الظّليم [١] ، وتضاؤل الريّم [٢] وأخرس مفوّه [٣] اللسان، وهو بملكات البيان، الحفيظ العليم، وناب لسان الحال، عن لسان المقال، عند الاعتقال [٤] ، فقال يخاطب المقام الّذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركات وجوده: لو علمنا أيّها الملك الأصيل، الّذي كرم منه الاجمال والتفصيل، أنّ الثناء يوازيها، لكلنا لك بكيلك، أو الشّكر يعادلها ويجازيها، لتعرّضنا بالوشل [٥] إلى نيل نيلك [٦] ، أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله:
«أدرك بخيلك» ، حين شرق بدمعه الشّرق [٧] ، وانهزم الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه- والحكم للَّه- الخرق [٨] ورأى أن مقام التّوحيد بالمظاهرة على التّثليث، وحزبه الخبيث، الأولى والأحق.
والآن قد أغنى الله بتلك النيّة، عن اتخاذ الطوال الردينيّة [٩] ، وبالدّعاء من تلك المثابة الدينيّة إلى ربّ المنيّة [١٠] ، وعن الجرد العربيّة، في مقاود اللّيوث الأبية، وجدّد برسم هذه الهديّة، مراسيم العهود الوديّة، والذّمم الموحّديّة، لتكون علامة على الأصل، ومكذّبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف الوصل، ولأمها حراما على النّصل [١١] .
وحضر بين يدينا رسولكم، فقرّر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علوّ مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد [١٢] ما كنّا
стр. 4622
لنقنع من جناه [١] المهتصر [٢] ، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله [٣] بالقصر، لولا طروّ الحصر [٤] .
وقد كان بين الأسلاف- رحمة الله عليهم ورضوانه- ودّ أبرمت من أجل الله معاقده [٥] ، ووثرت للخلوص [٦] ، الجليّ النّصوص، مضاجعه القارّة ومراقده، وتعاهد بالجميل يوجع لفقده فاقده، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده، فنحن الآن لا ندري أيّ مكارمكم نذكر، أو أيّ فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديّتكم، وفي وصفها للأقلام سبح [٧] ، ولعدوّ الإسلام بحكمة حكمتها كبح [٨] ، إنّما نكل الشّكر لمن يوفّي في جزاء الأعمال البرّة، ولا يبخس مثقال الذّرّة ولا أدنى من مثقال الذّرّة، ذي الرّحمة الثّرّة [٩] ، والألطاف المتّصلة المستمرّة، لا إله إلّا هو.
وإن تشوّفتم إلى الأحوال الرّاهنة، وأسباب الكفر الواهية بقدرة الله- الواهنة [١٠] ، فنحن نطرفكم بطرفها [١١] ، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفيها، وهو أننا لمّا أعادنا الله من التّمحيص، إلى مثابة التّخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرّر على من قبلنا وعلينا- أن الدّنيا- وإن غرّ الغرور [١٢] وأنام على سرر الغفلة السّرور، فلم ينفع الخطور [١٣] على أجداث [١٤] الأحباب والمرور،-
стр. 4623
جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي ولا يحبر [١] ، إنّما هو خبر يخبر، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر، وأنّ الأعمار أحلام، وأنّ النّاس نيام، وربما رحل الرّاحل عن الخان [٢] ، وقد جلّله بالأذى والدّخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا [٣] ، والتفقّد للثّغور مسواكا، وضجيع المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ» ٦١: ١٠ [٤] من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق [٥] الحصون المضاعة وجنح [٦] التّقيّة [٧] دامس [٨] ، وعواريها [٩] لا تردّ يد لامس [١٠] ، وساكنها بائس، والأعصم [١١] في شعفاتها [١٢] من العصمة يائس، فزيّنّا ببيض الشّرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها [١٣] وغشّينا بالصّفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيّضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حسّ العيان، أنها قطع من بيض العنان [١٤] ، وتكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفّلة للمؤمنين من فزع الدّنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدوّنة الجيش [١٥] عرضا، وفرضنا إنصافه مع الاهلّة فرضا، واستندنا من التّوكل على الله الغنيّ الحميد إلى ظلّ لواء، ونبذنا إلى الطّاغية
стр. 4624
عهده على سواء [١] وقلنا: ربّنا أنت العزيز، وكلّ جبّار لعزّك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما سواه قليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض [٢] علينا مدارع [٣] الصّابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظّافرين، وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
فتحرّكنا أول الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خفّ من الحشود، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفّرة والجنود، إلى حصن آشر [٤] البازي المطلّ، وركاب العدوّ الضالّ المضلّ، ومهدي نفثات [٥] الصّلّ [٦] ، على امتناعه وارتفاعه، وسمو يفاعه [٧] ، وما بذل العدوّ فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره [٨] ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلا مده الملمومة [٩] وأحجاره، حتى فرعنا [١٠] بحول من لا حول ولا قوة إلا به- أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السّهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحنّاه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا بيدنا في رمّ ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة الرّجال، واقتدينا بنبيّنا- صلوات الله عليه وسلامه- في الخندق [١١] لمّا حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول حديثه والارتجال [١٢] ، وما كان ليقرّ للإسلام مع تركه القرار، وقد كثب الجوار،
стр. 4625
وتداعى الدّعرة [١] وتعاوى الشّرار [٢] .
وقد كنا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدت بين القاعدتين رندة ومالقة الطريق، وألبست ذلّ الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن يسيغا الريق، فلا سبيل الى الإلمام، لطيف المنام، إلا في الأحلام، ولا رسالة إلا في أجنحة هدل [٣] الحمام، فيسّر الله فتحها، وعجّل منحها، بعد حرب انبتّت فيها النّحور، وتزيّنت الحور. وتبع هذه الأمّ بنات شهيرة، وبقع للزّرع والضّرع خيرة [٤] ، فشفي الثّغر من بوسه، وتهلّل وجه الإسلام بتلك النّاحية النّاجية بعد عبوسة.
ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة [٥] ، على بعد المدى، وتغلغلها في بلاد العدا، واقتحام هول الفلا وغول الرّدى، مدينة تبنّتها حمص [٦] فأوسعت الدّار، وأغلت الشّوار [٧] ، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار [٨] ، رجّح لدينا قصدها على البعد، والطّريق الجعد، ما أسفت [٩] به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم، مرّوا بها آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم [١٠]
стр. 4626
الاعتقال، والقيود الثقال، وأضرعهم الإسار وجلّلهم الإنكسار، فجدّلوهم [١] في مصرع واحد، وتركوهم عبرة للرّائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد [٢] ، وترة الماجد [٣] ، فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لا يضلّ ولا ينسى وصبّحتها الخيل، ثم تلاحق الرّجل لمّا جنّ الليل، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذّمار [٤] ، وأخذها الدّمار، ومحقت [٥] من مصانعها البيض الأهلّة وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهلها الضّلوع الحرار [٦] ، وسلّطت على هياكلها النّار، واستولى على الآلاف العديدة من سبيها، وانتهى إلى إشبيلية الثّكلى المغار [٧] فجلّل وجوه من بها من كبار النّصرانية الصّغار [٨] ، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقله [٩] الأوقار [١٠] .
وعدنا والأرض تموج سبيا، لم نترك بعفرين شبلا [١١] ولا بوجرة ظبيا [١٢] ، والعقائل [١٣] حسرى، والعيون يبهرها الصّنع الأسرى [١٤] وصبح السّرى قد حمد من بعد المسرى [١٥] ، فسبحان الّذي أسرى [١٦] ، ولسان الحميّة ينادي، في تلك الكنائس المخرّبة والنّوادي: يا لثارات الأسرى!
стр. 4627
ولم يكن إلا أن نفلت الأنفال [١] ، ووسمت بالأوضاح الأغفال [٢] ، وتميّزت الهوادي والأكفال [٣] ، وكان إلى غزو مدينة جيّان الاحتفال، قدنا إليها الجرد [٤] تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا، والمهنّدة الدّلق [٥] تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا، واستكثرنا من عدد القتال احتياطا، وأزحنا العلل عمّن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنّم ورباطا، ونادينا الجهاد! الجهاد! يا أمّة الجهاد! راية النّبيّ الهادي! الجنّة تحت ظلال السّيوف الحداد!، فهزّ النداء إلى الله تعالى كلّ عارم وغامر [٦] ، وائتمر الجمّ من دعوى الحق إلى أمر آمر، وأتى النّاس من الفجوج [٧] العميقة رجالا وعلى كل ضامر [٨] ، وكاثرت الرّايات أزهار البطاح لونا وعدا، وسدّت الحشود مسالك الطّريق العريضة سدّا، ومدّ بحرها الزّاخر مدّا، فلا يجد لها النّاظر ولا المناظر حدّا.
وهذه المدينة هي الأمّ الولود، والجنّة التي في النّار لسكّانها من الكفّار الخلود، وكرسيّ الملك، ومجنبة [٩] الوسطى من السّلك، باءت بالمزايا العديدة ونجحت، وعند الوزان بغيرها من أمّات [١٠] البلدان، رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيّات السّود، ومنصّب [١١] التّماثيل الهائلة، ومعلّق النّواقيس المصلصلة.
стр. 4628
فأدنينا إليها المراحل، وعنينا ببحار المحلّات المستقلّات منها السّاحل [١] ، ولما أكثبنا [٢] جوارها، وكدنا نلتمح [٣] نارها، تحرّكنا إليها ووشاح [٤] الأفق المرقوم، بزهر النّجوم، قد دار دائره، واللّيل من خوف الصّباح، على سطحه المستباح، قد شابت غدائره، والنّسر [٥] يرفرف باليمن طائره، والسّماك الرّامح [٦] يثأر بعز الإسلام ثائره، والنّعائم راعدة [٧] فرائص [٨] الجسد، من خوف الأسد [٩] ، والقوس [١٠] يرسل سهم السّعادة [١١] ، بوتر العادة، إلى أهداف النعم المعادة، والجوزاء [١٢] عابرة نهر المجرّة [١٣] ، والزهرة [١٤] تغار من الشّعري العبور [١٥]
стр. 4629
بالضّرّة، وعطارد [٤] يسدي في حبل الحروب، على البلد المحروب [٥] ويلحمه، ويناظر على أشكالها الهندسيّة فيفحمه، والأحمر [٦] يبهر، وبعلمه الأبيض يغري وينهر، والمشتري يبدئ في فضل الجهاد ويعيد، ويزاحم في الحلقات، على ما للسّعادة من الصّفقات، ويزيد [٧] ، وزحل [٨] عن الطّالع [٩] منزحل [١٠] ، وعن العاشر [١١] مرتحل، وفي زلق السّعود وحل، والبدر يطالع حجر المنجنيق [١٢] ، كيف يهوي إلى النّيق [١٣] ، ومطلع الشّمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب.
ولما فشا سرّ الصباح، واهتزت أعطاف الرّايات بتحيّات مبشّرات الرّياح أطللنا [١٤] عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرا يروع بأسا ومنعة [١٥] ، ويروق وضعا وصنعة، تلفّعت [١٦] معاقلة الشّم للسّحاب ببرود،
стр. 4630
ووردت من غدر المزن في برود [١] ، وأشرعت لاقتطاف أزهار النجوم والذراع بين النطاق معاصم رود [٢] ، وبلدا يحيي الماسح والذارع [٣] ، وينظم المحاني والأجارع [٤] ، فقلنا: اللَّهمّ نفّله أيدي عبادك، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، ونزلنا بساحتها العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمّنّا من فحصها بسورة «التين والزّيتون» ، متبرئة من أمان الرحمان للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحميّة نفوسهم النفيسة، وسجيّة شجاعتهم البئيسة [٥] ، عن أن تبوّأ [٦] للقتال المقاعد [٧] ، وتدني بأسماع شهير النفير منهم الأباعد، وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدفعوا من أصحر إليهم من الفرسان.
وسبق إلى حومة الميدان [٨] ، حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد [٩] ، في موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت السّهام فيه غماما [١٠] ، وطارت كأسراب الحمام تهدى حماما [١١] ، وأضحت القنا قصدا [١٢] ، بعد أن كانت شهابا رصدا، وماج بحر القتام [١٣] بأمواج النّصول، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصّياح الموصول، فلا ترى إلّا شهيدا تظلّل مصرعه الحور [١٤] ، وصريعا تقذف به الى الساحل تلك البحور، ونواشب [١٥] تبأى [١٦] بها الوجوه الوجيهة عند الله والنّحور،
стр. 4631
فالمقضب [١] ، فوده [٢] يخضب، والأسمر، غصنه يستثمر، والمغفر [٣] ، حماه يخفر، وظهور القسيّ تقصم [٤] ، وعصم الجند الكوافر تفصم [٥] ، وورق اليلب [٦] في المنقلب يسقط، والبيض تكتب والسّمر تنقط [٧] ، فاقتحم الربض الأعظم لحينه، وأظهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزّة دينه، وتبرّأ الشيطان من خدينه [٨] ، ونهب الكفّار وخذلوا، وبكلّ مرصد جدّلوا، ثمّ دخل البلد بعده غلابا، وجلّل [٩] قتلا واستلابا، فلا تسل إلا الظّبا [١٠] والأسل [١١] عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، وتخريب المبائت [١٢] والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود الأول الى الوجود الثّاني [١٣] ، وتخارق السّيف فجاء بغير المعتاد، ونهلت القنا الرّدينيّة من الدّماء، حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسيّ وسحّت، وأرنّت حتى بحّت، ونفدت موادّها فشحّت، مما ألحّت، وسدّت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشّأفة وقطع الدّابر [١٤] ، وأزلف الشّهيد وأحسب الصّابر [١٥] ، وسبقت رسل الفتح الّذي لم يسمع بمثله في
стр. 4632
الزّمن الغابر. تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر.
أقمنا بها أياما نعقر الأشجار [١] ، ونستأصل بالتّخريب الوجار [٢] ، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي: يا لثارات الإسكندريّة [٣] تشفيا من الفجار [٤] ، ورعيا لحق الجار، وقفلنا وأجنحة الرّايات، برياح العنايات، خافقة وأوفاق [٥] ، التّوفيق، النّاشئة من خطوط الطّريق، موافقة، وأسواق العزّ باللَّه نافقة، وحملاء الرّفق مصاحبة- والحمد للَّه مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصّهب السّبال [٦] ، ورفعت على الأكفال، ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام [٧] والاحتيال، وهلك بمهلك هذه الأمّ هذه الأمّ بنات كنّ يرتضعن ثديها الحوافل [٨] ، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التّخريب أسوارها، وعجّلت النّار بوارها.
стр. 4633
ثم تحرّكنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء الأدلاء [١] قبل المتح [٢] ، فبشّرت بالمنح، وقصدنا مدينة أبّدة، وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيّان في حين الحين [٣] ، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق [٤] ، وتمشّت فيه أرباضها تمشّي الكتابة الجامحة في المهرق [٥] ، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح المعيي ريعه [٦] عمل الحاسب وكوارة [٧] الدّبر [٨] اللّاسب [٩] المتعدّدة اليعاسب [١٠] ، فأناخ العفاء [١١] بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار [١٢] الحتوف [١٣] ، ببنان السّيوف، على متديريها المعاقرة [١٤] ، وصبّحتها طلائع الفاقرة [١٥] ، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول [١٦] ، الباقرة [١٧] ، ودخلت مدينتها عنوة السّيف، في أسرع من خطرة الطّيف، ولا تسأل عن الكيف، فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة [١٨] ، ما بلغ من هذه البائسة [١٩] التي سجدت لآلهة النّيران أبراجها،
стр. 4634
وتضاءل [١] بالرّغام [٢] معراجها، وضفت [٣] على أعطافها [٤] ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس [٥] الغزلان.
ثم تأهّبنا لغزو أمّ القرى الكافرة، وخزائن المزاين [٦] الوافرة، وربّة الشّهرة السافرة [٧] ، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ماهية! ذات الأرجاء الحالية [٨] الكاسية [٩] ، والأطواد الرّاسخة الرّاسية، والمباني الماهية، والزّهراء [١٠] الزّاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السّماء قد استدارت من السّور المشيد البناء دارا، ونهر المجرّة من نهرها الفياض، المسلول حسامه من غمود الغياض [١١] ، قد لصق بها جارا، وفلك الدّولاب، المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، ورجّع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأول وادّكارا [١٢] حيث الطّود كالتّاج، يزدان بلجين العذب المجاج [١٣] ، فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسيّ الجسور [١٤] المديدة، كأنّها عوج [١٥] المطيّ العديدة، تعبر النّهر قطارا،
стр. 4635
حيث آثار [١] العامري [٢] المجاهد [٣] ، تعبق [٤] بين تلك المعاهد، شذّي معطارا، حيث كرائم السّحائب، تزور عرائس الرياض الحبائب، فتحمل لها من الدرّ نثارا، حيث شمول الشّمال [٥] تدار على الأدواح [٦] ، بالغدوّ والرّواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح، تفتضّ من شقائق [٧] البطاح، أبكارا، حيث ثغور الأقاح [٨] الباسم، تقبّلها بالسّحر زوار النّواسم، فتخفق قلوب النّجوم الغيارى، حيث المصلّى [٩] العتيق، قد رحب مجالا وطال منارا [١٠] ، وأزرى ببلاط الوليد [١١] احتقارا،
стр. 4636
حيث الظّهور [١] المثارة بسلاح [٢] الفلاح، تجبّ عن مثل أسنمة [٣] المهارى [٤] ، والبطون [٥] كأنها لتدميث [٦] الغمائم، بطون العذارى، والأدواح العالية، تخترق أعلامها الهادية، بالجداول الحيارى [٧] . فما شئت من جو بقيل [٨] ، ومعرّس للحسن ومقيل، وما لك للعقل وعقيل [٩] ، وخمائل، كم فيها للبلابل، من قال وقيل، وخفيف يجاور بثقيل، وسنابل تكي من فوق سوقها، وقصب بسوقها، الهمزات على الألفات، والعصافير البديعة الصّفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصّبا والجنوب، مالئة الجيوب، بدرّ الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل [١٠] ، فتطلبه بالذّحل [١١] ، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السّوسن والبهار [١٢] ، غير العبدان من سودان النّحل، وبحر الفلاحة
стр. 4637
الّذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطّية [١] البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النّوادي [٢] ، وقرار دموع الغوادي [٣] ، للتّجاسر على تخطّيه، عند تمطّيه [٤] ، الجسر العادي، والوطن الّذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الّذي في جوفه كلّ صيد [٥] ، أقلّ كرسيّه خلافة الإسلام، وأغار بالرّصافة [٦] والجسر دار السّلام [٧] ، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام أو تعبّر به عن ذلك الكمال فنون الكلام.
فأعملنا إليها السّرى والسّير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها الخير [٨] . ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والرّكائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام:
«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [٩]
برز من حاميتها المحامية، ووقود النّار الحامية، وبقية السّيف الوافرة على الحصاد النّامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطّامية، واستجنّت [١٠] بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة [١١] والرامية، وتصدّى للنّزال، من
стр. 4638
صناديدها [١] الصّهب السّبال، أمثال الهضاب الراسية، تجنّها [٢] جنن [٣] السوابغ الكاسية، وقواميسها [٤] المفادية للصّلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية [٥] ، وخنازيرها التي عدتها [٦] عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظّلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الّذي فرق البحر، وحلّى بلجينه، ولآلئ زينه، منها النّحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها [٧] ، ولا أتت الأيام الحبالي بمثل أجنّة [٨] أهوالها، من قاسها بالفجار [٩] أفك وفجر [١٠] ، أو مثّلها بجفر الهباءة [١١] خرف وهجر [١٢] ، ومن شبّهها بحرب داحس والغبراء [١٣] ، فما عرف الخبر، فليسأل من جرّب وخبر، ومن نظّرها بيوم شعب جبلة [١٤] فهو ذو بله [١٥] ، أو عادلها ببطن عاقل [١٦] ، فغير عاقل، أو احتجّ بيوم ذي قار [١٧] ، فهو إلى
стр. 4639
المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد [١] ، فسهمه غير السديد، انما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد [٢] وزلزال جبال أوتاد [٣] ، ومتلف [٤] مذخور لسلطان الشيطان وعتاد [٥] ، أعلم [٦] فيه البطل الباسل [٧] ، وتورّد الأبيض الباتر [٨] ، وتأوّد الأسمر [٩] العاسل [١٠] ، ودوّم الجلمد [١١] المتكاسل، وانبعث من حدب [١٢] الحنيّة [١٣] ، إلى هدف الرّميّة [١٤] ، الناشر الناسل [١٥] ، ورويت لمرسلات السّهام المراسل، ثم أفضى أمر الرّماح إلى التّشاجر والارتباك، ونشبت الأسنّة في الدّروع نشب السمك في الشّباك، ثم اختلط المرعيّ بالهمل [١٦] ، وعزل الرّدينيّ عن العمل، وعادت السّيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقّت غدر السّوابغ خلجانا، واتّحدت جداول الدّروع، فصارت بحرا، وكان التّعانق، فلا ترى إلّا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع، واستكشفت مآل الصّبر الأنفس الشّفافة [١٧] ، وهبّت بريح النّصر الطّلائع المبشّرة الهفّافة [١٨] ، ثم أمدّ السّيل ذلك
стр. 4640
العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللّباب، وقال لسان النّصر: «ادخلوا عليهم الباب» ، فأصبحت طوائف الكفّار، حصائد مناجل الشّفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار [١] ، ورءوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرّايات من فوق تلك الأبراج المستطرقة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحدّ والمقدار، والوقوف عند اختفاء سرّ الأقدار.
ثم عبرنا نهرها، وشددنا بأيدي الله قهرها، وضيّقنا حصرها، وأدرنا بلآليء القباب البيض خصرها، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما [٢] ، وترمي الأدواح ببوارها، وتسلّط النّيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث [٣] والانتساف [٤] ، ونوالي على زروعها وربوعها كرّات رياح الاعتساف، حتّى يتهيأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنّا بفضل الله إرث نعمتها، ثم كانت من موقفها الإفاضة من [٥] بعد نحر النّحور، وقذف جمار الدّمار على العدوّ المدحور، وتدافعت خلفنا السّيّقات [٦] المتّسقات تدافع أمواج البحور.
وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة [٧] ، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم [٨] ، وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربّنا فأصبحت كالصّريم [٩] ، وأغرينا حلاق [١٠] النّار بجمم الجميم [١١] ، وراكمنا في أحواف
стр. 4641
أجرافها [١] غمائم الدّخان، يذكّر طيبه البان بيوم الغميم [٢] ، وأرسلنا رياح الغارات «لا تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم» [٣] ، واستقبلنا الوادي يهول مدّا، ويروع سيفه الصّقيل حدا، فيسّره الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة أيدي الانتهاز، وسألنا من سائله أسد بن الفرات [٤] فأفتى برجحان الجواز، فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز [٥] فأديل [٦] المصون، وانتهبت القرى، وهدّت الحصون، واجتثت الأصول، وحطّمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصابحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضّاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى السوابق ومجرّ العوالي [٧] ، على التوالي، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي، وكأن بها قد ضرعت، وإلى الدعوة المحمّدية أسرعت، بقدرة من لو انزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية الله وتصدعت [٨] ، وعزة من أذعنت الجبابرة لعزّه وخضعت، وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التّقطيب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى متعلّقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، والسّيوف في مضاجع الغمود قلقه، وسرابيل الدّروع [٩] خلقه [١٠] ، والجياد من ردّها إلى المرابط والأواري [١١] ، ردّ العواري، حنيقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين الاختيال والمراح،
стр. 4642
تحت حلل السّلاح، عود الصّبيان إلى المكاتب، والطّبل بلسان العزّ هادر [١] والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر [٢] ، ووجود نوع الرّماح، من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم يرتّب بين يديه من السّبي النّوادر، ووارد مناهل الأجور، غير المحلّاء [٣] ، ولا المهجور، غير صادر [٤] ، ومناظر الفصل الآتي، عقب أخيه الشّاتي، على المطلوب المواتي مصادر [٥] والله على تيسير الصّعاب، وتخويل المنن الرّغاب [٦] ، قادر، لا إله إلّا هو. فما أجمل لنا صنعه الحفيّ [٧] ، وأكرم بنا لطفه الخفيّ، اللَّهمّ لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلّا إليك، ولا نلتمس خير الدّنيا والاخرة إلّا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك، يا مبدئ يا معيد، وأعنّا من وسائل شكرك، على ما ينثال به المزيد، يا حيّ يا قيّوم يا فعّال لما يريد [٨] .
وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح [٩] بعيد صيته [١٠] مشرئبّ ليته [١١] ، وفخر من فوق النّجوم العواتم [١٢] مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشّارد، وقلنا: البركة في قدم الوارد، وهو أنّ ملك النّصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة الإسلام قد غصبت، والتّماثيل [١٣] فيها ببيوت الله قد نصبت أدالها [١٤] الله- بمحاولتنا- الطيّب من الخبيث، والتّوحيد من التّثليث، وعاد إليها الإسلام عود الأب الغائب، الى البنات الحبائب، يسأل عن شئونها، ويمسح دموع الرّقّة من
стр. 4643
جفونها، وهي للرّوم خطّة خسف [١] قلّما ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود. والى الله علينا وعليكم عوارف [٢] الجود، وجعلنا في محاريب الشّكر من الرّكّع السّجود.
عرّفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير لنسرّكم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإنّ دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهّاب متقاض [٣] ، أولى من ساهم في برّ، وعامل الله بخلوص سرّ، وأين يذهب الفضل عن بيتكم، وهو صفة حيّكم، وتراث ميتكم، ولكم مزيّة القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرّها إيوانكم، وأصحاب الامام مالك- ﵁ مستقرّها قيروانكم، وهجّير المنابر [٤] ذكر إمامكم، والتوحيد إعلامكم، والوقائع الشّهيرة في الكفر منسوبة الى أيامكم، والصّحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق ﵇ وشائح سلطانكم [٥] ، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيّدات تعريف أبوابكم.
والله- يتولّى عنا من شكركم المحتوم، ما قصّر المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرّسوم، ويحلّ محبّتكم من القلوب محلّ الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم.
والسّلام الكريم، الطّيب الزكي المبارك البرّ العميم، يخصّكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصّبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النّسيم سفيرا، وكان الوميض [٦] الباسم لأكواس الغمائم [٧] ، على أزهار الكمائم [٨] ، مديرا، ورحمة الله وبركاته.
стр. 4644
وكتب إليّ يهنّئني بمولود، ويعاتب على تأخير الخبر بولادة عنه [١] :
هنيئا أبا الفضل الرضا وأبا زيد ... وأمّنت من بغي يخاف ومن كيد
بطالع يمن طال في السعد شأوه [٢] ... فما هو من عمره الرجال ولا زيد
وقيّد بشكر الله أنعمه التي ... أوابدها [٣] تأبى سوى الشكر من قيد
أهلا بدري المكاتب [٤] ، وصدري المراتب، وعتبى الزّمن [٥] العاتب [٦] وبكر المشتري والكاتب [٧] ، ومرحبا بالطالع، في أسعد المطالع، والثّاقب [٨] ، في أجلى المراقب، وسهلا بغنيّ البشير، وعزّة الأهل والعشير، وتاج الفخر الّذي يقصر عنه كسرى وأردشير [٩] ، الآن اعتضدت الحلّة الحضرمية [١٠] بالفارس، وأمن السّارح [١١] في حمى الحارس، وسعدت بالمنير الكبير، أفلاك التّدوير [١٢] ، من حلقات المدارس، وقرّت بالجنى الكريم عين الغارس، واحتقرت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدّارس،
стр. 4645
وقيل للمشكلات: طالما ألفت الخمرة [١] ، وأمضيت على الأذهان الامرة [٢] ، فتأهّبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيّزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لماك. وللَّه من نصبة [٣] احتفى فيها المشتري واحتفل، وكفى سنيّ تربيتها وكفل، واختال عطارد في حلل الجذل لها ورفل، واتّضحت الحدود [٤] ، وتهلّلت الوجوه [٥] ، وتنافست المثلّثات [٦] تؤمّل الحظّ وترجوه، ونبّه البيت على [٧] واجبه، وأشار لحظ الشّرف [٨] بحاجبه، وأسرع نيّر النّوبة [٩] في الأوبة [١٠] ، قائما في الاعتذار مقام التّوبة، واستأثر بالبروج المولّدة بيت البنين [١١] ، وتخطّت خطا القمر رأس الجوزهر [١٢] وذنب التّنّين، وساوق منها حكم الأصل، حذوك النّعل بالنّعل،
стр. 4646
تحويل السّنين [١] ، وحقّق هذا المولود بين المواليد نسبة عمر الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشره [٢] السّعدان [٣] اقتران الجسد، وثبت بدقيقة مركزه قلب الأسد، وسرق من بيت أعدائه [٤] خرثيّ [٥] الغلّ والحسد، ونظّفت طرق التّسيير [٦] ، كما نفعل بين يدي السادة عند المسير، وسقط الشيخ الهرم من الدّرج في البير، ودفع المقاتل إلى الوبال [٧] الكبير.
لم لا ينال العلا أو يعقد التّاج ... والمشتري طالع والشّمس هيلاج [٨]
والسّعد يركض في ميدانها مرحا ... جذلان والفلك الدّوّار هملاج [٩]
كأن به- والله يهديه- قد انتقل من مهد التنويم، الى النّهج القويم، ومن أريكة الذّراع، الى تصريف اليراع [١٠] ، ومن كتد [١١] الدّاية [١٢] ، الى مقام الهداية، والغاية المختطفة [١٣] البداية، جعل الله وقايته عليه عوذة [١٤] ، وقسم حسدته قسمة محرّم اللّحم، بين منخنقة [١٥] ونطيحة [١٦] ومتردّية [١٧]
стр. 4647
وموقوذة [١] ، وحفظ هلاله في البدار [٢] الى تمّه وبعد تمّه، وأقرّ به عين أبيه وأمّه. غير أنّي- والله يغفر لسيدي- بيد أنّي راكع في سبيل الشّكر وساجد، فأنا عاتب وواجد، إذ كان ظنّي أنّ البريد بهذا الخبر إليّ يعمل، وأنّ إتحافي به لا يهمل، فانعكست القضيّة، ورابت الحال المرضيّة، وفضلت الأمور الذّاتية الأمور العرضيّة، والحكم جازم، وأحد الفرضين لازم، إما عدم السّوية [٣] ، ويعارضه اعتناء حبله مغار [٤] ، وعهدة سلم لم يدخلها جزية ولا صغار، أو جهل بمقدار الهبة، ويعارضه علم بمقدار الحقوق، ورضى مناف للعقوق، فوقع الأشكال، وربّما لطف عذر كان عليه الاتّكال. وإذا لم يبشّر مثلي بمنحة الله قبل تلك الذّات السرية، الخليقة بالنّعم الحرية، فمن الّذي يبشّر، وعلى من يعرض بزّها [٥] أو ينشر، وهي التي واصلت التّفقّد [٦] ، وبهرجت [٧] المعاملة وأبت أن تنقد، وأنّست الغربة وجرحها غير مندمل [٨] ، ونفّست الكربة وجنحها [٩] على الجوانح [١٠] مشتمل، فمتى فرض نسيان الحقوق لم ينلني فرض، ولا شهد به عليّ سماء ولا أرض، وإن قصّر فيما يجب لسيدي عمل، لم يقصّر رجاء ولا أمل، ولي في شرح حمده ناقة وجمل [١١] . ومنه جلّ وعلا نسأل أن يريه قرّة العين في نفسه وماله وبنيه، ويجعل أكبر عطايا الهيالج أصغر سنيه، ويقلّد عواتق [١٢]
стр. 4648
الكواكب البابانية [١] حمائل أمانيه. وإن تشوّف سيدي لحال وليّه، فخلوة طيبة، ورحمة من جانب الله صيّبة، وبرق يشام [٢] ، فيقال: حدّث ما وراءك يا هشام. وللَّه درّ شيخنا إذ يقول:
لا بارك للَّه في إن لم ... أصرّف النّفس في الأهمّ
وكثّر الله في همومي ... إن كان غير الخلاص همّي
وإن أنعم سيّدي بالإلماع بحاله، وحال الولد المبارك، فذلك من غرر إحسانه، ومنزلته في لحظ لحظبي بمنزلة إنسانه، والسّلام.
(العودة الى المغرب الأقصى)
ولما كنت في الاعتمال في مشايعة السلطان عبد العزيز ملك المغرب [٣] ، كما ذكرت تفاصيله، وأنا مقيم ببسكرة في جوار صاحبها أحمد بن يوسف بن مزنى، وهو صاحب زمام رياح، وأكثر عطائهم من السلطان مفترض عليه في جباية الزّاب [٤] ، وهم يرجعون اليه في الكثير من أمورهم، فلم أشعر إلّا وقد حدثت المنافسة منه في استتباع العرب، ووغر صدره [٥] ، وصدّق في ظنونه وتوهّماته، وطاوع الوشاة فيما يوردون على سمعه من التّقوّل والاختلاق، وجاش صدره بذلك، فكتب إلى ونزمار بن عريف، وليّ السلطان، وصاحب شواره، يتنفّس الصّعداء من ذلك، فأنهاه إلى السلطان، فاستدعاني لوقته، وارتحلت من بسكرة
стр. 4649
بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم سنة أربع وسبعين وسبعمائة متوجها الى السلطان وكان قد طرقه المرض فما هو إلا أن وصلت مليانة من أعمال المغرب الأوسط، لقيني هنالك خبر وفاته، وأنّ ابنه أبا بكر السعيد نصّب بعده للأمر في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي وأنه ارتحل إلى المغرب الأقصى مغذّا السير إلى فاس، وكان على مليانة يومئذ عليّ بن حسون بن أبي علي الهساطي [١] من قواد السلطان وموالي بيته، فارتحلت معه إلى أحياء العطاف ونزلنا على أولاد يعقوب بن موسى من أمرائهم، وبدرني بعضهم إلى حلّة أولاد عريف أمراء سويد، ثم لحق بنا بعد أيام عليّ بن حسّون في عساكره وارتحلنا جميعا إلى المغرب على طريق الصحراء، وكان أبو حمّو قد رجع بعد مهلك السلطان من مكان انتباذه بالقفر في تيكورارين إلى تلمسان فاستولى عليها وعلى سائر أعماله، وأوعز إلى بني يغمور من شيوخ عبيد الله في المعقل أن يعترضونا بحدود بلادهم من رأس العين [٢] مخرج وادي صا [٣] ، فاعترضونا هنالك فنجا من نجامّنا على خيولهم إلى جبل دبدو وانتهبوا جميع ما كان معنا وأرجلوا الكثير من الفرسان، وكنت فيهم، وبقيت يومئذ في قفره ضاحيا عاريا إلى أن حصلت إلى العمران ولحقت بأصحابي بجبل دبدو ووقع في خلال ذلك من الألطاف ما لا يعبّر عنه، ولا يسع الوفاء بشكره. ثم سرنا إلى فاس ووفدت على الوزير أبي بكر وابن عمّه محمد بن عثمان بفاس في جمادى من السنة، وكان لي معه قديم صحبة واختصاص منذ نزع معي إلى السلطان أبي سالم بجبل الصفيحة، عند إجازته من الأندلس لطلب ملكه كما مرّ في غير موضع من الكتاب، فلقيني من برّ الوزير وكرامته وتوفير جرايته وإقطاعه، فوق ما احتسب وأقمت بمكاني من دولتهم أثير المحل، ثابت [٤] الرتبة عظيم الجاه، منوّة المجلس عند السلطان. ثم انصرم فصل الشتاء وحدث بين الوزير أبي بكر بن غازي وبين السلطان ابن الأحمر منافرة بسبب ابن الخطيب، وما دعا إليه ابن الأحمر من إبعاده عنهم، وأنف الوزير من ذلك فأظلم الجو بينهما، وأخذ الوزير في تجهيز بعض القرابة من بني الأحمر ليشغله به ونزع ابن
стр. 4650
الأحمر [١] إلى إطلاق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن من ولد السلطان أبي علي، والوزير مسعود بن رحّو [٢] بن ماسي كان حبسهما أيام السلطان عبد العزيز وأشار بذلك ابن الخطيب حين كان في وزارتهما بالأندلس، فأطلقهما الآن وبعثهما لطلب الملك بالمغرب، وأجازهما في الأسطول إلى سواحل غساسة [٣] فنزلوا بها ولحقوا بقبائل بطوية هنالك، فاشتملوا عليهم، وقاموا بدعوة الأمير عبد الرحمن. ونهض ابن الأحمر من غرناطة في عساكر الأندلس فنزل على جبل الفتح فحاصره، وبلغت الأخبار بذلك إلى الوزير أبي بكر بن غازي القائم بدعوة بني مرين، فوجّه لحينه ابن عمه محمد بن عثمان بن الكاس إلى سبتة لإمداد الحامية الذين لهم بالجبل، ونهض هو في العساكر إلى بطوية لقتال الأمير عبد الرحمن، فوجده قد ملك ملك تازي، فأقام عليها يحاصره، وكان السلطان عبد العزيز قد جمع شبابا من بني أبيه المرشّحين، فحبسهم بطنجة. صاحبه على ما كان منه، واشتدّ عذل ابن الأحمر على إخلائهم الكرسيّ من كفئه، ونصبهم السعيد بن عبد العزيز صبيّا لم يثغر، فاستعتب له محمد، واستقال من ذلك، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين بطنجة، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضا بأنه إن تضايق عليه الأمر من الأمير عبد الرحمن، يفرّج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء.
وكان محمد بن الكاس قد استوزره السلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه، فبادر من وقته إلى طنجة وأخرج السلطان أحمد ابن السلطان أبي سالم من محبسه، وبايع له وسار به إلى سبتة، وكتب لابن الأحمر يعرّفه بذلك، ويطلب منه المدد على أن ينزل له عن جبل الفتح، فأمدّه بما شاء من المال والعسكر واستولى على جبل الفتح وشحنه بحاميته، وكان أحمد ابن السلطان أبي سالم قد تعاهد مع بني أبيه في محبسهم، على أنّ من صار له الملك إليه منهم، يجيز الباقين إلى الأندلس، فلما بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم، وأجازهم جميعا، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر، فأكرم نزلهم ووفّر جراياتهم. وبلغ الخبر بذلك كلّه إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازى، فأخذه المقيم المقعد من فعلة ابن عمّه،
стр. 4651
وكرّ [١] راجعا إلى دار الملك، وعسكر بكدية العرائس من فاس [٢] وتوعّد ابن عمّه محمد بن عثمان فاعتذر بأنه امتثل وصيّته، فاستشاط وتهدّده واتسع الخرق بينهما، وارتحل محمد بن عثمان بسلطانه ومدده من عسكر الأندلس إلى أن احتل بجبل زرهون [٣] المطل على مكناسة، فعسكر به، واشتملوا عليه، وزحف إليهم الوزير أبو بكر وصعد الجبل فقاتلوه وهزموه، ورجع إلى مكانه بظاهر دار الملك، وكان السلطان ابن الأحمر قد أوصى محمد بن عثمان بالاستعانة بالأمير عبد الرحمن والاعتضاد به، ومساهمته في جانب من أعمال المغرب يستبدّ به لنفسه، فراسله محمد ابن عثمان في ذلك، واستدعاه واستمدّه وكان ونزمار بن عريف وليّ سلفهم قد أظلم الجوّ بينه وبين الوزير أبي بكر، لأنّه سأله وهو يحاصر تازى في الصلح مع الأمير عبد الرحمن فامتنع، واتهمه بمداخلته والميل له، فاعتزم على التقبّض عليه، ودسّ إليه بعض عيونه، فركب الليل ولحق بأحياء الأحلاف من المعقل، وكانوا شيعة للأمير عبد الرحمن، ومعهم علي بن عمر الويغلاني كبير بني ورتاجن، كان انتقض على الوزير ابن غازي ولحق بالسوس [٤] . ثم خاض القفر إلى هؤلاء الأحلاف فنزل بينهم مقيما لدعوة الأمير عبد الرحمن، فجاءهم ونزمار مفلتا من حبالة الوزير أبي بكر وحرّضهم على ما هم فيه، ثم بلغهم خبر السلطان أحمد بن أبي سالم ووزيره محمد ابن عثمان، وجاءهم وافد الأمير عبد الرحمن يستدعيهم. وخرج من تازي فلقيهم، ونزل بين أحيائهم، ورحلوا جميعا إلى إمداد السلطان أبي العبّاس حتى انتهوا إلى صفروي [٥] . ثم اجتمعوا جميعا على وادي النجا، وتعاقدوا على شأنهم، وأصبحوا غدا على التعبية، كل من ناحيته.
стр. 4652
وركب الوزير أبو بكر لقتالهم فلم يطق، وولّى منهزما فانحجر بالبلد الجديد [١] ، وخيّم القوم بكدية العرائس محاصرين له، وذلك أيام عيد الفطر من سنة خمس وسبعين وسبعمائة فحاصروها ثلاثة أشهر وأخذوا بمخنقها إلى أن جهد الحصار الوزير ومن معه، فأذعن للصلح على خلع الصبيّ المنصوب السعيد ابن السلطان عبد العزيز، وخروجه إلى السلطان أبي العباس ابن عمّه، والبيعة له، وكان السلطان أبو العبّاس والأمير عبد الرحمن قد تعاهدوا عند الاجتماع بوادي النجا على التعاون والتناصر، على أنّ الملك للسلطان أبي العبّاس بسائر أعمال المغرب، وأنّ للأمير عبد الرحمن بلد سجلماسة ودرعة [٢] والأعمال التي كانت لجدّه السلطان أبي علي أخي السلطان أبي الحسن. ثم بدا للأمير عبد الرحمن في ذلك أيام الحصار، واشتطّ بطلب مراكش وأعمالها فأغضوا له في ذلك، وشارطوه على ذلك حتى يتمّ لهم الفتح، فلما انعقد ما بين السلطان أبي العبّاس والوزير أبي بكر، وخرج إليه من البلد الجديد، وخلع سلطانه الصبيّ المنصوب، ودخل السلطان أبو العبّاس إلى دار الملك فاتح ست وسبعين وسبعمائة وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذّ السير إلى مراكش، وبدا للسلطان أبي العبّاس ووزيره محمد بن عثمان في شأنه، فسرّحوا العساكر في اتباعه، وانتهوا خلفه إلى وادي بهت فواقفوه ساعة من نهار، ثم أحجموا عنه، وولّوا على راياتهم، وسار هو إلى مراكش، ورجع عنه وزيره مسعود بن ماسي بعد أن طلب منه الإجازة إلى الأندلس يتودّع بها، فسرّحه لذلك، وسار إلى مراكش فملكها.
وأمّا أنا فكنت مقيما بفاس في ظلّ الدولة وعنايتها، منذ قدمت على الوزير سنة أربع وسبعين وسبعمائة كما مرّ، عاكفا على قراءة العلم وتدريسه، فلمّا جاء السلطان أبو العبّاس والأمير عبد الرحمن وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة إليهم من الفقهاء والكتاب والجند، وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أبا كرهما معا، وكان بيني وبين الوزير محمد بن عثمان ما مرّ
стр. 4653
ذكره قبل هذا، فكان يظهر لي رعاية ذلك، ويكثر من المواعيد، وكان الأمير عبد الرحمن يميل إليّ ويستدعيني أكثر أوقاته، ويشاورني في أحواله، فغصّ بذلك الوزير محمد بن عثمان وأغرى سلطانه فتقبّض عليّ. وسمع الأمير عبد الرحمن بذلك، وعلم أنّي إنّما أتيت من جرّاه، فحلف ليقوّضن خيامه، وبعث وزيره مسعود بن ماسي لذلك، فأطلقني من الغد، ثم كان افتراقهما لثالثة. ودخل الأمير أبو العبّاس دار الملك، وسار الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وكنت أنا يومئذ مستوحشا، فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزما على الإجازة إلى الأندلس من ساحل آسفي، معوّلا في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ماسي لهواي فيه، فلمّا رجع مسعود ثني عزمي في ذلك، ولحقنا بونزمار بن عريف بمكانه من نواحي كرسيف، لتقدّمه وسيلة إلى السلطان أبي العبّاس صاحب فاس في الجواز إلى الأندلس، ووافينا عنده داعي السلطان فصحبناه إلى فاس، واستأذنه في شأني، فأذن لي بعد مطاولة وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان بن داود بن أعراب، ورجال الدولة.
وكان الأخ يحيى لمّا رحل السلطان أبو حمّو من تلمسان، رجع عنه من بلاد زغبة إلى السلطان عبد العزيز، فاستقرّ في خدمته، وبعده في خدمة ابنه السعيد المنصوب مكانه. ولمّا استولى السلطان أبو العبّاس على البلد الجديد استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له وقدم على السلطان أبي حمّو، فأعاده لكتابة سرّه كما كان أوّل أمره، وأذن لي أنا بعده فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدّعة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الاجازة الثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف
ولما كان ما قصصته من تنكّر السلطان أبي العبّاس صاحب فاس والذهاب مع الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف طلبا للوسيلة في انصرافي إلى الأندلس بقصد الفرار والانقياض، والعكوف على قراءة العلم، فتمّ ذلك ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة ولقيني السلطان بالكرامة وأحسن النزل على عادته، وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب
стр. 4654
السلطان ابن الأحمر من بعد ابن الخطيب الفقيه أبا عبد الله بن زمرك، ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة، فلمّا وصل إلى فاس، وتحدّث مع أهلي في إجازتهم، تنكّروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتّهموا أنّي ربّما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن الّذي اتّهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي.
وخاطبوا ابن الأحمر في أن يرجّعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، وكان مسعود بن ماسي قد أذنوا له في اللحاق بالأندلس، فحملوه مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له انّي كنت ساعيا في خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأوّل استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به. وبعث إليه [١] ابن الخطيب مستصرخا به، ومتوسّلا، فخاطبت في شأنه أهل الدولة، وعوّلت فيه منهم على ونزمار وابن ماسي، فلم تنجح تلك السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه، فلمّا قدم ابن ماسي على السلطان ابن الأحمر وقد أغروه بي فألقى إلى السلطان ما كان منّي في شأن ابن الخطيب، فاستوحش من ذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين والجوّ بيني وبين السلطان أبي حمّو مظلم بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مرّ. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث عني إلى تلمسان، واستقررت بها بالعبّاد، ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا معي وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين وسبعمائة وأخذت في بثّ العلم، وعرض للسلطان أبي حمّو رأي في الزواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني وكلّفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه ونكرته على نفسي لما آثرته من التخلّي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهرا، وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول [٢] فلقوني بالتحف والكرامة، وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي بتلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عنّي في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة أولاد سلامة [٣] من بلاد بني توجين التي صارت لهم بأقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة
стр. 4655
أعوام متخليا عن الشواغل كلّها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدّمة على ذلك النحو الغريب الّذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسألت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألّفت نتائجها، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الفيئة الى السلطان أبي العباس بتونس)
ولما نزلت بقلعة ابن سلامة من أحياء أولاد عريف، وسكنت بقصر أبي بكر بن عريف الّذي اختطّه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي هنالك وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدّمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوّفت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت النكير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أربى على البنية لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العبّاس والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته، والمراجعة، فما كان غير بعيد، وإذا بخطابه وعهوده بالإذن والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوق للرحلة فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الاجص [١] من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس، وارتحلنا في رجب سنة ثمانين وسبعمائة وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار [٢] الضيعة التي اختطّها بالزاب، فرحلت معهم [٣] إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها الأمير إبراهيم ابن السلطان أبي العبّاس بمخيّمه ومعسكره، فحضرت عنده وقسم لي من برّه وكرامته فوق الرضى وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، ريثما أصل إلى حضرة أبيه، وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومه،
стр. 4656
وسرت إلى السلطان أبي العبّاس وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيّا وفادتي برّ مقدمي وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمّات أموره، ثم ردّني إلى تونس وأوعز إلى نائبة بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية من الجراية والعلوفة، وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظلّ ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت إلى الأهل والولد وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلّهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمدا المنتصر بتوزر [١] وجعل نفطة ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفّرا مزهرا، فأقبل عليّ واستدناني لمجالسته، والنجاء في خلوته، فغصّ بطانته من ذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة، وكان في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المرسي بمجالسة الشيوخ، فكثيرا ما كان يظهر شفوفي [٢] عليه، وإن كان أسنّ مني فاسودّت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه، ولما قدمت تونس انثال عليّ طلبة العلم من أصحابه وسواهم يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفتهم بذلك، فعظم عليه، وكان يسرّ التنفير إلى الكثير منهم، فلم يقبلوا، واشتدّت غيرته ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأنيب والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معرض عنهم في ذلك، وقد كلّفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوّقه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل فأكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل اليّ منها، وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته. وكان مما يغرون به السلطان قعودي على امتداحه، فإنّي كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرّغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنّما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسّمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلمّا رفعت له الكتاب وتوّجته باسمه أنشدت في
стр. 4657
ذلك اليوم هذه القصيدة امتدحه، وأذكّر سيره وفتوحاته، واعتذر عن انتحال الشعر واستعطفه بهدية الكتاب إليه فقلت:
هل غير بابك للغريب مؤمّل ... أو عن جنابك للاماني معدل
هي همّة بعثت إليك على النّوى ... عزما كما شحذا لحسام الصّيقل
متبوّأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل
حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنو لها زهر النجوم وتحفل [١]
حيث الخيام البيض ترفع للقرى ... قد فاح في أرجائهنّ المندل [٢]
حيث الحمى للعزّ في ساحاته ... ظلّ أفاءته الوشيج الذبّل
حيث الرماح يكاد يورق عودها ... مما تعلّ من الدماء وتنهل
حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيّهم والمندل
حيث الجياد أملن شجعان الوغى ... مما أطالوا في المنار وأوغلوا [٣]
حيث الوجوه الغرّ قنعها الحيا ... والبشر في صفحاتها يتهلّل
حيث الملوك الصيد والنّفر الألى ... عزّ الجوار لديهم والمنزل
من شيعة المهديّ بل من شيعة ... التوحيد جاء به الكتاب مفصّل [٤]
شادوا على التقوى مباني عزّهم ... للَّه ما شادوا بذاك وأثّلوا
بل شيعة الرحمن ألقى حبّهم ... في خلقه فسموا بذاك وفضّلوا
قوم أبو حفص أب لهم وما ... أدراك والفاروق جدّ أوّل [٥]
نسب كما اضطردت أنابيب القنا ... وأتى على تقويمهنّ معدّل
سام على هام الزّمان كأنّه ... للفجر تاج بالبدور مكلّل
стр. 4658
فضل الأنام حديثهم وقديمهم ... ولأنت إن نصّبوا أعزّوا أفضل
وبنوا على قلل التخوم ووطّدوا ... وبناؤك العالي أشدّ وأطول
ولقد أقول لخائض بحر الغلا ... والليل مدّثر الجوانب أليل [١]
ماض على غول الدّجى لا يتّقي ... منها وذا بله ذبال مشعل
متقلّب فوق الرماح [٢] كأنّه ... طيف بأطراف المهاد موكّل
يبغي منال الفوز من طرق الغنى ... ويرود مخصبها الّذي لا يمجل
أرح الرّكاب فقد ظفرت بواهب ... يعطي عطاء المنعمين فيجزل
للَّه من خلق كريم في النّدى ... كالروض حيّاه نديّ مخضوضل
هذا أمير المؤمنين إمامنا ... في الدين والدنيا إليه الموئل
هذا أبو العبّاس خير خليفة ... شهدت له الشّيم التي لا تجهل
مستنصر باللَّه في قهر العدا ... وعلى إعانة ربّه متوكّل
سبق الملوك إلى العلا متمهّلا ... للَّه منك السابق المتمهّل
فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا ... يتسابقون إلى العلاء وأكمل
قائس قديما منهم بقديمكم [٣] ... فالأمر فيه واضح لا يجهل
دانوا لقومكم بأقوم طاعة ... هي عروة الدين التي لا تفصل
سائل تلمسانا بها وزناتة ... ومرين قبلهم كما قد ينقل
وأسأل بأندلس مدائن ملكها ... تخبرك حين استأنسوا واستأهلوا
وأسأل بذا مرّاكشا وقصورها ... فلقد تجيب رسومها من يسأل
يا أيّها الملك الوفيّ يا ذا الّذي ... ملاء القلوب وفوق ما يتمثّل [٤]
للَّه منك مؤيّد عزماته ... تمضي كما يمضي القضاء المرسل
حيث الزمان يحتّ أعظم حتّه [٥] ... فافترّ عنه وهو أكلح أعضل
والشّمل من أنبائه متصدّع ... وعلا خلافتهم [٦] مضاع مهمل
стр. 4659
والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم ... ورجوا إصلاح الحال منك وأمّلوا
فعجلته لما انتدبت لأمره ... بالبأس والعزم الّذي لا يمهل
ذلّلت منه جامحا لا ينثني ... سهّلت وعرا كاد لا يتسهّل
وألنت من سوس العتاة وذدتهم ... عن ذلك الحرم الّذي قد حلّلوا
كانت لصولة صولة ولقومه ... يعدو ذؤيب بها وتسطو المعقل
ومهلهل تسدي وتلحم في التي ... ما أحكموها فهي بعد مهلهل
والمراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أولاد أبي الليل. وذؤيب هو ابن عمّه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم، ومهلهل هم بنو مهلهل بن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجع إلى وصف العرب وأحيائهم:
عجب الأنام لشأنهم بادون قد ... قذفت بحيّهم المطيّ الذلّل
رفعوا القباب على العماد وعندها ... الجرد السّلاهب والرّماح العسل [١]
في كلّ طامي الرب منعقد الحصا [٢] ... تهدي للجّته الظماء فتنهل
حيّ شرابهم السراب ورزقهم ... ريح يروح به الكميّ ومنصل [٣]
حيّ حلول بالعراء ودونهم ... قذف النّوى إن يظعنوا أو يقبلوا
كانوا يروعون الملوك بما بدوا ... وغدت ترفّه بالنعيم وتخضل
فبدوت لا تلوي على دعة ولا ... تأوي إلى ظلّ القصور وتهزل [٤]
طورا يصافحك الهجير وتارة ... فيه بخفّاق البنود تظلّل
وإذا تعاطى الضمر في يوم الوغى [٥] ... كأس النجيع فبالصّهيل تعلّل
مخشوشنا في العزّ معتملا له ... في مثل هذا يحسن المستعمل
تفري حشى البيداء لا يسري بها ... ركب ولا يهوي إليه جحفل
وتجرّ أذيال الكتائب فوقها ... تختال في السّمر الطوال وترفل
стр. 4660
ترميهم منها بكلّ مدجّج ... شاكي السلاح إذا استعار الأعزل
وبكل أسمر غصنه متأوّد ... وبكل أبيض شطّه متهدّل
حتى تفرّق ذلك الجمع الألى ... عصفت بهم ريح الجلاء فزلزلوا
ثم استملتهم بنعمتك [١] التي ... خضعوا لعزّك بعدها وتذلّلوا
ونزعت من أهل الجريد غواية ... وقطعت من أسبابها ما أوصلوا
خرّبت من بنيانها ما شيّدوا ... وقطعت من أسبابها ما أصّلوا
ونظمت من أمصاره وثغوره ... للملك عقدا بالفتوح يفصّل
فسددت مطّلع النفاق وأنت لا ... تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل
بشكيمة مرهوبة وسياسة ... تجري كما يجري فرات سلسل
عذب الزمان لها ولذّ مذاقه ... من بعد ما قد مرّ منه الحنظل
فضوى الأنام لعزّ أروع مالك ... سهل الخليقة ما جد متفضّل
وتطابقت فيه القلوب على الرضا ... سيّان منها الطفل والمتكهّل
يا مالكا وسع الزمان وأهله ... عدلا وأمنا فوق ما قد أمّلوا
فالأرض لا يخشى بها غول ولا ... يعدو بساحتها الهزبر المشبل
والسّرب يجتابون كل تنوفة ... سرب القطا ما راعهنّ الأجدل [٢]
سبحان من بعلاك قد أحيا المنى ... وأعاد حليّ الجيد وهو معطّل
سبحان من بهداك أوضح للورى ... قصد السبيل فأبصر المتأمّل
فكأنّما الدنيا عروس تجتلى ... فتميس في حلل الجمال وترفل
وكأنّ مطبقة البلاد بعدله ... عادت فسيحا ليس فيها مجهل
وكأنّ أنوار الكواكب ضوعفت ... من نور غرّته التي هي أجمل
وكأنّما رفع الحجاب لناظر ... فرأى الحقيقة في الّذي يتخيّل
ومنها في العذر عن مدحه:
مولاي غاضت فكرتي وتبلّدت ... مني الطّباع فكلّ شيء مشكل
تسمو إلى درك الحقائق همّتي ... فأصد عن إدراكهنّ وأعزل