← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قلت: وأنا أذهب لقول العراقي من تقديم الغرابة على الحسن هنا. ومن الأمثلة على الصورة الثالثة؛ وهي التي لم ينصَّ فيها على كلمة (غريب)، وإنما ذكر ما يفيد ذلك -وهو قولُه: (لا يعرف إلا من هذا الوجه) -: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد. والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضا) (١). ٢ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا علي بن هاشم بن البَريد وأبو سعد الصغَاني، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طَرَفة، عن عَرْفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفا من وَرِق، فأنتن علي، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب. حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الربيع بن بدر، ومحمد بن يزيد الواسطي، عن أبي الأشهب نحوه.

стр. 842

هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طَرَفة. وقد روى سَلْم بن زَرِير، عن عبد الرحمن بن طَرَفة نحو حديث أبي الأشهب) (١). ٣ - وقال ﵀: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا يحيى بن عباد أبو عباد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عبد الوهاب بن يحيى -من ولد عباد بن عبد الله بن الزبير-، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًّا، فكان يعجل إليه لأنَّه أعجلها نضجا. هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٢). ٤ - وقال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول الله ﷺ من النهار؟ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي ﷺ نحوه.

стр. 843

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا. وروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا -والله أعلم- لأنَّه لا يروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي. وعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث) (١). قلت: الغرابة هنا فيما يظهر نسبية. وأما المسألة الخامسة، وهي درجة ما حكم عليه أبو عيسى بـ"حسن غريب" من حيث الصحة أو الضعف: فالأحاديث التي حكم عليها بذلك الأصل فيها: الضعف - وأعني عنده -، ولكن منها ما هو صحيح. فأما ما ضعّفه فمثاله: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض". وفي الباب: عن أبي الدرداء، وثوبان، وفَضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا.

стр. 844

قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولا يصح إسناده) (١). قلت: وإنما بدأت بهذا المثال لأنَّه نص على عدم صحة إسناده، مع تحسينه إياه. ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي فنهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: "لا والذي نفسي بيده، حتى تأطُروهم على الحق أطرا". قال عبد الله بن عبد الرحمن: قال يزيد: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه: عن عبد الله. هذا حديث حسن غريب. وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي ابن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ نحو هذا. وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي ﷺ ؛ مرسل. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع

стр. 845

على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ " فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: وكان نبي الله ﷺ متكئا فجلس، فقال: "لا، حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا". حدثنا محمد بن بشار، قال: وحدثنا أبو داود الطيالسي -وأملاه عليَّ- قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ مثله) (١). وقد ذكر الترمذي - في أكثر من موضع - أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (٢)، وبالتالي يكون إسناد هذا الخبر منقطعا. ٣ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: عقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: "يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة"، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم. هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب) (٣). ٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة،

стр. 846

عن عطاء بن السائب، عن أبي البَخْتري، أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، قال: ورَطَن إليهم بالفارسية، وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، قالوا: ما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم، ففتحنا ذلك القصر. وفي الباب: عن بريدة، والنعمان بن مقرن، وابن عمر، وابن عباس. وحديث سلمان حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب. وسمعت محمدا يقول: أبو البَخْتري لم يدرك سلمان؛ لأنَّه لم يدرك عليا، وسلمان مات قبل علي) (١). قلت: وعلى هذا يكون منقطعا. ٥ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف". هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري

стр. 847

يضعف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسير هو ثقة) (١). في "تحفة الأحوذي": (قوله: هذا حديث حسن غريب، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد هذا الحديث ولي الدين في "المشكاة" وقال: رواه الترمذي وقال: حديث غريب، ولم يذكر لفظ حسن. وكذلك أورد الشوكاني هذا الحديث في "النيل" وقال: قال الترمذي: هذا حديث غريب، ولم يذكر هو أيضا لفظ حسن؛ فالظاهر أن النسخة التي كانت عند صاحب "المشكاة" وعند الشوكاني هي الصحيحة، ويدل على صحتها تضعيف الترمذي عيسى ابن ميمون أحد رواة هذا الحديث، وقد صرح الحافظ في "الفتح" بضعف هذا الحديث، والله تعالى أعلم) (٢). وهذا ما نقله ابن الملقن في "البدر المنير" عن الترمذي، وقال: (وفي بعض النسخ: حسن. وفي هذا نظر) (٣). وذكره البغوي معلقا في "شرح السنة"، وقال: (إسناد غريب) (٤). ويؤيد هذا أن الترمذي ذكر حديثا في إسناده عيسى بن ميمون وقال: غريب (٥). ولكن لفظة: (حسن) جاءت في أكثر النسخ، سواء كانت لفظة (غريب) في الأول أو في الأخير، ويؤيد هذا ما جاء في "تحفة الأشراف" (٦) ولم يذكر المزي اختلافا بين النسخ. وقد يقال -جمعا بين هذا الأقوال-: إن الترمذي قال أولا عن هذا الحديث: غريب، ثم قال: حسن، فقد يكون بعض من نقل كلامه اقتصر على الكلمة الأولى دون الثانية، والله تعالى أعلم.

стр. 848

٦ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن خليفة أبو عبيد الله البصري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن حجاج الصّوّاف، عن حَنَان، عن أبي عثمان النهدي، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده؛ فإنه خرج من الجنة". هذا حديث غريب حسن، ولا نعرف حنانا إلا في هذا الحديث. وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مُلّ، وقد أدرك زمان النبي ﷺ ، ولم يره ولم يسمع منه) (١). وفي بعض النسخ: وهو حديث مرسل. وفي "تحفة الأشراف" (٢): (غريب) حسب. ومن أمثلة ما حكم عليه بـ"حسن غريب" ثم بين علته: ١ - قال الترمذي: (حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري وأبو عمار وغير واحد، قالوا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة". هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا. وقد رواه حِبان بن علي العَنَزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . ورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسل) (٣).

стр. 849

قلت: بين أن الصواب في هذا الخبر الإرسال، وذلك لقوله: لا يسنده كبير أحد. ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. هذا حديث حسن غريب. ورواه الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلا) (١). قلت: لا شك أن رواية الثوري هي الراجحة؛ لأنَّه أوثق من ابن إسحاق بكثير؛ فيكون الراجح في هذه الطريق الإرسال. ومن أمثلة ما حكم عليه بـ"حسن غريب" وحكم على أحد رواهُ إسناده بالضعف: ١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، أنه سمع فَضالة بن عبيد، يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيّد الإيمان، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا" ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته، فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي ﷺ . قال: "ورجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن، أتاه سهم غَرْبٌ فقتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجل مومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل

стр. 850

مؤمن أسرف على نفسه، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن دينار. سمعت محمدا يقول: قد روى سعيد بن أبي أيوب هذا الحديث، عن عطاء بن دينار، عن أشياخ من خولان، ولم يذكر فيه: عن أبي يزيد. وقال: عطاء بن دينار ليس به بأس) (١). قلت: الإسناد الأول فيه ابن لهيعة، وأبو عيسى يرى ضعفه، بل نقل عن المحدثين تضعيفه (٢)، وقد خالفه في إسناد هذا الحديث سعيد بن أبي أيوب، ولا شك أن الصواب معه؛ فهو من الثقات الأثبات. ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ) (٣). قلت: وهذا في إسناده ابن لهيعة، وهل حسنه لأنَّه يروى من غير وجه؟ هذا محتمل، ويحتمل أن حكمه حسن غريب إنما هو على طريق ابن لهيعة فقط، وقد عُلم أن أبا عيسى ممن يضعف ابن لهيعة.

стр. 851

٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: حدثنا صالح المُرّي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: "أبهذا أمِرتُم أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المُرّي، وصالح المري له غرائب ينفرد بها) (١). هكذا في "تحفة الأشراف"، وفي طبعة التأصيل: (حسن)، وفي الرسالة: (غريب). وقال عن حديث آخر فيه صالح هذا: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح المُرّي، وصالح في حديثه غرائب لا يتابع عليها، وهو رجل صالح) (٢). * * * وأما الأحاديث التي حكم عليها بـ"حسن غريب" وهي صحيحة (٣) فمن أمثلتها: ١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن

стр. 852

عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله". وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن بكير، فأخطأ فيه، وقال: عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وهو خطأ. والصحيح حديث الليث بن سعد، إنما هو عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة بن نيار، عن النبي ﷺ . هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث بكير بن الأشج. وقد اختلف أهل العلم في التعزير، وأحسن شيء روي في التعزير هذا الحديث) (١). هكذا في "تحفة الأشراف"، وفي طبعتي التأصيل والرسالة: غريب. قلت: هذا حديث صحيح، وقد خرّجه الشيخان (٢)، ووقع فيه اختلاف ليس بضار، ينظر كلام الدارقطني في "العلل" وابن حجر في "الفتح" (٣). ولا أدري لماذا لم يصححه، هل لأجل الاختلاف الذي وقع فيه، أم لأمر آخر؟ الله أعلم. ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو هشام الرفاعي وزيد بن أخزم الطائي وإسحاق بن إبراهيم البصري، قالوا: حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. وزاد زيد بن أخزم في حديثه: وقرأ قتادة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].

стр. 853

وفي الباب: عن سعد، وأنس بن مالك، وعائشة، وابن عباس. حديث سمرة حديث حسن غريب. وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ نحوه، ويقال: كلا الحديثين صحيح) (١). قلت: قد صحح أبو عيسى عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، ونقل في أكثر من موضع في كتابه عن البخاري عن علي بن المديني أن الحسن سمع من سمرة (٢)، وأقره على ذلك، وقد يكون توقف في تصحيحه لأجل الاختلاف الذي وقع فيه، وإن كان يميل أبي أن كلا الطريقين محفوظ. ٣ - وقال الترمذي: (حدثنا حسين بن مهدي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد". حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد إلا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن سفيان الثوري) (٣). قلت: لم يصحِّح الترمذي هذا الحديث لغرابته من هذا الوجه، وقد صحَّ من حديث يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،

стр. 854

عن أبي سلمة به (١)، وعلقه البخاري عن عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن أبي سلمة مرسلا (٢). قلت: ولا شك أن الوصل صحيح. ٤ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة". حديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (٣). قلت: هذا الخبر لم يصححه المصنف من أجل تفرد شعيب به، وقد خرجه البخاري (٤). ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام اليمنى يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه. قال: وفي الباب: عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حُجْر.

стр. 855

قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (١). قلت: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه مسلم (٢)، ولعل توقف المصنف في تصحيحه من أجل غرابته. ٦ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحَوْراء السعدي، واسمه رَبِيعة بن شَيْبان. ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئا أحسن من هذا) (٣). قلت: هذا حديث صحيح، وقد توبع أبو إسحاق عليه، فقد تابعه ابنه يونس وشعبة بن الحجاج (٤)، ولكن ليس في روايته -أي شعبة- ذكر القنوت أو الوتر، وإنما فيها: كان يعلمنا هذا الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت … " الحديث، وقد رجَّح أبو بكر ابن خزيمة رواية شعبة على رواية أبي إسحاق، وقال: (وأبو إسحاق لا يُعلم أَسمِع هذا الخبر من بريد أو دلّسه عنه).

стр. 856

فتبين أن هذا الخبر صحيح - إلا في اللفظة التي وقع فيها اختلاف وهي (القنوت والوتر) -، بل إن ابن دقيق العيد قال في "الإلمام": (وهو مما أُلزم الشيخان تخريجه) (١). وقد أخرج الترمذي حديثًا بنفس الإسناد ولكن من طريق شعبة عن بريد به: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك … "، وقال: صحيح (٢). فلعل توقفه في تصحيح الحديث الذي معنا من أجل الاختلاف الذي وقع فيه، أو للغرابة، كما أشار إلى ذلك في حكمه عليه. ٧ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور وبشير أبي إسماعيل، عن مجاهد، أن عبد الله ابن عمرو ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". هذا حديث حن غريب من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث عن مجاهد، عن عائشة، وأبي هريرة أيضا، عن النبي ﷺ أيضا) (٣). قلت: رجاله كلهم ثقات، وظاهر إسناده الصحة، ولعله توقف في تصحيحه لأنَّه روي أيضا عن مجاهد، عن عائشة وأبي هريرة، فيكون عدم تصحيحه بسبب الاختلاف الذي وقع فيه (٤)، أو لغرابته. ٨ - وقال الترمذي: (حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معْن، قال: حدثنا

стр. 857

مالك بن أنس، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدر، حتى إذا كان بحرَّة الوَبَر لحقه رجل من المشركين يذكر منه جرأة ونجدة، فقال النبي ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا، قال: "ارجع، فلن أستعين بمشرك". وفي الحديث كلام أكثر من هذا. هذا حديث حسن غريب) (١). قلت: هذا حديث صحيح، وقد خرجه مسلم (٢)، ولعله أيضًا لم يصححه من أجل غرابته. ٩ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت أبي -بحضرة العدو- يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف"، فقال رجل من القوم رث الهيئة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ يذكره؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه، قال: أقرأ عليكم السلام، وكسر جفن سيفه، فضرب به حتى قتل. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان الضبعي) (٣). قلت: وهذا قد خرّجه مسلم أيضا (٤)، وأبو عيسى قد صحَّح لجعفر بن سليمان بعض الأحاديث (٥)، وبعضها لم يصححها وهي كثيرة (٦)، فهذا منها. ١٠ - وقال الترمذي: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال:

стр. 858

حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم أصبح من الغد فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمّها، فقال رسول الله ﷺ : "المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (١). وفي بعض النسخ زيادة: (غريب من حديث سهيل). قلت: وهذا حديثٌ صحيحٌ، قد أخرجه مسلم (٢)، وهذا لعله أيضا من أجل الغرابة. ١١ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له: جَهْجاه". هذا حديث حسن غريب) (٣). أخرجه مسلم (٤) عن محمد بن بشار به.

стр. 859

قلت: وقد توبع أبو بكر الحنفي، قال أبو عوانة: (حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قلت لأبي أسامة: أحدثكم عبد الحميد بن جعفر عنه بهذا؟ فأقر به، وقال نعم) (١). قلت: عمر بن الحكم ثقة؛ فقد وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، واستشهد به البخاري في "الصحيح" وخرج له في "الأدب المفرد" (٢)، ولم يتكلم فيه أحد فيما أعلم. وأما عبد الحميد بن جعفر فقد وثقه الجمهور، وتكلم فيه سفيان الثوري من أجل القدر، وقال النَّسَائِي مرّة: ليس به بأس، وقال في أخرى: ليس بالقوي. وقال الساجي: إنما ضُعّف من أجل القدر. قلت: ولا يخفى أن هذا لا يؤثر في ضبطه، فالراجح أنه ثقة كما قال الجمهور. والذي يظهر أن الترمذي إنما لم يصححه من أجل غرابته. وأما ما جاء في "المراسيل" لابن أبي حاتم قال: (قال أبي: عبد الحميد بن جعفر عن عمر مرسل) (٣). قلت: الظاهر أنه يقصد عمر بن الحكم. والجواب عن ذلك: أنه صرح بالسماع منه في هذا الحديث كما عند مسلم، ولذا قال أبو مسعود الدمشقي: (عبد الحميد سمع من عمر بن الحكم "لا تذهب الأيام والليالي") (٤). وقال مسلم: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الله بن حمران، عن

стр. 860

عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي جعفر، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، بمثل حديث هشام بن عروة) (١) يعني حديث "إن الله لا يقبض العلم". ولعلَّ هذا ما جعل أبا حاتم الرازي يقول عن عبد الحميد بن جعفر: لم يسمع من عمر بن الحكم، وأنا أذهب لقول أبي مسعود الدمشقي، ولكن هل يذهب أبو عيسى الترمذي لهذا أو لعدم سماعه؟ الله تعالى أعلم. ١٢ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كفّ واحد، فعل ذلك ثلاثا. وفي الباب عن عبد الله بن عباس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب، وقد روى مالك، وابن عيينة، وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (٢). قلت: ظاهر كلام أبي عيسى أنه يقوي زيادة (من كف واحد)، وذلك لقوله عن خالد: ثقة حافظ، وقد خرّجها البخاري ومسلم (٣)، كما أن خالدا توبع عليها. ١٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا

стр. 861

عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، قال: كنا مع النبي ﷺ ، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: "هذا أوان يُختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنَقرأنه ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا. فقال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعُدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ " قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدّثنّك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا. هذا حديث حسن غريب. ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. وقد روي عن معاوية بن صالح نحو هذا. وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ ). قلت: فظاهر كلامه أنه يقوي هذا الخبر، وذلك أنه ردَّ جرح يحيى بن سعيد القطان لمعاوية بن صالح، وأما باقي رجال الإسناد فثقاتٌ، نعم عبد الله بن صالح تُكلم فيه بعض الشيء، مع أن الراوي عنه هنا من كبار الحفاظ وهو عبد الله الدارمي، وقد قال ابن حجر: (إن رواية كبار الحفاظ عنه قوية).

стр. 862

مع أن عبد الله بن صالح قد توبع على هذا الخبر، كما قال أبو عيسى: (قد روي عن معاوية بن صالح نحو هذا). وإن كنت لم أقف على هذه المتابعة. إلا أن يكون توقُّف أبي عيسى في تصحيح الحديث من أجل الاختلاف الذي وقع فيه: هل هو من حديث أبي الدرداء أو من حديث عوف بن مالك؟ وسواء أكان هذا أو ذاك فهذا لا يضر؛ لأن جبير بن نفير قد سمع من أبي الدرداء كما سمع من عوف بن مالك. وقد يكون روى هذا الخبر عنهما جميعا كما ذهب إلى هذا أبو عبد الله الحاكم، فقال -بعد أن ساقه من الوجه الذي ساقه أبو عيسى-: (هذا إسناد صحيح من حديث المصريين، وفيه شاهد رابع على صحة الحديث، وهو عبادة بن الصامت، ولعل متوهّما يتوهم أن جبير بن نفير رواه مرّة عن عوف ابن مالك الأشجعي ومرّة عن أبي الدرداء، فيصير به الحديث معلولا، وليس كذلك، فإن رواهُ الإسنادين جميعا ثقات، وجبير بن نفير الحضرمي من أكابر تابعي الشام، فإذا صح الحديث عنه بالإسنادين جميعا فقد ظهر أنه سمعه من الصحابيين جميعا، والدليل الواضح على ما ذكرته أن الحديث قد روي بإسناد صحيح، عن زياد بن لبيد الأنصاري، الذي ذكر مراجعة رسول الله ﷺ في الحديثين). والخلاصة أن أبا عيسى يقوي هذا الخبر كما هو ظاهر كلامه، وهو خبر صحيح، فقد جاء من أكثر من وجه كما تقدم، والعلم عند الله. ١٤ - وقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي الجَهضمي، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة، قال: حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".

стр. 863

حديث ابن عباس حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب ابن رُزيق) (١). وقال في "العلل" (٢): (سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: شعيب ابن رُزيق مقارب الحديث، ولكن الشأن في عطاء الخراساني، ما أعرف لمالك بن أنس رجلا يروي عنه مالك يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة … ). ثم قال أبو عيسى: (وعطاء الخراساني رجل ثقة، روى عنه الثقات من الأئمة؛ مثل مالك ومعمر وغيرهما، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه بشيء). وأخرج الترمذي لعطاء الخراساني حديثا آخر من طريق قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن معمر، عن عمار، أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أن يتوضأ وضوءه للصلاة. وقال: حسن صحيح (٣). قلت: عطاء الخراساني ثقة عند أبي عيسى كما تقدم في كلامه، فلماذا إذًا توقف في تصحيح هذا الخبر؟ لعله لأجل تفرّدُ شعيب بن رُزيق به. * * * تبين مما تقدم أن أبا عيسى قد حكم على أحاديث بـ"حسن غريب" ثم بين ضعفها؛ إما بانقطاع بإسنادها، أو بضعف ببعض رواتها، أو بعلةٍ فيها.

стр. 864

كما أنه حكم بالحكم نفسه على أحاديث هي صحيحة، ولم يصححها: إما لتفردٍ وقع بإسنادها، أو اختلافٍ فيها، والذي يظهر أن بعض هذه الأحاديث يرى أبو عيسى قوتها، وقد تقدم شيء من ذلك. وبناء على ما تقدم - وهي المسألة السادسة -، أيهما أقوى عنده: ما حكم عليه بـ"حسن" أو بـ"حسن غريب"؟ كنت أقول فيما سبق: إن الأول هو الأقوى، وهو الحسن المطلق؛ وذلك لمجيئه من غير وجه، كما نص على ذلك أبو عيسى، وهذا من حيث الجملة دون التفصيل، وأما من حيث التفصيل، فلا يخفى أن بعض الأحاديث التي حكم عليها بحسن غريب أقوى من الأحاديث التي حكم عليها بحسن فقط. ثم حصل لي توقف بين "الحسن" المطلق و"الغريب" من حيث القوة، وهذا من حيث العموم؛ وذلك أني قد وجدته حكم على عدة أحاديث بحسن غريب وهي صحيحة، وقد تقدم ذلك. والله أسأل أن يفتح عليَّ بالصواب، فبِه تعالى التوفيق.

стр. 865

النوع الثالث الحسن الذي فيه ضعف، ولكنه لم يبين ضعفه، وسكت عن ذلك، واكتفى بتحسينه ومن أمثلته: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله، إنا نمرُّ بقوم فلا هم يضيفونا، ولا هم يؤدّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم، فقال رسول الله ﷺ : "إن أبوا إلا أن تأخذوا كَرها فخذوا". هذا حديث حسن. وقد رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أيضا) (١). قلت: هذا الحديث حسنه المصنف، وهذا التحسين إنما هو للإسناد الأول، ولو كان لكلا الإسنادين لحكم بصحته؛ لأن اللّيث إمام متفق على جلالته وثقته، فعندما لم يحكم بصحته علمنا أنه للإسناد الأول الذي من طريق ابن لَهيعة، والمصنف ممن يرى ضعف ابن لَهيعة كما بين ذلك في أكثر من موضع في كتابه "الجامع"، وهو مذهب جل النقاد؛ كما قال أبو عيسى: (ضعفه أهل الحديث) (٢). ٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن طريف الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش والشيباني، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ : "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".

стр. 866

هذا حديث حسن. ويروى عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ له هذا الحديث. وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم أنه قال: أتانا كتاب النبي ﷺ قبل وفاته بشهرين. سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ﷺ ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة) (١). قلت: هذ الحديث حسّنه المصنف، وهو لا يصحّ عنده، والدليل على هذا: كلامه بعد حكمه عليه بالتحسين: فذكر أن العمل ليس عليه، ثم ذكر الاختلاف فيه، ثم ذكر كلام الإمام أحمد وتركَه للعمل بهذا الحديث بسبب الاضطراب الذي وقع فيه، وكل ذلك إشارات منه على أن هذا الحديث غير محفوظ عنده. ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من الخبال" قيل: يا أبا عبد الرحمن، وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار.

стр. 867

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، عن النبي ﷺ ) (١). قلت: هذا الحديث إنما حسّنه من أجل أن جريرا سمع من عطاء بعدما تغير. مع أنه في بعض الأحيان يصحح أحاديث من روى عن عطاء بعد التغير، وهذا فيما استقام منها ولم يُنكر، ولا يخفى أنه ليس كل حديث رواه عطاء بعد التغير يكون خطأ. هذا وقد تُكلم في سماع عبد الله بن عبيد بن عمير من أبيه (٢). ٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يعلّم أصحابه، يقول: "إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك المصير، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور". هذا حديث حسن) (٣).

стр. 868

قلت: عبد الله بن جعفر هو: ابن نجيح، والد علي بن المديني، وقد ضعّفه أبو عيسى من قبل، فقال: (وعبد الله بن جعفر يضعّف، ضعفه يحيى بن معين وغيره، وهو والد علي بن المديني) (١). ولكن قد جاء هذا الحديث من طرق متعددة عن سهيل به (٢)، كما أن سهيلا تابعه عبد العزيز بن رفيع (٣)، فهو حديث صحيح. ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن خداش البغدادي، قال: حدثنا سيف بن محمد الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] قال: "الدقل والفارسي، والحلو والحامض". هذا حديث حسن غريب. وقد رواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش … نحو هذا. وسيف بن محمد هو: أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري) (٤). قلت: وسيف قال عنه أحمد: لا يكتب حديثه، ليس بشيء، كان يضع الحديث (٥). وقال يحيى بن معين: كان ها هنا شيخا كذابا خبيثا (٦).

стр. 869

وقال البخاري: ذاهب الحديث (١). وأما حديث زيد بن أنيسة: فأخرجه البزار (٢) والعقيلي (٣) وابن عدي (٤)، من طريق سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الرقِّي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي صالح به. قال البزار: (لا نعلم حدث به إلا سليمان [أبو] أيوب، عن عبيد الله بن عمرو). وقال العقيلي: (وهذا الحديث إنما يعرف بسيف بن محمد، وسيف متروك)، ثم أخرج رواية سيف، ثم قال: (وأما عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فلم يأت به غير سليمان هذا)، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس نحوه موقوفًا، وقال العقيلي: (هذا أولى من حديث الأعمش). وقال ابن عدي: (ولا أعلم رواه عن الأعمش غير زيد بن أبي أنيسة -من رواية عبيد الله بن عمرو عنه-، وسيف بن محمد، عن الأعمش). وقال أبو حاتم الرازي في "العلل" (٥): (حدّث سليمان بهذا الحديث

стр. 870

وأنا بالكوفة، فلم يقض لي السماع منه، ثم رجع عنه، فقال: حدثنا به سيف بن محمد بن أخت سفيان -أخو عمار-، هو سيف ضعيف الحديث). قلت: وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولكنه غريب، فسلسلة الأعمش، عن أبي صالح، سلسلة مشهورة جدا، فأين أصحاب الأعمش عن هذا الخبر؟ وزيد وإن كان ثقة إلا أنه ليس من المشهورين بالرواية عن الأعمش والمكثرين عنه. وأخرج الحاكم (١) - وصحّحه على شرط الشيخين - عن أبي بكر أحمد ابن سلمان الفقيه، عن هلال بن العلاء الرقي، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة به، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ بالنون. قلت: والد هلال بن العلاء، هو العلاء بن هلال بن عمر الباهلي أبو محمد الرقي، قال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة (٢). وابنه هلال، قال أبو حاتم: صدوق (٣). وقال النَّسَائِي: هلال بن العلاء بن هلال، لا بأس به، روى أحاديث منكرة عن أبيه، لا أدري الرّيب منه أو من أبيه (٤). وقال مرة: صالح (٥).

стр. 871

٦ - وقال ﵀: (حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا ابن المبارك. ح وحدثنا سويد، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عقبة ابن عامر، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: "املك عليك لسانك، وليَسَعْك بيتك، وابك على خطيئتك". هذا حديث حسن) (١). قلت: هذا الحديث إسناده واهٍ، وضَعْفُ هذه السلسلة مشهور، حتى قال أبو حاتم ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زَحْر وعلي ابن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة) (٢). وقال ابن معين: (علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، هي ضعاف كلها). وقال أيضا: (عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد ضعيفة). وقال الجوزجاني: (رأيت غير واحد من الأئمة ينكر أحاديثه التي يرويها عنه عبيد الله بن زَحْر وابن أبي العاتكة). وقال أبو حاتم الرازي، وقد سئل: ما تقول في أحاديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؟ فقال: (ليست بالقوية، هي ضعاف) (٣). قلت: أما القاسم، فالراجح أنه صدوق. وأما علي بن يزيد، فيكاد يجمعون على ضعفه، حتى قال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه) (٤).

стр. 872

وأما عبيد الله بن زَحْر، فالجمهور على تضعيفه، وخالفهم بعض أهل العلم؛ منهم البخاري فوثقه (١). وضَعْف هذه السلسلة لا يخفى على أبي عيسى، بل هو ممن نصَّ عليه، فقد أخرج من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي ابن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: "من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته -أو قال: على يده-، فيسأله كيف هو، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة". قال الترمذي: (هذا إسناد ليس بالقوي، قال محمد: وعبيد الله بن زَحْر ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم هو: ابن عبد الرحمن، يكنى: أبا عبد الرحمن وهو ثقة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، والقاسم شامي) (٢). وقال في موضع آخر: (وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (٣). وقال أيضا: (القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (٤). قلت: تبين مما تقدم أن أبا عيسى يوثق القاسم، ويضعف علي بن يزيد. وأما عبيد الله بن زَحْر، فلم أقف على كلام له فيه لا بتضعيف ولا بتوثيق، ولكن روى له حديثين من غير طريق علي بن يزيد فحسّنهما ولم يصححهما، فالذي يظهر أنه يلينه ولا يحتج به:

стр. 873

فقد أخرج من طريق سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد الرُّعيني، عن عبد الله بن مالك اليَحْصبي، عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة، فقال النبي ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا" الحديث. وقال: (هذا حديث حسن) (١). وأخرج من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، أن ابن عمر، قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك" الحديث. وقال: (هذا حديث حسن، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد ابن أبي عمران، عن نافع، عن ابن عمر) (٢). ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن عطية، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر. حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم

стр. 874

يصل بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر لسواء ثلاث ركعات، فلا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. سمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إلي من هذا) (١). قلت: حسن الإسناد الأول والثاني، والظاهر من صنيعه هذا أنه يرى أن كل إسناد منهما لوحده حسن، والخبر الأول خبر منكر؛ فحجاج وعطية -وهو العوفي- كلاهما لا يحتج به، وهما مدلسان أيضا، فعدم السماع محتمل. وأما نكارة المتن، فالثابت عن ابن عمر أنه لم يكن يصلي الراتبة في السفر؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يفعل ذلك، كما خرجه المصنف في الباب الأول من أبواب السفر، فساقه من طريق (عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها) (٢). وفي البخاري (٣) ومسلم (٤)، من حديث حفص بن عاصم قال: سافر ابن عمر فقال: صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر، وقال الله جل ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فتبيّن نكارة هذا الخبر.

стр. 875

٨ - قال الترمذي ﵀: (باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها. حدثنا هنّاد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟، قال: "ذاك أفضل أموالنا". وفي الباب: عن سعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت أبي بكر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث أبي أمامة حديث حسن. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، له بما كسب، ولها بما أنفقت". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا، وللخازن مثل ذلك". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهذا أصح، من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق) (١).

стр. 876

قلت: يظهر من تصرف أبي عيسى أن كلا الخبرين الأول والثاني ضعيف عنده. أما الأول، فلمخالفته الأحاديث الصحيحة في مشروعية تصدق المرأة من مال زوجها دون إذنه، وأن لزوجها أجرًا في ذلك العمل، ولها أجر كذلك، حيث إنه ينهى عن ذلك البتة. هذا مع أنه من رواية إسماعيل بن عياش، وهو متكلم فيه، وإن كانت روايته هنا عن الشاميين وهي قوية، ولكن ذكر علي بن المديني أن له منكرات حتى عن الشاميين، قال عبد الله بن علي بن المديني: (ولسألته - يعني أباه - عن إسماعيل بن عياش، قلت: إن يحيى بن معين يقول: إنه ثقة فيما يروي عن أهل الشام، فأما ما روى عن غير أهل الشام، ففيه شيء. فضعفه فيما روى عن أهل الشام وغيرهم) (١). وأما الخبر الثاني، فبين المصنف أن الصواب فيه ذكر مسروق بين أبي وائل وعائشة. ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن المنذر الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا، إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا، إمام جائر". وفي الباب: عن عبد الله بن أبي أوفى.

стр. 877

حديث أبي سعيد حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). قلت: فيه عطية، ولا يخفى ضعفه وتدليسه عن أبي سعيد خاصة. ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ والحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "غدوة في سبيل الاه، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها". هذا حديث حسن غريب) (٢). قلت: حجاج لا يحتج به، والحكم لم يسمع من مقسم إلا أحاديث يسيرة ليس هذا منها (٤). ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ) (٥).

стр. 878

هذا الخبر في إسناده ابن لَهيعة، وهو ضعيف عند المصنف، وقد نقل ذلك عن أهل الحديث كما في أول كتابه (١)، وإن كان قد توبع على هذا الخبر، ولكن حكم المصنف على ذات الإسناد، بدليل قوله: (غريب من هذا الوجه)، ثم قال: (يروى من غير وجه). ١٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة على كثبان المسك -أراه قال: يوم القيامة-: عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أَمّ قوما وهم به راضون، ورجل ينادي [بالصلوات] الخمس في كل يوم وليلة". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان. وأبو اليقظان اسمه: عثمان بن قيس) (٢). قلت: الذي يظهر أيضا أن هذا الخبر ضعيف عنده؛ لأن في إسناده أبا اليقظان، وكل الحفاظ -فيما وقفت عليه- قد تكلموا فيه، ولذا قال أبو أحمد الحاكم: (ليس بالقوي عندهم)، وقال ابن عبد البر: (كلهم ضعفه) (٣). وهو منكر الحديث، كما قال أحمد (٤) والبخاري (٥) وأبو حاتم (٦) والجوزجاني (٧). وهل يكتب حديثه؟ الذي أميل إليه أنه لا يكتب.

стр. 879

نعم؛ قال ابن عدي: (يكتب حديثه) (١)، والجواب عن ذلك: أن ابن عدي كثيرا ما يستعمل هذا اللفظة، وينظر هل قال عن راو - بعد أن ضعّفه -: لا يكتب حديثه؟ لم يقل عن أحد - فيما أعلم - أنه لا يكتب حديثه، وأعني أن يصرح بذلك تصريحا لا لبس فيه. وقد سأل أبو عيسى شيخه البخاري عنه، فقال: (وسألت محمدا عن أبي اليقظان، فقال: شعبة يتكلم فيه، ولكن نحن نروي عنه) (٢). قلت: وقول البخاري: (نحن نروي عنه)؛ يعني خارج "الصحيح"، وليس في الأحكام وإنما في الفضائل ونحوها، هذا إذا كان يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وأما إذا كان لا يعرف ذلك فإنه لا يروي عنه، كما صرح بذلك عدة مرات (٣). ولا يخفى أيضا أن باب الرواية غيرُ الاحتجاج، والتحملَ غير الرواية، فعند التحمل يتوسعون في ذلك، وعند الرواية تضيق الدائرة أكثر، وعند الاحتجاج تضيق الدائرة أكثر وأكثر. ١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن ثابت هو البناني، قال: حدثني أبي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذكر". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ثابت، عن أنس) (٤).

стр. 880

قلت: محمد بن ثابت اتفقوا على ضعفه، إلا في رواية الدوري عن ابن معين قال: (هو صالح الحديث) (١). وقال في رواية أخرى من طريق الدوري ومعاوية بن صالح: (ليس بشيء) (٢). وقال في رواية ابن أبي خيثمة: (ليس بقوي، كان عفان يقول: محمد بن ثابت البناني رجل ضعيف الحديث) (٣)؛ فتبين أن ابن معين يضعفه في أكثر الروايات عنه. وضعفه أيضا البخاري تضعيفا شديدا، فقال: (فيه نظر) (٤). وقال الترمذي في "علله الكبير" (٥) عن البخاري أيضا: (عنده عجائب). وقال أبو حاتم: (منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به) (٦). وضعفه أبو داود (٧) والنسائي (٨)، والدارقطني (٩)، وقال أبو زرعة: (لين) (١٠). وقال يعقوب بن سفيان: (ليس بالقوي) (١١). وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه على قلته) (١٢). وقال ابن عدي بعد أن روى له أحاديث: (وهذه الأحاديث مع غيرها مما لم أذكرها عامّتُها مما لا يتابع عليه) (١٣). وقال الأزدي: (ساقط دامر) (١٤). وقال الحاكم: (لا بأس
следующие страницы →