← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

العَشر الأول، ثم الأوسط، يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ : "إنها في العشر الأواخر" (١). وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" (٢). فتبين مما تقدم: أن قصد الترمذي بهذا المصطلح: تصحيح الخبر، مع كونه غريبا عنده، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، ومغايرته بين الحكمين في اللفظ، وذلك بجعل لفظة: (غريب) قبل قوله: (صحيح)، إنما هو من باب التفنن في العبارة، وليس من قبيل اختلاف الحكمين. * * *

стр. 807

فصلٌ ما يفيده تصحيح الترمذي للأحاديث ما حكم الترمذي بصحته فهذا قد استوفى شروط الصحة عنده، من ثقة رجال الإسناد واتصاله. وفائدة ذلك: أن هناك رواهُ قد اختلف فيهم بين الاحتجاج وعدمه، ورواة ليس فيهم جرح أو تعديل، فيكون تصحيح الترمذي لهم من المرجِّحات لجانب الاحتجاج بهم، أو يكون قرينة على قوة أحاديثهم واستقامتها، ولهذا ينقل الحافظ مغلطاي في بعض الرواة تصحيح الترمذي لهم (١). وهذا أقوى من سكوت أبي داود على الحديث، ولا يخفى أن أهل العلم يستدلون على قوة الخبر بسكوته، وكذلك بسكوت النَّسَائِي في كتابه "السنن"؛ قال ابن حجر عن حديث: (وأما النَّسَائِي فسكت عليه، فاقتضى أنه لا علة له عنده) (٢). ونفس الأمر بالنسبة للرواة الذين خرج لهم النَّسَائِي ولم يتعقبهم بشيء، ولذا قال أبو العباس ابن تيمية: (ميمون بن سياه فقد أخرج له البخاري والنسائي، وقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة. وحسبك بهذه الأمور الثلاثة) (٣).

стр. 808

وتصحيح الترمذي أقوى من تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم ابن حبان، وذلك لأمرين: أحدهما: أنه أجلّ منهما في الصناعة الحديثية، خاصة أنه كثيرا ما ينقل قول شيخه البخاري في الأحاديث والرواة، فلا شك أن مساءلته ومدارسته البخاريَّ للأسانيد والرواة أثّرت في أحكام الترمذي. والثاني: أن تصحيحَ ابن خزيمة وابن حبان من حيث العموم، بخلاف الترمذي فإن تصحيحه من حيث الخصوص؛ لأنَّه تصحيح على حديث معين. ومن الأمثلة على ذلك: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث (١). وصحح له الترمذي (٢)، وهذا مما يقوي توثيق ابن معين. وكذا تصحيحه لسماك عن عكرمة، وتصحيحه أيضا لرواية من سمع من سماك بعد التغير (٣). وفي هذا فائدة كبيرة، وهي أن هناك من يظن أن كل ما رواه سماك عن عكرمة لا يصح، وهذا خطأ؛ بل له عنه أحاديث صحيحة، وكذا أحاديثه الأخيرة فمنها ما هو صحيح. ومثل عبد الله بن محمد بن عقيل (٤)، ومحمد بن إسحاق (٥)، ويزيد بن أبي زياد (٦)، وشريك بن عبد الله (٧)، وعلي بن زيد بن جُدعان (٨)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.

стр. 809

بخلاف عبد الله بن لَهيعة فإنه لم يصحح له شيئا، حتى من رواية العبادلة. وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، فقد خالف شيخه البخاري الذي يقويه. ورواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فإنه لم يصحح منها حديثا، وإنما حسن بعضها (١)، مع أن هناك من الحفاظ من يقويها. وما يقال في الرجال يقال في الإسناد، وهو أهم من الأول كما لا يخفى، وخاصة السلاسل منها، فهناك سلاسل صحّحها أو قوّاها، وفيها خلاف شديد؛ مثل سلسلة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، فقد صحح بهذه السلسلة حديثا واحدا؛ وهو حديث "الصلح جائز بين المسلمين" (٢)، وآخر قواه؛ وهو أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا. قال أبو عيسى: (حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب) (٣)، وقال عن حديثين: (حسن) (٤)، وقال عن الخامس: (حسن غريب) (٥). وهذه الأحكام من أبي عيسى على هذه السلسلة في غاية من الأهمية. وهذا هو ظاهر مذهب شيخه محمد بن إسماعيل البخاري (٦)، فقد قال

стр. 810

عن حديث التكبير في العيدين: (ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب هو صحيح أيضا، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي مقارب الحديث) (١). مما تقدم تتبين فائدة، وهي أن هذه السلسلة اختلف فيها اختلافا شديدا (٢): فبعض الحفاظ -كالإمام أحمد- ذهب إلى أنها واهية شديدة الضعف. وبعضهم رأى قوة هذه السلسلة، كما تقدم. وذهب آخرون -كالبيهقي- إلى أنهّا يستأنس بها، وتتقوى بغيرها، وأنا أذهب إلى هذا؛ لأن أغلب متونها مستقيمة، وقد جاءت من أوجه أخرى. ويفيد تصحيح الترمذي أيضا: عند الاختلاف في راوٍ هل سمع ممن روى عنه أم لا، أو حينما لا يُعلم السماع من عدمه، مثاله: ما أخرجه أبو عيسى من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ أتى حاجته فأبعد. قال أبو عيسى: (حديث حسن صحيح) (٣).

стр. 811

وهو كذلك؛ لأنَّه جاء من طرق أخرى في "الصحيحين" (١) وغيرهما، ولكن في هذا الإسناد لم أقف على ما يدل على سماع أبي سلمة من المغيرة ولا عدم سماعه، كما أني لم أقف على غير هذه الرواية لأبي سلمة عن المغيرة، ولم يصرِّح فيها بالتحديث، ولما ترجم البخاري لأبي سلمة في "التاريخ" (٢) لم يذكر عن سماعه من المغيرة شيئا، والظاهر أنه لم يقف على ما يفيد سماعه أو عدمه. وبالتالي نستأنس بتصحيح أبي عيسى لهذا الخبر في سماع أبي سلمة من المغيرة. وبسلوك هذه الطريقة سوف نستفيد فوائد كثيرة، سواء كان ذلك في تقوية جمع من الرواة والأسانيد، أو ثبوت السماع. وقد سلك هذه الطريقة جمع من الحفاظ؛ منهم أبو عبد الله ابن منده، حيث يقول: هذا حديث على رسم أبي داود أو الترمذي أو النَّسَائِي (٣)، أو على رسم الجماعة، أو على رسم الجماعة إلا البخاري (٤). * * *

стр. 812

مصطلحُ "الحسن"

стр. 813

مصطلح "الحسن" الفصل الأول: تعريف الترمذي للحديث الحسن، وشرحه. الفصل الثاني: أنواع الحديث الحسن عند الترمذي (١).

стр. 814

الفصل الأول تعريف الترمذي للحديث الحسن، وشرحه بيّن الترمذي ﵀ مراده بالحسن، فقال في كتابه "العلل الصغير": (وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن؛ فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا؛ كل حديث يروى: لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا: حديث حسن) (١). إذًا يشترط الترمذي للحديث الحسن ثلاثة شروط، هي: ١ - أن لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب. ٢ - أن لا يكون شاذا. ٣ - أن يُروى من غير وجه. وقوله: (وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن، فإنما أردنا به: حسن إسناده عندنا)، لا يخفى أن الترمذي استعمل "الحسن" مقترنا ومجرَّدا؛ فهو إما أن يقرنه بالصحة أو بالغرابة؛ فيقول مثلا: "حديث حسن صحيح" أو "حديث حسن غريب"، أو يجرِّده فيقول: "حسن"، وعليه، فهل تعريف الترمذي هذا يقصد به "الحسن" مقترنا ومجرَّدا، أم مجرَّدا؟ الذي يظهر: أنه يقصد به "الحسن" مجرَّدا. فجزما هو لا يريد به الحسن المقترن بالصحيح؛ لأن هذا يكون من

стр. 815

رواية الثقات كما تقدم شرح ذلك، ويؤكده: اشتراطه ألا يكون في إسناده متهم بالكذب، وقصده بذلك: الراوي الذي تكلم فيه بالضعف، إذًا خرج المتهم بالكذب، وأيضا الموصوف بالثقة - لأنَّه لا يقال عنه لا يتهم بالكذب -، فلم يبق إلا الراوي الذي تُكلم فيه بالضعف. وهو أيضا لا يريد به الحسن المقترن بالغريب؛ لأنّ الأصل في الغريب أنْ لا يروى إلا من وجه واحد، وإن كان الغريب أنواعا متعددة عنده وعند غيره من أهل العلم، وسوف يأتي بإذن الله الكلام عن هذا في شرح مصطلح "الغريب". فعلى هذا يكون مقصوده بـ "الحسن" الذي عرّفه: "الحسن" المجرَّد. ثم إن هذا "الحسن" المجرَّد أكثر من نوع عنده -على تفصيل في ذلك سوف يأتي-، والدليل على هذا استقراء تصرفاته في كتابه، كما هو مبين في الفصل الآتي. شرح شروط (الحسن) في تعريف الترمذي: أولا: (لا يكون في إسناده متهمٌ بالكذب). مقصوده ظاهر، وهو الراوي الذي ثبت كذبه أو اتهم بذلك، ويُلحق به من كان شديد الغفلة، وروى ما لا يتابع عليه من الأحاديث المنكرة. فالحديث الذي في إسناده متهم بالكذب لا يحكم عليه الترمذي بالحسن، بل هو ساقط الإسناد عنده، شديد الضعف. ويدل على هذا ما قاله أبو عيسى في "العلل الصغير": (فكل من روي عنه حديث ممن يُتهم، أو يضعّف لغفلته، أو لكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه؛ فلا يحتج به) (١).

стр. 816

وقال أيضا: (فكل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان مغفّلا يخطئ الكثير؛ فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه) (١). قال ابن الصلاح مفسِّرا "الحسن" عند الترمذي: (الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا متهم بالكذب .. ) (٢). فعلق ابن رجب على قوله: (غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه)، فقال: (هذا لا يدل عليه كلام الترمذي؛ لأنَّه إنما اعتبر أن لا يكون راويه متهما فقط، لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا: أن من كان مغفلا كثير الخطأ لا يحتج بحديثه، ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين) (٣). قلت: وأنا أذهب إلى هذا، من كون الراوي الذي ضعفه شديد فإن الترمذي لا يحسن حديثه، خاصة إذا روى ما لا يتابع عليه. ومثاله فرقد السبخي، فإنه خرج له أربعة أحاديث؛ ثلاثة غرّبها، وواحد قال عنه: حسن غريب (٤). ومثل صدقة بن موسى الدقيقي؛ فإنه لم يحسِّن له إلا الحديث السابق، والباقي غرّبها (٥). ومثل موسى بن عبيدة الربذي (٦)، خرج له أحد عشر حديثا، لم يحسِّن ولا واحدا منها.

стр. 817

بل إن هناك مِنَ الرواة مَنْ وثّقهم بعض الأئمة وتكلم فيهم آخرون؛ إذا رووا ما يستغرب من حيث الإسناد أو من حيث المتن؛ فإنه لا يحسِّن لهم، مثاله: قال أبو عيسى: (١٣٠٠ - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يُتفرَّقنّ عن بيع إلا عن تراض". هذا حديث غريب). قلت: رجاله كلهم ثقات، ما عدا يحيى بن أيوب ففيه بعض الكلام، وقد وثقه بعض الأئمة، ولكني لست بصدد الكلام عن هذه المسألة، ولذا أكتفي بهذا المثال. ثانيا: قوله: (ولا يكون الحديث شاذا). يحتمل أن يكون مقصوده ألا يكون الحديث ليس له إلا إسناد واحد، ولذا قال في الشرط الثالث: (أن يروى من غير وجه). فعلى هذا يكون الشرطان الثاني والثالث شرطا واحدا. ويحتمل أنه يقصد أيضا شذوذ المتن، وهو المتن المخالف لغيره من الأحاديث الصحيحة، وهو ما قاله ابن رجب: (والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي: وهو أن يروي الثقات عن النبي ﷺ خلافه) (١). قلت: الذي أميل إليه أن الترمذي يقصد كلا الأمرين، فأحيانا إذا كان إسناد الخبر بيّن الغرابة لا يحسِّنه، وكذا إذا كان متن الخبر غريبا، ومثاله:

стр. 818

قال أبو عيسى: (١٢١٣ - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تلجوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم". قلنا: ومنك؟ قال: "ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه). قلت: هذا الخبر غريب من حديث الإسناد، وأما المتن فإنه معروف؛ فقد جاء من أوجه أخرى، فهذا الخبر امتنع من تحسينه لغرابة إسناده، مع أنه يحسِّن لمجالد في بعض الأحيان. وقال أبو عيسى: (١٣١٧ - حدثنا علي بن خَشرم، قال: أخبرنا عيسى ابن يونس، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: "أهريقوه". وفي الباب عن أنس بن مالك. حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا). قلت: وهذا يؤكد ما تقدم، ولذا عندما روي هذا الحديث من غير وجه؛ حسّنه. وأما مثال غرابة المتن: قال أبو عيسى: (١٢١٩ - حدثنا علي بن نصر ابن علي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أن أحدا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن؟ فقال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث".

стр. 819

قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي. هذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصر حافظا صاحب حديث). قلت: رجاله ثقات سوى كثير فإنه ليس بالمشهور، وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". ولم يحسنه لنكارة متنه، فقد ذكر عن أيوب قال: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه. وقال النَّسَائِي: (هذا حديث منكر) (١). وقال البيهقي: (قول العامة بخلاف رواية كثير) (٢). وقال أبو عيسى: (١٢٢٥ - حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مظاهر بن أسلم، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال محمد بن يحيى، وحدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا مظاهر بهذا. وفي الباب عن عبد الله بن عمر. حديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث).

стр. 820

قلت: لم يحسنه لنكارة متنه، فقد بين المؤلف أن هذا المتن لا يعرف مرفوعًا، وقد ثبت موقوفًا عن ابن عمر. وسوف يأتي الكلام على هذا الحديث. مع ملاحظة أن كل غرابة في المتن يلزم منها غرابة في الإسناد، لا العكس. ثالثا: قوله: (ويروى من غير وجه نحو ذاك). قال ابن رجب: (يعني: أن يروى معنى ذلك الحديث من وجوه أُخر عن النبي ﷺ بغير ذلك الإسناد). وقال أيضا: (المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه) (١). وهل يدخل المنقطع في الحسن عند الترمذي؟ نعم يدخل، كما سوف يأتي بإذن الله تعالى. وسوف يأتي بإذن الله مِن أنواع "الحسن" عند أبي عيسى، ومِن ضرب الأمثلة على ذلك؛ ما فيه تجليه لكلامه، وتوضيح لمقصوده ومرامه. وهذا كله يتبين بدراسة الأحاديث التي حسنها أبو عيسى، فإن هذا المسلك أحسن الطرق في معرفة مقصود الترمذي من هذا المصطلح وغيره من المصطلحات، ولا يخفى أن مصطلحات الترمذي قد أشكلت على كثير من أهل العلم قديما وحديثا، وخاصة "الحسن"، والكثير منهم ممن تكلم في ذلك لم يسلك هذه الطريق، فلم يدرس تصرفات الترمذي من الناحية العملية، وإنما اكتفى بالجانب النظري، ولذا كان في كلامه نظر. * * *

стр. 821

الفصل الثاني أنواع الحسن في "جامع" أبي عيسى الترمذي تقدم أن أبا عيسى استعمل "الحسن" مقترنا -بالصحة أو بالغرابة- ومجرَّدا، فأما ما كان مقترنا بالصحة فتقدّم الكلام عليه في مصطلح "الصحيح" و"حسن صحيح". وأما عن الباقي، فأقول - وبالله تعالى التوفيق -: اختلف أهل العلم بالمراد بالحسن عند أبي عيسى، حتى قالوا فيه أقوالا كثيرة وذهبوا مذاهب شتى، ومردُّ ذلك أمران: الأول: عدم استقراء الأحاديث التي حكم عليها بذلك، وقد تقدمت الإشارة إليه. والثاني: أنه قد أطلق هذا المصطلح على أكثر من نوع. فأقول: إن أبا عيسى حين أطلق "الحسن" لم يرد به نوعا واحدا، بل أنواعا: النوع الأول: "الحسن" الذي عرّفه في كتابه "العلل الصغير"، وهو الذي حسنه فحسب، وقد تقدم الكلام فيه، وسوف يأتي ضرب الأمثلة له. النوع الثاني: "الحسن" الذي حكم عليه بالغرابة، وهذا غير الأول، كما تقدم. النوع الثالث: "الحسن" الذي فيه ضعف، ولكنه لم يبين ضعفه، وسكت عن ذلك، واكتفى بتحسينه.

стр. 822

النوع الرابع: "الحسن" الذي قَرن به من الكلام ما يبين ضعفه، وذلك بتضعيف أحد رواته، أو بالانقطاع. النوع الخامس: الحديث الذي حكم عليه بالحسن، ومع ذلك بين أنه معلول. النوع السادس: "الحسن" الذي قرن به من الكلام ما يفيد صحته. النوع السابع: ما حسّنه وهو صحيح عند جمهور الحفاظ، وذلك بأن يكون مخرّجا في "الصحيحين" أو في أحدهما. النوع الثامن: ما حسّنه مع أن ظاهره الصحة، ولكنه توقف في تصحيحه لاختلاف وقع فيه، فسلك فيه سبيل الاحتياط. وإنما أفردت هذا النوع لكثرته في كتابه "الجامع". وفيما يلي بيان الأنواع، مع التمثيل لكل نوع بما يتضح به مقصود الترمذي (١)، والله ولي التوفيق. * * *

стр. 823

النوع الأول الحسن التي عرفه في كتابه "العلل الصغير" وهو الحسن المجرَّد. ومن الأمثلة على هذا النوع: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة، سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: "أهريقوه". وفي الباب: عن أنس بن مالك. حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا) (١). قلت: هذا الحديث في إسناده ضعف، من أجل مجالد، فهو ليس بالقوي (٢). وحديث أنس أخرجه مسلم (٣). ٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، قال: قلت لأبي سعيد: أحدنا يصلي فلا يدري كيف صلى! فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فلم يدر كيف صلى فليسجد سجدتين وهو جالس".

стр. 824

وفي الباب: عن عثمان، وابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة. حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من غير هذا الوجه) (١). قلت: هذا الإسناد فيه ضعف، من أجل عياض بن هلال، فإنه لا يعرف. وحسّنه المصنف لأنَّه روي من وجه آخر عن أبي سعيد كما قال، وهذا الوجه هو ما رواه مسلم (٢) فقال: (وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدثنا موسى بن داود، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، "ن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان"). ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عمر بن حفص الشيباني البصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبيد الله، عن رويفع بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره". هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت. وفي الباب: عن أبي الدرداء، وابن عباس، والعرباض بن سارية، وأبي سعيد) (٣). قلت: ربيعة بن سليم، ويقال: ابن أبي سليم، ويقال: ابن سليمان،

стр. 825

ويقال: أبو سليمان، وهو ليس بالمشهور، وبسر لا يعرف بسماعه من رويفع. وحسنه الترمذي من أجل مجيئه من وجه آخر عن رويفع، فأخرجه أحمد (١) قال: (حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن لَهيعة. وقتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل … ") الحديث (٢). ٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن مجالد (ح) وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن مجالد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه". وفي الباب: عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة. هذا حديث حسن، وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد. وأبو الودَّاك أسمه جبر بن نوف) (٣). قلت: مجالد لا يحتج به عند أبي عيسى، وقد بيّن ضعفه في عدة مواضع كما سيأتي، وإنما حسن هذا الإسناد؛ لأنَّه قد جاء من وجه آخر توبع فيه مجالد، وهو ما أخرجه أحمد (٤) من طريق يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري بمثله. وأخرجه أبو يعلى (٥) والطبراني في "الصغير" (٦)، من طرق عن عطية، عن أبي سعيد.

стр. 826

كما أنه جاء من غير حديث أبي سعيد. وهذا العمل من الترمذي موافق لما قرره في تعريف الحسن، ومنطبق تمام الانطباق لتنظيره للحسن، وهو دليل من الأدلة الكثيرة على أن الحسن عنده هو الخبر الذي فيه ضعف ولكن ليس بالشديد. وقد قال الترمذي في "العلل الصغير" (١): (وكذلك من تكلم من أهل العلم في مجالد بن سعيد، وعبد الله بن لَهيعة، وغيرهما، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطئهم، وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة، فإذا تفرد أحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه؛ لم يحتج به). ومن الأحاديث التي أخرجها لمجالد: قال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنّكم إلا عن رضا". حدثنا أبو عمار، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن داود، عن الشعبي، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه. قال أبو عيسى: حديث داود، عن الشعبي أصح من حديث مجالد، وقد ضعف مجالدا بعضُ أهل العلم، وهو كثير الغلط) (٢). وقال الترمذي: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الأيامي، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر ابن عبدا لله، وعن الحارث، عن علي قالا: إن رسول الله ﷺ لعن المحلّ والمحلّل له.

стр. 827

وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس. قال أبو عيسى: حديث عليّ وجابر حديث معلول، هكذا روى أشعث ابن عبد الرحمن، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن الحارث، عن علي. وعامر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ . وهذا حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم؛ منهم أحمد بن حنبل. وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث، عن مجالد، عن عامر، عن جابر ابن عبد الله، عن علي، وهذا قد وهم فيه ابن نمير، والحديث الأول أصح، وقد رواه مغيرة وابن أبي خالد وغير واحد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي) (١). قلت: ضعف أبو عيسى طريق مجالد عن الشعبي عن جابر، وقال: إنه معلول، وإسناده ليس بالقائم. وأما ما رواه مجالد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي؛ فلم يحكم عليه بالضعف؛ لأن مجالدا قد توبع كما بين هو، وإن كان هذا الإسناد أيضا لا يحتج به عنده؛ لأنَّه يرى ضعف الحارث. وهذا يؤكد ما تقدم تقريره. وقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تلجوا على المغيّبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم"، قلنا: ومنك؟ قال: "ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم".

стр. 828

وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه) (١). قلت: هذا الخبر لم يحسنه؛ لأنَّه مما تفرد به مجالد من الوجه الذي رواه، وإن كان جاء من وجه آخر صحيح. فقد أخرجه مسلم (٢) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك؟ يا رسول الله قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير". وأخرج كذلك (٣) من حديث عائشة ﵂، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أقد جاءك شيطانك؟ " قالت: يا رسول الله، أوَ معي شيطان؟ قال: "نعم" قلت: ومع كل إنسان؟ قال: "نعم" قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم". وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يدري كثير من الناس أمِن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئا منها، يوشك أن يواقع الحرام، كما أنه من يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك سمى، ألا وإن سمى الله محارمه". حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه.

стр. 829

هذا حديث حسن صحيح، قد رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير) (١). قلت: تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر إنما هو لطريق ابن أبي زائدة، ومن تابعه من الثقات كما نص على ذلك. وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن الشعبي، قال: أخبرنا عدي بن حاتم، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قال لي النبي ﷺ : "إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل". هذا حديث حسن صحيح. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ مثل ذلك. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصوم فقال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال: فأخذت عقالين أحدهما أبيض والآخر أسود، فجعلت أنظر إليهما، فقال لي رسول الله ﷺ شيئا لم يحفظه سفيان، فقال: "إنما هو الليل والنهار". هذا حديث حسن صحيح) (٢). قلت: اختلفت نسخ الترمذي، والأقرب أنه حسنه فقط ولم يصححه؛ لأن هذا هو الموافق لمنهجه، إذ بين في أكثر من موضع تضعيف مجالد.

стр. 830

وقال الترمذي: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ : هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم. قال: "وبم غلبوا؟ " قال: سألهم يهود: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: "فما قالوا؟ " قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا. قال: "أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، عَليَّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك"، فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ قال: "هكذا وهكذا في مرة عشرة، وفي مرة تسعة"، قالوا: نعم، قال لهم النبي ﷺ : "ما تربة الجنة؟ " قال: فسكتوا هنيهة، ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ : "الخبز من الدرمك". هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد) (١). وقال الترمذي: (حدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: أقبل سعد، فقال النبي ﷺ : "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مجالد) (٢). قلت: اختلفت نسخ الترمذي، والترجيح في هذه الحالة بين اختلاف

стр. 831

النسخ فيه بعض الصعوبة، لكن كأن الموافق لمنهجه أن يقول عن هذا الخبر: حسن غريب. وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن عمر بن هياج الأسدي الكوفي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، قال: حدثنا عبيدة بن الأسود، عن مجالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد الفهري، رواه عن النبي ﷺ قال: "بعثت في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه". لأصبعيه؛ السبابة والوسطى. هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). قلت: وهذا الحديث ليس فيه من ينظر فيه سوى مجالد. ولكن هذا المعنى جاء من وجه آخر كما ذكر أبو عيسى، فقد أخرج -عقب رواية مجالد هذه- من طريق أبي داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى، فما فضل إحداهما على الأخرى. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٢). أعود لذكر الأمثلة: ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا قُرَّان بن تمام الأسدي، عن أبي فروة الرَّهاوي يزيد بن سنان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: "أولاهما بالله". هذا حديث حسن.

стр. 832

قال محمد: أبو فروة الرهاوي مقارب الحديث، إلا أن ابنه محمد بن يزيد يروي عنه مناكير) (١). قلت: أبو فروة الرهاوي يزيد بن سنان ضعّفه جمهور الحفاظ؛ وعلى رأسهم أحمد (٢) ويحيى بن معين (٣) وعلي بن المديني (٤)، بل قال النَّسَائِي عنه: متروك الحديث (٥)، وفي رواية: ليس بثقة (٦)، ولم يقوه سوى البخاري (٧) ومروان بن معاوية (٨). والذي يظهر لي أنه ضعيف كما قال الجمهور، وضعفه ظاهر، ولكن يكتب حديثه. والذي يظهر أنه ليس بشديد الضعف عند الترمذي، ولهذا حسن خبره. فهذأ الخبر ينطبق عليه ما اشترطه في الحسن (٩). ٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي والعباس بن محمد الدوري، قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.

стр. 833

قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن. وأبو مرحوم اسمه: عبد الرحيم بن ميمون) (١). قلت: هذه السلسلة خرج بها أبو عيسى عدة أحاديث (٢)، لم يصحح منها شيئا، وذلك لأنها ضعيفة؛ فأبو مرحوم مختلف فيه، وسهل بن معاذ قد تُكُلِّم فيه، وبالتالي لم تثبت صحبة معاذ؛ لأنَّه لم يرو عنه إلا ابنه هذا، بالإضافة إلى غرابة بعض المتون التي جاءت بهذه السلسلة. وهذا الحديث أخرجه أبو يعلى (٣) عن أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، عن أبي عبد الرحمن المقرئ به. وقال أبو عبد الرحمن: (ليس هو بالمعروف عند الناس، ولم يزل الناس يحتبون). وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤) من طريق عبد الله بن يوسف، عن ابن لهيعة، عن زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة. قلت: زبّان ضعيف الحديث، مشهور الضعف. وفيه ابن لهيعة أيضا. وأخرجه ابن ماجه (٥) عن محمد بن المصفّى، عن بقية، عن عبد الله ابن واقد، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني: والإمام يخطب.

стр. 834

قلت: عبد الله بن واقد مجهول لا يعرف، من شيوخ بقية المجاهيل. ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن مُحيِّصة أخي بني حارثة، عن أبيه، أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجّام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: "اعلفه ناضِحك، وأطعمه رقيقك". وفي الباب: عن رافع بن خَديج، وأبي جُحيفة، وجابر، والسائب. حديث مُحيِّصة حديث حسن) (١). قلت: النهي عن كسب الحجّام جاء في مسلم (٢) من حديث رافع بن خَديج أنه ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث". وقوله: "اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك"، روي عن مُحيِّصة من وجوه (٣). وأخرجه أحمد (٤) عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن كسب الحجام، فقال: "اعلفه ناضحك". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥) من طريق يزيد بن ربيعة، عن أبي

стр. 835

الأشعث، عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، وقال: "اعلفوه الناضح". والأمثلة على هذا كثيرة. وقد تبين مما تقدم: أن ما حسّنه الترمذي وأطلقه ولم يقيده بالغرابة: يُروى من غير وجه، وهذا هو الغالب، وأحيانا أخرى يحكم على الحديث بأنه حسن ويطلق؛ ولا يعرف إلا من هذا الوجه، ومثاله: قال الترمذي: (١٢٩٩ - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". هذا حديث حسن). قلت: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، لا أعرف أنه جاء إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: (٣٢٣ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن محمد ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ ، أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البجع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة. وفي الباب عن بريدة، وجابر، وأنس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن). قلت: أما النهي عن تناشد الأشعار، وعن البيع والشراء؛ فقد جاء من غير هذا الوجه، وأما النهي عن التحلق يوم الجمعة فلا أعرف أنه جاء إلا من هذا الوجه.

стр. 836

قال الخطيب في "الجامع" (١): (هذا الحديث يتفرد بروايته عمرو بن شعيب، ولم يتابعه أحمد عليه، وفي الاحتجاج به مقال). وأخرج الطبراني في "الكبير" (٢) عن الوليد بن حماد، عن سليمان، عن بشر بن عون، عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة قال: أمرنا رسول الله ﷺ ألا نتحلّق يوم الجمعة قبل خروج الإمام، وليقبلوا على القبلة، ولا يوم العيدين بعد الصلاة. قلت: هذا خبر موضوع بهذا الإسناد، ولا يمكن لأبي عيسى أن يقصد هذا الإسناد. قال أبو حاتم: (بكار وبشر مجهولان) (٣). وقال ابن حبان: (بشر بن عون روى عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن وائلة؛ نسخة فيها ستمائة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال) (٤). وقال الترمذي: (١٣٢٠ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي". قال قتادة: ثم نسي الحسن، فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني: العارية. هذا حديث حسن).

стр. 837

قلت: لم أقف عليه إلا من هذا الوجه. قال البزار: (هذا الحديث لا نعلم رواه إلا سمرة عن النبي ﷺ ) (١). نعم هناك أحاديث بمعناه، منها حديث صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا"، فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ قال: "بل عارية مؤداة". أخرجه أبو داود والنسائي في "الكبرى" وأحمد (٢).

стр. 838

النوع الثاني الحسن الذي حكم عليه بالغرابة وسوف يكون الكلام فيه على مسائل: الأولى: اشتهار أبي عيسى به. الثانية: الفرق بينه وبين الحسن المطلق. الثالثة: أنواع الغرابة. الرابعة: صوره في كتابه "الجامع". الخامسة: درجته من حيث القوة. السادسة: أيهما أقوى عنده: "الحسن" أو "الحسن الغريب"؟ أما المسألة الأولى، فقد أكثر أبو عيسى من استخدام هذا المصطلح في "جامعه" حتى اشتهر به، وأصبح علما عليه، إلا أنه لم يتفرد به كما هو معلوم (١)، لكن لا أعلم أحدا أكثر استخداما له من أبي عيسى. وأما المسألة الثانية، فالفرق بين ما قال عنه: "حسن غريب" وبين ما قال عنه: "حسن"؛ هو الغرابة في الأول، وأما الثاني فهو الذي يروى من غير وجه كما نص على ذلك. وأما المسألة الثالثة، فهذه الغرابة إما مطلقة وإما نسبية، واما غرابةُ متنٍ أو غرابةُ إسنادٍ، كما يأتي التفصيل في ذلك. وأما المسألة الرابعة، فهذا المصطلح له ثلاث صور في "الجامع":

стр. 839

الأولى: "حسن غريب". الثانية: "غريب حسن". الثالثة: "حديث حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه". أما الصورة الأولى فأمثلتها كثيرة لا تحصى، وأما الصورة الثانية فمن أمثلتها: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مالك ابن إسماعيل، عن إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "غفرانك". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة. وأبو بردة بن أبي موسى اسمه: عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) (١). هكذا في الطبعة الحجرية والرسالة ودار التأصيل و"شرح المباركفوري"، وهو ظاهر كلام ابن سيد الناس في "النفح الشذي"، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب، وهذا ما جاء في "تحفة الأشراف" (٢). قلت: والراجح الأول؛ لأن هذا في أكثر النسخ. ٢ - وقال ﵀: (حدثنا سلمة بن شبيب وعبد الله بن منير وأحمد بن إبراهيم الدورقي والحسن بن علي الحلواني وغير واحد، قالوا: حدثنا يزيد ابن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل

стр. 840

بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وزاد الحسن بن علي في حديثه: قال يزيد بن هارون: ولم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث. قال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدا رواه غير شريك) (١). هكذا في طبعتي الرسالة والتأصيل والطبعة الحجرية و"شرح المباركفوري"، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب. قلت: والأولى أرجح. ٣ - وقال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وأحمد بن إبراهيم ومحمود بن غيلان وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن مهران، سمع جده، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن) (٢). هكذا في الرسالة والتأصيل، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب، منها النسخة الحجرية و"شرح المباركفوري" على الترمذي و"تحفة الأشراف" (٣)، وأما في "شرح العراقي": غريب حسن، وقال: (جرت عادة المصنف أن يقدم الوصف بالحسن على الغرابة، وقدم هنا "غريب" على "حسن"، والظاهر أنه يقدم الوصف الغالب على الحديث؛ فإن غلب عليه الحسن قدّمه، وإن غلبت عليه الغرابة قدمها) (٤).

стр. 841

قلت: وأنا أذهب لقول العراقي من تقديم الغرابة على الحسن هنا. ومن الأمثلة على الصورة الثالثة؛ وهي التي لم ينصَّ فيها على كلمة (غريب)، وإنما ذكر ما يفيد ذلك -وهو قولُه: (لا يعرف إلا من هذا الوجه) -: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد. والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضا) (١). ٢ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا علي بن هاشم بن البَريد وأبو سعد الصغَاني، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طَرَفة، عن عَرْفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفا من وَرِق، فأنتن علي، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب. حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الربيع بن بدر، ومحمد بن يزيد الواسطي، عن أبي الأشهب نحوه.

стр. 842

هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طَرَفة. وقد روى سَلْم بن زَرِير، عن عبد الرحمن بن طَرَفة نحو حديث أبي الأشهب) (١). ٣ - وقال ﵀: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا يحيى بن عباد أبو عباد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عبد الوهاب بن يحيى -من ولد عباد بن عبد الله بن الزبير-، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًّا، فكان يعجل إليه لأنَّه أعجلها نضجا. هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٢). ٤ - وقال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول الله ﷺ من النهار؟ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي ﷺ نحوه.

стр. 843

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا. وروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا -والله أعلم- لأنَّه لا يروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي. وعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث) (١). قلت: الغرابة هنا فيما يظهر نسبية. وأما المسألة الخامسة، وهي درجة ما حكم عليه أبو عيسى بـ"حسن غريب" من حيث الصحة أو الضعف: فالأحاديث التي حكم عليها بذلك الأصل فيها: الضعف - وأعني عنده -، ولكن منها ما هو صحيح. فأما ما ضعّفه فمثاله: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض". وفي الباب: عن أبي الدرداء، وثوبان، وفَضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا.

стр. 844

قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولا يصح إسناده) (١). قلت: وإنما بدأت بهذا المثال لأنَّه نص على عدم صحة إسناده، مع تحسينه إياه. ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي فنهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: "لا والذي نفسي بيده، حتى تأطُروهم على الحق أطرا". قال عبد الله بن عبد الرحمن: قال يزيد: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه: عن عبد الله. هذا حديث حسن غريب. وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي ابن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ نحو هذا. وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي ﷺ ؛ مرسل. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع

стр. 845

على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ " فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: وكان نبي الله ﷺ متكئا فجلس، فقال: "لا، حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا". حدثنا محمد بن بشار، قال: وحدثنا أبو داود الطيالسي -وأملاه عليَّ- قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ مثله) (١). وقد ذكر الترمذي - في أكثر من موضع - أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (٢)، وبالتالي يكون إسناد هذا الخبر منقطعا. ٣ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: عقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: "يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة"، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم. هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب) (٣). ٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة،
следующие страницы →