على المسلمين حملة رجل واحد، فولّى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وناداهم ﷺ فلم يرجعوا. وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعبّاس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر والفضل وقثم ابنا العبّاس وجماعة سواهم، والنبيّ ﷺ على بغلته البيضاء دلدل والعباس آخذ بشكائمها وكان جهير الصوت فأمره رسول الله ﷺ أن ينادي بالأنصار وأصحاب الشجرة قيل وبالمهاجرين، فلمّا سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا فصدّهم ازدحام الناس [١] عن أن يثنوا رواحلهم، فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبيّ ﷺ ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون [٢] ، واشتدّت الحرب وحمي الوطيس وقذف الله في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله ﷺ فلم يملكوا أنفسهم، فولّوا منهزمين ولحق آخر الناس وأسرى هوازن مغلولة بين يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم واستحرّ [٣] القتل في بني مالك من ثقيف فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا في جملتهم: ذو الخمار وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحرث بن حبيب سيداهم، وامّا قارب بن الأسود سيد الأحلاف من ثقيف ففرّ بقومه منذ أوّل الأمر وترك رايته فلم يقتل منهم أحد، ولحق بعضهم بنخلة. وهرب مالك بن عوف النصري مع جماعة من قومه فدخلوا الطائف مع ثقيف، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس [٤] واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من نخلة فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه، يقال قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس. وبعث ﷺ إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فقاتلهم، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة فأخذ أبو موسى الراية وشدّ على قاتل عمه فقتله. وانهزم المشركون واستحرّ [٥] القتل في بني رباب من بني نصر بن معاوية، وانفضت جموع أهل هوازن كلها. واستشهد
стр. 1262
من المسلمين يوم الخميس أربعة منهم أيمن بن أم أيمن أخو أسامة لأمه [١] ، ويزيد بن زمعة بن الأسود، وسراقة بن الحرث من بني العجلان، وأبو عامر الأشعري.
حصار الطائف وغزوة تبوك
ثم أمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فحبست بالجعرانة بنظر مسعود ابن عمرو الغفاريّ، وسار من فوره إلى الطائف فحاصر بها ثقيف خمس عشرة ليلة، وقاتلوا من وراء الحصون، وأسلم من كان حولهم من الناس وجاءت وفودهم إليه.
وقد كان مرّ في طريقه بحصن مالك بن عوف النصري [٢] فأمر بهدمه، ونزل على أطم لبعض ثقيف فتمنع فيه صاحبه فأمر بهدمه فأخرب وتحصنت ثقيف. وقد كان عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة من ساداتهم ذهبا إلى جرش يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات للحصار لمّا أحسوا من قصد رسول الله ﷺ إياهم فلم يشهدا الحصار ولا حنينا قبله، وحاصرهم المسلمون بضع عشرة أو بضعا وعشرين ليلة واستشهد بعضهم بالنبل ورماهم ﷺ بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا إلى سور الطائف فصبوا عليهم سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا منهم قوما، وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم [٣] ، ورغب إليه ابن الأسود بن مسعود في ماله وكان بعيدا من الطائف وكفّ عنه، ثم دخل إلى الطائف وتركهم ونزل أبو بكرة فأسلم.
واستشهد من المسلمين في حصاره: سعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة أخو أمّ سلمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي في آخرين قريبا من اثني عشر فيهم أربعة من الأنصار.
ثم انصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين، فخيّرهم بين العيال والأبناء والأموال فاختاروا العيال والأبناء، وكلموا المسلمين في ذلك بأمر رسول الله ﷺ فقال ﷺ ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون والأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله
стр. 1263
صلى الله عليه وسلم. وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أن يراد عليهم ما وقع لهما من الفي وساعدهم قومهم [١] ، وامتنع العبّاس بن مرداس كذلك. وخالف بنو سليم وقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فعوّض رسول الله ﷺ من لم تطب نفسه عن نصيبه. وردّ عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم.
وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بنى ذكر وأنثى فيهنّ الشيما أخت النبيّ صل يا لله عليه وسلم من الرضاعة وهي بنت الحرث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر من هوازن، وأكرمها رسول الله ﷺ وأحسن إليها وخيّرها فاختارت قومها فردّها اليهم. وقسم الأموال بين المسلمين، ثم أعطى من نصيبه من خمس الخمس قوما يستألفهم على الإسلام من قريش وغيرهم، فمنهم من أعطاه مائة مائة، ومنهم خمسين خمسين، ومنهم ما بين ذلك، ويسمّون المؤلفة وهم مذكورون في كتب السير يقاربون الأربعين، منهم أبو سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية ومالك بن عوف وغيرهم، ومنهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر والأقرع بن حابس وهما من أصحاب المائة، وأعطى عبّاس بن مرداس دونهما، فأنشده أبياته المعروفة يتسخط فيها، فقال اقطعوا عني لسانه فأتموا إليه المائة.
ولمّا أعطى المؤلفة قلوبهم وجد الأنصار في أنفسهم إذ لم يعطهم مثل ذلك وتكلّم شبانهم مع ما كانوا يظنون أنه إذا فتح الله عليه بلده يرجع إلى قومه ويتركهم، فجمعهم ووعظهم وذكّرهم وقال: «إنما أعطي قوما حديثي عهد بالإسلام أتألفهم عليه، أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الأنصار شعبا وسلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار» فرضوا وافترقوا.
ثم اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة الى مكة، ثم رجع الى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة من السنة الثامنة لشهرين ونصف من خروجه، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد شابا ينيف عمره على عشرين، وكان غلبه الورع والزهد فأقام الحج بالمسلمين في سنته وهو أوّل أمير أقام حجّ الإسلام المشركون على مشاعرهم. وخلف بمكة معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن،
стр. 1264
وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي [١] من الأزد بعمان مصدقا فأطاعوا له بذلك. واستعمل ﷺ مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن سلم منهم وماله حوالي الطائف من ثقيف، وأمره بمغادرة الطائف من التضييق عليهم ففعل حتى جاءوا مسلمين كما يذكر بعد. وحسن إسلام المؤلفة قلوبهم ممن أسلم يوم الفتح أو بعده وإن كانوا متفاوتين في ذلك. ووفد على النبي ﷺ كعب بن زهير فأهدر دمه وضاقت به الأرض، وجاء فأسلم وأنشد النبي ﷺ قصيدته المعروفة بمدحه التي أوّلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
إلخ. وأعطاه بردة في ثواب مدحه فاشتراها معاوية من ورثته بعد موته وصار الخلفاء يتوارثونها شعارا.
ووفد في سنة تسع على رسول الله ﷺ بالمدينة بنو أسد فأسلموا وكان منهم ضرار بن الأزور، وقالوا: قدمنا يا رسول الله قبل أن يرسل إلينا فنزلت «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ٤٩: ١٧» (الآية) . ووفد فيها وفدتين في شهر ربيع الأول ونزلوا على رويفع بن ثابت البلوي. وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد منصرفه من الطائف في ذي الحجة إلى شهر رجب من السنة التاسعة.
ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم: «وكان في غزواته كثيرا ما يوري بغير الجهة التي يقصدها على طريقة الحرب إلا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدّة الحرب، وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلّة الظلال وكثرة العدو الذين يصدّون. وتجهز الناس على ما في أنفسهم من استثقال ذلك، وطفق المنافقون يثبطونهم عن الغزو، وكان نفر منهم يجتمعون في بيت بعض اليهود، فأمر طلحة بن عبيد الله أن يخرّب عليهم البيت فخرّبها [٢] . واستأذن ابن قيس من بني سلمة في القعود فأذن له وأعرض عنه، وتدرّب كثير من المسلمين بالإنفاق والحملان وكان من أعظمهم في ذلك عثمان بن عفّان يقال إنه أنفق فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس وجهز ركابا.
وجاء بعض المسلمين يستحمل رسول الله ﷺ فلم يجد ما يحملهم عليه فنزلوا باكين لذلك، وحمل بعضهم يامين بن عمير النضري وهما أبو ليلى بن كعب من بني مازن بن النجّار وعبد الله بن المغفل المزني. واعتذر المخلفون من الأعراب
стр. 1265
فعذرهم رسول الله ﷺ .
ثم نهض وخلّف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل بل سبّاع بن عرفطة وقيل بل عليّ ابن أبي طالب، وخرج معه عبد الله بن أبي بن سلول في عدد وعدّة، فلما سار ﷺ تخلّف هو فيمن تخلّف من المنافقين. ومرّ ﷺ على ديار ثمود فأمر أن لا يستعمل ماؤها ويعلف ما عجن منه للإبل، وأذن لهم في بئر الناقة، وأمر أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلّا باكين، ونهى أنّ يخرج أحد منفردا عن صاحبه، فخرج رجلان من بني ساعدة خنق [١] أحدهما فمسح عليه فشفي، والآخر رمته الريح في جبل طي فردّوه بعد ذلك إلي النبيّ ﷺ . وضلّ ﷺ ناقته في بعض الطريق، فقال أحد المنافقين محمد يدّعي علم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: والله لا أعلم إلّا ما علّمني الله وأن الناقة بموضع كذا. وكان قد أوحى إليه بها فوجدوها ثم، وكان قائل هذا القول زيد بن اللصيت من بني قينقاع وقيل إنه تاب بعد ذلك. وفضح الوحي قوما من المنافقين كانوا يخذلون الناس ويهوّلون عليهم أمر الروم، فتاب منهم مخشى بن جهير [٢] ودعا أن يكفر عنه بشهادة يخفي مكانه فقتل يوم اليمامة.
ولمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحينة بن رؤبة صاحب أيلة وأهل جرباء وأذرح فصالحوا على الجزية وكتب لكل كتابا. وبعث ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك [٣] صاحب دومة الجندل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وأخبر أنه يجده يصيد البقر، واتفق أن بقر الوحوش باتت تهدّ القصر بقرونها فنشط أكيدر لصيدها وخرج ليلا، فوافق وصوله خالدا، فأخذه وبعث به إلى رسول الله ﷺ فعفا عنه وصالحه على الجزية وردّه.
وأقام بتبوك عشرين ليلة، ثم انصرف، وكان في طريقه ماء قليل نهى أن يسبق إليه أحد، فسبق رجلان واستنفدا ما فيه فنكر عليهما ذلك، ثم وضع يده تحت وشله فصب ما شاء الله أن يصب ونضح به الوشل [٤] ودعا فجاش الماء حتى كفى العسكر.
стр. 1266
ولما قرب المدينة بساعة من نهار أنفذ مالك بن الدخشم من بني سالم ومعن بن عدي من بني العجلان إلى مسجد الضرار، فأحرقاه وهدماه، وقد كان جماعة من المنافقين بنوه وأتوا إلى النبيّ ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فسألوه الصلاة فيه، فقال: أنا على سفر ولو قدمنا أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلمّا رجع أمر بهدمه. وفي هذه الغزاة تخلف كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية بن واقف وكانوا صالحين، فنهى ﷺ عن كلامهم خمسين يوما، ثم نزلت توبتهم، وكان المتخلفون من غير عذر نيفا وثلاثين رجلا. وكان وصوله ﷺ من تبوك في رمضان سنة تسع، وفيه كانت وفادة ثقيف وإسلامهم، ونزل الكثير من سورة براءة في شأن المنافقين وما قالوه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها ﷺ .
إسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات
كان ﷺ لما أفرج عن الطائف وارتحل المدينة اتبعه عروة بن مسعود سيدهم، فأدركه في طريقه وأسلم ورجع يدعو قومه، فرمي بسهم في سطح بيته وهو يؤذن للصلاة فمات، ومنع قومه من الطلب بدمه وقال: هي شهادة ساقها الله إليّ وأوصى أن يدفن مع شهداء المسلمين. ثم قدم ابنه أبو المليح وقارب بن الأسود بن مسعود فأسلما، وضيق مالك بن عوف على ثقيف واستباح سرحهم وقطع سابلتهم.
وبلغهم رجوع النبيّ ﷺ من تبوك وعلموا أنّ لا طاقة لهم بحرب العرب المسلمين، وفزعوا إلى عبد ياليل بن عمرو بن عمير، فشرط عليهم أن يبعثوا معه رجالا منهم ليحضروا مشهدة خشية على نفسه مما نزل بعروة، فبعثوا معه رجلين من أحلاف قومه وثلاثا من بني مالك، فخرج بهم عبد يا ليل وقدموا على رسول الله ﷺ في رمضان من السنة التاسعة يريدون البيعة والإسلام فضرب لهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي في أمرهم وهو الّذي كتب كتابهم بخطه، وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد، وسألوه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين رغبا لنسائهم وأبنائهم حتى يأنسوا فأبى، وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال: لا خير في دين لا صلاة فيه، فسألوه أن لا يكسروا أوثانهم
стр. 1267
بأيديهم فقال: أمّا هذه فسنكفيكم منها. فأسلموا وكتب لهم وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص أصغرهم سنا لأنه كان حريصا على الفقه وتعلم القرآن. ثم رجعوا إلى بلادهم، وخرج معه أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات، وتأخر أبو سفيان حتى دخل المغيرة فتناولها بيده ليهدمها، وقام بنو معتب [١] دونه خشية عليه.
ثم جاء أبو سفيان وجمع ما كان لها من الحليّ وقضى منه دين عروة والأسود ابني مسعود كما أمر النبيّ ﷺ وقسّم الباقي.
الوفود
ولما فرغ رسول الله ﷺ من تبوك وأسلمت ثقيف ضربت إليه وفود العرب من كل وجه حتى لقد سميت سنة الوفود. قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر النبيّ ﷺ ، وذلك أنّ قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل وقادتهم لا ينكرون لهم، وكانت قريش هي التي نصبت لحربه وخلافه. فلمّا استفتحت مكة ودانت قريش ودخلها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربة وعداوته، فدخلوا في دينه أفواجا يضربون إليه من كل وجه انتهى.
فأوّل من قدم إليه بعد تبوك وفد بني تميم وفيه من رءوسهم: عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس من بني دارم بن مالك، والحتات بن زيد [٢] ، والأقرع بن حابس، والزّبرقان بن بدر من بني سعد، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم وهما من بني منقر، ونعيم بن زيد ومعهم عيينة بن حصن الفزاريّ. وقد كان الأقرع وعيينة شهدا فتح مكة وخيبر وحصار الطائف، ثم جاءا مع وفد بني تميم، فلمّا دخلوا المسجد نادوا من وراء الحجرات فنزلت الآيات في إنكار ذلك عليهم. ولمّا خرج قالوا جئنا نفاخرك بخطيبنا وشاعرنا فأذن لهم، فخطب عطار وفاخر ويقال والأقرع بن حابس، ثم أنشد الزبرقان بن بدر شعرا بالمفاخرة، ودعا رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن الشماس من بني الحرث بن الخزرج فخطب وحسّان بن ثابت فأنشد مساجلين لهم، فأذعنوا للخطبة والشعر والسؤدد والحلم، وقالوا: هذا
стр. 1268
الرجل هو مؤيد من الله أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا. ثم أسلموا وأحسن رسول الله ﷺ وسلم جوائزهم. وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزّهم إذا رحلوا.
ثم قدم على رسول الله ﷺ في آخر رمضان مقدمه من تبوك كتاب ملوك حمير مع رسولهم ومع الحرث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر. وبعث زرعة بن ذي يزن رسوله مالك بن مرّة الرهاويّ بإسلامهم ومفارقة الشرك، وأهله وكتب إليهم النبي ﷺ كتابه.
وبعث إلى ذي يزن معاذ بن جبل مع رسوله مالك بن مرّة يجمع الصدقات، وأوصاهم برسله معاذ وأصحابه. ثم مات عبد الله بن أبي بن سلول في ذي القعدة، ونعى رسول الله ﷺ النجاشيّ وأنه مات في رجب قبل تبوك.
وقدم وفد بهرا في ثلاثة عشر رجلا ونزلوا على المقداد بن عمرو وجاء بهم فأسلموا وأجازهم وانصرفوا، وقدم وفد بني البكاء ثلاثة نفر منهم. وقدم وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن وابن أخيه الحرّ بن قيس فأسلموا.
ووفد عديّ بن حاتم من طي فأسلم وكان رسول الله ﷺ قد بعث قبل تبوك إلى بلاد طي عليّ بن أبي طالب في سريّة فأغار عليهم، وأصيب حاتم وسبيت ابنته وغنم سيفين في بيت أصنامهم كانتا من قربان الحرب بن أبي شمّر، وكان عديّ قد هرب قبل ذلك ولحق ببلاد قضاعة بالشام فرارا من جيوش المسلمين وجوارا لأهل دينه من النصارى وأقام بينهم، ولما سيقت ابنة حاتم جعلت في الحظيرة بباب المسجد التي كانت السبايا تحبس بها، ومرّ بها رسول الله ﷺ فكلمته أن يمنّ عليها، فقال: قد فعلت ولا تعجلي حتى تجدي ذائقة من قومك يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني، قالت: فأقمت حتى قدم ركب من بني قضاعة وأنا أريد أن آتي أخي بالشام فعرّفت رسول الله ﷺ فكساني وحلني وزوّرني وخرجت معهم فقدمت الشام فلما لقيها عديّ تلاوما ساعة ثم قال لها ماذا ترين في أمري مع هذا الرجال؟
فأشارت عليه باللحاق به فوفد، وأكرمه رسول الله ﷺ وأدخله إلى بيته وأجلسه على وسادته، بعد أن استوقفته في طريقه امرأة فوقف لها، فعلم عديّ أنه ليس بملك وأنه نبي، ثم أخبره عن أخذه المرباع من قومه ولا يحلّ له فازداد
стр. 1269
استبصارا [١] فيه، ثم قال: لعلّه إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فيوشك ان يفيض المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، أو لعله يمنعك ما ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم فو الله ليوشكنّ تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، أو لعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان لغيرهم فيوشك أن تسمع بالقصور البيض من بابل قد فتحت.
فأسلم عديّ وانصرف إلى قومه.
ثم أنزل الله على نبيّه الأربعين آية من أوّل براءة في نبذ هذا العهد الّذي بينه وبين المشركين أن لا يصدوا عن البيت، ونهوا أن يقرب المسجد الحرام مشرك بعد ذلك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان [٢] بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فيتم له إلى مدّته، وأجلّهم أربعة أشهر من يوم النحر. فبعث رسول الله ﷺ بهذه الآيات أبا بكر وأمّره على إقامة الحج بالموسم من هذه السنة، فبلغ ذا الحليفة فأتبعه بعليّ فأخذها منه، فرجع أبو بكر مشفقا أن يكون نزل فيه قرآن، فقال له النبيّ ﷺ : لم ينزل شيء ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني. فسار ابو بكر على الحج وعليّ على الأذان ببراءة، فحج أبو بكر بالناس وهم على حجّ الجاهلية، وقام عليّ عند العقبة يوم الأضحى فأذّن بالآية التي جاء بها.
قال الطبريّ وفي هذه السنة فرضت الصدقات لقوله تعالى خُذْ من أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ٩: ١٠٣ الآية. وفيها قدم وفد ثعلبة بن سعد [٣] ووفد سعد هذيم من قضاعة. قال الطبريّ: وفيها بعث بنو سعد بن بكر ضمّام [٤] بن ثعلبة وافدا فاستحلف رسول الله ﷺ على ما جاء به من الإسلام، وذكر التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج واحدة واحدة حتى إذا فرغ تشهّد وأسلم، وقال:
لاؤديّ هذه الفرائض وأجتنب ما نهيت عنه ثم لا أزيد عليها ولا انقص، فلما انصرف قال ﷺ : إن صدق دخل الجنة، ثم قدم على قومه فأسلموا كلهم يوم قدومه. والّذي عليه الجمهور: أنّ قدوم ضمّام وقصّته كانت سنة خمس.
стр. 1270
ثم دخلت سنة عشر فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سريّة اربعمائة إلى نجران وما حولها يدعو بني الحرث بن كعب إلى الإسلام ويقاتلهم إن لم يفعلوا، فأسلموا وأجابوا داعية، وبعث الرسل [١] في كل وجه فأسلم الناس فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم، فأقبل خالد ومعه وفد بني الحرث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو القصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل [٢] وعبد الله بن قراد [٣] الزيادي وشدّاد بن عبد الله الضبابي وعمرو بن عبد الله الضبابي، فأكرمهم النبيّ ﷺ وقال لهم: بم كنتم تغلبون من يقاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ [٤] أحدا بظلم. قال: صدقتم، فأسلموا وأمّر عليهم قيس بن الحصين، ورجعوا صدر ذي القعدة من سنة عشر، ثم أتبعهم عمرو بن حزم [٥] من بني النّجار ليفقّههم في الدين ويعلمهم السنة، وكتب إليه كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره بأمره، وأقام عاملاه على نجران. وهذا الكتاب وقع في السير مرويا وأعتمده الفقهاء في الاستدلالات وفيه مآخذ كثيرة للأحكام الفقهية ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب [٦] من الله ورسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ٥: ١، عهدا من محمد النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن آمره بتقوى الله في أمره كله فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وآمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلّم الناس القرآن ويفهمهم [٧] فيه، وأن ينهي الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، وان يخبر الناس بالذي لهم والّذي عليهم، ويلين للناس في الحق ويشتدّ عليهم في الظلم فإنّ الله حرّم [٨] الظلم ونهى عنه فقال: أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ١١: ١٨، وأن يبشر الناس بالجنة
стр. 1271
وبعملها وينذر الناس بالنار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسننه وفرائضه وما أمر الله به والحجّ الأكبر والحج الأصغر وهو العمرة، وينهي الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهي أن يجتبي أحد في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء، وينهي أن يقصّ أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهي إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعا القبائل والعشائر فليعطفوه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا برءوسهم كما أمرهم الله، وآمره بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا يؤخر حتى تبدوا نجوم السماء والعشاء أوّل الليل، وآمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها والغسل عند الرواح إليها، وآمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتب على المؤمنين [١] في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين أو سقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل عشرين أربع شياة وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنّها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له، وانه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يردّ عنها وعليه الجزية، على كل حالم [٢] ذكرا وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا. فمن أدّى ذلك فإنّ له ذمّة الله وذمّة رسوله. ومن منع ذلك فإنه عدوّ للَّه ولرسوله وللمؤمنين جميعا صلوات الله عليه محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته» . وقدم وفد غسان في رمضان من هذه السنة العاشرة في ثلاثة نفر فأسلموا وانصرفوا إلى قومهم فلم يجيبوا إلى الإسلام فكتموا أمرهم وهلك اثنان منهم ولقي الثالث أبو عبيدة
стр. 1272
عامر باليرموك [١] فأخبره بإسلامه. وقدم عليه وفد عامر عشرة نفر فأسلموا وتعلّموا شرائع الإسلام وأقرأهم أبيّ [٢] القرآن وانصرفوا. وقدم في شوّال وفد سلامان سبعة نفر رئيسهم حبيب فأسلموا وتعلّموا الفرائض [٣] وانصرفوا.
وفيما قدم وفد أزدجرش وفد فيهم صرد بن عبد الله الأزدي في عشرة من قومه، ونزلوا على فروة بن عمرو، وأمّر النبيّ ﷺ بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم، وأن يجاهد المشركين حوله. فحاصر جرش ومن بها من خثعم وقبائل اليمن، وكانت مدينة حصينة اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين، فحاصرهم شهرا، ثم قفل عنهم فظنوا أنه انهزم فاتبعوه إلى جبل شكر، فصف وحمل عليهم ونال منهم، وكانوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ رائدين وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر وقال: إنّ بدن الله لتنحر عنده الآن فرجعا إلى قومهما وأخبراهم بذلك وأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم.
وفيها كان إسلام همدان ووفادتهم على يد عليّ ﵁، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فمكث ستة أشهر لا يجيبونه، فبعث ﵇ علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا، فلما بلغ عليّ أوائل اليمن جمعوا له فلما لقوة صفّوا فقدّم عليّ الإنذار وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان كلها في ذلك اليوم، وكتب بذلك إلى النبيّ ﷺ فسجد للَّه شكرا، ثم قال: السلام على همدان ثلاث مرّات. ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام وقدمت وفودهم، وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي قال لقيس بن مكشوح [٤] المرادي: اذهب بنا إلى هذا الرجل فلن يخفى علينا أمره فأبى قيس من ذلك، فقدم عمرو على النبيّ ﷺ فأسلم، وكان فروة بن مسيك المراديّ على زبيد لأنه وفد قبل عمرو مفارقا لملوك كندة فأسلم ونزل سعد بن عبادة وتعلم القرآن وفرائض الإسلام واستعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلّها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى كانت الوفاة.
стр. 1273
وفي هذه السنة قدم وفد عبد القيس يقدمهم الجارود بن عمرو وكانوا على دين النصرانية، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم. ولما كانت الوفاة وارتدّ عبد القيس ونصبوا المنذر بن النعمان بن المنذر الّذي يسمّى الغرور ثبت الجارود على الإسلام، وكان له المقام المحمود وهلك قبل أن يراجعوا. وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرميّ قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوي العبديّ [١] فأسلم وحسن إسلامه، وهلك بعد الوفاة وقبل ردّة أهل البحرين والعلاء أمير عنده لرسول الله ﷺ على البحرين.
وفي هذه السنة قدم وفد بني حنيفة في سنة عشر فيهم: مسيلمة بن حبيب الكذاب، ورجّال بن عنفوة، وطلق بن عليّ بن قيس، وعليهم سلمان بن حنظلة، فأسلموا وأقاموا أياما يتعلمون القرآن من أبيّ بن كعب، ورجّال يتعلم، وطلق يؤذن لهم، ومسيلمة في الرحال، وذكروا للنبيّ ﷺ مكانه في رحالهم فأجازه، وقال: ليس بشرّكم مكانا لحفظه رحالكم، فقال مسيلمة عرف أن الأمر لي من بعده. ثم ادّعى مسيلمة بعد ذلك النبوّة، وشهد له طلق أن رسول الله ﷺ أشركه في الأمر فافتتن الناس به كما سنذكره.
وفيها قدم وفد كندة يقدمهم الأشعث بن قيس في بضعة عشر وقيل في ستين وقيل في ثمانين، وعليهم الديباج والحرير، وأسلموا ونهاهم النبيّ ﷺ عنه فتركوه. وقال له أشعث نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فضحك وقال:
ناسبوا بهذا النسب العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحرث وكانا تاجرين فإذا ساحا في أرض العرب قال نحن بنو آكل المرار فيعتز بذلك لأنّ لهم عليه ولادة من الأمهات، ثم قال لهم لا نحن بنو النضر بن كنانة فانتفوا منا ولا ننتفي من أبينا [٢] .
وقدم مع وفد كنانة [٣] وفد حضرموت وهم بنو وليعة، وملوكهم جمد ومخوس ومشرح وأبضعة [٤] ، فأسلموا ودعا لمخوس بإزالة الرتّة من لسانه. (وقدم وائل بن حجر) راغبا في الإسلام فدعا له ومسح رأسه، ونودي الصلاة جامعة سرورا بقدومه، وأمر
стр. 1274
معاوية أن ينزله بالحرّة، فمشى معه وكان راكبا فقال له معاوية أعطني نعلك أتوقى بها الرمضاء، فقال ما كنت لألبسها وقد لبستها. وفي رواية لا يبلغ أهل اليمن أنّ سوقة لبس نعل ملك فقال: أردفني قال لست من أرداف الملوك، ثم قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت قدمي قال امش في ظل ناقتي كفاك به شرفا. ويقال إنه وفد على معاوية في خلافته فأكرمه وكتب له رسول الله ﷺ كتابا «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب محمد النبيّ لوائل بن حجر قيل حضرموت إنك إن أسلمت لك ما في يديك من الأرض والحصون ويؤخذ منك من كل عشر واحدة ينظر في ذلك ذو عدل وجعلت لك الّا تظلم فيها معلّم [١] الدين. والنبيّ ﷺ والمؤمنون أشهاد عليه [٢] » . قال عياض (وفيه) إلى الأقيال العباهلة والأوراع المشابيب [٣] .
(وفيه) في التيعة [٤] شاة لا مقوّرة لالياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة وفي السيوب الخمس ومن زنى من بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى من ثيّب فضرجوه بالاضاميم [٥] ، ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله وكل مسكر حرام ووائل بن حجر يترفّل على الأقيال.
وفيها قدم وفد محارب في عشرة نفر فأسلموا. وفيها قدم وفد الرها من مذحج في خمسة عشر نفرا وأهدوا فرسا، فأسلموا وتعلموا القرآن وانصرفوا، ثم قدم نفر منهم وحجّوا مع رسول الله ﷺ ، وتوفي فأوصى لهم بمائة وسق من خيبر جارية عليهم من الكتيبة وباعوها من معاوية.
وفيها قدم وفد نجران النصارى في سبعين [٦] راكبا يقدمهم أميرهم العاقب عبد المسيح من كندة، وأسقفهم أبو حارثة من بكر بن وائل، والسيّد الأيهم وجادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة آل عمران وآية المباهلة فأبوا منها وفرقوا وسألوا الصلح، وكتب لهم به على ألف حلّة في صفر وألف في رجب وعلى دروع ورماح وخيل وحمل
стр. 1275
ثلاثين من كل صنف، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح، ثم جاء العاقب والسيّد وأسلما.
وفيها قدم وفد الصدف من حضرموت في بضعة عشر نفرا فأسلموا، وعلمهم أوقات الصلاة وذلك في حجة الوداع. وفي هذه السنة قدم وفد عبس، قال ابن الكلبي:
وفد منهم رجل واحد فأسلم ورجع ومات في طريقه. وقال الطبريّ: وفيها وفد عديّ ابن حاتم في شعبان انتهى.
وفيها قدم وفد خولان عشرة نفر فأسلموا وهدموا صنمهم، وكان وفد على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبيّة قبل خيبر رفاعة بن زيد الضبيبيّ من جذام وأهدى غلاما فأسلم، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، ولم يلبث أن قفل دحية بن خليفة الكلبيّ منصرفا من عند هرقل حين بعثه النبي ﷺ ومعه تجارة، فأغار عليه الهنيد بن عوض [١] وقومه بنو الضليع من بطون جذام فأصابوا كل شيء معه، وبلغ ذلك مسلمين من بني الضبيب فاستنقذوا ما أخذه الهنيد وابنه وردّوه على دحية، وقدم دحية على النبيّ ﷺ ومعه فأخبره الخبر، فبعث النبيّ ﷺ زيد بن حارثة في جيش من المسلمين فأغار عليهم بالقضقاض من حرة الرمل [٢] ، وقتلوا الهنيد وابنه في جماعة وكان معهم ناس من بني الضبيب فاستباحوهم معهم وقتلوهم، فركب رفاعة بن زيد ومعه أبو زيد بن عمرو من قومه في جماعة منهم فقدموا على النبيّ ﷺ وأخبروه الخبر، فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقالوا: يا رسول الله أطلق لنا من كان حيّا، فبعث معهم علي بن أبي طالب وحمله على جمل وأعطاه سيفه فلحقه بفيفاء الفحلتين وأمره برد أموالهم فردّها.
وفي هذه السنة قدم وفد عامر بن صعصعة فيهم: عامر بن الطفيل بن مالك، وأربد ابن ربيعة بن مالك، فقال له عامر: يا محمد اجعل لي الأمر بعدك، قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، قال: اجعل لي الوبر ولك المدر، قال: لا ولكن أجعل لك أعنة الخيل فإنك امرؤ فارس، فقال: لأملأنها عليك خيلا ورجلا ثم ولوا.
فقال: اللَّهمّ اكفنيهم اللَّهمّ أهد عامر أو أغن الإسلام عن عامر. وذكر ابن إسحاق
стр. 1276
والطبريّ: أنهما أرادا الغدر برسول الله ﷺ فلم يقدروا عليه في قصة ذكرها أهل الصحيح، ثم رجعوا إلى بلادهم فأخذه الطاعون في عنقه فمات في طريقه في أحياء بني سلول وأصابت أخاه أربد صاعقة بعد ذلك. ثم قدم علقمة بن علاثة بن عوف وعوف [١] بن خالد بن ربيعة وابنه فأسلموا.
وفيها قدم وفد طيِّئ في خمسة عشرة نفرا يقدمهم سيدهم زيد الخيل وقبيصة بن الأسود من بني نبهان فأسلموا، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير وأقطع له بئرا وأرضين معها وكتب له بذلك ومات في مرجعه.
وفي هذه السنة ادعى مسيلمة النبوّة وأنه أشرك مع رسول الله ﷺ في الأمر، وكتب إليه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك فإنّي قد أشركت في الأمر معك وأن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريش قوم لا يعدلون، وكتب إليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتّبع الهدى أما بعد فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» . قال الطبريّ: وقد قيل إنّ ذلك كان بعد منصرف النبيّ ﷺ من حجة الوداع كما نذكر.
حجة الوداع
ثم خرج النبي ﷺ إلى حجة الوداع في خمس ليال بقين من ذي العقدة ومعه من أشراف الناس ومائة من الإبل عريا [٢] ، ودخل مكة يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، ولقيه عليّ بن أبي طالب بصدقات نجران فحجّ معه، وعلم ﷺ الناس بمناسكهم واسترحمهم وخطب الناس بعرفة خطبته التي بين فيها ما بين، حمد الله واثنى عليه ثم قال: «أيها الناس اسمعوا قولي فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا! أيها الناس إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغت فمن كان عنده أمانة فليؤدّها إلى
стр. 1277
من ائتمنه عليها وإن كان ربا فهو موضوع ولكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا إن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله وأن كل دم في الجاهلية موضوع كلّه وأن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وكان مسترضعا في بني ليث، فقتله بنو هذيل فهو أول ما أبدأ من دم الجاهلية. أيها الناس إنّ الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم. إنما النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرّمونه إلى فيحلوا ما حرّم الله إلا وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد الّذي بين جمادى وشعبان أمّا بعد أيها الناس فإنّ لكم على نسائكم حقا ولهنّ عليكم حقا لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهنّ أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهنّ ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنّهنّ عندكم عوان [١] لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي فإنّي قد بلغت قولي وتركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه أيها الناس اسمعوا قولي واعلموا إن كل مسلم أخو المسلم وإن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه إياه عن طيب نفس فلا تظلموا أنفسكم ألا هل بلغت [٢] .
فذكر أنهم قالوا: اللَّهمّ نعم. فقال رسول الله ﷺ : اللَّهمّ اشهد. وكانت هذه الحجّة تسمى حجّة البلاغ وحجة الوداع لأنه لم يحج بعدها وكان قد حج قبل ذلك حجتين واعتمر مع حجة الوداع عمرة فتلك ثلاث ثم انصرف إلى المدينة في بقية ذي الحجة من العاشرة [٣] .
стр. 1278
العمال على النواحي
كان رسول الله ﷺ حين أسلم باذان عامل كسرى على اليمن وأسلمت اليمن أمره على جميع مخاليفها ولم يشرك معه فيها أحدا حتى مات، وبلغه موته وهو منصرف من حجّة الوداع فقسم عمله على جماعة من أصحابه، فولّى على صنعاء ابنه شهر [١] بن باذان، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجنديعلي بن أمية، وعلى همدان عامر بن شهر الهمدانيّ، وعلى عك والأشعر بين الطاهر بن أبي هالة [٢] وعلى ما بين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزم [٣] ، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد [٤] البياضي، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور [٥] بن أصفر الغوثي، وعلى معاوية بن كندة عبد الله المهاجر
стр. 1279
بن أبي أمية واشتكى المهاجر فلم يذهب فكان زياد بن لبيد يقوم على عمله، وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل اليمن وحضرموت، وكان قبل ذلك قد بعث على الصدقات عدي بن حاتم على صدقة طيِّئ وأسد، ومالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وقسم صدقة بني سعد بين رجلين منهم، وبعث العلاء بن الحضرميّ على البحرين وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ويقدم عليه بها فوافاه من حجة الوداع كما مرّ.
خبر العنسيّ
كان الأسود العنسيّ واسمه عبهلة بن كعب ولقبه ذو الخمار، وكان كاهنا مشعوذا يفعل الأعاجيب ويخلب بحلاوة منطقه، وكانت داره كهف حنار [١] بها ولد، ونشأ وادّعى النّبوّة وكاتب مذحجا عامّة فأجابوه ووعدوه [٢] ، نجران فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم [٣] وخالد بن سعيد بن العاص وأقاموه في عملها، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد فأجلوه، وسار الأسود في سبعمائة فارس إلى شهر بن باذان بصنعاء فلقيه شهر بن باذان فهزمه الأسود فقتله، وغلب على ما بين صنعاء وحضرموت إلى أعمال الطائف إلى البحرين من قبل عدن، وجعل يطير استطارة الحريق وعامله المسلمون بالتقية، وارتدّ كثير من أهل اليمن. وكان عمرو بن معديكرب مع خالد بن سعيد بن العاص، فخالفه واستجاب للأسود، فسار إليه خالد ولقيه فاختلفا ضربتين فقطع خالد سيفه الصمصامة وأخذها، ونزل عمرو عن فرسه وفتك في الخيل ولحق عمرو بن الأسود فولاه على مذحج وكان أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث المرادي، وأمر الأبناء إلى فيروز ودادويه وتزوج امرأة شهر بن باذان واستفحل أمره.
وخرج معاذ بن جبل هاربا ومرّ بأبي موسى في مأرب فخرج معه ولحقا بحضرموت، ونزل معاذ في السكون وأبو موسى في السكاسك، ولحق عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بالمدينة. وأقام الطاهر بن أبي هالة ببلاد عكّ حيال [٤] صنعاء، فلما ملك
стр. 1280
الأسود اليمن واستفحل استخف بقيس بن عبد يغوث وبفيروز ودادويه، وكانت ابنة عم فيروز هي زوجة شهر بن باذان التي تزوجها الأسود بعد مقتله واسمها أزاد. وبلغ الخبر إلى النبي ﷺ فكتب مع وبر بن يحنس [١] إلى الأبناء وأبي موسى ومعاذ الطاهر يأمرهم فيه أن يعملوا في أمر الأسود بالغيلة أو المصادمة [٢] ويبلغ منه من يروم عنده دنيا أو نجدة، وأقام معاذ والأبناء في ذلك فداخلوا قيس بن عبد يغوث في أمره فأجاب، ثم داخل فيروز بنت عمه زوجة الأسود فواعدته قتله، وكتب النبي ﷺ إلى عامر بن شهر الهمدانيّ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع وذي أمران وذي ظليم من أهل ناحيته وإلى أهل نجران من عربهم ونصاراهم واعترضوا الأسود ومشوا وتنحوا إلى مكان واحد.
وأخبر الأسود شيطانه بغدر قيس وفيروز ودادويه فعاتبهم وهمّ بهم، ففروا إلى امرأته وواعدتهم أن ينقبوا البيت من ظهره ويدخلوا فيبيتوه، ففعلوا ذلك ودخل فيروز ومعه قيس ففتل [٣] عنقه ثم ذبحه، فنادى بالأذان عند طلوع الفجر ونادى دادويه بشعار الإسلام، وأقام وبر بن يحنس [٤] الصلاة واهتاج الناس مسلمهم وكافرهم وماج بعضهم في بعض وأختطف الكثير من أصحابه صبيانا من أبناء المسلمين، وبرزوا وتركوا كثيرا من أبنائهم ثم تراسلوا في ردّ كل ما بيده وأقاموا يتردّدون فيما بين صنعاء ونجران، وخلصت صنعاء والجنود، وتراجع أصحاب النبي ﷺ إلى أعمالهم وتنافسوا الإمارة في صنعاء، ثم اتفقوا على معاذ فصلّى بهم وكتبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر، وكان قد أتى خبر الواقعة من السماء فقال في غداتها:
قتل العنسيّ البارحة قتله رجل مبارك وهو فيروز. ثم قدمت الرسل، وقد توفي [٥] النبي ﷺ .
بعث أسامة:
ولما رجع النبي ﷺ من حجة الوداع آخر ذي الحجة ضرب على الناس في شهر المحرم بعثا إلى الشام وأمّر عليهم مولاه أسامة بن زيد
стр. 1281
بن حارثة، أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم إلى الأردن من أرض فلسطين ومشارف الشام، فتجهّز الناس وأوعب معه المهاجرون الأوّلون. فبينا الناس على ذلك ابتدأ ﷺ بشكواه التي قبضة الله فيها إلى كرامته ورحمته، وتكلم المنافقون في شأن الكرامة، وبلغ الخبر بارتداد الأسود ومسيلمة، وخرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه من الصداع وقال: «إني رأيت البارحة في نومي أنّ في عضديّ سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما هذين الكذّابين صاحب اليمامة وصاحب اليمن وقد بلغني أنّ أقواما تكلموا في إمارة اسامة أن يطعنوا في إمارته لقد طعنوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لحقيقا بالإمارة وانه لحقيق بها [١] انفروا» . فبعث أسامة فضرب أسامة بالجرف [٢] وتمهل، وثقل رسول الله ﷺ وتوفاه الله قبل توجه أسامة.
أخبار الأسود ومسيلمة وطليحة:
كان النبي ﷺ بعد ما قضى حجة الوداع تحلّل به السير فاشتكى وطارت الأخبار، بذلك فوثب الأسود باليمن كما مرّ، ووثب مسيلمة باليمامة، ثم وثب طليحة بن خويلد في بني أسد، يدعي كلهم النبوة.
وحاربهم رسول الله ﷺ بالرسل والكتب إلى عماله ومن ثبت على إسلامه من قومهم أن يجدّوا في جهادهم، فأصيب الأسود قبل وفاته بيوم ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله والذبّ عن دينه، فبعث إلى المسلمين من العرب في كل ناحية من نواحي هؤلاء الكذابين يأمرهم بجهادهم. وجاء كتاب مسيلمة إليه فأجابه كما مرّ وجاء، ابن أخي طليحة يطلب الموادعة فدعا ﷺ حتى كان من حكم الله فيهم بعده ما كان.
مرضه صلى الله وسلم عليه:
أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من ذلك أنّ الله نعى إليه نفسه بقوله إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخر السورة، ثم بدأه الوجع لليلتين بقيتا من صفر وتمادى به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استقر به في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة فأذن له. وخرج على الناس فخطبهم وتحلل منهم وصلى على شهداء أحد واستغفر لهم، ثم قال لهم: إنّ عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده. وفهمها أبو بكر
стр. 1282
فبكى، فقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: على رسلك يا أبا بكر، ثم جمع رسول الله ﷺ أصحابه فحرب بهم وعيناه تدمعان ودعا لهم كثيرا وقال: أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم وأودعكم إليه إني لكم نذير وبشير إلا تعلوا على الله في بلاده وعباده فإنه قال لي ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٢٨: ٨٣ وقال أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ٣٩: ٦٠ [١] .
ثم سألوه عن مغسله، فقال: الأدنون من أهلي، وسألوه عن الكفن، فقال: في ثيابي هذه؟ أو ثياب مصر [٢] أو حلّة يمانية. وسألوه عن الصلاة عليه، فقال:
ضعوني على سريري في بيتي على شفير قبري ثم اخرجوا عني ساعة حتى تصلي عليّ الملائكة ثم ادخلوا فوجا بعد فوج فصلوا وليبدأ رجال أهلي [٣] ثم نساؤهم. وسألوه عمن يدخله القبر، فقال: أهلي. ثم قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده فتنازعوا وقال بعضهم أهجر؟ يستفهم. ثم ذهبوا يعيدون عليه، ثم قال: دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصى بثلاث: أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وان يجيزوا الوفد كما كان يجيزهم، وسكت عن الثالثة أو نسيها الراويّ. وأوصى بالأنصار فقال إنهم كرشي وعيلتي التي أويت إليها [٤] فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم فقد أصبحتم يا معشر المهاجرين تزيدون والأنصار لا يزيدون، ثم قال: سدّوا هذه الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر فاني لا أعلم أمر أفضل يدا عندي في الصحبة من أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة إخاء وإيمان حتى يجمعنا الله عنده. ثم ثقل به الوجع وأغمي عليه فاجتمع إليه نساؤه وبنوه وأهل بيته والعباس وعليّ، ثم حضر وقت الصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة:
إنه رجل أسيف لا يستطيع أن يقوم مقامك، فمر عمر فامتنع عمر، وصلّى ابو بكر، ووجد رسول الله ﷺ خفة فخرج فلما أحس أبو بكر تأخر فجذبه رسول
стр. 1283
الله ﷺ وأقامه مكانه وقرأ من حيث انتهى أبو بكر، ثم كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس بصلاة أبي بكر، قيل صلوا كذلك سبع عشرة صلاة. وكان يدخل يده في القدم وهو في في النزع فيمسح وجهه بالماء ويقول اللَّهمّ أعني على سكرات الموت، فلما كان يوم الإثنين وهو يوم وفاته خرج إلى صلاة الصبح عاصبا رأسه وأبو بكر يصلي، فنكص عن صلاته [١] ، وردّه رسول الله ﷺ بيده وصلى قاعدا عن يمينه، ثم أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكّرهم، ولما فرغ من كلامه قال له أبو بكر: إني أرى أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحب. وخرج إلى أهله في السنح.
ودخل رسول الله ﷺ في بيته فاضطجع في حجرة [٢] عائشة، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر عليه وفي يده سواك أخضر، فنظر إليه وعرفت عائشة أنه يريده قالت: فمضغته حتى لان وأعطيته إياه فاستنّ به ثم وضعه. ثم ثقل في حجري فذهبت انظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «الرفيق الأعلى من الجنة» فعلمت أنه خير فاختار. وكانت تقول: قبض رسول الله ﷺ بين سحري ونحري. وذلك نصف نهار يوم الإثنين لليلتين من شهر ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار من يوم الثلاثاء. ونادى النعي في الناس بموته وأبو بكر غائب في أهله بالسنح، وعمر حاضر فقام في الناس وقال: إن رجالا من المنافقين زعموا أن رسول الله ﷺ مات وأنه لم يمت وإنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم. وأقبل أبو بكر حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه وقبله وقال: بأبي أنت وأمي قد ذقت الموتة التي كتب الله عليك ولن يصيبك بعدها موته أبدا. وخرج إلى عمر وهو يتكلم، فقال: أنصت. فأبي، وأقبل على الناس يتكلم فجاءوا إليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس من كان يعبد محمدا فإنّ محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت» ثم تلا: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ ٣: ١٤٤» الآية. فكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية في المنزل قال عمر: فما هو إلّا أن سمعت أبا بكر يتلوها فوقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أنه قد مات وقيل
стр. 1284
تلا: معها: إنك ميت وإنهم ميتون الآية.
وبينما هم كذلك إذا جاء رجل يسعى بخبر الأنصار أنهم اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يبايعون سعد بن عبادة ويقولون منا أمير ومن قريش أمير، فانطلق أبو بكر وعمر وجماعة المهاجرين إليهم، وأقام عليّ والعبّاس وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد يتولون تجهيز رسول الله ﷺ ، فغسله عليّ مسندة إلى ظهره والعباس وابناه يقلبونه معه وأسامة وشقران يصبان الماء وعلي يدلك من وراء القميص [١] لا يفضي إلى بشرته بعد أن كانوا اختلفوا في تجهيزه ثم أصابتهم سنة فخفقوا وسمعوا من وراء البيت أن اغسلوه وعليه ثيابه ففعلوا، ثم كفنوه في ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيهن إدراجا، استدعوا حفارين أحدهما يلحد والآخر يشق، ثم بعث إليهما العبّاس رجلين وقال اللَّهمّ خر [٢] لرسولك فجاء الّذي يلحد وهو أبو طلحة زيد بن سهل كان يحفر لأهل المدينة فلحد لرسول الله ﷺ .
ولما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سرير بيته واختلفوا أيدفن في مسجده أو بيته فقال أبو بكر سمعته ﷺ يقول ما قبض نبي إلّا يدفن حيث قبض، فرفع فراشه الّذي قبض عليه وحفر له تحته، ودخل الناس يصلون عليه أفواجا الرجال ثم، النساء ثم الصبيان ثم العبيد لا يؤم أحدهم أحدا، ثم دفن من وسط الليل ليلة الأربعاء وعن عائشة لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول فكملت سنو الهجرة عشر سنين كوامل، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل خمس وستين سنة وقيل ستين.
خبر السقيفة
لما قبض رسول الله ﷺ ارتاع الحاضرون لفقده حتى ظن أنه لم يمت، واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يبايعون سعد بن عبادة وهم يرون أن الأمر لهم بما آووا ونصروا، وبلغ الخبر إلى أبي بكر وعمر فجاءوا إليهم ومعهم أبو عبيدة ولقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة فأرادوهم على الرجوع وخفضوا عليهم
стр. 1285
الشأن، فأبوا الّا أن يأتوهم فأتوهم في مكانهم ذلك فأعجلوهم عن شأنهم وغلبوهم عليه جماعا وموعظة. وقال أبو بكر: نحن أولياء النبي وعشيرته وأحق الناس بأمره ولا ننازع في ذلك، وأنتم لكم حق السابقة والنصرة، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقال الحباب بن المنذر [١] بن الجموع: منا أمير ومنكم أمير وإن أبو فاجلوهم يا معشر الأنصار عن البلاد فبأسيافكم دان الناس لهذا الدين وإن شئتم أعددناها جذعة [٢] أنا جذيلهما المحكك [٣] وعذيقها المرجب [٤] . وقال عمر: إن رسول الله ﷺ أوصانا لكم كما تعلمون ولو كنتم الأمراء لأوصاكم بنا، ثم وقعت ملاحاة بين عمر وابن المنذر [٥] ، وأبو عبيدة يحفضهما ويقول: اتقوا الله يا معشر الأنصار أنتم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدّل وغير.
فقام بشير بن سعد بن النعمان [٦] بن كعب بن الخزرج فقال: ألا إن محمدا من قريش وقومه أحق وأولى، ونحن وإن كنا أولى فضل في الجهاد وسابقة في الدين، فما أردنا بذلك إلا رضي الله وطاعة نبيه فلا نبتغي به من الدنيا عوضا، ولا نستطيل به على الناس. فقال الحباب بن المنذر: نفست والله عن ابن عمك يا بشير. فقال:
لا والله ولكن كرهت أن أنازع قوما حقهم. فأشار أبو بكر إلى عمر وأبي عبيدة فامتنعا وبايعا أبا بكر وسبقهما إليه بشير بن سعد، ثم تناجي الأوس فيما بينهم وكان فيهم أسيد بن حضير أحد النقباء وكرهوا إمارة الخزرج عليهم وذهبوا إلى بيعة أبي بكر فبايعوه، وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحابه اتقوا سعدا لا تقتلوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله. وتماسكا فقال أبو بكر: مهلا يا عمر الرّفق هنا أبلغ. فأعرض عمر ثم طلب سعد في البيعة فأبى وأشار بشير بن سعد بتركه، وفقال: إنما هو رجل واحد، فأقام سعد لا يجتمع معهم في الصلاة ولا يفيض معهم في الحديث [٧] حتى هلك أبو بكر. ونقل الطبري
стр. 1286
أن سعدا بايع يومئذ، وفي أخبارهم أنه لحق بالشام فلم يزل هنالك حتى مات وأن الجن قتلته وينشدون البيتين الشهرين وهما
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ... فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
الخلافة الإسلامية
الخبر عن الخلافة الإسلامية في هذه الطبقة وما كان فيها من الرّدة والفتوحات وما حدث بعد ذلك من الفتن والحروب في الإسلام ثم الاتفاق والجماعة
ولما قبض رسول الله ﷺ وكان أمر السقيفة كما قدمناه، أجمع المهاجرون والأنصار على بيعة أبي بكر ولم يخالف إلا سعد إن صحّ خلافه فلم يلتفت إليه لشذوذه. وكان من أوّل ما أعتمده إنفاذ بعث أسامة، وقد ارتدت [١] العرب إمّا القبيلة مستوعبة وإمّا بعض منها، ونجم النفاق والمسلمون كالغنم في الليلة الممطرة لقلّتهم وكثرة عدوّهم وإظلام الجوّ بفقد نبيّهم، ووقف أسامة بالناس ورغب من عمر التخلف عن هذا البعث والمقام مع أبي بكر شفقة من أن يدهمه أمر، وقالت له الأنصار فإن أبي إلّا المضي فليول علينا أسنّ من أسامة. فأبلغ عمر ذلك كله أبا بكر فقام وقعد وقال: لا أترك أمر رسول الله ﷺ حتى أخرج وأنفذه. ثم خرج حتى أتاهم فأشخصهم وشيّعهم وأذن لعمر في الشخوص، وقال: أوصيكم بعشر فاحفظوها عليّ: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الطفل ولا الشيخ ولا المرأة ولا تفرقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلّا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وإذا لقيتم أقواما فحصوا أواسط رءوسهم وتركوا حولها فتل العصاب فاضربوا بالسيف ما فحصوا عنه، فإذا قرب عليكم الطعام فاذكروا اسم الله عليه وكلوا ترفعوا باسم الله يا أسامة اصنع ما أمرك به نبي الله ببلاد قضاعة ثم أتت آفل ولا تقصر في شيء من أمر رسول الله ﷺ » . ثم ودّعه من الجرف ورجع.
وقد كان بعث معه من القبائل من حول المدينة الذين لهم الهجرة في ديارهم وحبس من بقي منهم فصار مسالح حول قبائلهم ومضي أسامة مغذّا وانتهى لما أمر النبي صلى
стр. 1287
الله عليه وسلم وبعث الجنود في بلاد قضاعة وأغار على أبني [١] فسبى وغنم ورجع لأربعين يوما وقيل لسبعين، ولم يحدث أبو بكر في مغيبه شيئا، وقد جاء الخبر بارتداد العرب عامّة وخاصة إلا قريشا وثقيفا، واستغلظ أمر مسيلمة واجتمع على طليحة عوام طيِّئ وأسد وارتدت غطفان وتوقفت هوازن فأمسكوا الصدقة، وارتد خواص من بني سليم وكذا سائر الناس بكل مكان. وقدمت رسل النبي ﷺ من اليمن واليمامة وبنى أسد ومن الأمراء من كل مكان بانتقاض العرب عامّة أو خاصة، وحاربهم بالكتب والرسل وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة، فعاجلته عبس وذبيان ونزلوا في الأبرق ونزل آخرون بذي القصة ومعهم حبال [٢] من بني أسد ومن انتسب إليهم من بني كنانة، وبعثوا وفدا إلى أبي بكر نزلوا على وجوه من الناس يطلبون الاقتصار على الصلاة دون الزكاة، فأبي أبو بكر من ذلك، وجعل على أنقاب المدينة عليا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود، وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد. ورجع وفد المرتدين وأخبروا قومهم بقلّة أهل المدينة فأغاروا على من كان بأنقاب المدينة، فبعثوا إلى أبي بكر فخرج في أهل المسجد على النواضح، فهربوا والمسلمون في أتباعهم إلى ذي خشب، ثم نفروا إبل المسلمين بلعبات اتخذوها فنفرت ورجعت بهم وهم لا يملكونها إلى المدينة ولم يصبهم شيء، وظن القوم بالمسلمين الوهن فبعثوا إلى أهل ذي القصة يستقدمونهم.
ثم خرج أبو بكر في التعبية وعلى ميمنته النعمان بن مقرّن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن [٣] ، وعلى الساقة سويد بن مقرن، وطلع عليهم مع الفجر واقتتلوا فما ذرّ قرن الشمس إلا وقد هزموهم وغنموا ما معهم من الظهر وقتل حبال، واتبعهم أبو بكر إلى ذي القصة فجهز بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة، ووثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين فقتلوهم وفعل ذلك غيرهم من المرتدين، وحلف أبو بكر ليقتلن من المشركين مثل من قتلوه من المسلمين وزيادة. واعتز المسلمون بوقعة أبي بكر وطرقت المدينة صدقات. وقدم أسامة فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وخرج في نفر إلى ذي خشب [٤] وإلى ذي القصة ثم سار حتى نزل على أهل
стр. 1288
الرَّبَذَة بالأبرق وبها عبس وذبيان وبنو بكر من كنانة وثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة، فاقتتلوا وانهزم القوم، وأقام أبو بكر على الأبرق، وحرم تلك البلد على بني ذبيان ثم رجع إلى المدينة.
ردّة اليمن: توفي رسول الله ﷺ وعلى مكة وبني كنانة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف وأرضها عثمان بن أبي العاص على المدر، ومالك بن عوف على الوبر، وعلى عجز هوازن عكرمة بن أبي جهل، وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم على الصلاة، وأبو سفيان بن حرب على الصدقات، وعلى ما بين زمع وزبيد إلى نجران خالد بن سعيد بن العاص، وعلى همدان كلها عامر بن شهر الهمدانيّ، وعلى صنعاء فيروز الديلميّ ومسانده دادويه وقيس بن مكشوح المرادي رجعوا إليها بعد قتل الأسود، وعلى الجنديعلي بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين وعكّ الطاهر بن أبي هالة، وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضي وعكاشة بن ثور بن أصفر الغوثي، وعلى كندة المهاجر بن أبي أمية، وقد كان رسول الله ﷺ غضب عليه في غزوة تبوك فاسترضته له أم سلمة وولاه على كندة، ومرض فلم يصل إليها، وأقام زياد بن لبيد ينوب عنه. وكان معاذ بن جبل يعلم القرآن باليمن يتنقل على هؤلاء وعلى هؤلاء في أعمالهم.
وثار الأسود في حياة رسول الله ﷺ وحاربه بالرسل وبالكتب فقتله الله وعاد الإسلام في اليمن كما كان، فلما بلغهم الموت انتقضت اليمن وارتدّ أهلها في جميع النواحي وكانت الفالة من جند العنسيّ بين نجران وصنعاء لا يأوون إلى أحد، ورجع عمرو بن حزم إلى المدينة واتبعه خالد بن سعيد، وكان عمرو بن معديكرب بالجبال حيال فروة بن مسيك وابن مكشوح وتحيل في قتل الأبناء فيروز ودادويه وخشنش والاستبداد بصنعاء، وبعث إلى الفالة من جيش الأسود يغريهم بالأبناء ويعدهم المظاهرة عليهم فجاءوا إليه، وخشي الأبناء غائلتهم وفزعوا إليه فأظهر لهم المناصحة، وهيأ طعاما فجمعهم له ليغدر بهم فظفر بدادويه وهرب فيروز وخشنش وخرج قيس في أثرهما، فامتنعا بخولان أخوال فيروز وثار قيس بصنعاء وجبى ما حولها، وجمع الفالة من جنود الأسود إليه. وكتب فيروز إلى أبي بكر بالخبر، فكتب له بولاية صنعاء، وكتب إلى الطاهر بن أبي هالة بإعانته، وإلى عكاشة بن ثور بأن يجمع أهل
стр. 1289
تهامة ويقيم بمكانه، وكتب إلى ذي الكلاع سميفع [١] وذي ظليم حوشب وذي تبان شهر بإعانة الأبناء وطاعة فيروز وأن الجند يأتيهم. وأرسل إليهم قيس بن مكشوح يغريهم بالأبناء، فاعتزل الفريقان واتبعت عوامّهم قيس بن مكشوح في شأنه، وعمد قيس إلى عيلات الأبناء الذين مع فيروز فغرّبهم وأخرجهم من اليمن في البرّ والبحر وعرضهم للنهبى، فأرسل فيروز إلى بني عقيل بن ربيعة وإلى عكّ يستصرخهم، وفاعترضوا عيال فيروز والأبناء الذين معه فاستنقذوهم وقتلوا من كان معه، وجاءوا إلى فيروز فقاتلوا معه قيس بن مكشوح دون صنعاء فهزموه، ورجع إلى المكان الّذي كان به مع فالة الأسود العنسيّ.
وانضاف قيس إلى عمرو بن معديكرب وهو مرتد منذ تنبأ الأسود العنسيّ، وقام حيال فروة بن مسيك، وقد كان فروة وعمرو أسلما وكذلك قيس، واستعمل رسول الله ﷺ قيسا على صدقات مراد، وكان عمرو قد فارق قومه سعد العشيرة مع بني زبيد وأحلافها وانحاز إليهم فأسلم معهم وكان فيهم فلما انتقض الأسود، واتبعه عوام مذحج كان عمرو فيمن اتبعه، وأقام فروة فيمن معه على الإسلام فولى الأسود عمرا وجعله بحياله.
وكانت كندة قد ارتدوا وتابعوا الأسود العنسيّ بسبب ما وقع بينهم وبين زياد الكندي في أمر فريضة من فرائض الصدقة أطلقها بعض بني عمرو بن معاوية بعد أن وقع عليها ميسم الصدقة غلطا، فقاتلهم زياد وهزمهم، فاتفق بنو معاوية على منع الصدقة والردّة إلا شراحيل بن السمط وابنه، وأشير على زياد بمعاجلتهم قبل أن ينضم إليهم بعض السكاسك وحضرموت وأبضعه وجمد ومشرح ومخوس وأختهم العمرة، وهرب الباقون ورجع زياد بالسبي والغنائم، ومرّ بالأشعث بن قيس وبني الحرث بن معاوية واستغاث نساء السبي فغار الأشعث وتنقذهم، ثم جمع بني معاوية كلهم ومن أطاعه من السكاسك وحضرموت وأقام على ردّته.
وكان أبو بكر قاد حارب أهل الردة أولا بالكتب والرسل ولم يرسل إلى من ارتد وابتدأ بالمهاجرين والأنصار، ثم استنفر كلا على من يليه حتى فرغ من آخر أمور الناس لا يستعين بمرتد، وكتب إلى عتاب بن أسيد بمكة وعثمان بن أبي العاص بالطائف بركوب من ارتد بمن لم يرتدّ وثبت على الإسلام من أهل عملهما. وقد كان اجتمع
стр. 1290
بتهامة أو شاب [١] من مدلج وخزاعة، فبعث عتاب إليهم ففرّقهم وقتلهم. واجتمع بشنوءة جمع من الأزد وخثعم وبجيلة فبعث إليهم عثمان بن أبي العاص من فرّقهم وقتلهم. واجتمع بطريق الساحل من تهامة جموع من عكّ والأشعريين فسار إليهم الطاهر بن أبي هالة ومعه مسروق العكّي فهزموهم وقتلوهم، وأقام بالأجناد ينتظر أمر أبي بكر ومعه مسروق العكي. وبعث أهل نجران من بني الأفعى الذين كانوا بها قبل بني الحرث وهم في أربعين ألف مقاتل، وجاء وفدهم يطلبون إمضاء العهد الّذي بأيديهم من النبي ﷺ ، فأمضاه أبو بكر إلا ما نسخه الوحي بأن لا يترك دينان بأرض العرب.
ورجعت رسل النبي ﷺ الذين كان بعثهم عند انتقاض الأسود العنسيّ وهم: جرير بن عبد الله والأقرع ووبر بن يحنس [٢] فرد أبو بكر جريرا، ليستنفر من ثبت على الإسلام على من ارتدّ ويقاتل خثعم الذين غضبوا لهدم ذي الحليفة فيقتلهم ويقيم بنجران، فنفذ ما أمره به ولم يمر به أحد إلّا رجال قليل تتبعهم بالقتل، وسار إلى نجران وكتب أبو بكر إلى عثمان بن أبي العاص أن يضرب البعوث على مخاليف أهل الطائف، فضرب على كل مخالف عشرين وأمر عليهم أخاه، كتب إلى عتاب بن أسيد أن يضرب على مكة وعملها خمسمائة بعث وأمر عليهم أخاه خالدا وأقاموا ينتظرون، ثم أمر المهاجر بن أبي أمية بأن يسير إلى اليمن ليصلح من أمره ثم ينفذ إلى عمله وأمره بقتال من بين نجران وأقصى اليمن ففعل ذلك، ومرَّ بمكة والطائف فسار معهم خالد بن أسيد وعبد الرحمن بن أبي العاص بمن معهما، ومرّ بجرير بن عبد الله وعكاشة بن ثور فضمهما إليه، ثم مر بنجران وانضم إليه فروة بن مسيك، وجاءه عمرو بن معديكرب وقيس بن مكشوح فأثقهما وبعث بهما إلى أبي بكر، وسار إلى لقائه فتتبعهم بالقتل ولم يؤمنهم فقتلوا بكل سبيل. وحضر قيس عند أبي بكر فحظر قتل دادويه ولم يجد أمرا جليلا في أمره، وتاب عمرو بن معديكرب واستقال فاقالهما وردّهما.
وسار المهاجر حتى نزل صنعاء وتتبع شذاذ القبائل فقتل من قدر عليه وقبل توبة من رجع إليه وكتب إلى أبي بكر بدخوله صنعاء، فجاءه الجواب بأن يسير إلى كندة
стр. 1291
مع عكرمة بن أبي جهل وقد جاءه من ناحية عمان ومعه خلق كثير من مهرة والأزد وناجية وعبد القيس وقوم من مالك بن كنانة وبني العنبر، وقدم أبين وأقام بها لاجتماع النخع وحمير ثم سار مع المهاجر إلى كندة، وكتب زياد إلى المهاجر يستحثه فلقيه الكتاب بالمفازة بين مأرب وحضرموت، فاستخلف عكرمة على الناس وتعجل إلى زياد ونهدوا إلى كندة وعليهم الأشعث بن قيس فهزموهم وقتلوهم وفرّوا إلى النجير حصن لهم فتحصنوا فيه مع من استغووه من السكاسك وشذاذ السكون [١] وحضرموت وسدّوا عليهم الطريق إلا واحدة جاء عكرمة بعدهم فسدّها وقطعوا عنهم المدد، وخرجوا مستميتين في بعض الأيام فغلبوهم وأخرجوهم. واستأمن الأشعث إلى عكرمة بما كانت أسماء بنت النعمان بن الجون تحته فخرج إليه، وجاء به إلى المهاجر وأمّنه في أهله وماله وتسعة من قومه على أن يفتح لهم الباب، فاقتحمه المسلمون وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فكان في السبي ألف امرأة، فلما فرغ من النجير دعا بكتاب الأمان من الأشعث وإذا هو قد كتب غرض نفسه في التسعة رجال من أصحابه، فأوثقه كتافا وبعث به إلى أبي بكر ينظر في أمره، فقدم مع السبايا والأسرى، فقال له أبو بكر: أقتلك. قال إني راودت القوم على عشرة وأتيناهم بالكتاب مختومة، فقال أبو بكر: إنما الصلح على من كان في الصحيفة وأما غير ذلك فهو مردود [٢] . فقال يا أبا بكر: احتسب في وأقلني واقبل إسلامي وردّ عليّ زوجتي، وقد كان تزوج أم فروة أخت أبي بكر حين قدم على رسول الله ﷺ وأخرها إلى أن يرجع، فأطلقه أبو بكر وقبل إسلامه وردّ عليه زوجته وقال ليبلغني عنك خير، ثم خلّي عن القوم فذهبوا وقسم الأنفال.
بعث الجيوش للمرتدين
لما قدم أسامة ببعث الشام على أبي بكر استخلفه على المدينة ومضى إلى الرَّبَذَة فهزم بني عبس وذبيان وكنانة بالأبرق ورجع إلى المدينة كما قدّمناه، حتى إذا استجم جند أسامة وتاب من حوالي المدينة خرج إلى ذي القصة على بريد من تلقاء نجد، فقعد فيها أحد عشر لواء على أحد عشر جندا لقتال أهل الردّة، وأمر كل واحد باستنفار
стр. 1292
من يليه من المسلمين من كل قبيلة، وترك بعضها لحماية البلاد. فعقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة وبعده لمالك بن نويرة بالبطاح، ولعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة واليمامة ثم اردفه بشرحبيل بن حسنة وقال له: إذا فرغت من اليمامة فسر إلى قتال قضاعة ثم تمضي إلى كندة بحضرموت، ولخالد بن سعيد بن العاص وقد كان قدم بعد الوفاة الى المدينة من اليمن وترك أعماله فبعثه إلى مشارف الشام، ولعمرو بن العاص إلى قتال المرتدة من قضاعة، ولحذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة فحذيفة لأهل دبا وعرفجة لمهرة وكل واحد منهما أمير في عمله على صاحبه، ولطريفة بن حاجز وبعثه إلى بني سليم ومن معهم من هوازن، ولسويد بن مقرن وبعثه إلى تهامة اليمن، وللعلاء بن الحضرميّ وبعثه إلى البحرين.
وكتب إلى الأمراء عهودهم بنص واحد: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعهد اليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره بالجدّ في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بدعاية الإسلام فإن أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرّوا له ثم ينبئهم بالذي عليهم والّذي لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الّذي لهم لا ينظرهم ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم. فمن أجاب إلى أمر الله وأقرّ له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروب. وطنماذ يقاتل من كفر باللَّه على الإقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به، ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة لا يقبل الله من أحد شيئا مما أعطى إلّا الإسلام فمن أجابه وأقرّ قبل منه وأعانه، ومن أبى قاتله فإن أظهره الله عليه قتلهم فيه كل قتلة بالسلاح والنيران ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه ويمنع أصحابه العجلة والفساد وأن يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيونا ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعجل عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول» انتهى.
وكتب إلى كل من بعث إليه الجنود من المرتدة كتابا واحدا في نسخ كثيرة على يد رسل تقدّموا بين أيديهم نصه بعد البسملة: «هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى
стр. 1293
الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة أو خاصة أقام على الإسلام أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع إلى الضلالة والهوى، [١] فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأو من بما جاء به وأكفر من أبى وأجاهده أما بعد» . ثم قرّر أمر النبوة ووفاة رسول الله ﷺ وأطنب في الموعظة ثم قال: «وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمرته ألا يقاتل أحد ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه، ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم والداعية للأذان فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفّوا عنهم وإن لم يؤذنوا فاسألوهم بما عليهم فإن أبو عاجلوهم وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم» انتهى. فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود وخرجت الأمراء ومعهم العهود وكان أوّل ما بدأ به خالد طليحة وبني أسد.
خبر طليحة
كان طليحة قد ارتدّ في حياة رسول الله ﷺ وكان كاهنا فادّعى النبوّة واتبعه أفاريق من بني إسرائيل [٢] ونزل سميراء، وبعث رسول الله ﷺ ضرار بن الأزور إلى قتاله مع جماعة، فاجتمع عليهم المسلمون وهم ضرار بمناجزته، فأتى الخبر بموت النبي ﷺ فاستطار أمر طليحة واجتمعت إليه غطفان وهوازن وطيِّئ، وفرّ ضرار ومن معه من العمال إلى المدينة وقدمت وفودهم على أبي بكر في الموادعة على ترك الزكاة فأبى من ذلك، وخرج كما قدّمناه إلى غطفان وأوقع بهم بذي القصة فانضموا بعد الهزيمة إلى طليحة وبني أسد ببزاخة وكذلك فعلت طيِّئ وأقامت بنو عامر وهوازن ينتظرون.
وجمل [٣] خالد إلى طليحة ومعه عيينة بن حصن على بزاخة من مياه بني أسد وأظهر أنه
стр. 1294
يقصد خيبر ثم ينزل إلى سلمى وأجأ فيبدأ بطيء. وكان عديّ بن حاتم قد خرج معه في الجيش فقال له: أنا أجمع لك قبائل طيِّئ يصحبونك إلى عدوّك. وسار إليهم فجاء بهم وبعث خالد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم من الأنصار طليحة ولقيهما طليحة وأخوه فقتلاهما ومرّ بهما المسلمون فعظم عليهم قتلهما. ثم عبّى خالد كتائبه وثابت بن قيس على الأنصار وعديّ بن حاتم على طيِّئ ولقي القوم فقاتلهم، وعيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من غطفان، واشتدّ المجال بينهم وطليحة في عباءة يتكذب لهم في انتظار الوحي، فجاء عيينة بعد ما ضجر من القتال [١] وقال: هل جاءك أحد بعد؟ قال: لا ثم راجعه ثانية ثم ثالثة فقال: جاء. وقال إنّ لك رحى كرحاه، وحديثا لا تنساه. فقال عيينة: يا بني فزارة الرجل كذاب، وانصرف فانهزموا وقتل من قتل وأسلم الناس طليحة فوثب على فرسه واحتقب امرأته فنجا بها إلى الشام، ونزل في كلب [٢] من قضاعة على النقع حتى أسلمت أسد وغطفان، فأسلم ثم خرج معتمرا أيام عمر ولقيه بالمدينة فبايعه وبعثه في عساكر الشام، فأبلى في الفتح، ولم يصب عيالات بني أسد في واقعة بزاخة شيء لأنهم كانوا أخرجوهم في الحصون عند واسط وأسلموا خشية على ذراريهم.
خبر هوازن وسليم وبني عامر
كان بنو عامر ينتظرون أمر طليحة وما تصنع أسد وغطفان حتى أحيط بهم وكان قرة ابن هبيرة في كعب وعلقمة بن علاثة [٣] في كلاب وكان علقمة قد ارتد بعد فتح الطائف، ولما قبض النبي ﷺ رجع إلى قومه، وبلغ أبا بكر خبره فبعث إليه سرية مع القعقاع ابن عمر ومن بني تميم فأغار عليهم، فأفلت وجاء بأهله وولده وقومه فأسلموا. وكان قرّة بن هبيرة قد لقي عمرو بن العاصي منصرفه من عمان بعد الوفاة وأضافه وقال له: اتركوا الزكاة فانّ العرب لا تدين لكم بالإتاوة، فغضب لها عمرو وأسمعه وأبلغها أبا بكر، فلما أوقع خالد ببني أسد وغطفان وكانت هوازن وسليم وعامر ينتظرون أمرهم فجاءوا إلى خالد وأسلموا وقبل منهم الإسلام، إلا من
стр. 1295
عدا على أحد من المسلمين أيام الردّة فإنه تتبعهم فأحرق وقمط [١] ورضخ بالحجارة ورمى من رءوس الجبال، ولما فرغ من أمر بني عامر أوثق عيينة بن حصن وقرّة بن هبيرة وبعث بهما إلى أبي بكر فتجاوز لهما وحقّ دماءهما.
ثم اجتمعت قبائل غطفان إلى سلمى بنت مالك بن حذيفة من بدر بن ظفر في الحوأب فنزلوا إليها وتذامروا، وكانت سلمى هذه قد سبيت قبل وأعتقتها عائشة وقال لها النبي ﷺ يوما وقد دخل عليها وهي في نسوة ببيت عائشة فقال:
إنّ أحدا كن تستنبح كلاب الحوأب، وفعلت ذلك واجتمع إليها الفلال من غطفان وهوازن وسليم وطيِّئ وأسد، وبلغ ذلك خالدا وهو يتبع الثأر ويأخذ الصدقات، فسار إليهم وقاتلهم وسلمى واقفة على جملها حتى عقر وقتلت وقتل حول هودجها مائة رجل، فانهزموا وبعث خالد بالفتح على أثره بعده بعشرين ليلة.
وأما بنو سليم فكان الفجاءة بن عبد ياليل قدم على أبي بكر يستعينه مدعيا إسلامه ويضمن له قتال أهل الردّة فأعطاه وأمره، وخرج إلى الجون وارتد وبعث نجية بن أبي المثنى ومن بني الشريد، وأمره بشن الغارة على المسلمين في سليم وهوازن. فبعث أبو بكر إلى طريفة بن حاجز قائده على جرهم وأعانه بعبد الله بن قيس الحاسبي فنهضا إليه ولقياه، فقتل نجية وهرب الفجاءة فلحقه طريفة فأسره وجاء به إلى أبي بكر فأوقد له في مصلى المدينة حطبا ثم رمى به في النار مقموطا، وفاءت بنو سليم كلهم وفاء معهم أبو شجرة بن عبد العزى بأو الخنساء وكان فيمن ارتد.
خبر بني تميم وسجاح
قبض رسول الله ﷺ وعماله في بني تميم الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأبناء وقيس بن عاصم على المقاعس والبطون وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على بني عمرو ووكيع بن مالك على بني مالك ومالك بن نويرة على حنظلة [٢] ، فجاء صفوان إلى أبي بكر حين بلغته الوفاة بصدقات بني عمرو، وجاء الزبرقان بصدقات أصحابه، وخالفه قيس بن عاصم في المقاعس والبطون لأنه كان ينتظره، وبقي من أسلم منهم متشاغلا بمن تربص أو ارتاب. وبينما هم على ذلك فجئتهم
стр. 1296
سجاح [١] بنت الحارث بن سويد من بني عقفان أحد بطون تغلب وكانت تنبأت بعد الوفاة، واتبعها الهذيل بن عمران في بني تغلب وعقبة بن هلال في النمر والسليل بن قيس في شيبان وزياد بن بلال وكان الهذيل نصرانيا فترك دينه إلى دينها، وأقبلت من الجزيرة في هذه المجموع قاصدة المدينة لتغزو أبا بكر والمسلمين، وانتهت إلى الجرف [٢] فدهم بني تميم أمر عظيم لما كانوا عليه من اختلاف الكلمة، فوادعها مالك بن نويرة وثناها عن الغزو وحرّضها [٣] على بني تميم ففرّوا أمامها، ورجع إليها وكيع بن مالك واجتمعت الرباب وضبة فهزموا أصحاب سجاح وأسروا منهم، ثم اصطلحوا.
وسارت سجاح فيمن معها تريد المدينة فبلغت النباج فاعترضهم بنو الهجيم [٤] فيمن تأشب [٥] إليهم من بني عمرو وأغاروا عليهم فأسر الهذيل وعقبة، ثم تحاجزوا على أن تطلق أسراهم ويرجعوا ولا يجتازوا عليهم، ورجع عن سجاح مالك بن نويرة ووكيع بن مالك إلى قومهم ويئست سجاح وأصحابها من الجواز عليهم، ونهدت إلى بني حنيفة وسار معها من تميم الزبرقان بن بدر [٦] وعطارد بن حاجب وعمرو بن الأهتم وغيلان بن حريث [٧] وشبث بن ربعي ونظراؤهم، وصانعها مسيلمة بما كان فيه من مزاحمة ثمامة بن أثال له في اليمامة. وزحف شرحبيل بن حسنة والمسلمون إليه فاهدى لها واستأمنها وكانت نصرانية أخذت الدين من نصارى تغلب، فقال لها مسيلمة:
نصف الأرض لنا ونصف الأرض لقريش لكنهم لم يعدلوا فقد جعلت نصفهم لك.
ويقال إنها جاءت إليه واستأمنته وخرج إليها من الحصن إلى قبة ضربت لها بعد أن جمرها [٨] فدخل إليها وتحرّك الحرس حوالي القبة فسجع لها وسجعت له من أسجاع الفرية، فشهدت له بالنّبوّة وخطبها لنفسه فتزوجته وأقامت عنده ثلاثا ورجعت إلى
стр. 1297
قومها، فعذلوها في التزويج على غير صداق فرجعت إليه فقال لها: ناد في أصحابك إني وضعت عنهم صلاة الفجر والعتمة مما فرض عليهم محمد، وصالحته على أن يحمل لها النصف من غلات اليمامة فأخذته وسألت أن يسلفها النصف للعام القابل، ودفعت الهذيل وعقبة لقضبه فهم على ذلك، وإذا بخالد بن الوليد وعساكره قد أقبلوا فانفضت جموعهم وافترقوا، ولحقت سجاح بالجزيرة فلم تزل في بني تغلب حتى نقل معاوية عام الجماعة بني عقفان عشيرتها إلى الكوفة، وأسلمت حينئذ سجاح وحسن إسلامها. ولما افترق وفد الزبرقان والأقرع على أبي بكر وقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونحن نضمن لك أمرها ففعل وكتب لهم بذلك، وكان طلحة بن عبيد الله يتردّد بينهم في ذلك، فجاء إلى عمر ليشهد في الكتاب فمزقه ومحاه وغضب طلحة، وقال لأبي بكر ﵁: أنت الأمير أم عمر ﵁؟ فقال:
عمر غير أن الطاعة لي. وشهد الأقرع والزبرقان مع خالد اليمامة والمشاهد كلها. ثم مضى الأقرع مع شرحبيل إلى دومة.
البطاح ومالك بن نويرة
لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة وراجع بنو تميم الإسلام أقام مالك بن نويرة متحيرا في أمره واجتمع إليه من تميم بنو حنظلة واجتمعوا بالبطاح، فسار إليهم خالد بعد أن تقاعد عنه الأنصار يسألونه انتظار أبي بكر، فأبي إلا انتهاز الفرصة من هؤلاء، فرجعوا إلى اتباعه ولحقوا به. وكان مالك بن نويرة لما تردّد في أمره فرّق بني حنظلة في أموالهم ونهاهم عن القتال ورجع إلى منزله، ولما قدم خالد بعث السرايا يدعون إلى الإسلام ويأتون بمن لم يجب أن يقتلوه، فجاءوا بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع واختلفت السريّة فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلّوا فحبسهم عند ضرار بن الأزور وكانت ليلة ممطرة فنادى مناديه أن أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة كناية [١] عن القتل فبادر ضرار بقتلهم وكان كنانيا. وسمع خالد الواعية فخرج متأسفا وقد فرغوا منهم، وأنكر عليه أبو قتادة فزجره خالد، فغضب ولحق بأبي بكر ويقال: إنهم لما جاءوا بهم إلى خالد خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم شأن
стр. 1298
صاحبكم فقال له خالد: أو ليس لك بصاحب؟ ثم قتله [١] وأصحابه كلهم ثم قدم خالد على أبي بكر وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة أو يعزله فأبى، وقال:
ما كنت أشيم سيفا سلّه الله على الكافرين، وودى مالكا وأصحابه وردّ خالدا إلى عمله.
خبر مسيلمة واليمامة
لما بعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل استعجل عكرمة فانهزم وكتب إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه لا ترجع فتوهن الناس وامض إلى حذيفة وعرفجة فقاتلوا مهرة وأهل عما فإذا فرغتم فامض أنت وجنودك واستنفروا من مررتم عليه حتى تلقوا المهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت، وكتب إلى شرحبيل يمضي إلى خالد فإذا فرغتم فامض أنت إلى قضاعة فكن مع عمرو بن العاص على من ارتدّ منهم. ولما فرغ خالد من البطاح ورضي عنه أبو بكر بعثه نحو مسيلمة وأوعب معه الناس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبرّاء بن عازب، وتعجّل خالد إلى البطاح وانتظر البعوث حتى قدمت عليه، فنهض إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير يقال أربعون ألف مقاتل متفرقين في قراها وحجرها، وتعجل شرحبيل كما فعل عكرمة بقتال مسيلمة فنكب وجاء خالد فلامه على ذلك.
ثم جاء خليط من عند أبي بكر مددا لخالد ليكون ردءا له من خلفه ففرّت جموع كانت تجمعت هنالك من فلال سجاح، وكان مسيلمة قد جعل لها جعلا.
وكان الرّجال [٢] بن عنفوة من أشراف بني حنيفة شهد لمسيلمة بأن رسول الله ﷺ أشركه معه في الأمر لأنّ الرجال، كان قد هاجر وأقام مع رسول الله ﷺ وقرأ القرآن وتفقّه في الدين فلما ارتدّ مسيلمة بعثه النبي ﷺ معلما لأهل اليمامة ومشغبا على مسيلمة فكان أعظم فتنة على بني حنيفة
стр. 1299
منه. واتبع مسيلمة على شأنه وشهد له وكان يؤذن لمسيلمة ويشهد له بالرسالة بعد النبي ﷺ :، فعظم شأنه فيهم وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان مسيلمة يسجع لهم بأسجاع كثيرة يزعم أنها قرآن يأتيه، ويأتي بمخارق يزعم أنها معجزات فيقع منها ضدّ المقصود.
ولما بلغ مسيلمة وبني حنيفة دنو خالد، خرجوا وعسكروا في منتهى ريف اليمامة [١] واستنفروا الناس فنفروا إليهم، وأقبل خالد ولقيه شرحبيل بن حسنة فجعله على مقدمته، حتى إذا كان على ليلة من القوم هجموا على مجاعة في سرية أربعين أو ستين راجعين من بلاد بني عامر وبني تميم يثأرون فيهم فوجدوهم دون ثنية اليمامة فقتلوهم أجمعين، وقيل له استبق مجاعة بن مرارة إن كنت تريد اليمامة فاستبقى.
ثم سار خالد ونازل بني حنيفة ومسيلمة والرجال على مقدمة مسيلمة واشتدت الحرب وانكشف المسلمون حتى دخل بنو حنيفة خباء خالد، ومجاعة بها أسير مع أم متمم [٢] زوجة خالد، فدافعهم عنها مجاعة وقال: نعمت الحرة. ثم تراجع المسلمون وكرّوا على بني حنيفة فقال المحكم بن الطفيل: ادخلوا الحديقة يا بني حنيفة فاني أمنع أدباركم، فقاتل ساعة ثم قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم تذامر المسلمون وقاتل ثابت بن قيس فقتل ثم زيد بن الخطاب ثم أبو حذيفة ثم سالم مولاه ثم البراء أخو أنس بن مالك وكان تأخذه عند الحرب رعدة حتى ينتفض ويقعد عليه الرجال حتى يبول، ثم يثور كالأسد فقاتل وفعل الأفاعيل. ثم هزم الله العدو وألجأهم المسلمون إلى الحديقة وفيها مسيلمة فقال البراء ألقوني عليهم من أعلى الجدار فاقتحم، وقاتلهم على باب الحديقة ودخل المسلمون عليهم، فقتل مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ، وكان زيد بن الخطاب قتل الرجال بن عنفوة. وكان خالد لما نازل بني حنيفة ومسيلمة ودارت الرحى عليه طلب البراز فقتل جماعة، ثم دعا مسيلمة للبراز والكلام محادثة يجاول فيه غرة وشيطانه يوسوس إليه، ثم ركبه خالد فأرهقه وأدبروا وزالوا عن مراكزهم وركبهم المسلمون فانهزم [٣] . وتطاير الناس عن مسيلمة بعد أن
стр. 1300
قالوا له أين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا على أحسابكم. وأتاه وحشي فرماه بحربته فقتل.
واقتحم الناس عليه حديقة الموت من حيطانها وأبوابها فقتل فيها سبعة عشر ألف مقاتل من بني حنيفة، وجاء خالد بمجاعة ووقفه على القتلى ليريه مسيلمة فمرّ بمحكم فقال: هو ذا؟ فقال مجاعة: هذا والله خير منه، ثم أراه مسيلمة رويجل دميم أخينس، فقال خالد: هذا الّذي فعل فيكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك وإنه والله ما جاءك إلّا سرعان الناس وإنّ جماهيرهم في الحصون فهلم أصالحك على قومي. وقد كان خالد التقط من دون الحصون ما جاء من مال ونساء وصبيان ونادى بالنزول عليها فلما قال له مجاعة ذلك قال له: أصالحك على ما دون النفوس. وانطلق يشاورهم فأفرغ السلاح على النساء ووقفن بالسور ثم رجع إليه وقال أبوا أن يجيزوا يشاورهم فأفرغ السلاح على النساء ووقفن بالسور ثم رجع إليه وقال أبوا أن يجيزوا ذلك، ونظر خالد إلى رءوس الحصون قد اسودّت والمسلمون قد نهكتهم الحرب وقد قتل من الأنصار ما ينيف على الثلاثمائة وستين، ومن المهاجرين مثلها ومن التابعين لهم مثلها أو يزيدون، وقد فشت الجراحات فيمن بقي، فجنح إلى السلم فصالحه على الصفراء والبيضاء، ونصف السبي والحلقة وحائط ومزرعة من كل قرية، فأبوا فصالحهم على الربع فصالحوه. وفتحت الحصون فلم يجد فيها إلّا النساء والصبيان فقال خالد: خدعتني يا مجاعة فقال: قومي ولم أستطع إلّا ما صنعت فعقد له وخيرهم ثلاثا فقال: له سلمة بن عمير لا نقبل صلحا ونعتصم بالحصون ونبعث إلى أهل القرى فالطعام كثير والشتاء قد حضر، فتشاءم مجاعة برأيه وقال لهم لولا أني خدعت القوم ما أجابوا إلى هذا، فخرج معه سبعة من وجوه القوم وصالحوا خالدا وكتب لهم وخرجوا إلى خالد للبيعة والبراءة مما كانوا عليه. وقد أضمر سلمة بن عمير الفتك بخالد فطرده حين وقعت عينه عليه وأطلع أصحابه على غدره فأوثقوه وحبسوه ثم أفلت فاتبعوه وقتلوه. وكان أبو بكر بعث إلى خالد مع سلمة بن وقش إن أظفره الله أن يقتل من جرت عليه الموسى من بني حنيفة، فوجده قد صالحهم فأتم عقده معهم، ووفى لهم وبعث وفدا منهم إلى أبي بكر بإسلامهم فلقيهم وسألهم عن اسجاع مسيلمة فقصّوها عليه، فقال سبحان الله هذا الكلام ما خرج من إلّا ولا برّ فأين يذهب بكم عن أحلامكم وردّهم إلى قومهم.