← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه". وفي الباب عن أبي أسيد. هذا حديث إسناده صحيح، وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه) (١). قلت: وهذا تصحيح من الترمذي لهذا الحديث، وقد صحّحه أيضًا مسلم، فقد أخرجه في "صحيحه" (٢)، والوليد بن أبي الوليد لا بأس به، وحديثه مستقيم، وإن كان مقلا ليس بالمشهور. وقد يذكر الترمذيُّ أحيانًا الحديث ويبيّن ضعفه، ثم يقول: (ليس له إسناد صحيح). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا حفص بن سليمان، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفَّعَه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد وجبت له النار". هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وحفص بن سليمان أبو عمر، بزَّاز كوفي، يُضعَّف في الحديث) (٣). ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا ابن أبي عمر وعبد الله بن أبي زياد -المعنى واحد-، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن مُحيصِن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

стр. 632

[النساء:١٢٣] شقَّ ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "قاربوا وسددوا، وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة، حتى الشوكة يشاكّها، أو النكبة ينكبها". هذا حديث حسن غريب. وابن مُحيصِن اسمه عمر بن عبد الرحمن بن مُحيصِن. حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، قال: أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت عليَّ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرَأَنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصامًا، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ : "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟! وانا لَمَجْزِيُّون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيُجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ موسى بن عبيدة يُضعَّف في الحديث؛ ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل. ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا. وفي الباب عن عائشة) (١).

стр. 633

٣ - وقال أيضًا: (حدثنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن … ". هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح) (١). قلت: استعماله هنا لهذا المصطلح (ليس له إسناد صحيح) على بابه، وهو أن هذا الخبر أسانيده ضعيفة، وهو ما يقابل الصحيح. * * *

стр. 634

النوع الثاني أن يستعمل "الصحيح" بمعنى "حسن صحيح"، ومغايرته بين العبارات من باب التفنن تقدم أن أبا عيسى قد تفنن في أحكامه على الأحاديث بعبارات شتّى، حتى إن هذه العبارات قد تصل إلى نحو المائتين، كما عدّها بعض الباحثين، والكثير منها يرجع إلى معانٍ متقاربة، وإنما يتفنن في التعبير بها، لذا كل المصطلحات الحديثية موجودة في كتابه. وهذه سمة عند المتقدمين، فتجد أنهم لا يتقيدون بـ "صحيح" فقط، أو "حسن" فقط، أو "ضعيف" فقط، بل يعبرون بعبارات كثيرة، وهذا مرجعه إلى أمرين: الأول: باب التفنن. والثاني: درجة الحديث، إذ لا يخفى أن الصحيح درجات، فهناك الصحيح وهناك الأصح، وبينهما درجات كثيرة، فهناك المسلسل بالحفاظ، وهناك الذي رجاله ثقات حسب، وما جاء من وجه واحد، وما جاء من أوجه متعددة، وهناك المشهور، والغريب، فيعطون كلَّ حكمٍ ما يناسبه. ودليل ذلك -مثلًا- النظر إلى أحكام علي بن المديني على الأحاديث، وسوف أذكر أمثلة منها حتى يتبين لك ذلك: ١ - روى علي بن المديني عن حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن عاصم -وهو ابن كليب-، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا". قال علي: (هو حديث صالح، ليس مما يسقط، وليس مما يحتجُّ به،

стр. 635

وقد روي عن رسول الله ﷺ تثبيت هذا الحديث) (١). فانظر إلى دقته في الحكم؛ حكم عليه أولا بأنه صالح، ثم أضاف أنه ليس مما يسقط، ثم بين بأنه لا يصل إلى درجة الاحتجاج، وهذه الأحكام كلها على إسناد هذا الخبر، وأما المتن فبين بأنه محفوظ، وذلك لوروده من أوجه أخرى. بينما غيره قد يكتفي بالحكم عليه بأن إسناده حسن. ٢ - وروى عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: قال عمر: لما أصبح رسول الله ﷺ بمكة دخل البيت فصلى ركعتين. قال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، ولم يرو عن عمر إلا من هذا الوجه) (٢). قلت: وقوله: (صالح الإسناد) من أجل يزيد بن أبي زياد، متكلم في حفظه، ولكنه ليس بالضعيف البين، وإنما فيه لين وضعف. ثم بين علي بن المديني أن هذا الإسناد فرد، وهذا بالنسبة لروايته عن عمر، فلم يرو عنه إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن هذا الحكم دقيق؛ لأنه يحتاخ إلى أطلاع واسع. ٣ - وروى عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق بن الأجدع، قال: لقيت عمر بن الخطاب، فقال لي: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأجدع شيطان"، ولكنك مسروق بن عبد الرحمن.

стр. 636

قال عامر -أي: الشعبي-: فرأيته في الديوان: مسروق بن عبد الرحمن، فقلت: ما هذا؟ قال: هكذا سماني عمر. قال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، وليس بالصافي، وهو حديث كوفي، لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وأبو عقيل ضعّفه أبو أسامة) (١). قلت: فانظر إلى دقته في حكمه على هذا الخبر، فبين أنه صالح الإسخاد، ثم عقّب بأنه ليس بالصافي؛ لأن فيه أبا عقيل، وقد تكلّم فيه أبو أسامة، وتكلّم فيه غيره أيضًا، ولكن وثّقه الجمهور، وكأنّ له بعض الأشياء التي تستنكر، ولم يخرج له أبو داود في "السنن" سوى هذا الحديث (٢). وفيه مجالد أيضًا وفيه لين وضعف، فأصبح هذا الإسناد ليس بالصافي. ثم بين بأنه من رواية أهل الكوفة، وأنه لم يروه غيرهم، وأنه لا يحفظه إلا من هذا الوجه، فهو حديث فرد. ٤ - وروى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر … ذكر قصة خروجه إلى خيبر واعتداء اليهود عليه. قال علي: (هذا إسناد مدني صالح، ولم نُصِبْه مسندا إلا من هذا الطريق، وقد رواه غير واحد عن نافع، ولم يرفعه أحد منهم إلى عمر بن الخطاب إلا محمد بن إسحاق) (٣). قلت: فانظر إلى هذه الدقة في الحكم، فقد بين أنه لم يروه إلا أهل المدينة، وأنه إسناد صالح، وأنه قد رواه غير واحد عن نافع، ولكن لم يرفعه منهم إلا ابن إسحاق.

стр. 637

٥ - وروى عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لَهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، قال: سمعت فَضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشهداء أربعة … " الحديث. قال علي: (هذا حديث مصري، وهو صالح) (١). قلت: وقوله: (صالح)؛ لأن الراوي عن ابن لَهيعة هو ابن المبارك، وهو ممن سمع منه قديمًا، مع ملاحظة أنه لم يصححه أو يجود إسناده، ويبين ذلك: ٦ - ما قاله عن حديث آخر رواه روى حسن بن موسى الأشيب، عن ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، أنه سمع محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، يحدث عن أبي سنان الدُّؤلي، أنه دخل على عمر بن الخطاب … فذكر قصة، ثم قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فأنا أشفق من ذلك". قال ابن كثير: (هذا إسناد جيد؛ لأن ابن لَهيعة قد صرح فيه بالتحديث، فزال محذور تدليسه، لكن قال الإمام علي بن المديني: الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لَهيعة بآخرة، وإنما يروى حديث ابن لَهيعة ممن سمع منه قبل أن يصاب بكتبه؛ مثل ابن المبارك، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وابن وهب). قال ابن كثير: (وسيأتي في باب السيرة موقوفا على عمر ﵁) (٢). فانظر الفرق بين حكم علي بن المديني وحكم ابن كثير.

стр. 638

٧ - وروى عن يحيى القطان، عن شعبة، عن سلمة بن كُهيل، قال: سمعت أبا الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الجر، فحدثنا عن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الجر، وعن الدُّبَّاء، وعن المُزَفَّت. قال علي: (صالح الإسناد، ولا يُحفظ عن عمر إلا من هذا الوجه، وأبو الحكم هذا لا أعلم روى عنه إلا سلمة بن كهيل، وقد روي هذا الحديث من وجوه كثيرة عن الصحابة) (١). ويلاحظ أن (الصالح) عند ابن المديني ليس في درجة واحدة. قلت: هذه أحكام يسيرة مما وُقف عليه من أحكام علي بن المديني، والذي وقُف عليه إنما هو قطعة من "مسند عمر" ليعقوب بن شيبة، نقل فيها عن شيخه علي بن المديني هذه الأحكام، وقد نقلها ابن كثير في "مسند الفاروق" له، وينظر في نفس الكتاب أحكامٌ أخرى له فيما يتعلق بالصحيح، والجيد، والحسن، وغير ذلك، فكيف لو وجد "مسنده المعلل"؟! وبالله تعالى التوفيق. ومن الأمثلة على هذا النوع: ١ - قال الترمذي ﵀: (باب فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع. حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن عمران القطان، عن حميد، عن أنس، قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب". وفي الباب عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر، وأبن عباس.

стр. 639

حديث أنس حديث حسن صحيح. حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشيخ كبير يُهادى بين ابنيه، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر -يا رسول الله- أن يمشي، قال: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه"، قال: فأمره أن يركب. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا … ، فذكر نحوه. هذا حديث صحيح) (١). قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في المتن وفي الإسناد: أما في المتن، ففي الإسناد الأول: أن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله، وفي الإسنادين الثاني والثالث: أن رسول الله ﷺ مر بشيخ كبير يهادى بين ابنيه. وأما الاختلاف في الإسناد، فمرة: حميد عن أنس، ومرة: بينهما ثابت. فقول المصنف عن الإسناد الثالث: (هذا حديث صحيح)، كأنه يريد أن هذا الاختلاف لم يؤثر على صحة الحديث؛ لأنه اختلاف يسير، فسواء كان الناذر رجلًا أو امرأة فالحكم واحد. وأما الإسناد فسواء كان حميد عن أنس، أو بينهما ثابت، فهذا أيضًا لا يؤثر، وفي عدة أحاديث يقول حميد -بعد أن يرويه عن أنس-: وثبتني فيه ثابت.

стр. 640

قلت: مع ملاحظة أن طريق عمران القطان عن حميد، فيها بعض النظر، فقد أخرج هذا الحديث الشيخان من طريق الفزاري (١)، وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد -هو القطان- (٢)، ومسلم من طريق يزيد بن زريع (٣)؛ كلهم عن حميد، عن ثابت، عن أنس. وفي حديث الفزاري -وهو مروان بن معاوية- صرّح حميد بالتحديث من ثابت، ولفظه: أنه مرَّ بشيخ كبير يهادى بين ابنيه … الحديث. وأما طريق ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، فقد تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عند النسَائِي (٤). فهذا يؤيد أن حميدا حدث به على الوجهين. ٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول اللّه ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله - أو الغدوة - خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها". هذا حديث صحيح) (٥). وفي "التحفة" للمزي: (حسن صحيح) (٦). قلت: أخرج الترمذي الحديث في موضع سابق (٧)، وقال: (حسن

стр. 641

صحيح)، فكأن صاحب "التحفة" اكتفى بأحد الحكمين للترمذي، وهذا يدلّ على أن الترمذي يستعمل (صحيح) بمعنى (حسن صحيح) أحيانا. ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي وأبو النضر، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زُبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر". قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (١). وأعاده أيضا في موضع آخر، قال: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو النضر وأبو داود، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زبيد، عن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر". وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي هاشم بن عتبة، وأبي هريرة. هذا حديث حسن صحيح) (٢). وهذا يقال فيه كما قيل في الذي قبله. ٤ - قال الترمذي ﵀: (باب ما ذكر في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر ابن عبد الله، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 642

والعمل على هذا عند … ، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر) (١). قلت: قال في الأول: (حسن صحيح)، ثم قال: (صحيح)، وهذا من باب التفنن في العبارة، وأن المقصود بهما واحد. ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل". وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وروي عن الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا. حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله. وقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد اللّه ابن عبد اللّه، عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح). قلت: وهذا يؤكد ما تقدم تقريره. ثم قال أبو عيسى: (وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر. قال أبو عيسى: وقد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.

стр. 643

ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل! حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري) (١). * * *

стр. 644

النوع الثالث تأكيد صحة الخبر وذلك عندما يكون اختلاف في الإسناد -ونحو ذلك- مما يُظَن أنه يؤثر في صحته، فيحكم أبو عيسى عليه بأنه (صحيح) نفيًا لهذا التأثير، وهذا لا أجزم به، وإنما أميل إليه؛ لأني رأيته في بعض أحكامه على الأحاديث؛ فحملته على ذلك، منها: ١ - قوله ﵀: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "القتل في سبيل اللّه يكفر كل خطيئة"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ : "إلا الدين". وفي الباب عن كعب بن عجرة، وجابر، وأبي هريرة، وأبي قتادة. وحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أن، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد". حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى". هذا حديث صحيح) (١).

стр. 645

قلت: الطريق الأولى لا تصح كما بين أبو عيسى، ونقل ذلك عن البخاري، ويحيى بن طلحة الكوفي ضعيف ولا يكتب حديثه. وإنما حديث حميد الصحيح: هو الذي ساقه بعد ذلك عن أنس: "ما من عبد يموت … " الحديث، فقوله: (صحيح) كأنه يريد أن يؤكد أن الصحيح في حديث حميد هو اللفظ الثاني لا الأول. قلت: ويزيد هذا تأكيدا، أنه أعاد الحديث في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح)؛ قال ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أن بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، يقول: حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله، مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة". هذا حديث حسن صحيح) (١). فهذا الإسناد أصحّ من الذي قبله؛ لأن قتادة مقدّم على حميد، ومع ذلك قال عنه: (حسن صحيح)؛ لأنَّه لم يذكر اختلافا، بخلاف طريق حميد فقد ذكر خلافا قبله، فناسب أن يؤكد صحته، والله أعلم. ٢ - وقوله ﵀: (حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدي جميعا، عن أبي محذورة، أن رسول اللّه ﷺ أقعده، وألقى عليه الأذان حرفا حرفا.

стр. 646

قال إبراهيم: مثل أذاننا. قال بشر: فقلت له: أعد علي، فوصف الأذان بالترجيع. قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (١). قلت: إبراهيم بن عبد العزيز ليس بالمشهور، ولا يعرف له سوى هذا الحديث، حتى إن ابن حبان عندما ذكره في "الثقات" قال: (يخطئ) (٢)، وذكره أبو العرب في جملة الضعفاء (٣)، وقال الأزدي: (إبراهيم بن أبي محذوة وإخوته يضعفون) (٤). قال ابن حجر: (نُقل عن ابن معين تضعيفه) (٥). وقد وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف: قال ابن خزيمة -بعد أن رواه في "صحيحه" (٦) عن بشر بن معاذ بهذا الإسناد-: (عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، إنما رواه عن عبد اللّه بن مُحيريز، عن أبي محذورة). ثم رواه من طريق ابن جريج، عن عبد العزيز، أن عبد اللّه بن محيريز أخبره، عن أبي محذورة. قال ابن حجر: (فعلى هذا يكون إبراهيم بن عبد العزيز أدرج حديث أبيه على حديث جده، وأسقط شيخ أبيه، واللّه أعلم) (٧). قلت: فكأن أبا عيسى يريد بهذا التصحيح تأكيد ثبوت هذا الخبر، ولذا قال بعده: (وقد روي عنه من غير وجه)، ثم ساقه من طريق عامر

стр. 647

الأحول عن مكحول، عن عبد الله بن مُحيريز، عن أبي محذورة، أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. وقال: (هذا حديث حسن صحيح، وأبو محذورة اسمه: سمرة بن مِعْيَر) (١). ٣ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة. حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه". حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن معيقيب، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال: "فإن كنت لا بد فاعلا فمرة واحدة". هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجابر بن عبد الله، ومعيقيب. قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن. وقد روي عن النبي ﷺ أنه كره المسح في الصلاة، وقال: "إن كنتَ لابد فاعلا فمرة واحدة"، كأنه روي عنه رخصة في المرة الواحدة) (٢). قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي بعض النسخ الخطية: (صحيح)، وفي بعضها الآخر و"تحفة الأشراف": (حسن صحيح) (٣).

стр. 648

وإذا كان الصواب هو الأول فيكون تصحيح الترمذي كأنه من باب التأكيد، وأن الحديث الأول الذي ذكره في صدر الباب لا يصل إلى درجة الصحة، بينما هذا الثاني هو الصحيح، والله تعالى أعلم. ٤ - وقوله ﵀ (١): (باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قول: "من أتى الجمعة فليغتسل". وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا. حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله. وقال محمد: وحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عبد اللّه بن عبد اللّه عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح. وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر. قال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح. ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: أية

стр. 649

ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل! حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وحدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث. وروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث. قال أبو عيسى: سألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه. قال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو هذا الحديث) (١). قلت: أراد المصنف أن يبين أن كلا الطريقين -أي: طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، وطريق الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه، عن أبيه- كلاهما محفوظ، وأن الاختلاف الذي وقع في الإسناد لا يؤثر على صحة الخبر، فيكون قوله: (صحيح) من باب تأكيد الصحة، كما أن قوله (حسن صحيح) ثم قوله: (كلا الحديثين صحيح) من باب التفنن في العبارة كما تقدم في النوع الثاني، وأن مقصوده باللفظين -عندما حكم على هذا الخبر- واحد. ٥ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.

стр. 650

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن مالك، أن ابن عمر صلى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول اللّه ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … مثلَه. قال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان. وفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر روايةَ سفيان أصح من رواية إسماعيل بن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح (١). قال: وروى إسرائيل هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر. وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح (٢) أيضا؛ رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (٣).

стр. 651

قلت: أراد بقوله: (وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح) تأكيد صحة هذه الطريق، ولكن من رواية سلمة بن كهيل عن سعيد، وليس من رواية أبي إسحاق السبيعي عن سعيد، فإن هذه الطريق خطأ كما بين أبو عيسى نفسه، وأن الصواب في رواية أبي إسحاق إنما هو عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر، كما رواه سفيان الثوري. وأما رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، فهي خطأ. وقوله: (هو حديث صحيح أيضا) فيه استعمال (حسن صحيح) و (صحيح) بمعنى واحد. ٦ - وقوله ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (١). قلت (٢) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف لا يحتج به كما ذهب إلى هذا عامة النقاد، وإذا كان أبو عيسى يرى قوته فإني أكاد أجزم بأنه لا يصل عنده إلى درجة الثقة الضابط لحديثه، إذًا لماذا صحّح حديثه هنا؟ كأنه أرأد أن يؤكد أن هذا الخبر محفوظ، ويؤكد هذا أنه لم يصحح له

стр. 652

سوى هذا الحديث، نعم هناك حديث آخر له صححه ولكن كان مقرونا بغيره. قلت: والصواب في هذا الخبر أنه لا يصح بل هو معلول، فهو موقوف على ابن عباس كما رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء، كما ذكر أبو داود (١). ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا سفيان ابن حبيب، عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. وفي الباب عن عائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يحدث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وأبو الشعثاء: اسمه جابر بن زيد) (٢). قلت: هنا إما أنه يريد تأكيد الصحة، أو يريد صحته بتعدد الطرق، أو يريد أنه أصح -أي من الحديث الذي حكم عليه بأنه حسن صحيح-، أو من باب التفنن، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 653

النوع الرابع يريد به أنه أصح مما حكم عليه بأنه "حسن صحيح" ومن الأمثلة على هذا النوع: ١ - قال أبو عيسى ﵀: (باب ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم. حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمَّى السماسرة، فقال: "يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة". وفي الباب عن البراء بن عازب، ورفاعة. حديث قيس بن أبي غَرَزَة حديث حسن صحيح، رواه منصور والأعمش وحبيب بن أبي ثابت وغير واحد، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، ولا نعرف لقيس عن النبي ﷺ غير هذا. حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن قيس بن أبي غَرَزَة، عن النبي ﷺ … نحوه بمعناه. وهذا حديث صحيح) (١). قلت: هكذا في طبعة التأصيل، والهندية الحجْرية مع "التحفة" (٢)، وطبعة مكتبة المعارف التي معها "العارضة" (٣)، وطبعة مصطفى الحلبي بتحقيق فؤاد عبد الباقي (٤).

стр. 654

وأما طبعة الرسالة (١) ففيها: (حسن صحيح)، وهكذا في "تحفة الأشراف" (٢)، ولكنه ساق الإسنادين ولم يذكر إلا حكما واحدا وهو (حسن صحيح)، فكأنه اختصر. والأصوب الأول. فإذا علم هذا، فلا شك أن الإسناد الثاني أصح من الأول، فهل حكم عليه بأنه (صحيح) من أجل ذلك؟ هذا محتمل. ويحتمل أيضا أنه حكم على الإسناد الثاني بأنه (صحيح) من أجل تعدد الأسانيد، وأن الخبر كلما زادت أسانيده قويَ، وبالتالي زادت صحته، فيكون (صحيح) أصح من (حسن صحيح)، وهذا مثل الاحتمال الأول. ويحتمل تأكيد الصحة، وهذا أيضا يعود إلى الاحتمال الأول، ويحتمل التفنن، واللّه أعلم. ٢ - وقال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ . وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ ؛ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنَّه قد روي من غير وجه. وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.

стр. 655

حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ ، يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل". قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: وهذا أيضا مثال على استعمال (حسن صحيح) بمعنى (صحيح)، ويريد أيضا التأكيد بأن هذا الحديث صحيح، وأنَّه ليس بخطأ، وقد نقل عن البخاري -كما تقدم- أن طريق أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح، يعني أن طريق أبي سلمة عن أبي هريرة خطأ، فدفع الترمذي ذلك بتأكيد صحة كلا الطريقين (٢). قلت: وحديث أبي محذورة المتقدم (٣) الذي في الأذان هو في نفس هذا المسلك، أكد صحته بأنه روي من غير وجه، وأن ما في الإسناد من بعض الضعف لا يؤثر على ثبوت هذا الخبر وصحته. مع ملاحظة أنه لا يسلك هذا المنهج دائما، ففي بعض المواضع يذكر أنه روي من غير وجه ومع ذلك لا يصححه (٤).

стр. 656

٣ - وقال ﵀: (باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جَمْعٍ بليل. وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، والفضل بن عباس. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جمع بليل، حديث صحيح، روي عنه من غير وجه … حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدّم ضعفة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (١). قلت: صححه، ومن أسباب ذلك أنه روي من غير وجه، وكأنه هنا أصح مما حكم عليه بأنه حسن صحيح. ٤ - وقال ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول اللّه ﷺ في سرية، فنزلنا بقوم فسألناهم القِرى فلم يقرونا، فلدغ سيدهم، فأتونا فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟ قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غَنْما، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا، فقرأت عليه: ﴿الحَمْدُ﴾ سبع مرات فبرأ، وقبضنا الغَنْم، قال: فعرض في أنفسنا منها شيء، فقلنا: لا تعجلوا حتى تأتوا رسول الله ﷺ ، قال: فلما قدمنا عليه ذكرت له الذي صنعت، قال: "وما علمت أنها رقية؟ اقبضوا الغَنْم واضربوا لي معكم بسهم".

стр. 657

هذا حديث حسن صحيح. وأبو نضرة اسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعة. وروى شعبة وأبو عوانة وغير واحد، [عن أبي بشر] (١)، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد هذا الحديث. حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو بشر، قال: سمعت أبا المتوكِّل، يحدث عن أبي سعيد، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي من العرب فلم يقروهم ولم يضيفوهم، فاشتكى سيدهم فأتونا، فقالوا: هل عندكم دواء؟ قلنا: نعم، ولكنكم لم تَقْرونا ولم تُضَيِّفونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا، فجعلوا على ذلك قطيعا من غَنْم، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فبرأ، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرنا ذلك له، قال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ولم يذكر نهيا منه، وقال: "كلوا واضربوا لي معكم بسهم". هذا حديث صحيح، وهذا أصح من حديث الأعمش، عن جعفر بن إياس. وهكذا روى غير واحد هذا الحديث، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد. وجعفر بن إياس هو: جعفر بن أبي وحشية) (٢). قلت: يلاحظ في الطريق الأولى: رواه الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة.

стр. 658

وفي الطريق الثانية: رواه الجماعة؛ وهم شعبة عند البخاري ومسلم (١)، وأبو عوانة عند البخاري (٢)، وهشيم عند مسلم (٣)، كلهم عن جعفر بن إياس، عن (أبي المتوكل)، بدل (أبي نضرة). فهل هذا اختلاف كما ذكر النسائي في "الكبرى" (٤) فيصار إلى الترجيح، أو أن جعفر بن إياس روى هذا الحديث عن أبي نضرة وأبي المتوكل فيكون كلا الطريقين محفوظ؟ هناك من ذهب إلى الأول؛ كأبي زرعة في "العلل" لابن أبي حاتم، فقال: (وهم الأعمش) (٥)، وابن ماجه، وقال: (والصواب هو أبو المتوكل) (٦)، والدارقطني في "العلل"، وقال: (وهو الصحيح) (٧). وهذا هو مقتضى صنيع البخاري ومسلم. والذي يظهر أن المصنف يصحح كلا الطريقين، ولكن الطريق الثانية عنده أصح؛ لأنها رواية الجماعة، وذلك أنه حكم على طريق الأعمش بأنها (حسن صحيح)، ويؤيد ذلك أنه لم يذكر هذا الحديث في كتابه "العلل الكبير"، فلو كانت معلولة عنده لذكرها، والله تعالى أعلم. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في "الفتح" فقال: (والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان، لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه) (٨). ولا شك في صحة الطريق الثانية، وأما الأولى فاحتمال صحتها قوي،

стр. 659

وقد رواها عن الأعمش جمع من أصحابه، وهذا يدل على تحديثه بها مرات، كما أن أحدا من أصحابه لم ينكر عليه أو يراجعه في ذلك، لأن الطريق الأخرى غالبا لا تخفى عليهم، وصحّحها ابن حبان (١) والحاكم (٢)، ولم يعلَّها الدارقطنيُّ في "السنن" (٣)، فقد رواها وسكت عنها، والله أعلم. وقد تميز كلام المصنف عن كلام غيره من الحفاظ بتصحيح كلا الطريقين، مع ترجيح الطريق الثانية، بخلاف غيره فإنما صحح الطريق الثانية فقط أو كلا الطريقين، وهذا له نظائر عند المصنف (٤). * * *

стр. 660

النوع الخامس تصحيح الحديث لكونه روي من غير وجه قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ . وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنَّه قد روي من غير وجه. وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (١). ومثله حديث أبي محذورة في الأذان، وقد تقدم (٢). وقال ﵀ في باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سعد بن مالك قال: عادني رسول اللّه ﷺ وأنا مريض، فقال: "أوصيت؟ "، قلت: نعم، قال: "بكم؟ "، قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: "فما تركت لولدك؟ "، قال: هم أغنياء بخير، فقال: "أوص بالعشر"، فما زلت أناقصه حتى قال: "أوص بالثلث، والثلث كثير". قال أبو عبد الرحمن: فنحن نستحب أن ننقص من الثلث، لقول رسول اللّه ﷺ "والثلث كثير".

стр. 661

وفي الباب عن ابن عباس. قال أبو عيسى: حديث سعد حديث حسن صحيح، وقد روي (١) من وجه، وقد روي عنه: "كبير"، ويروى "كثير" (٢)) (٣). قلت: وقد رواه عن عطاء: ١ - خالد بن عبد اللّه (٤). ٢ - أبو إسحاق الفزاري (٥). ٣ - محمد بن فضيل (٦). ٤ - أبو الأحوص (٧). ٥ - جعفر بن زياد (٨). وهو صحيح من حديث عطاء، ولكونه جاء أيضًا من طرق أخرى كثيرة حديث سعد بن أبي وقاص؛ صححه المصنف. * * * والخلاصة من حيث الإجمال: أن (صحيح) عنده -فيما يظهر- أصح من (حسن صحيح)، والدليل على هذا من ثلاثة وجوه: الأول: أن حكم أهل العلم على حديث بأنه (صحيح) أنها على بابها،

стр. 662

ولا تحتمل غير ما وضعت له، مثل عبارة (حسن صحيح)، فعندما يضاف إلى الصحيح (حسن) فهي ليست بالقوة مثل (صحيح) لوحدها. الثاني: ما تقدم من الأمثلة. الثالث: ما سيأتي أنه حكم على أحاديث كثيرة بـ (حسن صحيح) لأنها جمعت أدنى شروط القبول (١). ولا يرِد على هذا ما حكم به الترمذي على الحديث الآتي: قال: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، يقول: حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله، مما يرى مما أعطاه اللّه من الكرامة". هذا حديث حسن صحيح) (٢). وقال: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى". هذا حديث صحيح) (٣).

стр. 663

فلا شك أن قتادة أوثق من حميد، ومع ذلك حكم على رواية حميد بأنها صحيحة، والجواب عن ذلك (١): ١ - ما تقدم تقريره أن أبا عيسى يتفنن كثيرا في حكمه على الأحاديث، فحكمه هنا من هذا الباب. ٢ - أن المثال الواحد والمثالين لا ينقض القاعدة. تنبيه: عبارة جاءت عن المصنف يظن أنها تخالف ما تقدم تقريره: قال أبو عيسى الترمذي: (باب من قتل نفسه بسمٍّ أو غيره. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، -أراه رفعه- قال: "من قتل نفسه بحديدة، جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا". حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردّى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحو حديث شعبة، عن الأعمش. هذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول (٢).

стр. 664

هكذا روي هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من قتل نفسه بسم عذب في نار جهنم". ولم يذكر فيه: "خالدا مخلدا فيها أبدا". وهكذا رواه أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح؛ لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها، ولم يذكر أنهم يخلدون فيها) (١). قلت: قوله: (وهذا أصح) يحتمل أن ما جاء في رواية الأعمش "خالدا مخلدا فيها" ليس بصحيح، بل هو غلط. ويحتمل أنه أصح من حيث المعنى، وأن رواية الأعرج والمقبري مفسِّرة لرواية الأعمش عن أبي صالح، وأن القاتل لنفسه لا يخلد في النار إذا مات على التوحيد، كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، وعلى هذا تكون رواية الأعمش صحيحة، ولكنها توجه بما تقدم، وهذا الذي أذهب إليه؛ لأن المصنف حكم عليها بالصحة فقال: (هذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول). فكيف يضعفها! ويؤكد هذا أن الشيخين قد خرجاها (٢)، وبالتالي حكما بصحتها، ولا أعرف أحدا ضعفها، كيف وقد جاء ما يشهد لها في القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].

стр. 665

وما جاء في حديث جندب الذي خرجه البخاري (١) في الذي يقتل نفسه: "قال اللّه : بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة"، وهذا بمعنى خالدا فيها. وقد وجّه أهل السنة الآية الكريمة بما يوافق باقي الأدلة، وكذا ما جاء في حديث جندب، فيقال هذا أيضا في رواية الأعمش عن أبي صالح (٢). مثال على ما هو صحيح وأصح: قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: "ينزل اللّه إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر". وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرةٍ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر"، وهذا أصح الروايات) (٣). قلت: يعني أن نزول اللّه في "ثلث الليل الأخير" أصح مما جاء أنه ينزل في "ثلث الليل الأول". فعلى هذا يكون هناك صحيح وأصح. * * *

стр. 666

مصطلح "حسن صحيح"

стр. 667

مصطلح "حسن صحيح" وجعلته في ثلاثة فصول: الفصل الأول: ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي. الفصل الثاني: استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح "حسن صحيح". الفصل الثالث: ما يلحق بـ "حسن صحيح".

стр. 668

الفصل الأول ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي استعمل الأئمة -قبل الترمذي- مصطلح "حسن صحيح"؛ كالإمام أحمد، وابن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وهذه بعض نصوصهم: ١ - أخرج الترمذي حديث حَمْنَةَ ﵁ في الاستحاضة، من طريق زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنَةَ ابنة جحش .. الحديث. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة. وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) (١).

стр. 669

قلت: ساوى الترمذي بين (حسن) و (حسن صحيح)، وذلك في قوله: (وهكذا قال أحمد … ). والجواب عن ذلك: أن هذا ليس نصا في التسوية، فلا يلزم من قول الترمذي السابق التسوية ما بين (حسن) و (حسن صحيح). ولكن يعكِّر على ذلك أنه وقع في بعض نسخ الترمذي، أن البخاري قال: (حسن صحيح)؛ قاله أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١)، وبهذا يزول الإشكال. ٢ - أخرج الترمذي أيضا حديث معاذ ﵁ في اختصام الملأ الأعلى، من طريق جَهضم بن عبد اللّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه حدثه عن مالك بن يَخامر السَكْسَكي، عن معاذ بن جبل .. الحديث. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح) (٢).

стр. 670

وذكر ابن رجب أن الترمذي ذكر في كتاب "العلل" عن البخاري أنه قال في حديث البحر "هو الطهور ماؤه": (هو حديث حسن صحيح) (١). ويحتمل أن أبا عيسى عبّر عن كلامهم بالمعنى، فاستعمل مصطلحاته لا مصطلحاتهم، ولكن الأصل أنه ينقل عباراتهم باللفظ، ويؤيد ذلك النّقولُ الآتية. ٣ - نقل ابن الملقِّن في "البدر المنير" عن ابن المديني أنه قال في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها: (حديث حسن صحيح) (٢). ٤ - ذكر يعقوب بن شيبة حديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "أتاني آت من ربي ، فأمرني أن أصلي في الوادي المبارك"، وقال: (حديث حسن الإسناد، وهو صحيح) (٣). ٥ - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن عبد اللّه بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: "تجندون أجنادا؟ ". قال: هو صحيح حسن غريب) (٤). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه يحيى بن
следующие страницы →