← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مصطلح "حسن صحيح"

стр. 667

مصطلح "حسن صحيح" وجعلته في ثلاثة فصول: الفصل الأول: ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي. الفصل الثاني: استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح "حسن صحيح". الفصل الثالث: ما يلحق بـ "حسن صحيح".

стр. 668

الفصل الأول ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي استعمل الأئمة -قبل الترمذي- مصطلح "حسن صحيح"؛ كالإمام أحمد، وابن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وهذه بعض نصوصهم: ١ - أخرج الترمذي حديث حَمْنَةَ ﵁ في الاستحاضة، من طريق زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنَةَ ابنة جحش .. الحديث. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة. وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) (١).

стр. 669

قلت: ساوى الترمذي بين (حسن) و (حسن صحيح)، وذلك في قوله: (وهكذا قال أحمد … ). والجواب عن ذلك: أن هذا ليس نصا في التسوية، فلا يلزم من قول الترمذي السابق التسوية ما بين (حسن) و (حسن صحيح). ولكن يعكِّر على ذلك أنه وقع في بعض نسخ الترمذي، أن البخاري قال: (حسن صحيح)؛ قاله أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١)، وبهذا يزول الإشكال. ٢ - أخرج الترمذي أيضا حديث معاذ ﵁ في اختصام الملأ الأعلى، من طريق جَهضم بن عبد اللّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه حدثه عن مالك بن يَخامر السَكْسَكي، عن معاذ بن جبل .. الحديث. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح) (٢).

стр. 670

وذكر ابن رجب أن الترمذي ذكر في كتاب "العلل" عن البخاري أنه قال في حديث البحر "هو الطهور ماؤه": (هو حديث حسن صحيح) (١). ويحتمل أن أبا عيسى عبّر عن كلامهم بالمعنى، فاستعمل مصطلحاته لا مصطلحاتهم، ولكن الأصل أنه ينقل عباراتهم باللفظ، ويؤيد ذلك النّقولُ الآتية. ٣ - نقل ابن الملقِّن في "البدر المنير" عن ابن المديني أنه قال في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها: (حديث حسن صحيح) (٢). ٤ - ذكر يعقوب بن شيبة حديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "أتاني آت من ربي ، فأمرني أن أصلي في الوادي المبارك"، وقال: (حديث حسن الإسناد، وهو صحيح) (٣). ٥ - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن عبد اللّه بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: "تجندون أجنادا؟ ". قال: هو صحيح حسن غريب) (٤). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه يحيى بن

стр. 671

حمزة، عن زيد بن واقد، عن مُغيث بن سُميّ، عن عبد اللّه بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول اللّه، أي الناس أفضل؟ قال: "مخموم القلب، صدوق اللسان". قال أبي: هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر) (١). والمقصود، أن هذا المصطلح قد جاء على لسان بعض الأئمة من شيوخ الترمذي وغيرهم، على قلة في ذلك، غير أن الترمذيَّ أكثر جدّا من استعمال هذا المصطلح حتى أصبح عَلَما عليه، واشتهر عنه. * * *

стр. 672

الفصل الثاني استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح "حسن صحيح" اختلف أهل العلم في مقصوده، حتى قيل في ذلك أقوالٌ كثيرة، وسبب هذا الاختلاف: الجمع بين الحسن والصحة في حكم واحد؛ لأن الحسن دون الصحيح فكيف يجمع بينهما؟ ولأن الترمذي -خاصة- عرّف الحسن بما يميزه عن الصحيح. وغالب هذه الأقوال يأتي إليها الإشكال من جهتين: الجهة الأولى: ظهور تعاريف للصحيح والحسن أدى للفصل بينهما، وقصر بعضها على معنى دون آخر، مما يتباين مع كثير من إطلاقات الأئمة. الجهة الثانية: ضعف استقراء أحكام الترمذي في كتابه "الجامع"، وبالتالي لا تنضبط مع تصرفات الترمذي واستعمالاته. والذي يظهر لي من خلال تتبعي لصنيع الترمذي في الأحاديث التي حكم عليها بحسن صحيح؛ أنه يعني بـ "حسن صحيح": أن هذا الخبر ثابت عنده ومقبول؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول، فكلاهما -وما بينهما- يحكم عليه بذلك. وهذه أنواع من الأمثلة تدل على ما ذهبت إليه: أولا: أحاديث متفق على صحتها، وأسانيدها في أعلى درجات الصحة؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، وهذا كثير جدا مع ظهوره، ولذا سوف أذكر أمثلة مختلفة بعض الشيء:

стр. 673

قال أبو عيسى: (٤ - حدثنا هنّاد قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمه واسع بن حَبّان، عن ابن عمر قال: رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. هذا حديث حسن صحيح). قلت: وهذا حديث صحيح جدا، ولذا اتفق الشيخان على صحته (١). قال أبو عيسى: (٥ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". هذا حديث حسن صحيح). قلت: وهذا إسناد صحيح جدا، وهو مشهور عن عبد العزيز بن صهيب، ورواه أبو عيسى قبل ذلك عن قتيبة وهنّاد، عن وكيع، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب به، وقال: (حديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن). وقال أبو عيسى: (١٤ - حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه. وفي الباب عن عائشة، وسلمان، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. هذا حديث حسن صحيح).

стр. 674

قلت: وهذا الحديث إسناده صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، ولذا اتفق الشيخان على صحته (١). وقال أبو عيسى: (١٥ - حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخِرَاءة، فقال سلمان: أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو أن نستنجي باليمين، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو بعظم. وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر، وخلاد بن السائب، عن أبيه. وحديث سلمان حديث حسن صحيح). قلت: هذا الحديث صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، وقد خرجه مسلم (٢). وقال أبو عيسى: (٧١ - حدثنا هنّاد وقتيبة وأبو كريب، قالوا: حدثنا وكغ، عن الأعمش، قال: سمعت مجاهدا يحدث، عن طاووس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر على قبرين، فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة". وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وعبد الرحمن ابن حَسَنة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروى منصور هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه: عن طاووس، ورواية الأعمش أصح.

стр. 675

وسمعت أبا بكر محمد بن أبان، يقول: سمعت وكيعا، يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور). قلت: هذا إسناد صحيح جدا، وقد خرجه الشيخان من حديث الأعمش به (١). وقد بين أبو عيسى أن رواية الأعمش أصح من واية منصور في هذا الخبر، مع أن منصورا ثقة ثبت، فعلى هذا تكون رواية الأعمش في الدرجة العليا من الصحة. والأمثلة على هذا كثيرة جدا، أكتفي بما تقدم. ثانيا: هناك سلاسل هي دون ما سبق في الصحة، حكم عليها جمع من أهل العلم بالحسن، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة. منها: حديث سماك بن حرب، سواء كان ذلك من روايته عن الصحابة؛ كروايته عن جابر بن سمرة، أو عن التابعين كمصعب بن سعد (٢)، بل حتى في روايته عن عكرمة عن ابن عباس، التي تكلم فيها غير واحد من أهل العلم: قال أبو عيسى: (٦٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول اللّه ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول اللّه، إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).

стр. 676

وقال أبو عيسى: (٣٣٢ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه ﷺ يصلي على الخمرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح). وقال أبو عيسى: (٦٩٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (١). ومنها: حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإنه صحح عدة أحاديث بهذه السلسلة: قال أبو عيسى: (١٢٨٣ - حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه ﷺ عن بيعتين في بيعة. حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح). وقال أبو عيسى: (١٩١٢ - حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثّمة، والحمار الإنسي. هذا حديث حسن صحيح) (٢).

стр. 677

ثالثا: هناك درجة دون ما سبق أيضا، وهي التي اختلف أهل العلم في قبولها، فقبلها بعض النقاد وردّها آخرون. منها: حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل: قال أبو عيسى: (١٢٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة ابنة جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول اللّه، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؛ قد منعتني الصيام والصلاة، قال: "أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم" … قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح). وقال أبو عيسى: (١١٤٤ - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي ﷺ قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر". هذا حديث حسن صحيح). وقال أبو عيسى: (٣٩٥٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، أن رسول اللّه ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك منها موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين موضع تلك اللبنة". ٣٩٦٠ - وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ ، قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر".

стр. 678

هذا حديث حسن صحيح غريب). ومنها: حديث شريك بن عبد الله القاضي: قال أبو عيسى: (٢٨٦٤ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، ابن ابنة السدي، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه، عن منصور بن المعتمر، عن رِبْعي ابن حِرَاش، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي يلج النار". حديث علي بن أبي طالب حديث حسن صحيح). ومنها: حديث محمد بن إسحاق (١)، ويزيد بن أبي زياد (٢)، وعلي بن زيد بن جُدعان (٣)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض. رابعا: وهناك درجة من الإسناد بعض رواتها ليس بالمشهور، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة: قال أبو عيسى: (١١٩٤ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللّه، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: "غرة: عبد أو أمة". هذا حديث حسن صحيح (٤). هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد،

стр. 679

عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ . وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه. وهشام بن عروة يكنى: أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد اللّه، وابن عمر). قلت: هذه الترجمة ليست بالمشهورة، وأعني (ابن حجاج عن أبيه)، ولعلها لم يرو بها إلا هذا الحديث. حجاج بن حجاج الأسلمي ليس بالمشهور، وهو مقل، سكت عنه البخاري (١)، وابن أبي حاتم (٢)، ووثقه العجلي (٣) وابن حبان (٤) - وفق منهجهما في التوثيق -. وقال أبو عيسى: (١٢٣٤ - حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عبد الله بن عمر، طلق امرأتك". هذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب). قلت: هذا الحديث في إسناده الحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي

стр. 680

ذئب، وهو لي بالمشهور جدا، وقد ذكر ابن سعد (١) وأبو أحمد الحاكم (٢) أن محمد بن أبي ذئب تفرد عنه بالرواية. وهو قليل الحديث، قاله ابن سعد (٣). وقال أبو عيسى: (١٢٦١ - حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر ابن المفضَّل، عن عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول اللّه ﷺ ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وبر وصدق". هذا حديث حسن صحيح). عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم مختلف فيه، وإسماعيل بن عبيد ليس بالمشهور. وقال أبو عيسى: (١٣٧٦ - حدثنا عباس بن محمد الدُّوري، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن عطاء بن السائب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول اللّه ﷺ : "غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذا اقتضى". هذا حديث غريب حسن صحيح من هذا الوجه) (٤). زيد بن عطاء بن السائب ليس بالمشهور، قال أبو حاتم: ليس بالمعروف (٥). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦) وفق منهجه.

стр. 681

وقد خرجه البخاري في "صحيحه" (١)، ولكن من وجه آخر، فقال: (حدثنا علي بن عياش، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني محمد بن المنكدر به. ولفظه: "رحم الله رجلا سهلا إذا باع … ") الحديث. ولا يقال: إن الترمذي إنما أراد الحكم على أصل الحديث؛ لأنَّه قد قال: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، فإذًا قصده هذا الوجه من الحكم. وقال أبو عيسى: (١٣٤٣ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حُريث الخزاعي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي ﷺ ، فقال: "يا رافع، لمَ ترمي نخلهم؟ " قال: قلت: يا رسول اللّه، الجوع. قال: "لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك". هذا حديث حسن غريب صحيح). قلت: صالح بن أبي جبير وأبوه، فيهما جهالة. قلت: والكلام في هذا يطول، والأمثلة كثيرة جدا، وما تقدم فيه البيان الواضح على أن الترمذي يستعمل "حسن صحيح" ويعني به: أن هذا الخبر ثابت عنده؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول. وقد يرد على هذا التقرير بعض الأمثلة، أذكرها وأجيب عنها: قال أبو عيسى: (٢٧٨٨ - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، قال: حدثنا المفضَّل بن صالح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "اشتكت النار إلى ربها وقالت:

стр. 682

أكل بعضي بعضا، فجعل لها نَفَسين، نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسموم". هذا حديث حسن صحيح، قد روي عن أبي هريرة من غير وجه. والمفضل بن صالح ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ). فهنا قال: (حسن صحيح)، مع قوله عن المفضَّل: (ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ)، وقال عنه البخاري: (منكر الحديث)؛ فيفهم منه خلاف ما سبق تقريره؛ من أنه يستعمل (حسن صحيح) في الخبر الثابت عنده. والجواب: أن الشاذ لا حكم له، ولعل الترمذي يقصد أصل الحديث، ولذا قال: (قد روي عن أبي هريرة من غير وجه). واللّه أعلم. وقال أبو عيسى: (٢٩٠٧ - حدثنا أبو حاتم البصري مسلم بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال أن: قال لي رسول اللّه ﷺ : "يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم، يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك". هذا حديث حسن صحيح غريب) (١). قال أبو عيسى: (علي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، سمعت محمد بن بشار، يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا) (٢). قلت: لم يصرح أبو عيسى بتضعيف علي بن زيد تصريحا بينا، وإنما أشار إلى ضعفه، وقد تقدم أن أبا عيسى يقتصد في ألفاظ الجرح.

стр. 683

وتصحيحه لهذا الحديث قد يحمل على ما تقدم تقريره: أن الخبر الثابت عنده ولو بأدنى درجات القبول يقول عنه: حسن صحيح، وهو الذي يقال عنه عند غيره: إسناده صالح، لا بأس به، فتصحيحه لهذا الحديث من هذا الباب. ومثله شريك بن عبد اللّه القاضي، فقد تكلم فيه وقال: (وشريك كثير الغلط) (١)، ومع ذلك صحح له عدة أحاديث (٢). والجواب عن ذلك: أنه عندما صحح له يكون مما استقام من حديثه وحفظه، وعندما تكلم فيه يكون مما أخطأ فيه. وأحيانا قد يتوقف فيه فلا يصحح حديثه، كما أنه لا ينص على ضعفه، وإنما يكتفي بتحسينه. * * *

стр. 684

الفصل الثالث ما يلحق بـ "حسن صحيح" قوله: (إسناد جيد): قال الترمذي: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إن المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج". وفي الباب عن أبي ذر، وسمرة، وعائشة. حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد) (١). وقال الترمذي: (حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري والحسين بن الحسن المروزي بمكة، قالا: حدثنا الأحوص بن جوّاب، عن سُعير بن الخِمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء". هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.

стр. 685

قال: وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه) (١). * * * وجاء في بعض المواضع القليلة -على اختلاف بين النسخ- الحكم بـ "صحيح حسن": ١ - قال الترمذي: (حدثنا بندار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبى ليلى يحدث، أن حذيفة استسقى، فأتاه إنسان بإناء من فضة، فرماه به وقال: إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي، إن رسول اللّه ﷺ نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير والديباج، وقال: "هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". وفي الباب عن أم سلمة، والبراء، وعائشة. هذا حديث صحيح حسن) (٢). هكذا في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ: (حسن صحيح)، وهكذا في "تحفة الأشراف" (٣). ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللّه، قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. هذا حديث صحيح حسن) (٤).

стр. 686

هكذا في أكثر النسخ، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح) (١). وإذا ثبتت هذه اللفظة عن الترمذي؛ فهي بمعنى (حسن صحيح)، وتكون المغايرة من باب التفنن في العبارة، والدليل على ذلك: أن أبا عيسى قد خرج بالإسناد السابق نفسه حديث "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"، وقال عنه: (حسن صحيح) (٢)، فقال الترمذي ﵀: (حدثنا بُندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: حدثني جرير بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله". هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد اللّه بن عمرو) (٣). ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان قال: حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، فإن اعترفت فأدِّها، وإلا فاعرف عِفَاصَها ووِكاءَها وعددها، ثم كلها، فإذا جاء صاحبها فأدِّها". هذا حديث صحيح حسن، غريب من هذا الوجه. وقال أحمد بن حنبل: أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث) (٤).

стр. 687

وهذا أيضا وقع فيه اختلاف بين النسخ (١)، والقول فيه كالقول في سابقه. ٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له: "اركبها"، فقال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال له في الثالثة أو في الرابعة: "اركبها ويحك -أو ويلك-". وفي الباب عن علي، وأبي هريرة، وجابر. حديث أن حديث صحيح حسن) (٢). قلت: أخرجه البخاري عن قتيبة به (٣). والذي يظهر أن "صحيح حسن" بمعنى "حسن صحيح"، إذًا لماذا غاير بينهما في اللفظ؟ الذي يظهر أن هذا من باب التفنن. * * *

стр. 688

مصطلح "حسن غريب صحيح"

стр. 689

مصطلح "حسن غريب صحيح" في هذا المبحث سوف أبين بمشيئة الله مقصود الترمذي من هذا المصطلح، ولذا سوف أستعرض ما حكم عليه الترمذي بذلك بالدراسة، ومن خلال ذلك سوف يتبين مقصوده، مع ملاحظة أن نسخ "الجامع" قد وقع بينها بعض الاختلاف في ذلك. وسوف أبدأ أولا بطبعتي أحمد شاكر - فيما حققه وعلق عليه من الأحاديث - وبشار عواد (١). ١ - قال أبو عيسى: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن القاسم بن الفضل، قال: حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلّم السباعُ الإنسَ، وحتى تكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده". وفي الباب: عن أبي هريرة. وهذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحديث، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي) (٢). وفي "التحفة" (٣): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (٤) والتأصيل.

стр. 690

ورواه أحمد في "مسنده" (١) فقال: (حدثنا يزيد، أخبرنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مُقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد ﷺ بيثرب، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غَنْمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: "أخبرهم"، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ : "صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباعُ الإنس، ويكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده"). ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢) فقال: (أخبرنا أبو محمد جَناح بن نذير بن جَناح القاضي بالكوفة، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما راع يرعى بالحَرَّة إذ عرض ذئب لشاة من شياهه، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب مني! رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاة حتى أتى المدينة، فزوى إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على النبي ﷺ فحدثه بحديث الذئب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس، فقال للراعي: "قم

стр. 691

فأخبرهم"، قال: فأخبر الناس بما قال الذئب، فقال رسول الله ﷺ : "صدق الراعي، ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلمَ السباعُ الإنسَ، ويكلم الرجلَ شراكُ نعله، وعذبةُ سوطه، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده". وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن القاسم بن الفضل، حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بنحوه. هذا إسناد صحيح، وله شاهد من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁). قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي وأبو بكر البيهقي من صحة هذا الخبر، وأنه كما قال أبو عيسى: (لا يعرف إلا من حديث القاسم بن الفضل)، ولذا حكم بغرابته، وقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به تصحيح هذا الخبر، وأنه مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب). ٢ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في فضل الخدمة في سبيل الله. حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا معاوية ابن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي، أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ قال: "خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقَةُ فحلٍ في سبيل الله". وقد روي عن معاوية بن صالح هذا الحديث مرسلا، وخولف زيد في بعض إسناده. وروى الوليد بن جميل هذا الحديث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ .

стр. 692

حدثنا بذلك زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله". هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو أصح عندي من حديث معاوية ابن صالح) (١). وفي "التحفة" (٢): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (٣) والتأصيل، وهو الصواب. وقال أبو عيسى أيضا في "العلل الكبير" (٤): (حدثنا محمد بن رافع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم، أنه سأل رسول الله ﷺ ، أي الصدقة أفضل؟ فقال: "خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله". سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عدي بن حاتم سأل رسول الله ﷺ : مرسل. ورواه الوليد بن جميل الفلسطيني، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. قال محمد: ولا أعرف أحدا روى عن الوليد بن جميل غير يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم، والوليد بن جميل مقارب الحديث).

стр. 693

أما حديث عدي بن حاتم، فأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) و"الأوسط" (٢) و"مسند الشاميين" (٣)، والحاكم (٤)، من طريق معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي به. قال الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن عدي بن حاتم إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية). وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه). وأما حديث أبي أمامة، فأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥)، وابن عدي في "الكامل" (٦). قلت: والذي يظهر لي أن المقصود بقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) أنه بمعنى (حسن صحيح غريب)، والدليل على ذلك: أن الترمذي خرّج حديثا عن محمد بن عبد الأعلى، عن سلمة بن رجاء، عن الوليد بن جميل، عن القاسم، عن أبي أمامة: ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم … الحديث. وقال: (حسن صحيح غريب) (٧). نعم؛ خرج الترمذي حديثا آخر بنفس الإسناد، فقال: (حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم

стр. 694

تُهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله". هذا حديث حسن غريب) (١). ولم يصححه. والجواب عن ذلك: أن هذا قد يكون من باب الاختلاف في الاجتهاد، أو أنه قد أنكر شيئا في متنه، والعلم عند الله تعالى. والوليد بن جميل قد اختلف فيه، والراجح أنه صدوق، وهذا هو اختيار الترمذي؛ لأنه نقل عن البخاري أنه قال عنه: مقارب الحديث. كما تقدم. وأما استغراب الترمذي له، فلتفرد القاسم به. وقد جاء من طريق آخر في "مسند أحمد" (٢) من زوائد ابنه عبد الله؛ قال عبد الله: (وجدت في كتاب أبي بخط يده - وأظن أني قد سمعته أنا من الحكم -: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مُطَّرِح بن يزيد الكناني، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، أي الصدقة أفضل؟ قال: "ظل فسطاط في سبيل الله، أو خدمة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله". قلت: وهذا إسناد واهٍ مطَّرحٌ، نُقل الإجماع على ضعفه (٣)، وعبيد الله ابن زَحْر وعلي بن يزيد لا يحتج بهما، ولكنه يقوي الإسناد السابق، كما أن الإسناد السابق يقويه؛ لأنه يدل على أن هؤلاء الضعفاء قد حفظوا هذا الخبر، فيزداد هذا الخبر قوة بهذين الإسنادين.

стр. 695

٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع - لبوّابه - إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرحا بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وتلا ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]. قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتابهم وما سألهم عنه. هذا حديث حسن صحيح غريب) (١). وفي "تحفة الأشراف" (٢)، وطبعة الرسالة (٣) والتأصيل: (حسن غريب صحيح). وأخرجه البخاري (٤) عن محمد بن مقاتل، ومسلم (٥) عن زهير بن حرب وهارون بن عبد الله، والنسائي في "الكبرى" (٦) عن الحسن بن محمد الزعفراني ويوسف بن سعيد بن مسلم، خمستهم عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره أن مروان به. وأخرجه البخاري (٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن

стр. 696

جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن علقمة بن وقاص أخبره، أن مروان قال … فذكره. وقال: (تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج). قلت: فتبين مما تقدم صحة هذا الخبر كما ذهب إليه الشيخان، وعلى هذا يكون قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر. ٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عثمان ابن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ ابن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما أتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن. وفي الباب: عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأم سلمة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح. ومعاذ بن العلاء، هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء) (١). هكذا في النسخ المطبوعة (٢): (حسن غريب صحيح)، وفي "التحفة" (٣): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا الحديث صحيح، فقد رواه البخاري في كتابه "الصحيح" (٤) من طريق (يحيى بن كثير، قال: حدثنا أبو حفص - واسمه: عمر بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء -، قال: سمعت نافعا، عن ابن عمر ﵄، كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه.

стр. 697

وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ). قلت: وأما الاختلاف الذي وقع في اسم معاذ بن العلاء وأنه عمر، فالصواب معاذ (١)، وهو ثقة، فقد وثقه يحيى بن معين (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان (٤)، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة. وأما من قال إنهما أخوان معاذ وعمر، وكلاهما قد رويا هذا الحديث عن نافع (٥)، فهذا بعيد. فتبين أن مراد الترمذي بقوله: (حسن غريب صحيح) هو صحة هذا الخبر. وأما حكم أبي عيسى على هذا الحديث بالغرابة؛ فلتفرد معاذ بن العلاء بروايته عن نافع، وإن كان قد تابعه عبد العزيز بن أبي روّاد - كما ذكره البخاري - فغرابته باقية؛ لأن المشهورين من أصحاب نافع - كمالك وعبيد الله بن عمر وغيرهما - لم تنقل عنهم روايته، ولكن الخبر صحيح كما تقدم، وقد جاءت قصة حنين الجذع عن جمع من الصحابة. ٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت

стр. 698

وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ أنه ذكر أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول: لا إله إلا الله، في رَحْمَة الله، أو خشية أن يرحمه. هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه) (١). قلت: هذا الحديث قال عنه أبو عيسى: (حسن صحيح غريب)، كما في طبعة د. بشار، والرسالة (٢). وأما في "تحفة الأشراف" (٣) فلم ينقل المزي عن الترمذي شيئا في الحكم على هذا الحديث، ولكن محقق الكتاب وضع بين حاصرتين: (حسن غريب صحيح)، فتكون هذه الزيادة منه، ويظهر أنه وقف عليها في بعض النسخ، ولا يخفى أن مثل هذا لا يكفي في كون الترمذي حكم على هذا الخبر بذلك، بل الأرجح أنه حكم عليه بقوله: (حسن صحيح غريب) كما تقدم، وهذا الحديث صحيح إلى ابن عباس، ولكن بقي: هل هو مرفوع أو موقوف؟ جزم شعبة برفعه عن أحدهما، والذي يظهر أن الذي رفعه هو عطاء، كما في رواية عمرو بن حكّام - عند ابن جرير (٤) - عن شعبة، عن عطاء بن السائب، به مرفوعا. وأخرجه أيضا (٥) من طريق عمرو بن محمد العنقزي، عن شعبة، عن عطاء به كذلك، ولكن وقع عنده: عن عطاء، عن عدي بن ثابت. وهذا خطأ، ولعله عن عطاء وعدي، كما تقدم.

стр. 699

ولكن في طبعة التركي: (عن عطاء بن السائب وعن عدي بن ثابت). وقالوا عن الواو: (سقط من النسخ، والمثبت هو الصواب كما في الحديث السابق). وأخرجه أيضا (١) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شعبة، عن عدي بن ثابت به موقوفا. وأما ما رواه الحاكم (٢) - وعنه البيهقي (٣) - من طريق نضر بن شميل، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، به مرفوعا. فالجواب عنه ما قاله الحاكم - بعد أن صحح هذا الإسناد على شرط الشيخين - قال: (إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس). فيكون الراجح من طريق عدي بن ثابت وقف هذا الخبر، وعدي لا شك أنه أوثق من عطاء. ويؤيد الوقف ما رواه ابن جرير (٤) من طريق عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، به موقوفا. وأما ما رواه الإمام أحمد (٥) قال: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة -، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، به مرفوعا. وأخرجه الترمذي (٦) وابن جرير الطبري (٧) من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، به.

стр. 700

وجاء من طرق أخرى عن حماد به. فالجواب عنه: أن علي بن زيد بن جدعان لا يحتج به، ولذا قال أبو عيسى عن هذا الإسناد: (هذا حديث حسن)، ولم يصححه. وقد أخرجه ابن جرير (١) فقال: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران .. )، فذكره مقطوعا على ميمون. ٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. هذا حديث حسن صحيح غريب. وفيه: عن أبي هريرة) (٢). قلت: هذا الحديث حكم عليه أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما في "تحفة الأشراف" (٣) وطبعة التأصيل، وأما في طبعة بشار (٤) والرسالة (٥): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا الحديث إسناده قوي، وقد توبع أبو خالد الأحمر؛ تابعه وهيب عند أحمد (٦)، وعبد الوهاب بن عطاء وعبد الرحمن بن محمد المحاربي عند الحاكم (٧).

стр. 701

وجاء بنحوه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة به. أخرجه البخاري (١) وقال: (تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله - يعني ابن عمرو -، عن عبد الكريم). وأخرجه أبو عيسى (٢) قال: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق به). وقال: (حسن صحيح غريب) (٣). وفي "تحفة الأشراف" (٤): (حسن غريب صحيح)، فإن كان أبو عيسى حكم بذلك، فيكون من قبيل التفنن في العبارة؛ لأن هذا الخبر بهذا الإسناد صحيح، فهو عند أبي عيسى مساو لحكمه حسن صحيح. وكذا يقال عن طريق أبي خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند به. ٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي البصري، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فهداهم الله للإسلام. هذا حديث حسن صحيح غريب، يُستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان) (٥). كذا في طبعة بشار، وفي طبعة الرسالة (٦) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).

стр. 702

وأما في "تحفة الأشراف" (١): (حسن صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر). وزاد المحقق: (غريب)، أي: حسن (غريب) صحيح. قلت: تبين لك أن نُسخ الترمذي اختلفت في حكمه على هذا الخبر، وكأن ما في "تحفة الأشراف" أرجح؛ وذلك لأن الترمذي بيَّن غرابة هذا الخبر بقوله: (يستغرب من هذا الوجه … )، وبالتالي لو قال عن الخبر من قبل: (حسن غريب صحيح) لما عاد واستغربه بعد ذلك؛ لأنه سيكون تكرارا منه، ولكن وجدته استعمل المسلك نفسه في حديث آخر - سيأتي ذكره قريبا -. والخبر صحيح كما قال أبو عيسى، ولكنّه يستغرب فقط من طريق ابن عجلان، والدليل على صحته مجيئه من طرق أخرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. فقد أخرجه البخاري (٢) بنحوه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم به. وأخرجه أيضا (٣) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، فذكره مرسلا. ولكن في كلا اللفظين أنه كان يدعو على ثلاثة، وليس أربعة. وأخرجه أبو عيسى (٤) - قبل أن يذكر رواية ابن عجلان - من طريق عمر ابن حمزة، عن سالم، عن أبيه، به. ولكن فيه أن الرسول ﷺ قال ذلك يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية". ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة … ).

стр. 703

قلت: وقوله: (يوم أحد) غير صحيح، ولم يأت في رواية الزهري. وكذا ذكر أبي سفيان مع الذين يدعو عليهم غير صحيح؛ لأنه أيضا لم يأت في رواية الزهري. وكذا ما جاء في رواية ابن عجلان من كونه ﷺ كان يدعو على الأربعة فالصواب: (ثلاثة)، وأما باقي رواية ابن عجلان فهي صحيحة. نعم؛ قد توبع من قبل أسامة بن زيد - وهو: الليثي - عند أحمد (١)، وليس فيه: (على أربعة نفر)، ومع ذلك فإن المشهور طريق سالم بن عبد الله بن عمر. ٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا مسلم بن عمرو بن مسلم أبو عمرو الحذّاء المديني، قال: حدثني عبد الله بن نافع، عن ابن أبي الزِّناد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (٢). هكذا في طبعة د. بشار، وفي "تحفة الأشراف" (٣) وطبعة الرسالة (٤) والتأصيل: (حسن غريب صحيح). قلت: هذا الحديث جاء عن موسى بن عقبة من طرق؛ فقد رواه البخاري (٥) من طريق حفص بن ميسرة. ورواه مسلم (٦) وأبو داود (٧) والنسائي (٨) من طريق زهير بن معاوية.

стр. 704

ورواه الترمذي (١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد. ورواه النسائي (٢) من طريق فضيل بن سليمان. كلهم عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به. وقد توبع موسى؛ تابعه عمر بن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن أبيه، عند البخاري (٣) وغيره. وتابعه أيضا: الضحاك بن عثمان، عن نافع، عند مسلم (٤) وغيره. فهو حديث صحيح، والذي يعنينا هنا طريق الترمذي، فإسناد هذا الخبر جيد؛ عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فيه بعض الكلام، والراجح أنه صدوق، وخاصة في رواية المدنيين عنه. وعبد الله بن نافع مدني، وهو الصائغ، وهو أيضا فيه بعض الكلام، ولكنه صدوق. وأما حكم الترمذي عليه بالغرابة، فالذي يظهر أنه من الوجه الذي خرجه الترمذي؛ لأن الحديث مشهور من حديث نافع كما تقدم. ولا يظهر أن الترمذي يريد بقوله: (حسن غريب صحيح) معنى يخالف (حسن صحيح غريب) فيكون من باب التفنن في العبارة. ٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، قال: حدثنا محمد ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا". قال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له.

стр. 705

وفي الباب: عن أبي برزة، وعبد الله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، وابن عباس. حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) (١). هكذا في بقية النسخ المطبوعة (٢)، وفي "تحفة الأشراف" (٣): (حسن غريب صحيح). قلت: هذا الحديث حديث متواتر، فقد رواه جمع من الصحابة منهم: حكيم ابن حزام كما جاء في "الصحيحين" (٤)، وهو مشهور أيضا من حديث عبد الله بن عمر، فقد رواه نافع، وعن نافع جمع. ورواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عند البخاري ومسلم (٥)، وعلّقه البخاري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (٦). فلا أدري لماذا قال أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما جاء في "التحفة"، خاصة أنه جاء من طرق عن يحيى بن سعيد، بعضها في "الصحيحين" (٧)، فالصحيح ما جاء في النسخ الأخرى أنه حكم عليه بـ (حسن صحيح) دون (غريب)، وقد يكون ما جاء في "التحفة" خطأ من دون المزي، وإذا ثبت ما جاء في "التحفة" - وهو بعيد - فيكون من قبيل التفنن بالعبارة. ١٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن
следующие страницы →