← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقال محققو الرسالة: في ("أ" و"س": حسن غريب صحيح، والمثبت من "د" و"ل"). والحديث أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، وابن جرير (٣)، وابن أبي حاتم (٤)، وابن حبان (٥)، كلهم من طريق عتبة بن أبي حكيم به. تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، ولكن في أكثرها أنه قال: (حسن غريب). وإسناد هذا الخبر فيه ضعف مع غرابته؛ فعتبة قد اختلف فيه اختلافا شديدا، وعمرو بن جارية وأبو أمية الشعباني ليسا بمشهورين. ولكن الشطر الأول من هذا الحديث يشهد له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بنحوه، وهو حديث صحيح قد جاء من طرق كثيرة في "سنن أبي داود" (٦) و"المسند" (٧) وغيرهما. وأما الشطر الثاني، فهو على قسمين: الأول: قوله: "له أجر خمسين يعملون مثل عمله". الثاني: قوله: "منا أو منهم؟ قال: بل منكم". وهذا لا يصح من حيث الإسناد، بل فيه نكارة من حيث المتن. فأما من حيث الإسناد: فقد جاء في نهايته: قال عبد الله بن المبارك: (وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم").

стр. 772

فقوله: (وزادني غير عتبة)، لم يبين من هو الذي زاد؟ فيكون قد سقط منه أكثر من راو، وبالتالي لا يصح. قال ابن الموّاق: (هذه رواية ظاهرها الإرسال، إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك فيقول: عنه، عن رجل، عن عمرو بن جارية، عن أبي أمية، عن أبي ثعلبة. ولو فعل هذا فاعل عُدّ متسامحا متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله؛ إذ لعل ابن المبارك لم تكن عنده هذه الرواية متصلة بالنبي ﷺ بل مرسلة، فلا يكون عن أبي ثعلبة، ولا عن أبي أمية) (١). وأخرج الطبري في "التفسير" (٢) والترمذي في "نوادر الأصول" (٣) من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم به، وفي آخره: قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: "لا، كأجر خمسين عاملا منكم". قلت: أيوب بن سويد متكلَّم فيه. وقد جاء ما يشهد له، فأخرج محمد بن نصر المروزي في "السنة" (٤)، قال: (حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد الله بن يوسف التنِّيسي، ثنا خالد بن يزيد بن صَبيح المُرِّي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة - وكان من الصحابة -، أن رسول الله ﷺ قال: "إن من ورائكم أيامٌ الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم"، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: "بل منكم". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥) و"الأوسط" (٦) من طريق عبد الله بن يوسف به.

стр. 773

وقال: (لا يروى هذا الحديث عن عتبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن أبي عبلة) (١). قلت: وهذا إسناد صحيح إلى إبراهيم بن أبي عبلة، ولكنه منقطع بينه وبين عتبة، وقد يكون بينهما أكثر من راو؛ لأن عتبة بن غزوان مات في خلافة عمر سنة (١٧) أو نحوها، فهو قديم، وأما إبراهيم فهو من صغار التابعين، فبينهما مفازة (٢). هذا مع غرابة هذه الرواية، لأن عتبة بصري، وهو الذي اختطها، وقد مات في الطريق إليها في المرة الثانية. وأما إبراهيم فهو شامي، فروايته عنه غريبة جدا. ويحتمل أن عتبة في رواية إبراهيم، هو: ابن أبي حكيم الذي في الإسناد السابق، ولكن الذي وقع في المصادر: (عتبة بن غزوان أخو بني مازن بن صعصعة). وقد جاءت هذه اللفظة من طريق ثالث؛ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣) قال: (حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة ومحمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، قالا: ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا سهل بن عثمان البجلي، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن من ورائكم زمانَ صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا"، فقال عمر: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: "منكم").

стр. 774

قلت: هذا الإسناد باطل؛ سهل بن عثمان الصواب أنه: سهل بن عامر، كما وقع عند البزار (١)، وهكذا ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢)، وابن حبان في "ثقاته" (٣). قال أبو حاتم عنه: ضعيف الحديث، روى أحاديث بواطيل، أدركته بالكوفة، وكان يفتعل الحديث. وقال ابنه عبد الرحمن - بعد أن ذكر بعض شيوخه -: وعنه: أحمد بن عثمان بن حكيم. قلت: وهو الراوي عنه في حديثنا هذا. وقال عنه البخاري: منكر الحديث (٤). وذكره ابن عدي في "الكامل" (٥) وقال: أرجو أنه لا يستحق ولا يستوجب تصريح الكذب. وأما ابن حبان فقد ذكره في "الثقات"، وهذا فيه نظر. وأولى الأقوال فيه ما ذهب إليه أبو حاتم الرازي؛ لأنه قد التقى به. وذكر الدارقطني في "الأفراد" (٦) أنه تفرد بهذا الخبر، وذكر نحو ذلك من قبله البزار (٧)، فتبين سقوط هذا الإسناد، وأنه ليس بشيء.

стр. 775

وجاءت من طريق رابع، أخرجه ابن وضاح في "البدع" (١): (ثنا محمد بن يحيي، ثنا أسد بن موسى، ثني عدي بن الفضل، عن محمد بن عجلان، عن عبد الرحمن، عن ابن عمر مرفوعًا: "إنّ من بعدكم أياما، الصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم". قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال "بل منكم"). قلت: عدي بن الفضل الأقرب أنه التيمي وهو متروك. وأما من حيث المتن: فالذي جاء في هذا الخبر: أن للعامل في وقت الفتن أجر خمسين من الصحابة، والذي جاء في النصوص الصحيحة: أن أجر الصحابة لا يلحقه من جاء من بعدهم، كما في "الصحيحين" (٢) من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد رفعه: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". فتبين أن ما جاء في الحديث السابق فيه نظر من حيث المتن أيضا. نعم؛ ما جاء في رواية أبي ثعلبة الخشني: "أن له أجر خمسين يعملون مثل عمله" مستقيم من حيث المتن، فقد جاء ما يشهد له من حيث المعنى من حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إلي" (٣). والخلاصة: أن حديث أبي ثعلبة إسناده صالح، وليس بالقوي، لما تقدم. وأما زيادة: "أجر خمسين منكم"، فهي زيادة منكرة، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 776

٢٦ - وقال أبو عيسى: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت، حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ - يعد أيامه - قال: ورسول الله ﷺ يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: "أخر عني يا عمر، إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت"، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. إلى آخر الآية، قال: فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله. هذا حديث حسن غريب صحيح) (١). وكذا في طبعة الرسالة (٢). وفي "تحفة الأشراف" (٣): (حسن صحيح). وفي طبعة بشار (٤): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا حديث صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز من طريق الليث عن عقيل، عن الزهري (٥). وأخرجه في التفسير، فقال: (حدثنا يحيى

стр. 777

بن بكير، حدثنا ليث، عن عقيل، وقال غيره حدثني ليث، حدثني عقيل) (١). ومثله النسائي في "الكبرى" (٢). ٢٧ - وقال أيضا في التفسير: (باب ومن سورة المؤمنون. (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: "تشويهِ النارُ فتُقلِّص شفته العالية حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته". هذا حديث حسن غريب صحيح) (٣). وكذا في "تحفة الأحوذي" الطبعة الحجرية، ومعها نسخة "الجامع" (٤): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (٥)، وفي طبعة بشار (٦)، والرسالة (٧): (حسن صحيح غريب). وأخرجه قبل ذلك في (أبواب صفة جهنم) بإسناده سواء (٨)، وقال: (حسن صحيح غريب). وكذا في طبعة الرسالة (٩). وفي طبعة بشار (١٠): (حسن غريب). وكذا قاله البغوي في "شرح السنة" (١١): (حسن غريب). والغالبُ أنه ينقل حكم الترمذي. قلت: تبين مما تقدم اختلاف نسخ الترمذي في حكمه على هذا

стр. 778

الحديث، وبالتالي لا يطمئن القلب إلى ما وقع في بعض النسخ من قوله: (حسن غريب صحيح). وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد، أي: أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد (١). ٢٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس، قال: مرَّ يهودي بالنبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "يا يهودي حدثنا" فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلائق على ذه؟ وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر بخنصره أولا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو كُدينة اسمه: يحيى بن المهلب. رأيت محمد بن إسماعيل روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد ابن الصلت) (٢). وكذا في طبعة الرسالة (٣): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (٤)، وطبعة بشار (٥): (حسن صحيح غريب). وكذا نقله إبن كثير في "تفسيره" (٦).

стр. 779

قلت: هذا الحديث خرجه الشيخان (١) من حديث إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأما الطريق التي معنا - وهي طريق عطاء بن السائب - فقد أخرجها أحمد (٢) عن حسين بن حسن الأشقر، عن أبي كُدينة به. وأبو كُدينة من الثقات. وعطاء بن السائب صدوق إلا أنه قد اختلط، ولم يُذكر أن أبا كُدينة سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، والذي يظهر أنه سمع منه بعد اختلاطه؛ لأنه متأخر بعض الشيء عن تلاميذ عطاء الذين سمعوا منه قديما كشعبة والثوري. ولكنْ أبو عيسى يصحح حديث عطاء بن السائب في كثير من الأحيان (٣)، حتى ولو كان الراوي سمع منه بعد أن تغير، وذلك إذا لم يتبين أن هناك علة في الإسناد أو في المتن غير ذلك. وهذا منطبق على هذا الخبر، إلا أن في هذا الإسناد غرابة من هذا الوجه كما ذكر المصنف. والذي يظهر أن قوله هنا: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب). وقوله: (رأيت محمد بن إسماعيل، روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد بن الصلت)، لا أدري في أي كتبه روى ذلك، فليس موجودا في كتابه "الصحيح"، ولم أقف عليه في كتبه الأخرى المطبوعة، فلعله في كتبه التي لم تصل إلينا، وكأنه يريد بقوله السابق غرابة هذا الإسناد،

стр. 780

وأنه لم يرو إلا من طريق ابن الصلت، ولكن تقدم في رواية أحمد أنه رواه من طريق حسين بن حسن الأشقر - وهو متكلم فيه -، عن أبي كُدينة به. ٢٩ - قال أبو عيسى: (باب ومن سورة الحجرات. حدثنا الفضل بن سهل البغدادي الأعرج وغير واحد، قالوا: حدثنا يونس بن محمد، عن سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "الحسب المال، والكرم التقوى". هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث سمرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام بن أبي مطيع) (١). وكذا في "تحفة الأحوذي" (٢). وفي "تحفة الأشراف" (٣): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (٤)، والرسالة (٥): (حسن صحيح غريب). أخرجه أحمد (٦)، وابن ماجه (٧)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٨)، وابن أبي عاصم في "الزهد" (٩)، والطبراني في "الكبير" (١٠)، والدارقطني (١١)، والحاكم (١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١٣)، والبيهقي (١٤)، والبغوي في "شرح السنة" (١٥)، من طريق يونس بن محمد، به. قلت: هذا الإسناد فيه سلام، وقد تُكلم في روايته عن قتادة.

стр. 781

وهو أيضا من رواية الحسن عن سمرة، وفيها الخلاف المعروف، والترمذي يرى أنه سمع منه، ولذا صحح أحاديث بهذه الترجمة (١). ونسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، والذي أميل إليه أن ما جاء في "تحفة الأشراف" هو الأقرب في الحكم على هذا الحديث، ويؤيد هذا قوله: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام)، والله تعالى أعلم. ٣٠ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود هو الطيالسي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان، يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء". وكان أبان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ؛ ليُمضيَ الله عليَّ قدره. هذا حديث حسن غريب صحيح) (٢). وفي "تحفة الأشراف" (٣)، وطبعة بشار (٤)، والرسالة (٥): (حسن صحيح غريب). والحديث جاء من طرق، أخرجها النسائي في "الكبرى" في "عمل اليوم والليلة" (٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان.

стр. 782

وأخرجه أيضا (١) في موضع آخر من طريق ابن أبي فُديك، قال: حدثني يزيد بن فراس، عن أبان به. وأيضا (٢) من طريق أبي مودود، عن محمد بن كعب، عن أبان به. وأخرجه (٣) من طريق القعنبي، قال: (حدثنا أبو مودود، عن رجل، قال: حدثنا من سمع أبان بن عثمان يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله ﷺ نحوه. قال لنا أبو عبد الرحمن: وقد روي عن أبان بن عثمان بغير هذا اللفظ. أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا بن وهب، قال: أخبرني الليث، عن العلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبان بن عثمان من قوله. وقال: تابعه الزهري على روايته فوقفه. أخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، عن الحجاج بن فُرافِصة، عن عُقيل، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، قال: من قال حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات: سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، لم يصبه شيء يضره، فدخلنا عليه وقد أصابه الفالج، فقال: ابن أخي، أما إني لم أكن قلتها حين أصابني). قلت: هذان الإسنادان في صحتهما نظر؛ أما الأول ففيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور، وهو ليس بالمشهور، بل هو مجهول من حيث الرواية، وان كان نسبه مشهورا، ليس له ذكر إلا في هذا الخبر.

стр. 783

وأما الطريق الثانية فهي لا تصح عن الزهري؛ إبراهيم بن إسماعيل الصائغ مجهول، وحجاج بن فُرافِصة تُكلم فيه بعض الشيء، وله أوهام، هذا مع غرابة هذه الطريق عن الزهري. ومع ضعف هذين الطريقين إلى أبان، إلا أن هذا يدل على شهرة هذا الخبر عنه، وجانب رفع هذا الخبر عنه أقوى، فقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضا، كما تقدم. وأما طريق الترمذي فرجالها ثقات، إلا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فقد تُكلم فيه، وهو صدوق مشهور موصوف بالعلم، وحديثه فيه تفصيل، والكلام فيه يطول، ولكن أذكر ما يتعلق بالإسناد الذي معنا: فإن علي بن المديني تكلم في رواية البغداديين عنه، بخلاف رواية المدنيين فإنها أقوى، وأبو داود الطيالسي بصري سكن بغداد، فيغلب على الظن أن هذا منها، وسبب كلامه في رواية البغداديين عنه أنهم كانوا يلقِّنونه، ولا يخفى أن هذا ليس من كلهم، وإنما من بعضهم، وأبو داود ليس منهم، فإنه كان من الثقات الحفاظ، وإن كان وصف بالوهم بسبب تحديثه من حفظه، فإسناد الترمذي قوي، والأسانيد الأخرى تقويه؛ لأنها جاءت من غير طريقه. والذي يظهر أن الترمذي يرى قوة هذا الخبر، وكلامه هنا: (حسن غريب صحيح) يساوي كلامه: (حسن صحيح غريب) كما جاء في النسخ الأخرى. والله أعلم. ٣١ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه. حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي".

стр. 784

هذا حديث حسن غريب صحيح) (١). وفي طبعة بشار (٢)، والرسالة (٣)، و"تحفة الأشراف" (٤): (حسن صحيح غريب). هذا الحديث أخرجه مسلم (٥)، وأبو داود (٦) من طريق يزيد بن هارون، والنسائي في "الكبرى" (٧) من طريق بَهز، كلاهما عن حماد بن سلمة به. وأخرجه أحمد (٨)، وابن حبان (٩)، والمصنف في "الشمائل" (١٠)، كلهم من طريق حماد به. قلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه مسلم، فقول أبي عيسى: (حسن غريب صحيح) يقصد به صحة هذا الخبر، وحكمه عليه بالغرابة؛ لأن حمادا تفرد به. ٣٢ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا. حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث ابن يعقوب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد ابن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية، عن رسول الله ﷺ قال: "من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك". هذا حديث حسن غريب صحيح.

стр. 785

وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه عن يعقوب بن الأشج … فذكر نحو هذا الحديث. وروي عن ابن عجلان هذا الحديث، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب، عن خولة. وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان) (١). وفي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (٢): (غريب صحيح). وفي طبعة بشار (٣)، والرسالة (٤): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا حديث صحيح، فهو مستقيم سندا ومتنا، ولذا صححه مسلم (٥)، والمصنف، فقوله: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب)، أو (غريب صحيح) كما جاء في "التحفة". ٣٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بما رأى، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره". وفي الباب: عن أبي قتادة. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. وابن الهاد اسمه: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المديني، وهو ثقة عند أهل الحديث روى عنه مالك والناس) (٦).

стр. 786

وفي "تحفة الأشراف" (١)، وطبعة وبشار (٢)، والرسالة (٣): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه البخاري فأخرجه من طريق ابن أبي حازم والدَّراوردي، عن ابن الهاد به (٤). ٣٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن موسى (٥)، قال: حدثنا أبو عامر العَقَدي، عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن حسين بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب (٦)، قال: قال رسول الله ﷺ : "البخيل الذي من ذُكرت عنده فلم يصل علي". هذا حديث حسن غريب صحيح) (٧). وكذا في "تفسير ابن كثير" (٨)، و"تحفة الأحوذي" (٩): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (١٠): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (١١)، والرسالة (١٢): (حسن صحيح غريب).

стр. 787

أخرجه أحمد (١)، وإسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي" (٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣)، والنسائي في "الكبرى" (٤)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٥)، وأبو يعلى (٦)، وابن حبان (٧)، والطبراني (٨)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٩)، والحاكم (١٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١١)، من طرق عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين، عن أبيه علي بن حسين، عن أبيه. وأخرجه إسماعيل القاضي (١٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة، به. وأخرجه أيضا (١٣) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن علي بن الحسين، به. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤) من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وأخرجه أيضا (١٥) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ . قلت: الصواب في هذا الحديث أنه من مسند الحسين بن علي، وليس من مسند علي بن أبي طالب ﵄. والدليل على ذلك:

стр. 788

أولا: أن الإمام أحمد وسليمان بن عبيد الله وأحمد بن سنان، رووه عن أبي عامر العَقَدي هكذا. وكذا جاء عن سليمان بن بلال من غير طريق أبي عامر، كما في رواية إسماعيل ابن جعفر وعبد الله بن جعفر بن نجيح وخالد بن مخلد. ثانيا: تبين مما تقدم أن في أكثر نسخ الترمذي: إما (حسن غريب صحيح)، وإما (حسن صحيح غريب)، وإما (حسن غريب) فقط، وهذا لم يأت إلا في "تحفة الأشراف" فيما وقفت عليه. فالذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر، ولذا قال ابن حجر في "التهذيب" (١) في ترجمة عبد الله بن علي: (وصحح له الترمذي). ثالثا: أن هذا الخبر رجاله ثقات، سوى عبد الله بن علي بن الحسين، فإنه ليس بالمشهور، ولعله صالح لا بأس به، فقد ذكره ابن حبان وابن خلفون في "الثقات" (٢)، واختار ذلك الذهبي، فقال في "الكاشف" (٣): ثقة. وقد روى عنه خمسة، مخهم بعض المشهورين؛ كعُمارة بن غَزية وموسى بن عقبة، فهذا مما يقويه. وعليه، فإسناد هذا الخبر حسن لا بأس به، وقد صححه ابن حبان، والحاكم، بالإضافة إلى أبي عيسى. وقال ابن حجر في "الفتح" (٤): (لا يقصر عن درجة الحسن). رابعا: أنه قد جاء ما يشهد لهذا الخبر، وهو ما أخرجه إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ "، قال: حدثنا سليمان بن حرب،

стр. 789

قال ثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن، يقول: قال رسول الله ﷺ : "بحسب امرئ في البخل أن أُذكر عنده فلا يصلي علي". وإسناده صحيح إلى الحسن، ولكنه مرسل، وهذا مما يقوي الخبر المتقدم. ولكن عندما ترجم ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١) لعبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: (أخو أبي جعفر لأبيه وأمه، روى عن النبي ﷺ مرسل، قال: "البخيل من ذكرت عنده … " روى عنه عمارة بن غزية، سمعت أبي يقول ذلك). قلت: يظهر أن هذا الخبر قد روي مرسلا أيضا، وأن أبا حاتم يختار هذا الوجه، ولكن هذا الوجه لم أقف عليه. ولعل أبا حاتم يقصد روايته المتقدمة عن علي، ولذا قال الدارقطني: (رواه الدَّراوردي، عن عمارة، عن عبد الله بن علي بن الحسين مرسلا عن علي). قال: (وقول سليمان بن بلال أشبه بالصواب) (٢). ٣٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"، فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكثر". وهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العابد الشامي) (٣).

стр. 790

وفي "تحفة الأشراف" (١)، وفي طبعة بشار (٢)، والرسالة (٣): (حسن صحيح غريب). أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥) من طريق ابن ثوبان به. قال أبو نعيم: (رواه زيد بن واقد، وهشام بن الغاز، عن مكحول، مثله). وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (٦) من طريق محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان به. وقال: (حسن غريب). قلت: أولا: في هذا الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو من أهل الصلاح، لكن تُكلّم فيه من قِبل ضبطه: قال صالح بن محمد: شامي صدوق، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه، عن مكحول، مسندة. وقواه غيره (٧). ويظهر لي أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر، إذ قد صحّح لابن ثوبان حديثا آخر غير هذا (٨)، وقال في حديث ثانٍ: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح) (٩). ثم إن ابن ثوبان قد توبع في هذا الخبر كما قال أبو نعيم، وقد أخرج ذلك الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٠).

стр. 791

وقد صحح ابن حجر هذا الحديث؛ قال في "الفتح" (١): (وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت … ) وذكره. وقد جاء له شواهد بنحوه. ٣٦ - وقال أبو عيسى في التفسير: (باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن على عنقه، فقال النبي ﷺ : "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا". هذا حديث حسن غريب صحيح) (٢). وكذا في "تحفة الأشراف" (٣): (حسن غريب صحيح). وفي طبعة بشار (٤)، والرسالة (٥): (حسن صحيح غريب). أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦) من طريق عبد الرزاق به. وقد توبع معمر؛ فقد أخرجه النَّسَائِي في "الكبرى" (٧): أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله، عن عبيد الله، عن عبد الكريم الجزري به. وزاد في آخره: (وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا). قلت: تبين مما تقدم أن هذا الحديث صحيح، وأن قول الترمذي:

стр. 792

(حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر. وقد جاء بنحوه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به (١)، وتقدم الكلام عليه (٢). ٣٧ - وقال أبو عيسى في باب في فضل النبي ﷺ : (حدثنا الحسين بن يزيد، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد أبي خالد، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأُكسى الحلّة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري". هذا حديث حسن غريب صحيح) (٣). وفي "تحفة الأشراف" (٤)، وطبعة بشار (٥)، ونسخة الرسالة (٦): (حسن غريب). قلت: وهذا هو الأقرب، وهو كونه (حسن غريب)؛ لأن في إسناد هذا الخبر يزيدَ أبا خالد وهو الدالاني، متكلم فيه، وتقدم حديث لأبي خالد عند المصنف (٧)، وقد بين علته، والحمل فيه على أبي خالد. وفيه شيخ الترمذي: الحسين بن يزيد الطحان الأنصاري، قال أبو حاتم: لين الحديث (٨). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩).

стр. 793

قلت: فتبين أن هذا الإسناد فيه ضعف، ولعل الترمذي قوّاه من أجل شواهده التي جاءت بنحوه، ولأن حديث أبي هريرة ثابت من حيث الأصل، ولكن ليس باللفظ الذي رواه الترمذي، وإنما بنحوه، فقد أخرج البخاري في "صحيحه" (١)، قال: (حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: استبّ رجلان، رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ : "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله"). وقال: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: "من؟ "، قال: رجل من الأنصار، قال: "ادعوه"، فقال: "أضربته؟ "، قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد ﷺ ، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ : "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى") (٢).

стр. 794

قال ابن حجر: (قوله: "فأكون أول من يفيق" لم تختلف الروايات في "الصحيحين" في إطلاق الأولية، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنسائي: "فأكون في أول من يفيق"، أخرجه أحمد عن أبي كامل، والنسائي من طريق يونس بن محمد، كلاهما عن إبراهيم، فعُرف أن إطلاق الأولية في غيرها محمول عليها، وسببه التردد في موسى ﵇ كما سيأتي، وعلى هذا يحمل سائر ما ورد في هذا الباب، كحديث أنس عند مسلم رفعه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" وحديث عبد الله بن سلام عند الطبراني. قوله: "فإذا موسى باطش بجانب العرش" أي آخذ بشيء من العرش بقوة، والبطش الأخذ بقوة، وفي رواية ابن الفضل: "فإذا موسى آخذ بالعرش"، وفي حديث أبي سعيد: "آخذ بقائمة من قوائم العرش"، وكذا في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قوله: "فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله" أي: فلم يكن ممن صعق، أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضا. ووقع في حديث أبي سعيد: "فلا أدري كان فيمن صعق -أي: فأفاق قبلي- أم حوسب بصعقته الأولى" أي: التي صعقها لما سأل الرؤية، وبين ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ: "أحوسب بصعقته يوم الطور". والجمع بينه وبين قوله: "أو كان ممن استثنى الله": أن في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد بيان السبب في استثنائه، وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور، فلم يكلف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: "ممن استثنى الله" قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وأغرب الداودي الشارح، فقال: معنى قوله: "استثنى الله" أي: جعله ثانيا، كذا قال، وهو غلط شنيع، وقد وقع في مرسل الحسن في "كتاب البعث" لابن أبي الدنيا في هذا الحديث: "فلا

стр. 795

أدري أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بعث قبلي". وزعم ابن القيم في "كتاب الروح" أن هذه الرواية -وهو: قوله: "أكان ممن استثنى الله"- وهم من بعض الرواة، والمحفوظ: "أو جوزي بصعفة الطور". قال: لأن الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة لا من الصعقة الأخرى، فظن بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى الله. قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن [الإفاقة] حينئذ هي إفاقة البعث، فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذ جميعا إلا من شاء الله، ووقع التردد في موسى ﵇. قال: ويدل على ذلك قوله: "وأكون أول من يفيق"، وهذا دال على أنه ممن صعق، وتردد في موسى؛ هل صعق فأفاق قبله أم لم يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون النبي ﷺ جزم بأنه مات، وتردد في موسى هل مات أم لا؟ والواقع أن موسى قد كان مات لما تقدم من الأدلة، فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت، والله أعلم. ووقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة -عند ابن مردويه-: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائما عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله". ويحتمل قوله في هذه الرواية: "أنفض التراب قبلي" تجويز المعية في الخروج من القبر، أو هي كناية عن الخروج من القبر، وعلى كل تقدير: ففيه فضيلة لموسى كما تقدم) (١). وأما ما يتعلق بكسوة الحلة، فالذي ثبت أن أول من يكسى إبراهيم

стр. 796

﵇، قال البخاري في "صحيحه" (١): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ " إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]). مع ملاحظة أن حديث الترمذي ليس فيه - نصا - أن الرسول ﷺ أول من يكسى. وأما قوله: "ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري" فهذا جاء نحوه في المقام المحمود، وذلك عندما قال: "سلوا الله لي الوسيلة"، ثم قال في تفسير الوسيلة: "منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو" (٢). كما أن من شواهده ما ذكره في حديث أنس في أول الباب، وكذلك ما جاء في الباب الذي بعده من الأحاديث. ٣٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا يوسف بن موسى القطان البغدادي، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن منصور بن أبي الأسود، قال: حدثني كثير أبو إسماعيل، عن جُميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار". هذا حديث حسن غريب صحيح) (٣).

стр. 797

وفي "تحفة الأشراف" (١)، وطبعة بشار (٢): (حسن غريب). وفي طبعة الرسالة (٣): (حسن صحيح غريب). وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (٤) من غير طريق الترمذي، وقال: (حسن غريب). قلت: والذي يظهر أن هذا الحكم الذي ذكره البغوي، إنما أخذه من الترمذي، وتصحيح هذا الحديث بعيد؛ وذلك لأن في إسناده كثير النّواء، وهو ضعيف، وقد ذكره في موضعين في كتابه "الجامع" (٥)، ولم يصحح له، وإنما حسنه فقط، فالأرجح أنه حكم على الحديث الذي معنا بـ (حسن غريب). ٣٩ - قال أبو عيسى في باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمَّر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي وخَلَفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". قال: فتطاولنا لها، فقال: "ادعوا لي عليا"، قال: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه.

стр. 798

وأنزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (١). وكذا في "تحفة الأحوذي" (٢): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (٣)، وطبعة بشار (٤): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء من غير وجه عن سعد ﵁ بقطعة منه وهي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وقد أخرجه الشيخان (٥)، وأبو عيسى الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح قد روي من غير وجه عن سعد عن النبي ﷺ ) (٦). وأما قوله: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … " إلخ، فقد جاء في "الصحيحين" من حديث سهل (٧) وسلمة بن الأكوع (٨)، وفي مسلم من حديث أبي هريرة (٩). وأما الشطر الأخير وهو قصة المباهلة، فقد جاء في حديث جابر؛ أخرجه الحاكم (١٠) من طريق علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي به. وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).

стр. 799

وأخرجه ابن مردويه (١)، والآجري في "الشريعة" (٢)، وأبو نعيم في "الدلائل" (٣). قال ابن كثير في "التفسير" (٤): (وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح). وأخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (٥) من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن وفد نجران من النصارى … إلخ نحوه. وأخرج ذلك ابن جرير عن عِلباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، أرسل رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين … الخ (٦). وعِلباء من صغار التابعين. وطريق الترمذي جيدة، وقد خرج هذه الطريق مسلم في "صحيحه" (٧) من طريق حاتم بن إسماعيل به. والذي يظهر أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر من هذا الوجه. ٤٠ - قال أبو عيسى في باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁: (حدثنا الجراح بن مخلد البصري، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوقعت لي، فقال: من أين أنت؟ قلت: من

стр. 800

أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه، وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ ، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان: الإنجيل، والقرآن. هذا حديث حسن غريب صحيح. وخيثمة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة، إنما نسب إلى جده) (١). وفي "تحفة الأشراف" (٢)، وطبعة بشار (٣)، والرسالة (٤): (حسن صحيح غريب). والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٥)، والبيهقي في "المدخل" (٦) من طريق يحيى بن حكيم (٧). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨) من طريق زكريا بن الحارث بن ميمون. كلاهما عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خيثمة به. قلت: هذا إسناد جيد قوي، ورجاله كلهم ثقات، والذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر.

стр. 801

وأخرجه أبو نعيم أيضا في "الحلية" (١) من طريق أبي سلمة التبوذكي، ثنا حماد، ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن خيثمة به. وأبو حمزة هو ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف، بل قال عنه يحيى معين: لا يكتب حديثه (٢). ٤١ - قال أبو عيسى: (باب مناقب جابر بن عبد الله ﵄. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا بشر بن السري، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة. هذا حديث حسن غريب صحيح. ومعنى (ليلة البعير): ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر: ليلة بِعْت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسا وعشرين مرة، كان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد وترك بنات، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، فكان النبي ﷺ يبر جابرا ويرحمه لسبب ذلك، هكذا روي في حديث عن جابر نحو هذا) (٣). وكذا في "تحفة الأحوذي" (٤): (حسن غريب صحيح). وفي طبعة الرسالة (٥): (حسن صحيح غريب). وفي "تحفة الأشراف" (٦)، وطبعة بشار (٧): (حسن غريب).

стр. 802

الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" الذي جمع له (١). والنسائي في "الكبرى" (٢) من طريق النضر. وابن حبان في "صحيحه" (٣) من طريق عفان بن مسلم. والحاكم في "المستدرك" (٤) من طريق عباءة (٥) بن كليب. كلهم عن حماد به. وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦) وفي "المعجم الصغير" (٧) من طريق معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير به. وقال: (لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا شيبان، تفرد به معاوية بن هشام). قلت: هذا الحديث ظاهره الصحة، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وجاء في "صحيح مسلم" (٨) من حديث الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتخلف ناضحي … وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول الله ﷺ ، ثم قال لي: "اركب باسم الله"، وزاد أيضا قال: فما زال يزيدني ويقول: "والله يغفر لك". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٩) من طريق معتمر بن سليمان، حدثني أبي، عن أبي نضرة، عن جابر.

стр. 803

وأيضا (١) من طريق عبد الملك بن أبي نضرة، يعني: عن أبيه، عن جابر به، نحوه. والذي يظهر أن الترمذي يرى صحة هذا الخبر. ٤٢ - وقال أبو عيسى في باب في فضل اليمن: (حدثنا عبد القدوس ابن محمد العطار البصري، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرني مهدي بن ميمون، قال: حدثني غيلان بن جرير، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إن لم نكن من الأزد، فلسنا من الناس. هذا حديث حسن غريب صحيح) (٢). وفي طبعة الرسالة (٣): (حسن صحيح غريب). قلت: هذا الخبر إسناده صحيح إلى أنس، ورجاله كلهم ثقات، وقول المصنف: (حسن غريب صحيح) المقصود به صحة هذا الخبر، كما جاء في النسخ الأخرى. ٤٣ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس بن مالك) (٤). وهكذا في طبعة أحمد شاكر (٥) -أي: التي حقق أولها، وهذا الحديث

стр. 804

ليس منها- و"تحفة الأشراف" (١). وفي طبعة دار التأصيل (٢)، والرسالة (٣)، و"تحفة الأحوذي" والنسخة التي معها في الأعلى -الطبعة الحجرية- (٤): (حسن غريب صحيح من حديث أنس). وفي "شرح السنة" للبغوي (٥): (هذا حديث صحيح غريب من حديث أنس). فتبين مما تقدم أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث. قلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في "المسند" (٦): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس). ومن طريقه -أي: ابن أبي عدي- أخرجه ابن خزيمة (٧)، وابن حبان (٨)، والحاكم (٩)، والبيهقي (١٠)، والبغوي (١١). وفي "العلل" للدارقطني (١٢): (وسئل عن حديث حميد، عن أنس: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين. فقال: يرويه ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس.

стр. 805

وهذا يرويه حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد). قلت: وحماد بن سلمة أثبتُ في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم، فروى عنه جمع كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي وعفان وأبو داود الطيالسي وغيرهم، كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة. أخرجه أحمد (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في "المختارة" (٤). وهذا إما أن يكون حديث آخر، وإما اختلاف على حماد، والثاني هو الأقرب. ولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي كما في "المسند" الذي جمع له (٥)، وأحمد (٦)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين". وهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف. ولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في

стр. 806

العَشر الأول، ثم الأوسط، يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ : "إنها في العشر الأواخر" (١). وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" (٢). فتبين مما تقدم: أن قصد الترمذي بهذا المصطلح: تصحيح الخبر، مع كونه غريبا عنده، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، ومغايرته بين الحكمين في اللفظ، وذلك بجعل لفظة: (غريب) قبل قوله: (صحيح)، إنما هو من باب التفنن في العبارة، وليس من قبيل اختلاف الحكمين. * * *

стр. 807

فصلٌ ما يفيده تصحيح الترمذي للأحاديث ما حكم الترمذي بصحته فهذا قد استوفى شروط الصحة عنده، من ثقة رجال الإسناد واتصاله. وفائدة ذلك: أن هناك رواهُ قد اختلف فيهم بين الاحتجاج وعدمه، ورواة ليس فيهم جرح أو تعديل، فيكون تصحيح الترمذي لهم من المرجِّحات لجانب الاحتجاج بهم، أو يكون قرينة على قوة أحاديثهم واستقامتها، ولهذا ينقل الحافظ مغلطاي في بعض الرواة تصحيح الترمذي لهم (١). وهذا أقوى من سكوت أبي داود على الحديث، ولا يخفى أن أهل العلم يستدلون على قوة الخبر بسكوته، وكذلك بسكوت النَّسَائِي في كتابه "السنن"؛ قال ابن حجر عن حديث: (وأما النَّسَائِي فسكت عليه، فاقتضى أنه لا علة له عنده) (٢). ونفس الأمر بالنسبة للرواة الذين خرج لهم النَّسَائِي ولم يتعقبهم بشيء، ولذا قال أبو العباس ابن تيمية: (ميمون بن سياه فقد أخرج له البخاري والنسائي، وقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة. وحسبك بهذه الأمور الثلاثة) (٣).

стр. 808

وتصحيح الترمذي أقوى من تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم ابن حبان، وذلك لأمرين: أحدهما: أنه أجلّ منهما في الصناعة الحديثية، خاصة أنه كثيرا ما ينقل قول شيخه البخاري في الأحاديث والرواة، فلا شك أن مساءلته ومدارسته البخاريَّ للأسانيد والرواة أثّرت في أحكام الترمذي. والثاني: أن تصحيحَ ابن خزيمة وابن حبان من حيث العموم، بخلاف الترمذي فإن تصحيحه من حيث الخصوص؛ لأنَّه تصحيح على حديث معين. ومن الأمثلة على ذلك: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث (١). وصحح له الترمذي (٢)، وهذا مما يقوي توثيق ابن معين. وكذا تصحيحه لسماك عن عكرمة، وتصحيحه أيضا لرواية من سمع من سماك بعد التغير (٣). وفي هذا فائدة كبيرة، وهي أن هناك من يظن أن كل ما رواه سماك عن عكرمة لا يصح، وهذا خطأ؛ بل له عنه أحاديث صحيحة، وكذا أحاديثه الأخيرة فمنها ما هو صحيح. ومثل عبد الله بن محمد بن عقيل (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥)، ويزيد بن أبي زياد (٦)، وشريك بن عبد الله (٧)، وعلي بن زيد بن جُدعان (٨)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.

стр. 809

بخلاف عبد الله بن لَهيعة فإنه لم يصحح له شيئا، حتى من رواية العبادلة. وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، فقد خالف شيخه البخاري الذي يقويه. ورواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فإنه لم يصحح منها حديثا، وإنما حسن بعضها (١)، مع أن هناك من الحفاظ من يقويها. وما يقال في الرجال يقال في الإسناد، وهو أهم من الأول كما لا يخفى، وخاصة السلاسل منها، فهناك سلاسل صحّحها أو قوّاها، وفيها خلاف شديد؛ مثل سلسلة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، فقد صحح بهذه السلسلة حديثا واحدا؛ وهو حديث "الصلح جائز بين المسلمين" (٢)، وآخر قواه؛ وهو أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا. قال أبو عيسى: (حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب) (٣)، وقال عن حديثين: (حسن) (٤)، وقال عن الخامس: (حسن غريب) (٥). وهذه الأحكام من أبي عيسى على هذه السلسلة في غاية من الأهمية. وهذا هو ظاهر مذهب شيخه محمد بن إسماعيل البخاري (٦)، فقد قال

стр. 810

عن حديث التكبير في العيدين: (ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب هو صحيح أيضا، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي مقارب الحديث) (١). مما تقدم تتبين فائدة، وهي أن هذه السلسلة اختلف فيها اختلافا شديدا (٢): فبعض الحفاظ -كالإمام أحمد- ذهب إلى أنها واهية شديدة الضعف. وبعضهم رأى قوة هذه السلسلة، كما تقدم. وذهب آخرون -كالبيهقي- إلى أنهّا يستأنس بها، وتتقوى بغيرها، وأنا أذهب إلى هذا؛ لأن أغلب متونها مستقيمة، وقد جاءت من أوجه أخرى. ويفيد تصحيح الترمذي أيضا: عند الاختلاف في راوٍ هل سمع ممن روى عنه أم لا، أو حينما لا يُعلم السماع من عدمه، مثاله: ما أخرجه أبو عيسى من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ أتى حاجته فأبعد. قال أبو عيسى: (حديث حسن صحيح) (٣).
следующие страницы →