← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قلت: يظهر من تصرف أبي عيسى أن كلا الخبرين الأول والثاني ضعيف عنده. أما الأول، فلمخالفته الأحاديث الصحيحة في مشروعية تصدق المرأة من مال زوجها دون إذنه، وأن لزوجها أجرًا في ذلك العمل، ولها أجر كذلك، حيث إنه ينهى عن ذلك البتة. هذا مع أنه من رواية إسماعيل بن عياش، وهو متكلم فيه، وإن كانت روايته هنا عن الشاميين وهي قوية، ولكن ذكر علي بن المديني أن له منكرات حتى عن الشاميين، قال عبد الله بن علي بن المديني: (ولسألته - يعني أباه - عن إسماعيل بن عياش، قلت: إن يحيى بن معين يقول: إنه ثقة فيما يروي عن أهل الشام، فأما ما روى عن غير أهل الشام، ففيه شيء. فضعفه فيما روى عن أهل الشام وغيرهم) (١). وأما الخبر الثاني، فبين المصنف أن الصواب فيه ذكر مسروق بين أبي وائل وعائشة. ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن المنذر الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا، إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا، إمام جائر". وفي الباب: عن عبد الله بن أبي أوفى.

стр. 877

حديث أبي سعيد حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). قلت: فيه عطية، ولا يخفى ضعفه وتدليسه عن أبي سعيد خاصة. ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ والحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "غدوة في سبيل الاه، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها". هذا حديث حسن غريب) (٢). قلت: حجاج لا يحتج به، والحكم لم يسمع من مقسم إلا أحاديث يسيرة ليس هذا منها (٤). ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ) (٥).

стр. 878

هذا الخبر في إسناده ابن لَهيعة، وهو ضعيف عند المصنف، وقد نقل ذلك عن أهل الحديث كما في أول كتابه (١)، وإن كان قد توبع على هذا الخبر، ولكن حكم المصنف على ذات الإسناد، بدليل قوله: (غريب من هذا الوجه)، ثم قال: (يروى من غير وجه). ١٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة على كثبان المسك -أراه قال: يوم القيامة-: عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أَمّ قوما وهم به راضون، ورجل ينادي [بالصلوات] الخمس في كل يوم وليلة". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان. وأبو اليقظان اسمه: عثمان بن قيس) (٢). قلت: الذي يظهر أيضا أن هذا الخبر ضعيف عنده؛ لأن في إسناده أبا اليقظان، وكل الحفاظ -فيما وقفت عليه- قد تكلموا فيه، ولذا قال أبو أحمد الحاكم: (ليس بالقوي عندهم)، وقال ابن عبد البر: (كلهم ضعفه) (٣). وهو منكر الحديث، كما قال أحمد (٤) والبخاري (٥) وأبو حاتم (٦) والجوزجاني (٧). وهل يكتب حديثه؟ الذي أميل إليه أنه لا يكتب.

стр. 879

نعم؛ قال ابن عدي: (يكتب حديثه) (١)، والجواب عن ذلك: أن ابن عدي كثيرا ما يستعمل هذا اللفظة، وينظر هل قال عن راو - بعد أن ضعّفه -: لا يكتب حديثه؟ لم يقل عن أحد - فيما أعلم - أنه لا يكتب حديثه، وأعني أن يصرح بذلك تصريحا لا لبس فيه. وقد سأل أبو عيسى شيخه البخاري عنه، فقال: (وسألت محمدا عن أبي اليقظان، فقال: شعبة يتكلم فيه، ولكن نحن نروي عنه) (٢). قلت: وقول البخاري: (نحن نروي عنه)؛ يعني خارج "الصحيح"، وليس في الأحكام وإنما في الفضائل ونحوها، هذا إذا كان يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وأما إذا كان لا يعرف ذلك فإنه لا يروي عنه، كما صرح بذلك عدة مرات (٣). ولا يخفى أيضا أن باب الرواية غيرُ الاحتجاج، والتحملَ غير الرواية، فعند التحمل يتوسعون في ذلك، وعند الرواية تضيق الدائرة أكثر، وعند الاحتجاج تضيق الدائرة أكثر وأكثر. ١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن ثابت هو البناني، قال: حدثني أبي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذكر". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ثابت، عن أنس) (٤).

стр. 880

قلت: محمد بن ثابت اتفقوا على ضعفه، إلا في رواية الدوري عن ابن معين قال: (هو صالح الحديث) (١). وقال في رواية أخرى من طريق الدوري ومعاوية بن صالح: (ليس بشيء) (٢). وقال في رواية ابن أبي خيثمة: (ليس بقوي، كان عفان يقول: محمد بن ثابت البناني رجل ضعيف الحديث) (٣)؛ فتبين أن ابن معين يضعفه في أكثر الروايات عنه. وضعفه أيضا البخاري تضعيفا شديدا، فقال: (فيه نظر) (٤). وقال الترمذي في "علله الكبير" (٥) عن البخاري أيضا: (عنده عجائب). وقال أبو حاتم: (منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به) (٦). وضعفه أبو داود (٧) والنسائي (٨)، والدارقطني (٩)، وقال أبو زرعة: (لين) (١٠). وقال يعقوب بن سفيان: (ليس بالقوي) (١١). وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه على قلته) (١٢). وقال ابن عدي بعد أن روى له أحاديث: (وهذه الأحاديث مع غيرها مما لم أذكرها عامّتُها مما لا يتابع عليه) (١٣). وقال الأزدي: (ساقط دامر) (١٤). وقال الحاكم: (لا بأس

стр. 881

به، فإنه لم يأت بحديث منكر، لكن الشيخين لم يخرّجاه، وهو عزيز الحديث؛ أسند خمسة عشر حديثا) (١). قلت: وهذا لا يفيد كبير شيء؛ لأنَّه لا يلزم حتى يضعف أن يأتيَ بمتن منكر. وإنِّي لفي شكّ من الرواية التي نسبت للدوري عن ابن معين بأنه (صالح)؛ لما تقدم، فما ذكرها ابن أبي حاتم، ولا العقيلي، ولا ابن عدي، وإنما اقتصروا على التضعيف عن ابن معين. فتبين أن تحسين الترمذي ليس على ما اشتهر عند المتأخرين، وإنما هو تضعيف لهذا الحديث، خاصة أن ابن حبان وابن عدي قد ذكرا هذا الحديث في جملة ما يُستنكر عليه. ومما يؤكد ما تقدم، وأن أبا عيسى لا يرى أن هذا الحديث محفوظ؛ أنه قد ذكره في "علله الكبير" مع حديثين آخرين لمحمد بن ثابت، وأنَّه سأل عنها البخاري فلم يعرفها، وقال: (لمحمد بن ثابت عجائب) (٢). ويؤيد ما تقدم أيضا، قول الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن محمد بن ثابت البناني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال محمد بن علي: فقال لي جابر: يا محمد، من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة؟! هذا حديث غريب من هذا الوجه) (٣).

стр. 882

قلت: قوله: (غريب)؛ يعني ضعيف عنده، ولو كان فيه بعض القوة لحسّنه. ١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا الفضل ابن موسى، قال: حدثنا سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة"، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك، ثم أتاه يومَ الثالث فقال له مثل ذلك، قال: "فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما نعرفه من حديث سلمة ابن وردان) (١). قلت: سلمة بن وردان اتفقوا على تضعيفه، إلا ما جاء عن أحمد بن صالح فقد وثقه (٢)، وأحمد بن صالح عنده شيء من التساهل، وقد بينت ذلك بالأدلة في أول "الشرح". ١٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عقبة بن مكرم بصري، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرني سلمة بن وردان الليثي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها".

стр. 883

هذا الحديث حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان، عن أنس) (١). ١٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: أخبرني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه ﷺ قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟ " قال: لا والله يا رسول اللّه، ولا عندي ما أتزوج، قال: "أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ " قال: بلى، قال: "ثلث القرآن"، قال: "أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟ " قالْ بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "تزوج، تزوج". هذا حديث حسن) (٢). ١٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا أبو نُباتة يونس بن يحيى بن نُباتة، قال: حدثنا سلمة بن وردان، عن أبي سعيد ابن أبي المعلى، عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة، قالا: قال رسول اللّه ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث علي، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ) (٣). ١٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا أبو يعقوب الثقفي، قال: حدثنا يونس بن

стр. 884

عبيد مولى محمد بن القاسم، قال: بعثني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب أسأله عن راية رسول اللّه ﷺ ، فقال: كانت سوداء مربعة من نمرة. وفي الباب: عن علي، والحارث بن حسان، وابن عباس. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وأبو يعقوب الثقفي اسمه: إسحاق بن إبراهيم، وروى عنه أيضا عبيد الله بن موسى) (١). قلت: إسناده واهٍ؛ إسحاق بن إبراهيم منكر الحديث، قال ابن عدي في "الكامل": (إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب الثقفي الكوفي، روى عنه الثقات بما لا يتابع عليه. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عمار أبو ياسر، ثنا إسحاق بن إبراهيم الكوفي، ثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، قال: فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعه بين يديه، قال: فجعل النبي ﷺ يقلبها بيديه، ويدعو له، ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا". قال الشيخ: وهذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ. وروى عن إسحاق بن إبراهيم هذا: عبيد اللّه بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسعيد بن سليمان الواسطي، وأحاديثه غير محفوظة) (٢). قلت: هذا الحديث حديث منكر، وفيه زيادات لم تأت في اللفظ

стр. 885

المعروف لهذا الخبر، وهو "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"، ولذا عندما ذكره الذهبي في "الميزان" قال: (فهذا منكر، إنما أتاه بألف دينار) (١). قلت: وهناك ألفاظ أخرى منكرة كما تقدم، نعم؛ قد جاءت هذه الألفاظ من أوجه أخرى، ولكنّها لا تصح، والعلة لا تبدو لي في إسحاق الثقفي، بل في الراوي عنه لأنه متهم بسرقة الحديث. وأما شيخه يونس فهو لا يُعرف، قال الزبير: (لا يُدرى من هو) (٢). فتبين أن هذا الخبر منكر، خاصة أنه إسناد غريب فرد، كما قال أبو عيسى: (لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة). ولذا ذكره في "العلل" (٣)، وقال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وأبو يعقوب الثقفي اسمه: إسحاق بن إبراهيم الكوفي، روى عنه: ابن ابي زائدة، والحسن بن ثابت، وعبيد اللّه بن موسى). قلت: وهذا التحسين ليس على بابه، فالأئمة المتقدمون يطلقون الحسن ويقصدون به معانيَ متعددة، وهذا البحث يبين بعض ذلك، ويؤيد هذا ذكر أبي عيسى له في كتابه "العلل". ٢٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا بكر بن يونس ابن بكير، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله ﵎ يطعمهم ويسقيهم". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٤). قلت: هذا حديث باطل؛ بكر بن يونس منكر الحديث جدا، ولعله لا

стр. 886

يكتب حديثه، قال أبو زرعة: (حدث عن موسى بحديثين منكرين، لم أجد لهما أصلا من حديث موسى) (١). وقال أبو حاتم عن هذا الحديث: (باطل) (٢). نعم، الترمذي لا يرى أن هذأ الحديث باطل، ولكنه يرى عدم صحته، فضعْفُه ظاهر، فهو جزما لا يقصد بالحسن هنا ما اصطلح عليه المتأخرون؛ وهو رواية الصدوق الذي خفّ ضبطه. ٢١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل ابن عياش، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثْن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور". وفي الباب: عن أسماء بنت أبي بكر، وعائشة هذا حديث حسن غريب. ومعنى قوله: "ومن كتم فقد كفر"؛ يقول: قد كفر تلك النعمة) (٣). قلت: لم يصححه المصنف؛ لأنه من رواية إسماعيل عن المدنيين، وهي ضعيفة، وقد خولف؛ فرواه بشر بن المفضل -وهو أوثق بكثير من إسماعيل بن عياش- عن عمارة، عن رجل من قومه، عن جابر به. أخرجه أبو داود (٤)، وهذا الرجل هو شرحبيل بن سعد، كما وقع في رواية يحيى بن أيوب، عن عمارة، عند أبي داود. وأظن أن أصله ما رواه أبو داود (٥) من طريق الأعمش، عن أبي

стр. 887

سفيان، عن جابر رفعه: "من أُبلِي بلاء فذكره فقد شكره، فإن كتمه فقد كفره". ٢٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غَزية، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن قتادة بن النعمان، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". وفي الباب: عن صهيب، وأم المنذر. هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن محمود بن لَبيد، عن النبي ﷺ مرسلا. حدثنا علي بن حُجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن النبي ﷺ نحوه. ولم يذكر فيه: عن قتادة بن النعمان. وقتادة بن النعمان الظَفَري، هو: أخو أبي سعيد الخدري لأمه، ومحمود بن لَبيد قد رأى النبي ﷺ ، وأدركه وهو غلام صغير) (١). قلت: لا شك أن الإسناد الثاني -وهو الذي حكم أبو عيسى بإرساله- أصح من الإسناد الأول الذي حكم عليه بأنه (حسن غريب) (٢)، وذلك أن علي بن حُجْر ثقة ثبت، وهو أوثق بكثير من الفروي المتكلم فيه، فدل هذا على أنه لا يريد بالحسن ما اصطلح عليه المتأخرون، وإنما يريد به تعليل الخبر.

стр. 888

مع ملاحظة أن الصواب ما بين إسماعيل بن جعفر وعاصم بن عمر: عمرو بن أبي عمرو، وليس عمارة بن غزية، كما في رواية الفروي. ٢٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أم المنذر قالت: دخل علي رسول اللّه ﷺ ومعه علي ولنا دوال معلقة، قالت: فجعل رسول اللّه ﷺ يأكل، ومعه علي يأكل، فقال رسول اللّه ﷺ لعلي: "مه مه يا علي، فإنك ناقه"، قال: فجلس ﷺ علي والنبي يأكل، قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا، فقال النبي ﷺ : "يا علي، مِن هذا فأصب، فإنه أوفق لك". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فليح بن سليمان، ويروى عن فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر وأبو داود، قالا: حدثنا فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أم المنذر الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ، … فذكر نحو حديث يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، إلا أنه قال: "أنفع لك". وقال محمد بن بشار: حدثنيه أيوب بن عبد الرحمن. هذا حديث جيد غريب) (١). قلت: حكم على الإسناد الأول بقوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأما الثاني فقال: (هذا حديث جيد غريب).

стр. 889

قلت: الوجه الثاني عن فليح هو الصحيح، ولذا غاير المصنف بين الحكمين. وقد أخرجه أحمد (١) عن يونس هو ابن محمد، وعن سريج هو ابن النعمان (٢)، والطبراني في "الكبير" (٣) من طريق محمد بن سنان العوقي، وغيرهم، كلهم عن فليح عن أيوب به (٤). وقد ساق الترمذي أحاديث من طريق الحارث الأعور؛ منها ما حسنها (٥)، ومنها ما لم يحسنها؛ بل ذكر أن الحارث الأعور قد تُكلم فيه (٦).

стр. 890

النوع الرابع الحسن الذي قَرن به من الكلام ما يبيّن ضعفه من حيث الإسناد وهذا أنواع أيضا: الأول: الذي بين ضعفه؛ وذلك بتضعيف أحد رواته: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد اللّه بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك"، ثم نقر بيده، فقال: "عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه". وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ ، قال: "عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما -أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا- فاذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك". وفي الباب: عن فَضالة بن عبيد. هذا حديث حسن. والقاسم هو ابن عبد الرحمن، ويكنى: أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، ويكنى: أبا عبد الملك) (١).

стр. 891

٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف". هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري يُضعَّف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسير هو ثقة) (١). ٣ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "من كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بالخمر". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاووس عن جابر إلا من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم صدوق، وربما يهِم في الشيء. وقال محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه) (٢).

стр. 892

قلت: الذي يظهر أن أبا عيسى لا يحتج بليث، كما تقدم فيما نقله عن محمد بن إسماعيل البخاري والإمام أحمد، ولكن يكتب حديثه، وهذا مذهب جمهور النقاد. ولا أعرف أن أبا عيسى صحّح لليث شيئا، وإنما يحسّن خبره أحيانا (١) ويستغربه أخرى (٢). ٤ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن الحسن، قال: حدثنا موسى ابن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدث عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال: كنت جالسا إذ جاء علي والعباس يستأذنان، فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، علي والعباس يستأذنان، فقال: "أتدري ما جاء بهما؟ " قلت: لا، قال: "لكني أدري، فأذن لهما"، فدخلا، فقالا: يا رسول اللّه، جئناك نسألك: أي أهلك أحب إليك؟ قال: "فاطمة بنت محمد"، قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك، قال: "أحب أهلي إلي من قد

стр. 893

أنعم الله عليه وأنعمت عليه؛ أسامة بن زيد"، قالا: ثم من؟ قال: "ثم علي بن أبي طالب"، قال العباس: يا رسول اللّه، جعلت عمك آخرهم؟ قال: "إن عليا قد سبقك بالهجرة". هذا حديث حسن، وكان شعبة يضعِّف عمر بن أبي سلمة) (١). قلت: كأنه يرى أن هذا الحديث لا يصح، وذلك لقوله: إن شعبة يضعِّف عمر بن أبي سلمة، وإن كان قد صحّح له حديثين (٢)؛ حديث "لعن الله زوّارت القبور"، وحديث "غيروا هذا الشيب ولا تشبهوا باليهود". والجواب عن هذا التصحيح: أن أبا عيسى قد يصحح للرواة المتكلم فيهم في بعض الأحيان دون بعض، وذلك حسب القرائن وحسب المتن، وفي متن هذا الحديث الذي معنا غرابة، والله أعلم. ٥ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا حسين بن يزيد الكوفي، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن غُطيف بن أعيَن، عن مصعب بن سعد، عن عدي ابن حاتم، قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: "يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه". هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعيَن ليس بمعروف في الحديث) (٣).

стр. 894

٦ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو عمرو مسلم بن عمرو الحذّاء المديني، قال: حدثني عبد اللّه بن نافع، عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحماد بن أبي حميد هو: محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث) (١). ٧ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا بندار محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا. وفي الباب: عن ابن مسعود، وجابر. قال أبو عيسى: وحديث سمرة حديث حسن غريب. وقد تكلم بعض الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه) (٢). وقد روى الترمذي حديثا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الحسن

стр. 895

وقتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذَجٌ، فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ … " الحديث. قال: (وقد روى هذا الحديث غير واحد عن الحسن قوله، ولم يسندوه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث) (١). وروى من طريق إسماعيل بن مسلم أيضا، عن عبد الكريم أبي أمية، عن حِبان بن جَزْء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عن أكل الضبع، فقال: "ويأكلُ الضبعَ أحدٌ؟! " وسألته عن الذئب، قال: "أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟! ". وقال: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم) (٢). وروى في "العلل الكبير" (٣) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "حدُّ الساحر ضربة بالسيف". قال: (سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء، وإنما رواه إسماعيل بن مسلم. وضعّفَ إسماعيل بن مسلم المكيَّ جدّا). وتضعيفه لإسماعيل في هذه الأحاديث مما يبين المقصود بقوله: "حسن"، وأنه يعني غير صحيح وأنه لا يحتج به. ٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة وعلي بن حُجْر، قال قتيبة: حدثنا

стр. 896

شريك، وقال علي بن حُجْر: أخبرنا شريك -المعنى واحد-، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خمُوش، أو خُدوش، أو كُدوح" قيل: يا رسول اللّه، وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب". وفي الباب: عن عبد اللّه بن عمرو. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث) (١). قلت: نقْلُه لكلام شعبة في حكيم قد يفيد أنه لا يرى صحة هذا الخبر، أو يفيد -على الأقل- أن فيه نظرا. ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن عبد اللّه بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليَسَر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبَّلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له، قال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدا، فلم أصبر، فأتيت رسول اللّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيا في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟! " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول اللّه ﷺ طويلا حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قال أبو اليَسَر: فأتيته فقرأها عليَّ رسول الله

стр. 897

ﷺ ، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة". هذا حديث حسن غريب. وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره. وروى شريك، عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواية قيس بن الربيع. وفي الباب: عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك) (١). وقال المصنف في موضع آخر عن قيس بن الربيع: (يضعف في الحديث) (٢). قلت: وهذا التحسين ليس لمتابعة شريك لقيس، وانما هو حكم على رواية قيس بن الربيع. ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن الجُريري، عن أبي نضرة، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه". حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُريري، عن أبي نضرة، عن الطُّفاوي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحوه بمعناه.

стр. 898

وهذا حديث حسن، إلا أن الطُّفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث، ولا نعرف اسمه، وحديث إسماعيل بن إبراهيم أتم وأطول) (١). قلت: الطُّفاوي كما قال الترمذي لا يُعرف إلا في هذا الحديث فيما يظهر، ولا يُدرى سماعه من أبي هريرة. ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض". وفي الباب: عن أبي الدرداء، وثوبان، وفَضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبى ﷺ ، إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا. قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولا يصح إسناده) (٢). قلت: تحسينه لهذا الخبر مما يبين مراده بالحسن، وأنه ليس رواية الثقة الذي خفَّ ضبطه كما هو عند المتأخرين، ولا الذي يتقوى بتعدد أسانيده، وذلك لقوله: (ولا يصح إسناده). ١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة".

стр. 899

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد هو: الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (١). ثم أعاد إخراجه في (التفسير) فقال: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يحدث عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: من الحاج يا رسول اللّه؟ قال: "الشَّعِث التَّفِل"، فقام رجل آخر، فقال: أي الحج أفضل يا رسول اللّه؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ"، فقام رجل آخر فقال: ما السبيل يا رسول اللّه؟ قال: "الزاد والراحلة". هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه) (٢). ١٣ - قال الترمذي: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا عبيد اللّه ابن موسى، قال: حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كعب بن عجرة، قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش، ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض، يا كعب بن عجرة، الصلاة برهان، والصوم جنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة، إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به".

стр. 900

هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدا) (١). قلت: قوله: (استغربه جدا) مما يوهن هذا الإسناد. ١٤ - قال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا صدقة بن موسى، عن فرقد السبخي، عن مُرّة الطيب، عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة خِب ولا بخيل ولا منّان". هذا حديث حسن غريب) (٢). قلت: هذا حديث ضعيف عند أبي عيسى، والدليل على ذلك أنه قد ضعف صدقة بن موسى، وذلك فيما رواه عن موسى بن إسماعيل، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، في فضل الصدقة في رمضان، قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي) (٣). وما رواه عن أبي عمران الجوني، عن أنس: وقت لنا رسول الله ﷺ … الحديث. قال: (صدقة بن موسى ليس عندهم بالحافظ) (٤). فتبيّن من هذا أنه يرى ضعف هذا الخبر.

стр. 901

ويؤكد ذلك، أن في الإسناد أيضا فرقد السبخي، ولعله أضعف من صدقة (١). ويزيد الأمر تأكيدا قوله في الحديث الذي قبله (٢) -وقد رواه أيضا من طريق صدقة، وهو أقوى من حديثنا هذا-: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة). فلم يحسنه، فتبين أن هذا الحديث ضعيف عنده. ١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه ﷺ بعثا- وهم ذو عدد- فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم-يعني ما معه من القرآن-، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: "ما معك يا فلان؟ " قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، فقال: "أمعك سورة البقرة؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فأنت أميرهم"، فقال رجل من أشرافهم: واللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول اللّه ﷺ : "تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكئ على مسك". هذا حديث حسن. وقد روي هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه.

стр. 902

حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه بمعناه، ولم يذكر فيه: عن أبي هريرة) (١). قلت: هذا الخبر بيّن علته المصنف، وأن الراجح فيه الإرسال، وذلك أن الليث من أثبت الناس في المقبري وقد أرسله. وهذا المثال يدخل أيضا فيما ضعّفه بسبب الانقطاع. الثاني: الذي بين ضعفه؛ وذلك ببيان انقطاعه: ١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل ابن إبراهيم، عن ليث، عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدتها فاطمة الكبرى قالت: كان رسول اللّه ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: "رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال: "رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك". وقال علي بن حُجْر: قال إسماعيل بن إبراهيم: فلقيت عبد اللّه بن الحسن بمكة، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به، قال: كان إذا دخل قال: "رب افتح لي باب رحمتك"، وإذا خرج قال: "رب افتح لي باب فضلك". وفي الباب: عن أبي حميد، وأبي أسيد، وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أَشْهُرًا) (٢).

стр. 903

٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الخضر مولى عمر بن عبيد اللّه، عن زرعة بن مسلم بن جَرهد الأسلمي، عن جده جَرهد، قال: مر النبي ﷺ بجَرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، قال: "إن الفخذ عورة". هذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل) (١). ٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع البغدادي، قال: حدثنا إسماعيل ابن علية، قال: حدثنا خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله". وفي الباب: عن أبي هريرة، وأنس بن مالك. هذا حديث حسن، ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة. وقد روى أبو قلابة، عن عبد اللّه بن يزيد -رضيع لعائشة- عن عائشة غير هذا الحديث. وأبو قلابة اسمه: عبد اللّه بن زيد الجرمي. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: ذكر أيوب السختياني أبا قلابة فقال: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب) (٢). ٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي وأبو بكر بندار وغير واحد، قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ غير اسم عاصية، وقال: "أنت جميلة".

стр. 904

هذا حديث حسن غريب. وإنما أسنده يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر. وروى بعضهم هذا عن عبيد اللّه، عن نافع، أن عمر؛ مرسل) (١). ٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد والحسن الحلواني -المعنى واحد-، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري، قال: كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان؛ فرَقا من أن أصيب منها في ليلتي فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول اللّه ﷺ فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللّه لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول اللّه ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت فأتيت رسول اللّه ﷺ فأخبرته خبري، فقال: "أنت بذاك؟ " قلت: أنا بذاك. قال: "أنت بذاك؟ " قلت: أنا بذاك. قال: "أنت بذاك؟ " قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا، فامض فيَّ حكم اللّه، فإني صابر لذلك. قال: "أعتق رقبة"، قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: "فصم شهرين" قلت: يا رسول اللّه، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: "فأطعم ستين مسكينا"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحْشى، ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له

стр. 905

فليدفعها إليك"، قال: "فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك" قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللّه ﷺ السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إلي. هذا حديث حسن. قال محمد: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر، وسلمان بن صخر. وفي الباب: عن خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة أوس بن الصامت) (١). قلت: وقد أقرَّ الترمذيُّ البخاريَّ ولم يتعقبه. وأخرج الترمذي (٢) -قبل ذلك- من طريق عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي، عن النبي ﷺ في المُظاهِر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: "كفارة واحدة". وقال: (هذا حديث حسن غريب). قلت: لم يصححه، لأنه يرى أن هذا الإسناد ليس بمتصل، كما تقدم. وأخرجه (٣) أيضا من طريق علي بن المبارك، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن، أن سلمان بن صخر الأنصاري -أحد بني بياضة- جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلا، فأتى رسول اللّه ﷺ ،

стр. 906

فذكر ذلك له … الحديث. وقال: (هذا حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر البياضي). قلت: حسّنه مع كونه منقطعا؛ لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمعا من سلمان بن صخر كما أشار إلى ذلك البيهقي (١)، بل إن صورة الخبر صورة مرسل؛ لأنهما لم يسنداه عن سلمان. قال أبو الفتح الأزدي: (وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن ثوبان: أن سلمة بن صخر، ولم يتبين سماعهما منه) (٢). وقال البخاري: (سلمة بن صخر، ويقال: سلمان بن صخر، البياضي الأنصاري، له صحبة، ولم يصحَّ حديثه) (٣). قلت: أصل القصة صحيح، فقد جاءت في "الصحيحين" (٤) كما هو معلوم، وأما الرواية بهذا السياق فبها تفاصيل فيها نظر، والإسناد لم يثبت إليها، ولذا قال البخاري: (لم تصحَّ)، وهذا موافق لحكم أبي عيسى -على ما قرره في تعريفه-، وأنا أذهب إلى عدم صحة هذا السياق. ٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد اللّه ابن نمير، قال: حدثنا عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: دخل رجل المسجد ورسول اللّه ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال رسول الله ﷺ : "وعليك، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ" فذكر الحديث بطوله. هذا حديث حسن.

стр. 907

وروى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث يحيى بن سعيد أصح) (١). قلت: إذًا الإسناد الأول منقطع عند أبي عيسى، والثاني هو الأصح؛ لأن فيه: سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا المثال يدخل فيما حسّنه وبيّن علته. ٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه ﷺ بعثا -وهم ذو عدد- فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم -يعني ما معه من القرآن-، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: "ما معك يا فلان؟ " قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، فقال: "أمعك سورة البقرة؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فأنت أميرهم"، فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول اللّه ﷺ : "تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكِئ على مسك". هذا حديث حسن. وقد روي هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه. حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد المقبري،

стр. 908

عن عطاء مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه بمعناه، ولم يذكر فيه: عن أبي هريرة) (١). قلت: لا شك أن الليث بن سعد أوثق بكثير من عبد الحميد بن جعفر، وقد أرسل هذا الحديث، وروايته هي الصحيحة. ٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول اللّه ﷺ : "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " … وذكر قصة طويلة. وفي الباب: عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة. هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. ويروى عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللّه ﷺ ) (٢). ٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه". هذا حديث حسن.

стр. 909

سألت محمد بن إسماعيل، فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ فقال: لا، فقلت له: فممّن سمع من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: سمع من جابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، وذكر غير واحد من أصحاب النبي ﷺ (١). ١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: عقَّ رسول اللّه ﷺ عن الحسن بشاة، وقاد: "يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة"، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم. هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب) (٢). ١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله". هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل، وروي عن خالد بن معدان أنه أدرك سبعين من أصحاب النبي ﷺ ) (٣). ١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو

стр. 910

عوانة، عن عطاء بن السائب، عن أبي البَخْتري، أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد اللّه، ألا ننهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا، وان أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، قال: ورطن إليهم بالفارسية، وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، قالوا: ما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، فقالوا: يا أبا عبد اللّه، ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم، ففتحنا ذلك القصر. وفي الباب: عن بريدة، والنعمان بن مقرن، وابن عمر، وابن عباس. وحديث سلمان حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب. وسمعت محمدا يقول: أبو البَخْتري لم يدرك سلمان؛ لأنه لم يدرك عليا، وسلمان مات قبل علي) (١). قلت: يعني أنه منقطع، ومع ذلك حسنه، فتبين أن التحسين عنده ليس على بابه عند المتأخرين، كما أن هذا الخبر ليس له إلا طريق واحد لقوله: (لا نعرفه إلا من حديث عطاء)، فلا يقال إنه حسّنه لتعدّد طريقه. ١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مرَّ سلمان الفارسي بشُرَحبيل بن

стр. 911

السِّمْط وهو في مرابَطٍ له، وقد شقّ عليه وعلى أصحابه، فقال: ألا أحدثك يا ابن السِّمْط بحديث سمعته من رسول اللّه ﷺ ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل اللّه أفضل، -وربما قال: خير-، من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة". هذا حديث حسن. حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن رافع، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة". هذا حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن رافع. وإسماعيل بن رافع قد ضعفه بعض أصحاب الحديث، وسمعت محمدا يقول: هو ثقة مقارب الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وحديث سلمان إسناده ليس بمتصل؛ محمد بن المنكدر لم يدرك سلمان الفارسي، وقد روي هذا الحديث عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن شُرَحبيل بن السِّمْط، عن سلمان، عن النبي ﷺ نحوه) (١). قلت: ويدخل هذا المثال في الحسن الذي تعددت طرقه. ١٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حُدثت عن أبي صالح، عن

стр. 912

أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر في الدنيا يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وفي الباب: عن ابن عمر، وعقبة بن عامر. هذا حديث حسن، وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكروا فيه: حدثت عن أبي صالح) (١). قلت: وقد ساقه من قبل (٢) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح به، وليس فيه: (حدثت)، ثم ساق بعده طريق عبيد بن أسباط القرشي الذي فيه: (حدثت)، وقال: (كأن هذا أصح) (٣). إذًا هو يرى أن الأصح في هذا الحديث: قول الأعمش: (حدثت عن أبي صالح)، ومع ذلك حكم عليه بأنه حسن، فيكون هذا التحسين تضعيفا. وهذا المثال أيضا يدخل فيما حسّنه وبيّن علته. ورجَّح الترمذي رواية أسباط، مع أنه دون أبي عوانة ومن تابعه؛ لأن فيها زيادة علم؛ ذلك أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من أبي صالح، لذا قدّمها على غيرها، وهذا منهجٌ درج عليه كبار الحفاظ كما هو معلوم. ويؤيد هذا أن الأعمش عُرف عنه التدليس في بعض الأحيان. ١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن

стр. 913

النبي ﷺ . والحجاج، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". هذا حديث حسن غريب. وأبو حازم الذي روى عن أبي هريرة هو الكوفي، واسمه: سلمان، وهو مولى عزة الأشجعية) (١). قلت: هذا الإسناد منقطع، وأعني بذلك ما بين الحَكم ومِقسم. وقد روى الترمذي من طريق الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: بَعث النبي ﷺ عبد اللّه بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، فقال: أتخلّف فأصلي مع رسول اللّه ﷺ ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي ﷺ رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ "، فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم". قال أبو عيسى: (هذا حديث، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدَّها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عدّها شعبة. وكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم) (٢). وبيّن الإمام أحمد هذه الأحاديث التي لم يسمعها الحكم من مقسم؛ فقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث: حديث الوتر؛ أن النبي ﷺ كان يوتر.

стр. 914

وحديث عزيمة الطلاق؛ عن مقسم، عن ابن عباس في عزيمة الطلاق والفي الجماع. وعن مقسم، عن ابن عباس، أن عمر قنت في الفجر هو حديث القنوت. وأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيدا … قلت: فما روى غير هذا؟ قال: اللّه أعلم، يقولون هي كتاب، أرى حجاجا روى عنه، عن مقسم، عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثا. وسمعت أبي مرّةً يقول: قال شعبة: هذه الأربعة التي يصححها الحكم عن مقسم) (١). تبين أن هذا الحديث ليس أحدَ الأحاديث الأربعة أعلاه، لكني أميل إلى أن حديثَي الغدوةِ والرجلِ الذي تأخر في الخروج مع السرية حديثٌ واحد، وقد حكم على اللفظ الثاني بالانقطاع كما تقدم. وقد خرّج أبو عيسى بهذه السلسلة عدة أحاديث، منها: قال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثقل من جمع بليل.

стр. 915

وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، والفضل بن عباس. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقل من جمع بليل، حديث صحيح، روي عنه من غير وجه. وروى شعبة هذا الحديث، عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله من جمع بليل، وهذا حديث خطأ؛ أخطأ فيه مشاش، وزاد فيه: عن الفضل بن عباس. وروى ابن جريج وغيره هذا الحديث، عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يذكروا فيه: عن الفضل بن عباس. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (١). قلت: قال البخاري عن هذا الحديث -بعد أن ساق بعض طرقه، ومنها طريق الحكم عن مقسم-: (وحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب لما وصفنا، ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا؟) (٢). وتصحيح الترمذي لهذا الحديث -فيما يظهر- لأنه جاء من غير وجه، كما نص على ذلك حين قال: (حديث ابن عباس بعثني رسول اللّه ﷺ في ثقل حديث صحيح، روي عنه من غير وجه). ويظهر أيضا أن هذا التصحيح لأصل الحديث، وهو أن رسول الله ﷺ
следующие страницы →