لحجاج بن أرطاة سوى هذا، وهناك حديث آخر ساقه من طريق حجاج، ثم ساقه بإسنادٍ آخر صحيح وقال: (حسن صحيح) (٢)، فالظاهر أن هذا التصحيح إنما هو للإسناد الثاني، وقد خرّج أبو عيسى للحجاج نحوًا من (٢٥) حديثًا. * * *

стр. 552

الوجه الثالث والعشرون: قد يصحح أحاديث في أسانيدها ضعفٌ، وهذا لا ينافي ما تقدم تقريره، من أنه إذا صحح حديثا فالغالب أنه صحيح. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في دخول الكعبة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ من عندي وهو قرير العين، طيب النفس، فرجع إليّ وهو حزين، فقلت له، فقال: "إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: إسماعيل مختلف فيه، والأكثر على عدم الاحتجاج به، وقد يكون أبو عيسى ممن يرى قوته، والله تعالى أعلم. ٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقبيل الميت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم ابن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن النبي ﷺ قَبَّل عثمان ابن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تهراقان (٢). وفي الباب عن ابن عباس، وجابر، وعائشة، قالوا: إن أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ وهو ميت. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح) (٣). قلت: عاصم بن عبيد الله الجمهور على تضعيفه، بل لم يقوه أحد من

стр. 553

النقاد سوى العجلي، فقد قال عنه: لا بأس به (١). وقد روى عنه مالك وشعبة والقطان. أما الجواب عن رواية مالك عنه؛ فأقول وبالله تعالى التوفيق: إنما روى عنه حديثًا واحدًا (٢)، وقد أنكر -أي مالك- على شعبة تحديثه عن عاصم (٣). وأما الجواب عن رواية شعبة عنه؛ فشعبة وإن كان روى عنه، ولكنه تكلم فيه. قال عفان: سمعت شعبة يقول: (كان عاصم بن عبيد الله، لو قيل له: من بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان عن النبي ﷺ ) (٤). وأما رواية القطان عنه، فقد قال علي بن المديني: (ذكرنا عند يحيى ابن سعيد ضعف عاصم بن عبيد الله، فقال يحيى: هو عندي نحو ابن عقيل) (٥). قلت: وقد جاء عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يروي عن ابن عقيل، كما نقل ذلك علي بن المديني عنه (٦)، ونقل عمرو بن علي عنه أنه كان

стр. 554

يروي عنه (١). وأما أبو عيسى فيرى أنه ثقة أو مقارب، لذا صحح حديثه هذا وغيره من الأحاديث، ومن ذلك: ٣ - قال في باب ما جاء في مهور النساء: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر، قالوا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم، قال: فأجازه. وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، وجابر، وأبي حدرد الأسلمي. قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح) (٢). ٤ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة. هذا حديث حسن صحيح) (٣). ٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الشقاء والسعادة: (حدثنا بندار،

стр. 555

قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث، عن أبيه، قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: "فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاء". وفي الباب عن علي، وحذيفة بن أسيد، وأنس، وعمران بن حصين. وهذا حديث حسن صحيح) (١). ٦ - وقال أيضا: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: "أي أخي، أشركنا في دعائك ولا تنسنا". هذا حديث حسن صحيح) (٢). ومما يؤكد ما سبق أنه قال في باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان.

стр. 556

وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يُضعَّف في الحديث) (١). وأخرجه أيضا في التفسير، باب ومن سورة البقرة، بهذا الإسناد، وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع، عن عاصم بن عبيد الله، وأشعث يضعَّف في الحديث) (٢). قلت: ضعّفه من أجل أشعث، لا عاصم، فهذا يدل على قوته عنده. نعم يوجد حديث لعاصم لم يصححه، فقال في باب ما جاء في السواك للصائم: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ -ما لا أحصي- يتسوك وهو صائم. وفي الباب عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن) (٣). قلت: إسناده صحيح جدا إلى عاصم، ومتنه مستقيم ليس فيه ما يستنكر، ومع ذلك لم يصححه، فلا أدري ما السبب في ذلك. * * *

стр. 557

الوجه الرابع والعشرون: تصحيح أبي عيسى لأحاديث في أسانيدها من ليس بالمشهور. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في حق السائل: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بجيد -وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ -، أنها قالت لرسول الله: إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن لم تجدي له شيئا تعطيه إياه إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده". وفي الباب عن علي، وحسين بن علي، وأبي هريرة، وأبي أمامة. قال أبو عيسى: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح) (١). قلت: عبد الرحمن بن بجيد ليس بالمشهور، وقد اختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وقد ذكره ابن حبان في التابعين من كتابه "الثقات" (٢)، وقال ابن عبد البر: (وكان يذكَر بالعلم) (٣). ٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم الأحول (ح) وحدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي، عن النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٤).

стр. 558

قلت: الرباب ليست بالمشهورة، إلا أن ابن حبان ذكرها في "الثقات" (١) كعادته، فهي إنما عُرفتْ بهذا الحديث، وما ذُكر أن لها أحاديث أخرى؛ كحديث: "مع الغلام عقيقته … " (٢)، وحديث: "الصدقة على ذي القرابة" (٣) = فهذه جُمَلٌ للحديث الذي معنا، فبعضهم ذكره كاملًا وبعضهم قطّعه، وقد ذكرها الذهبي ضمن المجهولات في كتابه "الميزان" (٤)، وقال ابن حجر: مقبولة (٥). ولكن أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، من تصحيح هذا الخبر، وذلك لاستقامته، ولكون الرباب من التابعين، واسم الستر والعدالة عليهم أكثر ممن أتى مِنْ بعدهم، وقد روت عن الرباب: حفصة بنت سيرين، وهي ثقةٌ مشهورةٌ، ولهذا وغيره صححه أبو عيسى، وابن خزيمة (٦)، وابن حبان (٧)، والحاكم (٨)، وابن حزم (٩) -لأنه احتج به، وهو لا يحتج بضعيفٍ عنده-، وأخرجه البغوي (١٠) ونقل عن الترمذي أنه قال: صحيح، وأقره على ذلك، بل ولا أعرف أن أحدًا من الأئمة المتقدمين قد ضعّف هذا الخبر. ٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الطعام يُصنع لأهل الميت: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال النبي ﷺ : "اصنعوا لأهل جعفر طعاما، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم".

стр. 559

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح … وجعفر بن خالد هو ابن سارة، وهو ثقة، روى عنه ابن جريج) (١). قلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقات سوى خالد بن جعفر؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن حديثه مستقيم، لذا صححه المصنف، وأنا أذهب إلى ثبوت هذا الخبر، ولكن قد اختلفت النسخ في حكم الترمذي، ففي "تحفة الأشراف" (٢): (حسن). وفي ط. بشار و"تحفة الأحوذي" (٣): (هذا حديث حسن). وفي "مختصر المنذري" (٤): (وقال الترمذي: حسن صحيح). وكذا في "نسخة الرسالة" (٥): (حسن صحيح). ٤ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّارا، إلا من اتقى الله، وبر، وصدق". هذا حديث حسن صحيح. ويقال: إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة أيضا) (٦). قلت: الحديث أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (٧).

стр. 560

وإسماعيل لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يذكر راويا عنه إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأشار الذهبي إلى تصحيح الترمذي لحديثه في "الميزان"، فقال: (عن أبيه، عن جده حديث: "إن التجار يبعثون فجّارا إلا من اتقى الله وبر"، ما علمت روى عنه سوى عبد الله بن عثمان بن خثيم، ولكن صحح هذا الترمذي) (١). وقال في "الكاشف": مقبول لم يترك (٢). وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول (٣). وقال مغلطاي: (خرج الحاكم، وابن حبان، وابن البيع، والطوسي حديثه في "صحيحهم") (٤). وأحيانا لا يصحح الترمذي لمن لم يكن مشهورا، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، والمسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى، أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟، والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (٥).

стр. 561

قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات مشاهير سوى أبي الربيع؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن قد روى عنه ثلاثة: سماك بن حرب، ويزيد بن أبي زياد، بالإضافة إلى علقمة بن مرثد. وقال عنه أبو حاتم: صالح الحديث (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). ولعدم شهرته قال عنه ابن حجر: مقبول (٣)، فلعله لأجل عدم شهرة أبي الربيع لم يصحح أبو عيسى الحديث. ٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن عمار قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، أن موسى بن أبي موسى الأشعري، أخبره، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، قال: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم، فيقول: واجبلاه، واسنداه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟ " قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (٤). قلت: هذا أيضًا لم يصححه لأن فيه موسى بن أبي موسى، وهو ليس بالمشهور، وأما أَسيد بن أبي أَسيد، فلعله صالح الحديث. * * *

стр. 562

الوجه الخامس والعشرون: أنه أحيانا يصحح الخبر وإن كان في إسناده ضعف، وذلك لوجود قرائن تدل على صحته: فإما أن يكون في إسناده من هو سيء الحفظ فدلت القرائن على أنه حفظ، أو من هو مختلط فدلت القرائن على أنه ضبط الخبر، أو من هو مدلس فدلت القرائن على أن هذا مما سمعه ولم يدلسه. والحفاظ قد يعلون الخبر بشخص معين في الإسناد، ويكون هناك غيره ممن هو متكلم فيه يسكتون عنه؛ وذلك لأنهم علموا بالقرائن أن العلة من هذا الراوي دون غيره، وغير ذلك. وهذه القاعدة قاعدة مهمة جدا، سار عليها المتقدمون، بخلاف المتأخرين الذين ينظرون إلى ظاهر الإسناد دون القرائن، وبالتالي يرون أن في تصحيح بعض الأئمة لهذا الخبر تساهلا منهم، وأنهم لم يحسنوا تطبيق القواعد الحديثية، بينما الصواب هو العكس. ومن الأمثلة على ذلك في "جامع أبي عيسى": أحاديث قتادة عن أنس، أو حميد عن أنس، أو أبي الزبير عن جابر، وغيرها، فإنه لم يردَّ خبرا منها بعنعنة من ذكر. أو أحاديث عطاء بن السائب، فأحيانا يصححها حتى ولو كانت ممن روى عنه بعد الاختلاط، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا أبو رجاء، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه". هذا حديث حسن صحيح، إنما يعرف من حديث عطاء بن السائب، وقد رواه شعبة والثوري عن عطاء بن السائب) (١).

стр. 563

قلت: فهذا الحديث صححه أبو عيسى -وهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سَمع منه بعد التغير-؛ لأن القرائن دلت على أن عطاء قد حفظه، بدليل رواية شعبة والثوري، وهما ممن سمع منه قديما. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان، قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، ولئن مشيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وأنا شيخ كبير. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى سعيد بن جبير، عن ابن عمر نحو هذا) (١). قلت: وهذا مثل الذي تقدم؛ فابن فضيل وإن كان سمع من عطاء قبل التغير، ولكن هذا الحديث مما استقام من حديث عطاء، بدليل مجيئه من وجه آخر، وهو طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر. ٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (٢). قلت: هذا الحديث تفرد به ابن أبي عدي بهذا الإسناد، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه من طريقه: (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس) (٣).

стр. 564

والحديث صححه ابن خزيمة (١)، وابن حبان (٢)، والحاكم (٣)، وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (٤) من طريق الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح غريب). ولا أدري هل هذا من كلامه أم من كلام أبي عيسى، والأقرب الثاني. ولم أقف على تصريح لحميد بسماعه من أنس، ولكن يكفينا تتابع هؤلاء الأئمة على تصحيحه، مع أنه قد اختلف على حميد فيه، ينظر: "العلل" للدارقطني (٥). والأمثلة على هذا كثيرة. لذا قال وكيع فيما رواه أبو داود: (كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحا طرحناه) (٦). وهذه طريقة الحفاظ الكبار أمثال وكيع. وقريب من هذا: أن يكون في الإسناد انقطاع، ومع ذلك يتساهلون فيه؛ لأن القرائن دلت على أنه غير مؤثر، أو أن تأثيره ليس كبيرا. قال يعقوب بن شيبة: (إنما استجاز أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر) (٧). ومنه أيضا: عندما يقع إبهام في الإسناد، ولكن تدل القرائن على أن هذا لا يضر:

стр. 565

قال البخاري: (حدثنا علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب ابن غرقدة، قال: سمعت الحي يحدثون، عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه، قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب من عروة فأتيته، فقال شبيب إني لم أسمعه من عروة، قال سمعت الحي يخبرونه عنه … ) (١). قال ابن حجر: (وزعم ابن القطان أن البخاري لم يرد بسياق هذا الحديث إلا حديث الخيل، ولم يرد حديث الشاة، وبالغ في الرد على من زعم أن البخاري أخرج حديث الشاة محتجا به؛ لأنه ليس على شرطه؛ لإبهام الواسطة فيه بين شبيب وعروة، وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا ما يحطه عن شرطه؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ويضاف إلى ذلك ورود الحديث من الطريق التي هي الشاهد لصحة الحديث، ولأن المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاء النبي ﷺ لعروة فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه. وأما مسألة بيع الفضولي فلم يُردْها؛ إذ لو أرادها لأوردها في البيوع، كذا قرره المنذري وفيه نظر؛ لأنه لم يطرد له في ذلك عمل، فقد يكون الحديث على شرطه ويعارضه عنده ما هو أولى بالعمل به من حديث آخر، فلا يخرّج ذلك الحديث في بابه ويخرّجه في باب آخر أخفى لينبه بذلك على أنه صحيح، إلا أن ما دل ظاهره عليه غير معمول به عنده، والله أعلم) (٢). * * *
следующие страницы →