← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقد خرج له حديثا في موضعين، وهو حديث ما يوجب الحج؟ فقال: "الزاد والراحلة" (١). قلت: والأقرب القول الأول؛ وذلك أنه روى بعض الأحاديث الباطلة (٢)، كما أنه تفرد بأحاديث رواها عن عمرو بن دينار وغيره من الرواة الثقات المشاهير. والذي يظهر أنه لم يتعمد ذلك؛ لأنه كان من أهل الفضل والعبادة. ٤ - إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عبد الرحمن بن الأسود، القرشي الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، مولى آل عثمان بن عفان (٣). متروك كما قال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والبرقاني، لذا قال البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه، وقد كذبه ابن معين -في رواية-، ولا يكتب حديثه كما قال ابن معين -في رواية- والنسائي ويعقوب بن سفيان، وذلك لأن له أحاديث باطلة، لذا قال ابن عدي في "الكامل" -بعد أن ذكر له عدة أحاديث (٤) -: (لا يتابعه أحد على أسانيده، ولا على متونه، وسائر أخباره مما لم أذكره تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بين الأمر في الضعفاء، على أن الليث بن سعد قد روى عنه نسخة طويلة) (٥). ٥ - إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي. روى عنه ابنه إبراهيم، وعن إبراهيم جمع من الحفاظ، ومنهم الترمذي (٦).

стр. 597

وإبراهيم ضعيف، بل لعله لا يكتب حديثه، كما سبق في المبحث الخاص بشيوخ الترمذي المتكلم فيهم. وقال الدارقطني في إسماعيل: متروك (١). ومثله الأزدي فيما نقله ابن الجوزي (٢)، وذكر ابن حبان ابنه إبراهيم في "ثقاته" (٣) وقال: في روايته عن أبيه بعض المناكير. وأكتفي هنا بسرد البقية، وسيأتي الكلام عنهم في المواضع التي خرّج لهم فيها بإذن الله. ٦ - أشعث بن سعيد البصري، أبو الربيع السمان. ٧ - أيوب بن واقد الكوفي، أبو الحسن، ويقال: أبو سهل، نزيل البصرة. ٨ - الحارث بن نبهان الجرمي، أبو محمد البصري. ٩ - الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الفقيه. ١٠ - الحسين بن قيس الرحبي، أبو على الواسطي، ولقبه حنش. ١١ - حصين بن عمر الأحمسي، أبو عمر، ويقال: أبو عمران، الكوفي. ١٢ - حفص بن سليمان الأسدي، أبو عمر البزاز الكوفي القارئ، ويقال له: الغاضري، ويعرف بحفيص، وهو حفص بن أبي داود، صاحب عاصم.

стр. 598

١٣ - الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد، ابن أبي ليلى الكوفي، وقيل: الحكم بن أبي خالد. ١٤ - حمزة بن أبى حمزة ميمون، وقيل: عمرو، الجعفي الجزري النصيبي. ١٥ - خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي، أبو الحجاج الخراساني السرخسي. ١٦ - خالد بن إلياس، ويقال: إياس، ابن صخر بن أبي الجهم عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر القرشي العدوي، أبو الهيثم المدني. ١٧ - داود بن الزبرقان الرقاشي، أبو عمرو، وقيل: أبو عمر، البصري، نزيل بغداد. ١٨ - الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التميمي السعدي الأعرجي، ويقال العرجي، أبو العلاء البصري، المعروف بعليلة، وهو لقب. ١٩ - زياد بن المنذر الهمداني، ويقال: النهدي، ويقال الثقفي، أبو الجارود الأعمى الكوفي. ٢٠ - زيد بن جبيرة بن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أبو جبيرة المدني. ٢١ - سعد بن طريف الإسكاف الحذاء الحنظلي الكوفي. ٢٢ - سيف بن محمد الثوري الكوفي، أخو عمار بن محمد، وابن أخت سفيان الثوري، نزل بغداد. ٢٣ - صالح بن حسان الأنصاري النضري، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة.

стр. 599

٢٤ - صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله الطلحي التيمي الكوفي. ٢٥ - الصلت بن دينار الأزدي الهنائي، أبو شعيب البصري، المعروف بالمجنون. ٢٦ - عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري. ٢٧ - عبد الحكيم بن منصور الخزاعي، أبو سهل، ويقال: أبو سفيان، الواسطي. ٢٨ - عبد الرحيم بن هارون الغساني، أبو هشام الواسطي، سكن بغداد. ٢٩ - عبد العزيز بن أبان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص القرشي الأموي السعيدي، أبو خالد الكوفي. ٣٠ - عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني الأعرج، يعرف يابن أبي ثابت. ٣١ - عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني، يقال: إنه من ولد أبي ذر الغفاري. ٣٢ - عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو عباد الليثي مولاهم المدني، أخو سعد بن سعيد، وكان الأكبر. ٣٣ - عبد الله بن ميمون بن داود القداح القرشي المخزومي المكي، مولى آل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. ٣٤ - عبد المنعم بن نعيم الأسواري، أبو سعيد البصري، صاحب السقاء.

стр. 600

٣٥ - عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري الوقاصي السعدي، أبو عمرو المدني، ويقال له: المالكي. ٣٦ - عطاء بن عجلان الحنفي، أبو محمد البصري العطار، وقيل: اسمه ميمون. ٣٧ - العلاء بن مسلمة بن عثمان بن محمد بن إسحاق الرواس، أبو سالم البغدادي، مولى بني تميم. ٣٨ - علي بن مجاهد بن مسلم بن رفيع، أبو مجاهد الكندي، ويقال: العبدى، الرازي الكابلي، قاضى الري. ٣٩ - عمارة بن جوين، أبو هارون العبدي البصري، مشهور بكنيته. ٤٠ - عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني الكوفي، نزيل بغداد. ٤١ - عمر بن هارون بن يزيد بن جابر بن سلمة الثقفي مولاهم، أبو حفص البلخي. ٤٢ - عمرو بن واقد القرشي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، أو مولى بنى أمية. ٤٣ - عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، وقيل: عنبسة بن أبي عبد الرحمن، وهو وهم. ٤٤ - فائد بن عبد الرحمن الكوفي، أبو الورقاء العطار. ٤٥ - محرر بن هارون بن عبد الله بن محرر بن الهدير القرشي التيمي المدني، وقيل: محرز، أخو هارون بن هارون. ٤٦ - محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، النسابة المفسر.

стр. 601

٤٧ - محمد بن القاسم الأسدي، أبو إبراهيم الكوفي، لقبه: كاو، شامي الأصل. ٤٨ - محمد بن زاذان المدني. ٤٩ - محمد بن زياد اليشكري الطحان الرقي ثم الكوفي، ويقال: الجندي، الأعور الفأفاء، المعروف بالميموني. ٥٠ - محمد بن سعيد بن حسان بن قيس القرشي الأسدي المصلوب. ٥١ - محمد بن عبيد بن أبي سليمان ميسرة العرزمي الفزاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، ابن أخي عبد الملك بن أبي سليمان. ٥٢ - ميناء بن أبي ميناء القرشي الزهري الخراز، مولى عبد الرحمن بن عوف. ٥٣ - النضر بن عبد الرحمن، أبو عمر الخزاز، حديثه في الكوفيين. ٥٤ - نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى الدارمي، ويقال: الهمداني، السبيعي الكوفي القاص، وقال: اسمه نافع، مشهور بكنيته. ٥٥ - نوح بن أبي مريم مابنة، ويقال: مافنة، أبو عصمة المروزي، القرشي مولاهم. ٥٦ - هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي، وهو هشام بن أبي هشام، أبو المقدام، ويقال له: هشام بن أبي الوليد المدني. ٥٧ - هلال بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو هاشم البصري. ٥٨ - الوليد بن محمد الموقري، أبو بشر البلقاوي، مولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي، والموقر: حصن بالبلقاء. ٥٩ - يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي، أبو جعفر الكوفي، أخو محمد بن سلمة بن كهيل، ووالد إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل.

стр. 602

٦٠ - يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي التيمي المدني. ٦١ - يزيد بن زياد، ويقال: ابن أبي زياد، القرشي الدمشقي، وقيل: إنهما اثنان. ٦٢ - يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده. ٦٣ - يعقوب بن الوليد بن عبد الله بن أبي هلال الأزدي، أبو يوسف، وقيل: أبو هلال، المدني، نزيل بغداد. ٦٤ - أبو المهزم التميمي البصري، اسمه يزيد بن سفيان، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان. * * *

стр. 603

الباب الثالث وفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث

стр. 604

* مقدمة. * مصطلح "الصحيح". *مصطلح "حسن صحيح". *مصطلح "حسن غريب صحيح". *مصطلح "الحسن". * مصطلح "الغريب". * مصطلح "أصح ما في الباب". * حكم الترمذي على الإسناد

стр. 605

مقدمة الفصل الأول: منهج الترمذي في حكمه على الأحاديث. الفصل الثاني: تفنن أبي عيسى الترمذي في الأحكام.

стр. 606

الفصل الأول منهج الترمذي في حكمه على الأحاديث يمكن تقسيم منهجه في هذا الباب إلى قسمين: القسم الأول: الأحاديث التي حكم عليها. القسم الثاني: الأحاديث التي لم يحكم عليها بشيء، وهي أحاديث يسيرة، أوردها وسكت عنها. أما القسم الأول، فالأحاديث التي حكم عليها على نوعين: الأول: التي حكم عليها حكما تاما، فبيّن صحّتها أو حسنها أو ضعفها. الثاني: التي حكم عليها حكما ناقصًا، وأعني أنه لم يبين درجتها بيانًا واضحًا؛ كقوله: "هو أصح شيء في الباب وأحسن "، فبهذه العبارة حكم على بعض الأحاديث، خاصة في الأبواب الأولى من كتابه؛ الأول والثالث والرابع (١). وفي الباب السادس والثامن قال: "أحسن شيء في هذا الباب وأصح" (٢). ويظهر أنه لا فرق بين العبارتين.

стр. 607

وكقوله -أحيانًا-: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" دون قوله: "غريب"، وهذا يسيرٌ، ومن أمثلته: ١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة (١)، عن ابن المسيّب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما. وفي الباب عن أبي سعيد. قال أبو عيسى: حديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد روي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها. وقد روي عن عمر بن الخطاب نحو هذا، أنه رخص في الإفطار عد لقاء العدو) (٢). قلت: لعل المصنف اكتفى بما قاله حول الحديث، أو أنه اكتفى بأحكامه السابقة في ابن لَهيعة، فقد بيّن ضعفه من قبل (٣). وأما رواية سعيد بن المسيب عن عمر، فالمصنف يصححها (٤). ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا بُندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه".

стр. 608

قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمدا يقول: أبو المُطَوِّس: اسمه يزيد بن المُطَوِّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث) (١). قلت: منهج أبي عيسى أن مثل هذا الخبر لا يصحّ، ويؤيد هذا ما ذكره في "العلل الكبير" عن البخاري: (أبو المطَوِّس اسمه يزيد بن المطَوِّس، وتفرّد بهذا الحديث، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا) (٢). ٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه". وقد روى وكيع، عن غير واحد، عن أبي المَليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا أبو عاصم، عن حميد أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه) (٣). وهناك غيرها من الأحاديث، تقدم الكلام عليها في منهجه في التعليل، والله أعلم. * * * وأما القسم الثاني، وهو الأحاديث التي سكت عنها فلم يحكم عليها بشيء، فهذا على حالين:

стр. 609

الحال الأولى: أن يكون سكوته عنها تعمّدا؛ إما لتردده في الحكم على الحديث قوّة وضعفا، وإما لكون الحديث ليس عليه العمل. وهذا في الأحاديث المرفوعة، أما الآثار فمنهجه عدم الحكم عليها (١). ومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لتردُّده في درجته قوة وضعفا: قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الأموات فتوذوا الأحياء". قد اختلف أصحاب سفيان في هذا الحديث: فروى بعضهم مثل رواية الحَفَري. وروى بعضهم، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت رجلًا يحدث عند المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ، نحوه) (٢). قلت: الظاهر أنه لم يحكم عليه لتردده بسبب هذا الاختلاف، أو أنه سقط حكمه من الأصل، أو غير ذلك. وقال أبو عيسى: (حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم، فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه. وهكذا روى منصور وعبيدة الضّبِّي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش. وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بَهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ .

стр. 610

وحديث أبي وائل عن حذيفة، أصح) (١). قلت: صوّب أبو عيسى أحد الطريقين مكتفيًا بذلك عن الحكم. وصثله الحديث الذي خرّجه في باب (كراهية ما يستنجى به) (٢). وقال أبو عيسى ﵀: (ويروى عن شَهْر بن حَوشب قال: رأيت جرير ابن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة. حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا خالد بن زياد الترمذي، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، عن جرير. وروى بقية، عن إبراهيم بن أدهم، عن مقاتل بن حيان، عن شَهْر بن حَوشَب، عن جرير. وهذا حديث مفسِّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة) (٣). قلت: يظهر أن المصنف ترك الحكم عليه تعمدًا وليس ذهولًا، بدليل ذكره الوجه الآخر للإسناد عن مقاتل، ولعل السبب الذي دعاه لذلك أن حديثه كان منصبّا على الناحية الفقهية، فقد ذكر أنه حديث مفسِّر للذي قبله. ومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لأجل أن العمل ليس عليه: قال أبو عيسى: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط".

стр. 611

قال: فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدُّهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثًا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلًا. وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي موسى. وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار) (١). قلت: عدم حكمه على الحديث مردُّه إما إلى أنه ليس عليه العمل عند الأكثر كما ذكر أبو عيسى، أو إلى اختلافٍ وقع في إسناده؛ فقد رواه الزهري ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان الأخنسي، عن أم حبيبة (٢). وأخرج مسلم (٣) من حديث الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره، أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "توضؤوا مما مسّت النار". وأخرج الترمذي في "الشمائل " (٤) وأحمد (٥) وغيرهما، من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.

стр. 612

الحال الثانية: أن يكون سكوته عنها ذهولًا. ومن أمثلته -فيما يظهر لي-: قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب- قال: "إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخبث". قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها. قال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه. وقالوا: يكون نحوا من خمس قرب) (١). قلت: هذا الحديث لا يخفى أنه أصل أصيل في أبواب المياه، فبيان درجته من الأهمية بمكان، وقد حكم أبو عيسى على الأحاديث التي تدخل في هذه المسألة؛ كحديث بئر بضاعة، والبحر، وأما هذا فلم يحكم عليه، فلعلّه ذهولٌ منه ﵀، خاصة أنه ذكر شيئًا من فقه الحديث. وقال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: دخلت بابن لي على النبي ﷺ لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشّه عليه. وفي الباب عن علي، وعائشة، وزينب، ولبابة بنت الحارث -وهي أم الفضل ابن عباس بن عبد المطلب-، وأبي السمح، وعبد الله بن عمرو، وأبي ليلى، وابن عباس.

стр. 613

قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومن بعدهم؛ مثل أحمد، وإسحاق، قالوا: يُنضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يَطعما، فإذا طعما غُسلًا جميعًا) (١). قلت: هذا الحديث إسناده صحيح جدًا، فهو مسلسل بالثقات المشاهير، ولذا خرّجه الشيخان (٢)، وكأنه ذهل عن الحكم عليه. * * * ويمكن معرفة حكم الترمذي -أو ما يقرب من ذلك- على الأحاديث التي لم يحكم عليها بأحد أمرين: الأول: أن ينظر إلى أمثالها من الأسانيد التي حكم عليها، فهذه يكون حكمها واحدًا غالبًا، فمن المعلوم أن كثيرًا من الأحاديث تتفق في الإسناد مع اختلاف المتن، لكن ليس هذا مطردًا؛ لأنه من المعروف أن للمتن تأثيرًا كبيرًا في الحكم على الحديث. وأبو عيسى كثيرًا ما يتفنن في حكمه على الأخبار، فتراه يغاير بين الأحكام مع أن الأسانيد واحدة، بل أحيانًا إذا ذكر الحديث الواحد في أكثر من موضعٍ تجد أن حكمه قد يختلف من موضع لآخر، ولكن هذا الاختلاف غالبًا ما يكون في اللفظ وليس في المعنى، والأصل أن أحكامه مطّردة. وبهذه الطريقة نقترب من معرفة حكمه على الأحاديث التي سكت عنها، هذا مع ملاحظة ما تقدم التنبيه عليه من أن اختلاف المتن قد يؤدي إلى اختلاف الحكم. الثاني: أن يتتبع منهجه، ومعرفة طريقته في الحكم على الأحاديث،

стр. 614

فإن من حصلت له هذه المعرفة؛ استطاع بإذن الله تبيُّن أحكامه على الأخبار التي سكت عنها، واستطاع أيضًا الترجيح بين النسخ عند اختلافها في حكم الترمذي (١). * * * أشرت قريبًا إلى أن أحكام الترمذي أحيانًا ربما اختلفت -خلافًا للأصل والغالب-، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - سلسلة (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده)، صحّح منها ثلاثة أحاديث (٢)، والكثير منها حسّنه إما مطلقًا (٣) أو مع الغرابة (٤)، مع أنها من رواية الثقات المشهورين عن عمرو بن شعيب (٥). ٢ - سلسلة (محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة)، فقد صحّح كثيرًا من أحاديثها (٦)، وأحاديث أخرى لم يصححها (٧). ٣ - سلسلة (قتادة، عن الحسن، عن سمرة)، صحّح بعضها (٨)، وحسن بعضًا (٩).

стр. 615

٤ - سلسلة (عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة)، صحّح بعضها (١)، وحسن بعضًا (٢). وثمة سلاسل دون ما تقدم في القوة؛ كسلسلة (دَرَّاج أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو، عن أبي سعيد الخدري)، فإنه حسّن بعضها (٣)، وضعّف البعض الآخر التي في أسانيدها إلى دَرَّاج من هو متكلم فيه؛ كابن لَهيعة أو رشدين بن سعد (٤). إلا أنه صحّح حديثًا واحدًا بهذه السلسلة، وهو ما رواه في كتاب صفة جهنم، قال: (حدثنا سُويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد ابن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته". هذا حديث حسن صحيح غريب) (٥) وساقه أيضًا في التفسير بنفس الإسناد، وقال: (حسن غريب صحيح) (٦) ولا أدري لماذا صحّح هذا الحديث منها دون غيره؟ لأنه في الغالب إذا صحَّ الإسناد إلى دَرَّاج فإنه يكتفي بتحسينه فقط، مع أن بعض ما حسّنه

стр. 616

أقوى من حيث الإسناد إلى دّرَّاج من هذا الخبر الذي صحّحه؛ كما في حديث: "إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، فقد ساقه من طريق ابن أبي عمر العدني، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به، وقال: (حسن غريب) (١). وكذا حديث: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة"، فقد ساقه من طريق قتيبة، عن ابن وهب به، وقال: (حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٢). وقد يكون هذا التصحيح ذهولًا من المصنف، وقد يكون خطأ عليه- مع بعد الاحتمالين-، وقد يكون التصحجح للمتن؛ لأن معنى هذا المتن جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وهذا فيه بعدٌ أيضًا؛ لأن حديث: "إذا رأيتم الرجل … " قد جاء ما يشهد له في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]، وهو يشمل العمارة الحسية والمعنوية، والله أعلم. ومن الأمثلة أيضًا على الأحاديث التي تردّد حكمه فيها: ١ - قال أبو عيسى: (حدثنا علي بن خَشْرم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح، عن شَهر بن حَوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] ". هذا حديث حسن صحيح) (٣). قلت: أورد أبو عيسى سبعة أحاديث بهذه السلسة، أعني (شهرًا، عن

стр. 617

أسماء)، ولم يصحِّح منها حديثًا سوى هذا الحديث، وحسّن أكثرها (١)، وحديثا رواه بإسنادين ولم يحكم عليه بشيء (٢). وهذا الحديث الذي صحّحه، فيه -بالإضافة إلى وجود شهر- عبيد الله القَدَّاح، وفيه خلاف قويٌّ بين النُقّاد، وبعض أسانيد الأحاديث الأخرى أقوى منه؛ فبعضها من طريق عبدالحميد بن بَهرام عن شهر (٣)، وقد أثنى الحفاظ على روايته عن شهر، ومع ذلك لم يصحّحها. وقد يكون صحّحه لأن المتن له شواهد، فالله أعلم. ٢ - وقال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هُشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر. وفي الباب: عن عبدالله بن عمرو. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (٤). قلت: هذا حديث منكر مرفوعًا، والصواب وقفه على ابن عباس، فقد وقفه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء به، وهذا ظاهر كلام أبي داود والبيهقي (٥)، ولم يصحح أبو عيسى لابن أبي ليلى إلا هذا الحديث (٦).

стр. 618

نعم هناك حديث آخر من روايته وصحّحه، ولكنه كان مقرونًا بغيره (١). ٣ - وقال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجّاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا هو أفضل". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (٢). قلت: وهو خبر منكر مرفوعًا، لا يصح، وإنما هو موقوف. وقد خرّج أبو عيسى لحجّاج نحو خمسة وعشرين حديثًا، ولم يصحِّح له سوى هذا الحديث. أقول: لا شك أن الغالب على أحكام الترمذي الاطّرادُ، وما تقدم من أمثلة على اختلاف حكمه إنما هو يسيرٌ بجانب آلاف من الأحاديث التي حكم عليها. ولا يخفى أن هذا قد يكون مرجعه إلى اختلاف المتن، أو لشهرة الإسناد من عدمه (٣)، مع ملاحظة أن هذه الأسانيد هي محل خلاف بين أهل العلم قوة وضعفًا، بخلاف الأسانيد المشهورة في الصحة أو في الضعف؛ فهذه يقلُّ الاختلاف فيها. * * *

стр. 619

الفصل الثاني تفنن أبي عيسى الترمذي في الأحكام تفنن أبو عيسى الترمذي في هذا الكتاب أيما تفنن، سواء في انتقائه لأحاديث هذا الكتاب، أو في بيان فقهها واستخراج المسائل المستنبطة منها، أو في بيان صحيحها من معلولها، وخاصة في أحكامه عليها، حيث أكثر من المغايرة بين الألفاظ في الأحكام، خاصة في وسط الكتاب وآخره. وهذا في الحقيقة دليل على تمكنه من هذا الفن، لذا هو يُعبِّر بأكثر من مصطلح عن المعنى الواحد، وهذا ظاهر جدًا لمن نظر في كتابه نظرة دراسة وتأمل. فمن ذلك: ما حكم عليه بالصحة، مثل قوله: "صحيح حسن" (١)، وهذا عكس ما يستعمله غالبًا بقوله: "حسن صحيح" (٢)، وقوله: "صحيح حسن غريب" (٣)، وأحيانًا: "غريب حسن صحيح" (٤). ويقول أيضًا: "صحيح غريب" (٥)، وفي بعضها يعكس ذلك: "غريب صحيح" (٦)، وفي بعضها: "إسناد صحيح" (٧)، أو يقول: "إسناده جيد" (٨).

стр. 620

ومن ذلك أيضًا: ما حكم عليه بالحسن، مثل قوله: "حسن غريب" (١)، وفي بعضها عكس ذلك: "غريب حسن" (٢)، وأحيانًا يقول: "حسن غريب"، ثم يقول: "وهو إسناد حسن صحيح" (٣)، وفي بعضها: "حديث حسن جيد غريب" (٤)، و"إسناد حسن" (٥). ومما يؤيد ما تقدم: تفنّنه في العبارات التي يستعملها في الدلالة على ضعف الحديث، فهو يستعمل عبارة: "حديث ضعيف"، أو: "حديث ضعيف الإسناد" (٦)، وأيضًا: "إسناده ليس بالقوي" (٧). مع ملاحظة أن الضعف درجات، فقد يكون ضعفُ الحديثِ يسيرا، وقد يكون شديدًا، ولكن أبا عيسى لا يلزم أنه يعني ذلك فيما تقدم، أو فيما سيأتي. أو يقول: "ليس بذاك" (٨)، أو: "في إسناده مقال" (٩). أو: "ولا يصح إسناده"، أو: "لا يصح"، أو: "لا يصح من قبل إسناده" (١٠). أو: "ليس إسناده بالقائم"، أو: "بذاك القائم" (١١). أو: "ليس بإسناده بأس"، ثم أشار إلى تضعيفه (١٢).

стр. 621

أو يذكر بأن فيه فلانًا وهو ضعيف، أو يذكر أكثر من راو من الضعفاء (١). أو يقول: "إسناد هذا الحديث ليس بصحيح" أو: "وليس إسناده بصحيح" (٢). أو: "غير محفوظ" (٣). أو: يحكم عليه بالغرابة، ثم يبين ضعفه (٤)، وعلى هذا فما قال عنه: "غريب" وسكت عنه؛ فهو ضعيف عنده غالبًا، مع ملاحظة أن الغرابة تتعلق بالعلة، إلا أنه يعبر كثيرًا عن الحديث الضعيف بالغريب. أو يبين ضعفه من خلال بيان علته (٥). أو يقول: "هذا أصح من ذاك" ويعني به تضعيف الآخر (٦). أو: "هذا حديث خطأ" (٧)، أو: "أخطأ فيه فلان" (٨)، أو: "وهو وهم" (٩). مع ملاحظة أن قوله: "هذا أصح من ذاك"، أو: "خطأ" وما بعدها؛ يستعمل في تعليل الخبر. ومثل ذلك حكمه على الحديث بالاضطراب، وقد تقدم هذا في مبحث مستقل (١٠).

стр. 622

هذا بالإضافة إلى بيان أنواع الضعف كقوله بأنه: "مرسل" (١). أو يبين أن: "إسناده ليس بالمتصل" (٢). ومن عباراته: "حديث مشهور"، ثم بين انقطاع إسناده (٣). أو يقول: "حديث منكر" (٤)، وقد تقدم إفراد بحث في ذلك (٥). * * *

стр. 623

مصطلح "الصحيح"

стр. 624

مصطلح "الصحيح" يرد مصطلح "الصحيح" في استعمال أبي عيسى: مقترنا، ومجرَّدا. فأما المجرَّد فهو أن يقول: "حديث صحيح". وأما المقترن فهو أن يقول: "صحيح غريب"، أو "غريب صحيح". وأما مقاصده في استعمال هذا المصطلح، فهي على خمسة أنواع: النوع الأول: أن يستعمله على بابه. النوع الثاني: أن يستعمله بمعنى "حسن صحيح". النوع الثالث: أن يريد به تأكيد صحة الخبر. النوع الرابع: أن يريد به أنه أصح مما حكم عليه بأنه "حسن صحيح". النوع الخامس: أن يريد به تصحيح الحديث لكونه روي من غير وجه، وليس لذات هذا الوجه فقط. وفيما يلي بيان هذه الأنواع، مع التمثيل لكل نوع. * * *

стр. 625

النوع الأول استعمال مصطلح "الصحيح" على بابه من أمثلته: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس. هذا حديث صحيح) (١). قلت: وهذا تصحيح على بابه، فقد خرج الشيخان هذا الحديث (٢) ٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كانوا ركوعًا في صلاة الصبح. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (٣). قلت: وهذا تصحيح على بابه، وقد خرج الشيخان أيضًا هذا الحديث (٤). ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي التَيّاح الضُّبَعي، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغَنْم. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

стр. 626

وأبو التياح: اسمه يزيد بن حميد) (١). قلت: وهذا تصحيح أيضًا على بابه، وقد خرج الشيخان هذا الحديث (٢). ٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك، قال: صلينا مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة، أربعًا، وبذي الحليفة العصر ركعتين. هذا حديث صحيح) (٣). قلت: وهذا تصحيح على بابه، وقد خرّج الشيخان هذا الحديث (٤) ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هُشيم، عن منصور ابن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلى ركعتين. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (٥). قلت: هذا رجاله ثقات مشاهير، ولكن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس، كما نصَّ على ذلك كبار الحفاظ من شعبة وغيره (٦)، ويظهر أن تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر على بابه، وكأنه غفل عن عدم ثبوت سماع ابن سيرين من ابن عباس، ولذا لم يخرِّج الشيخان لابن سيرين عن ابن عباس شيئًا، إلا حديثًا ساقه البخاري في "صحيحه" من طريق أيوب عن ابن

стр. 627

سيرين عن ابن عباس قال: تعرَّق النبي ﷺ كتفا (١)، ثم ساقه بعده من طريقه -أي أيوب- عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس (٢)، والذي يظهر أنه يريد الإسناد الثاني. وهذه الترجمة في الكتب الستة قليلة، فليس فيها إلا الحديث السابق؛ قصر الصلاة، وقد أخرجه النسائي أيضًا (٣)، وحديث الأكل من الكتف الذي تقدم، وحديثان آخران أخرجهما النسائي أحدهما في القيام للجنازة (٤)، والثاني في صدقة الفطر (٥). ٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هارون بن إسحاق الهمْداني، قال: حدثنا عبْدَة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما افْتُرِض رمضان كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وفي الباب عن ابن مسعود، وقيس بن سعد، وجابر بن سمرة، وابن عمر، ومعاوية. قال أبو عيسى: والعمل عند أهل العلم على حديث عائشة، وهو حديث صحيح) (٦). قلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه الشيخان (٧). ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب،

стр. 628

قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: شهدت عمر بن الخطاب في يوم نحر بدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن صوم هذين اليومين، أما يوم الفطر ففطركم من صومكم وعيد للمسلمين، وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وأبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف اسمه: سعد، ويقال له: مولى عبد الرحمن بن أزهر أيضًا، وعبدالرحمن بن أزهر هو: ابن عم عبد الرحمن بن عوف) (١). قلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه الشيخان (٢). ٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أنه سمع سعد ابن أبي وقاص والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه. هذا حديث صحيح) (٣).

стр. 629

قلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث ثابت في "الصحيح" (١) ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ويقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر كذلك في خلافة أبي بكر، وصدْرًا من خلافة عمر بن الخطاب على ذلك. وفي الباب عن عائشة. هذا حديث صحيح. وقد روي هذا الحديث أيضًا عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ ) (٢). قلت: وهذا تصحيح على بابه أيضًا (٣). ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هارون بن إسحاق الهمْداني، قال: حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر ابن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس، فقد أفطرت". وفي الباب عن ابن أبي أوفى، وأبي سعيد الخير. قال أبو عيسى: حديث عمر حديث صحيح).

стр. 630

قلت: كذا في "تحفة الأشراف"، وفي طبعة التأصيل والرسالة: (حسن صحيح) (١). وهذا تصحيح على بابه، والحديث ثابت في "الصحيح" (٢) ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: وأخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ : قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه". وفي الباب عن أنس. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح). كذا في "تحفة الأشراف"، وفي طبعتي التأصيل والرسالة: (حسن صحيح) (٣). قلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه البخاري (٤). * * * ومما يلحق بهذا المصطلح قول الترمذي: (إسناده صحيح)، ومثاله: قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا الوليد بن أبي الوليد،

стр. 631

عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه". وفي الباب عن أبي أسيد. هذا حديث إسناده صحيح، وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه) (١). قلت: وهذا تصحيح من الترمذي لهذا الحديث، وقد صحّحه أيضًا مسلم، فقد أخرجه في "صحيحه" (٢)، والوليد بن أبي الوليد لا بأس به، وحديثه مستقيم، وإن كان مقلا ليس بالمشهور. وقد يذكر الترمذيُّ أحيانًا الحديث ويبيّن ضعفه، ثم يقول: (ليس له إسناد صحيح). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا حفص بن سليمان، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفَّعَه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد وجبت له النار". هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وحفص بن سليمان أبو عمر، بزَّاز كوفي، يُضعَّف في الحديث) (٣). ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا ابن أبي عمر وعبد الله بن أبي زياد -المعنى واحد-، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن مُحيصِن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

стр. 632

[النساء:١٢٣] شقَّ ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "قاربوا وسددوا، وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة، حتى الشوكة يشاكّها، أو النكبة ينكبها". هذا حديث حسن غريب. وابن مُحيصِن اسمه عمر بن عبد الرحمن بن مُحيصِن. حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، قال: أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت عليَّ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرَأَنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصامًا، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ : "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟! وانا لَمَجْزِيُّون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيُجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ موسى بن عبيدة يُضعَّف في الحديث؛ ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل. ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا. وفي الباب عن عائشة) (١).

стр. 633

٣ - وقال أيضًا: (حدثنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن … ". هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح) (١). قلت: استعماله هنا لهذا المصطلح (ليس له إسناد صحيح) على بابه، وهو أن هذا الخبر أسانيده ضعيفة، وهو ما يقابل الصحيح. * * *

стр. 634

النوع الثاني أن يستعمل "الصحيح" بمعنى "حسن صحيح"، ومغايرته بين العبارات من باب التفنن تقدم أن أبا عيسى قد تفنن في أحكامه على الأحاديث بعبارات شتّى، حتى إن هذه العبارات قد تصل إلى نحو المائتين، كما عدّها بعض الباحثين، والكثير منها يرجع إلى معانٍ متقاربة، وإنما يتفنن في التعبير بها، لذا كل المصطلحات الحديثية موجودة في كتابه. وهذه سمة عند المتقدمين، فتجد أنهم لا يتقيدون بـ "صحيح" فقط، أو "حسن" فقط، أو "ضعيف" فقط، بل يعبرون بعبارات كثيرة، وهذا مرجعه إلى أمرين: الأول: باب التفنن. والثاني: درجة الحديث، إذ لا يخفى أن الصحيح درجات، فهناك الصحيح وهناك الأصح، وبينهما درجات كثيرة، فهناك المسلسل بالحفاظ، وهناك الذي رجاله ثقات حسب، وما جاء من وجه واحد، وما جاء من أوجه متعددة، وهناك المشهور، والغريب، فيعطون كلَّ حكمٍ ما يناسبه. ودليل ذلك -مثلًا- النظر إلى أحكام علي بن المديني على الأحاديث، وسوف أذكر أمثلة منها حتى يتبين لك ذلك: ١ - روى علي بن المديني عن حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن عاصم -وهو ابن كليب-، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا". قال علي: (هو حديث صالح، ليس مما يسقط، وليس مما يحتجُّ به،

стр. 635

وقد روي عن رسول الله ﷺ تثبيت هذا الحديث) (١). فانظر إلى دقته في الحكم؛ حكم عليه أولا بأنه صالح، ثم أضاف أنه ليس مما يسقط، ثم بين بأنه لا يصل إلى درجة الاحتجاج، وهذه الأحكام كلها على إسناد هذا الخبر، وأما المتن فبين بأنه محفوظ، وذلك لوروده من أوجه أخرى. بينما غيره قد يكتفي بالحكم عليه بأن إسناده حسن. ٢ - وروى عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: قال عمر: لما أصبح رسول الله ﷺ بمكة دخل البيت فصلى ركعتين. قال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، ولم يرو عن عمر إلا من هذا الوجه) (٢). قلت: وقوله: (صالح الإسناد) من أجل يزيد بن أبي زياد، متكلم في حفظه، ولكنه ليس بالضعيف البين، وإنما فيه لين وضعف. ثم بين علي بن المديني أن هذا الإسناد فرد، وهذا بالنسبة لروايته عن عمر، فلم يرو عنه إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن هذا الحكم دقيق؛ لأنه يحتاخ إلى أطلاع واسع. ٣ - وروى عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق بن الأجدع، قال: لقيت عمر بن الخطاب، فقال لي: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأجدع شيطان"، ولكنك مسروق بن عبد الرحمن.
следующие страницы →