← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

وسرت إلى السلطان أبي العبّاس وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيّا وفادتي برّ مقدمي وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمّات أموره، ثم ردّني إلى تونس وأوعز إلى نائبة بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية من الجراية والعلوفة، وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظلّ ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت إلى الأهل والولد وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلّهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمدا المنتصر بتوزر [١] وجعل نفطة ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفّرا مزهرا، فأقبل عليّ واستدناني لمجالسته، والنجاء في خلوته، فغصّ بطانته من ذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة، وكان في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المرسي بمجالسة الشيوخ، فكثيرا ما كان يظهر شفوفي [٢] عليه، وإن كان أسنّ مني فاسودّت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه، ولما قدمت تونس انثال عليّ طلبة العلم من أصحابه وسواهم يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفتهم بذلك، فعظم عليه، وكان يسرّ التنفير إلى الكثير منهم، فلم يقبلوا، واشتدّت غيرته ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأنيب والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معرض عنهم في ذلك، وقد كلّفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوّقه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل فأكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل اليّ منها، وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته. وكان مما يغرون به السلطان قعودي على امتداحه، فإنّي كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرّغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنّما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسّمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلمّا رفعت له الكتاب وتوّجته باسمه أنشدت في

стр. 4657

ذلك اليوم هذه القصيدة امتدحه، وأذكّر سيره وفتوحاته، واعتذر عن انتحال الشعر واستعطفه بهدية الكتاب إليه فقلت: هل غير بابك للغريب مؤمّل ... أو عن جنابك للاماني معدل هي همّة بعثت إليك على النّوى ... عزما كما شحذا لحسام الصّيقل متبوّأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنو لها زهر النجوم وتحفل [١] حيث الخيام البيض ترفع للقرى ... قد فاح في أرجائهنّ المندل [٢] حيث الحمى للعزّ في ساحاته ... ظلّ أفاءته الوشيج الذبّل حيث الرماح يكاد يورق عودها ... مما تعلّ من الدماء وتنهل حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيّهم والمندل حيث الجياد أملن شجعان الوغى ... مما أطالوا في المنار وأوغلوا [٣] حيث الوجوه الغرّ قنعها الحيا ... والبشر في صفحاتها يتهلّل حيث الملوك الصيد والنّفر الألى ... عزّ الجوار لديهم والمنزل من شيعة المهديّ بل من شيعة ... التوحيد جاء به الكتاب مفصّل [٤] شادوا على التقوى مباني عزّهم ... للَّه ما شادوا بذاك وأثّلوا بل شيعة الرحمن ألقى حبّهم ... في خلقه فسموا بذاك وفضّلوا قوم أبو حفص أب لهم وما ... أدراك والفاروق جدّ أوّل [٥] نسب كما اضطردت أنابيب القنا ... وأتى على تقويمهنّ معدّل سام على هام الزّمان كأنّه ... للفجر تاج بالبدور مكلّل

стр. 4658

فضل الأنام حديثهم وقديمهم ... ولأنت إن نصّبوا أعزّوا أفضل وبنوا على قلل التخوم ووطّدوا ... وبناؤك العالي أشدّ وأطول ولقد أقول لخائض بحر الغلا ... والليل مدّثر الجوانب أليل [١] ماض على غول الدّجى لا يتّقي ... منها وذا بله ذبال مشعل متقلّب فوق الرماح [٢] كأنّه ... طيف بأطراف المهاد موكّل يبغي منال الفوز من طرق الغنى ... ويرود مخصبها الّذي لا يمجل أرح الرّكاب فقد ظفرت بواهب ... يعطي عطاء المنعمين فيجزل للَّه من خلق كريم في النّدى ... كالروض حيّاه نديّ مخضوضل هذا أمير المؤمنين إمامنا ... في الدين والدنيا إليه الموئل هذا أبو العبّاس خير خليفة ... شهدت له الشّيم التي لا تجهل مستنصر باللَّه في قهر العدا ... وعلى إعانة ربّه متوكّل سبق الملوك إلى العلا متمهّلا ... للَّه منك السابق المتمهّل فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا ... يتسابقون إلى العلاء وأكمل قائس قديما منهم بقديمكم [٣] ... فالأمر فيه واضح لا يجهل دانوا لقومكم بأقوم طاعة ... هي عروة الدين التي لا تفصل سائل تلمسانا بها وزناتة ... ومرين قبلهم كما قد ينقل وأسأل بأندلس مدائن ملكها ... تخبرك حين استأنسوا واستأهلوا وأسأل بذا مرّاكشا وقصورها ... فلقد تجيب رسومها من يسأل يا أيّها الملك الوفيّ يا ذا الّذي ... ملاء القلوب وفوق ما يتمثّل [٤] للَّه منك مؤيّد عزماته ... تمضي كما يمضي القضاء المرسل حيث الزمان يحتّ أعظم حتّه [٥] ... فافترّ عنه وهو أكلح أعضل والشّمل من أنبائه متصدّع ... وعلا خلافتهم [٦] مضاع مهمل

стр. 4659

والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم ... ورجوا إصلاح الحال منك وأمّلوا فعجلته لما انتدبت لأمره ... بالبأس والعزم الّذي لا يمهل ذلّلت منه جامحا لا ينثني ... سهّلت وعرا كاد لا يتسهّل وألنت من سوس العتاة وذدتهم ... عن ذلك الحرم الّذي قد حلّلوا كانت لصولة صولة ولقومه ... يعدو ذؤيب بها وتسطو المعقل ومهلهل تسدي وتلحم في التي ... ما أحكموها فهي بعد مهلهل والمراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أولاد أبي الليل. وذؤيب هو ابن عمّه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم، ومهلهل هم بنو مهلهل بن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجع إلى وصف العرب وأحيائهم: عجب الأنام لشأنهم بادون قد ... قذفت بحيّهم المطيّ الذلّل رفعوا القباب على العماد وعندها ... الجرد السّلاهب والرّماح العسل [١] في كلّ طامي الرب منعقد الحصا [٢] ... تهدي للجّته الظماء فتنهل حيّ شرابهم السراب ورزقهم ... ريح يروح به الكميّ ومنصل [٣] حيّ حلول بالعراء ودونهم ... قذف النّوى إن يظعنوا أو يقبلوا كانوا يروعون الملوك بما بدوا ... وغدت ترفّه بالنعيم وتخضل فبدوت لا تلوي على دعة ولا ... تأوي إلى ظلّ القصور وتهزل [٤] طورا يصافحك الهجير وتارة ... فيه بخفّاق البنود تظلّل وإذا تعاطى الضمر في يوم الوغى [٥] ... كأس النجيع فبالصّهيل تعلّل مخشوشنا في العزّ معتملا له ... في مثل هذا يحسن المستعمل تفري حشى البيداء لا يسري بها ... ركب ولا يهوي إليه جحفل وتجرّ أذيال الكتائب فوقها ... تختال في السّمر الطوال وترفل

стр. 4660

ترميهم منها بكلّ مدجّج ... شاكي السلاح إذا استعار الأعزل وبكل أسمر غصنه متأوّد ... وبكل أبيض شطّه متهدّل حتى تفرّق ذلك الجمع الألى ... عصفت بهم ريح الجلاء فزلزلوا ثم استملتهم بنعمتك [١] التي ... خضعوا لعزّك بعدها وتذلّلوا ونزعت من أهل الجريد غواية ... وقطعت من أسبابها ما أوصلوا خرّبت من بنيانها ما شيّدوا ... وقطعت من أسبابها ما أصّلوا ونظمت من أمصاره وثغوره ... للملك عقدا بالفتوح يفصّل فسددت مطّلع النفاق وأنت لا ... تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل بشكيمة مرهوبة وسياسة ... تجري كما يجري فرات سلسل عذب الزمان لها ولذّ مذاقه ... من بعد ما قد مرّ منه الحنظل فضوى الأنام لعزّ أروع مالك ... سهل الخليقة ما جد متفضّل وتطابقت فيه القلوب على الرضا ... سيّان منها الطفل والمتكهّل يا مالكا وسع الزمان وأهله ... عدلا وأمنا فوق ما قد أمّلوا فالأرض لا يخشى بها غول ولا ... يعدو بساحتها الهزبر المشبل والسّرب يجتابون كل تنوفة ... سرب القطا ما راعهنّ الأجدل [٢] سبحان من بعلاك قد أحيا المنى ... وأعاد حليّ الجيد وهو معطّل سبحان من بهداك أوضح للورى ... قصد السبيل فأبصر المتأمّل فكأنّما الدنيا عروس تجتلى ... فتميس في حلل الجمال وترفل وكأنّ مطبقة البلاد بعدله ... عادت فسيحا ليس فيها مجهل وكأنّ أنوار الكواكب ضوعفت ... من نور غرّته التي هي أجمل وكأنّما رفع الحجاب لناظر ... فرأى الحقيقة في الّذي يتخيّل ومنها في العذر عن مدحه: مولاي غاضت فكرتي وتبلّدت ... مني الطّباع فكلّ شيء مشكل تسمو إلى درك الحقائق همّتي ... فأصد عن إدراكهنّ وأعزل

стр. 4661

وأجدّ ليلى في امتراء قريحتي [١] ... فتعود غورا بعد ما تسترسل فأبيت يختلج [٢] الكلام بخاطري ... والنّظم يشرد والقوافي تجفل وإذا امتريت العفو منه جاهدا ... عاب الجهابذ صنعه واسترذلوا من بعد حول انتقيه ولم يكن ... في الشّعر لي قول يعاب ويمهل [٣] فأصونه عن أهله متواريا ... أن لا يضمّهم وشعري محفل وهي البضاعة في القبول نفاقها ... سيّان فيه الفحل والمتطفّل وبنات فكري إن أتتك كليلة ... زهراء [٤] تخطر في القصور وتخطل فلها الفخار إذا منحت قبولها ... وأنا على ذاك البليغ المقول ومنها في ذكر الكتاب المؤلف بخزانته: وإليك من سير الزّمان وأهله ... عبرا يدين بفضلها من يعدل صحفا تترجم عن أحاديث الاولى ... درجوا [٥] فتجمل عنهم وتفصّل تبدي التبابع والعمالق سرّها ... وثمود قبلهم وعاد الأوّل والقائمون بملّة الإسلام من ... مضر وبربرهم إذا ما حصّلوا لخصت كتب الأوّلين بجمعها ... وأتيت أوّلها بما قد أغفلوا وألنت حوشيّ الكلام كأنّما ... سرد للغات بها لنطقي ذلّل وجعلته لسوار ملكك مفخرا ... يبهي النديّ به ويزهو المحفل [٦] والله ما أسرفت فيما قلته ... شيئا ولا الاسراف مني يجمل ولأنت أرسخ في المعالي رتبة ... من أن يموّه عنده متطفّل فملاك كلّ فضيلة وحقيقة ... الناس تعرف فضلها [٧] ان بدّلوا والحقّ عندك في الأمور مقدّم ... أبدا فماذا يدّعيه المبطل

стр. 4662

والله أعطاك التي لا فوقها ... فاحكم بما ترضى فأنت الأعدل أبقاك ربّك للعباد تربّهم ... فاللَّه يخلقهم ورعيك يكفل وكنت انصرفت من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني وأنا مقيم بها أنّه أصابه في طريقه مرض، وعقبه برء فخاطبته بهذه القصيدة: ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس ... وتخلّلتنا رحمة من بوس وتوضّحت غرر البشائر بعد ما ... انبهمت فأطلعها حداة العيس [١] صدعوا بها ليل الهموم كأنّما ... صدعوا الظلام بجذوة المقبوس فكأنّهم جنات عدن في الورى [٢] ... نشرت لها الآمال من مرموس قرّت عيون الخلق منها بالتي ... شربوا النّعيم لها بغير كؤوس يتمايلون من المسرّة والرضا ... ويقابلون أهلّة بشموس من راكب وافى يحيى راكبا ... وجليس أنس قاده لجليس ومشفّع للَّه يؤنس عنده ... أثر الهدى في المعهد المأنوس يعتدّ منها رحمة قدسيّة ... فيبوء للرحمن بالتقديس طبّ بإخلاص الدّعاء وإنّه ... يشفي من الداء العيا والبوس [٣] والمعنيّ به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس. يا ابن الخلافة [٤] والذين بنورهم ... نهجت سبيل الحقّ بعد دروس والناصر الدين القويم بعزمه ... طردت إمامتها بغير عكوس [٥] هجر المنى فيها ولذّات المنى ... في لذّة التهجير والتّغليس [٦] حاط الرياضة بالسياسة فانطوت [٧] ... منه لا كرم مالك وسيوس

стр. 4663

أسد يحامي عن حمى أشباله ... حتى ضووا منه لأمنع خيس [١] قسما بموشيّ البطاح وقد غدت ... تختال زهوا في ثياب عروس والماثلات من الحنايا. جثّما ... بالبيد من طسم وفل جديس وخز البلى منها الغوارب والذّرى ... فلفتن حذرا بالعيون الشوس لبقاك حرز للأنام وعصمة ... وحياة أرواح لنا ونفوس ولأنت كافل ديننا بحماية ... لولاك ضيّع عهدها وتنوسي الله أعطاك التي لا فوقها ... وحباك حظّا بالموكوس [٢] تعنو القلوب إليك قبل وجوهنا ... سيّان من رأس ومن مرءوس فإذا أقمت فإنّ رعبك راحل ... يحمي على الأعداء كلّ وطيس وإذا رحلت فالسعادة آية ... تقتادها في موكب وخميس وإذا الأدلّة في الكمال تطابقت ... جاءت بمسموع لها ومقيس فأنعم بملكك دولة عاديّة ... تشقي الأعادي بالعذاب البئيس [٣] وإليكها منّي على خجل بها ... عذراء قد حليت بكلّ نفيس عذراك قد طمس الشباب ونوره ... وأضاء صبح الشّيب عند طموس لولا عنايتك التي أوليتني ... ما كنت أعني بعدها بطروس [٤] والله ما أبقت ممارسة النّوى ... منّي سوى رسم أمرّ دريس [٥] أنحى الزمان عليّ في الأدب الّذي ... دارسته بمجامع ودروس فسطا على فرعي [٦] وروّع مأمني ... واجتثّ من دوح النشاط غروسي ورضاك رحمتي التي أعتدّها ... تحيي منى نفسي وتذهب بؤسي ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقّنوا النائب بتونس القائد

стр. 4664

فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامي معه خشية على أمره مني بزعمه، وتواطئوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان حتى شهد به في غيلة مني ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعث إليّ وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك عليّ، إلّا أني لم أجد محيصا، فخرجت معه وانتهيت إلى تبسة، وسط وطن تلول إفريقية، وكان منحدرا في عسكره وتوابعه من العرب إلى توزر لأنّ ابن يملول أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة واستنقذها من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرّده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسة رجّعني إلى تونس فأقمت بضيعة الرياحين من نواحيها لضمّ زراعتي [١] بها الى أن قفل السلطان ظافرا منصورا فصحبته إلى تونس. ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أجمع السلطان الحركة إلى الزاب بما كان صاحبه ابن مزني قد آوى ابن يملول إليه ومهّد له في جواره، فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السنة قبلها، وكان بالمرسى سفينة لتجّار الإسكندرية قد شحنها التجّار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية فتطارحت على السلطان، وتوسّلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسي والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودّعتهم وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوّضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرّعت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله وليّ الأمور سبحانه. (الرحلة الى المشرق وولاية القضاء بمصر) ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقّب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سمّوه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدّر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أوّل ذي

стр. 4665

العقدة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوّه، وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ النيل نهر الجنّة ومدفع مياه السماء، يسقيهم العلل والنّهل سيحه، ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجّه [١] ومررت في سكك المدينة تغصّ بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نتحدّث بهذا البلد وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجّهم وتاجرهم في الحديث عنه، سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام. وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من السحاب [٢] يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب. وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبويّة [٣] إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين وسبعمائة فسألته عن القاهرة فقال. أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إنّ الّذي يتخيّله الإنسان فإنّما يراه دون الصورة التي تخيّلها الاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنّها أوسع من كل ما يتخيّل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون لذلك. ولما دخلتها أقمت أياما وانثال عليّ طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلّة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها. ثم كان الاتصال بالسلطان فأبرّ مقامي وآنس الغربة، ووفّر الجراية من صدقاته شأنه

стр. 4666

مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدّهم السلطان هنالك عن السفر اغتباطا بعودي إليه فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصّه [١] . بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [٢] . ١: ١ عبد الله ووليّه أخوه برقوق [٣] [......] [٤] . السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السّيد الأجلّ، العالم العادل، المؤيّد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفّر، الشّاهنشاه، سيف الدّنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزّمان، مولى الإحسان، مملّك أصحاب التخوت والأسرّة والتّيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطّغاة والبغاة والكفّار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشّريفين، ظلّ الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمّن الأرض المحيطة، سيّد الملوك والسلاطين، قسيم [٥] أمير المؤمنين [٦] ، أبو سعيد برقوق ابن الشّهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس [٧] . خلّد الله سلطانه، ونصر

стр. 4667

جيوشه وأعوانه- يخص الحضرة السّنية السّرية، المظفّرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيّد، المجاهد الأوحد، أبي العبّاس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدّة الدنيا والدين، قدوة الموحّدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدّول. لا زالت مملكته بقوّته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوّئه غرفات العز في الدنيا والاخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح ندّه، ولاح سعده، ووداد زاد وجده، وجاد جدّه. امّا بعد حمد الله الّذي جعل القلوب أجنادا مجنّدة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكّدة، ووسائل المحبّة بين الملوك في كلّ يوم مجدّدة، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الّذي نصره الله بالرّعب مسيرة شهر وأيّده [١] وأعلى به منار الدين وشيّده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبّدة. فإننا نوضّح لعلمه الكريم، أن الله- وله الحمد- جعل جبلّتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر إعلامه، ومحبّة أهله وخدّامه، وتيسير مقاصدهم، وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرّب إلى الله بذلك في السّر والعلانية، فإن العلماء ﵃ ورثة الأنبياء وقرّة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيمّا من رزقه الله الدّراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل من سطّرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس [٢] . السامي، الشّيخي، الأجلّي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلّامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحقّقي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي [٣] ، جمال الإسلام والمسلمين، جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمّة، إمام الأئمّة، مفيد

стр. 4668

الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين [١] عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحقّ بالرعاية وأجلّ قدرا، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رغبة عن بلاده، بل تحبّبا إلينا، وتقرّبا إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في النفوس، مما يجلّ عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح- من حين ورد علينا- يبالغ في شكر الحضرة العليّة، ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواطرنا الشريفة إلى حبّها، وآثرنا المكاتبة إليها. «والعين تعشق قبل الأذن أحيانا» [٢] وذكر لنا في أثناء ذلك، أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العليّة، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العليّة لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العليّة بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدّم أمره العالي بطلب أهل الشيخ وليّ الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصيّة بهم، وتجهيزهم إليه مكرّمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة للعلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتّأكيد عليهم في هذا المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتمّ بذلك على ما عهد من محبّته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسه بملائكته وآياته، بمنّه ويمنه إن شاء الله.

стр. 4669

كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ستّ وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد للَّه وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم. ثم هلك بعض المدرّسين بمدرسة القمحية [١] بمصر، من وقف صلاح الدّين بن أيّوب، فولّاني تدريسها مكانه [٢] ، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية [٣] في دولته، لبعض النّزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كلّ منهم قاضي القضاة، تمييزا عن الحكّام بالنّيابة عنهم، لاتّساع خطّة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشّافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا، وبالصّعيد [٤] والفيوم [٥] ، واستقلاله بالنّظر في أموال اليتامى والوصايا، ولقد يقال بأنّ مباشرة السلطان قديما بالولاية إنّما كانت تكون له. فلما عزل هذا القاضي المالكيّ سنة ست وثمانين وسبعمائة اختصّني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلّا إمضاءه وخلع عليّ بإيوانه وبعث من كبار الخاصّة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقمت بما دفع إليّ من ذلك المقام المحمود ووفّيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة مسوّيا بين الخصمين، آخذا بحقّ الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبّت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمّل

стр. 4670

الشهادات، فقد كان البرّ منهم مختلطا بالفاجر، والطّيب ملتبسا بالخبيث، والحكّام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم، لما يموّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنّون بهم الخير ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء، والتوسّل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بمرجع العقاب، ومؤلم النكال وتأدّى لعلمي الجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمّل الشهادة، وكان منهم كتاب الدواوين للقضاة والتوقيع في مجالسهم، وتدرّبوا على إملاء الدعاوي وتسجيل الحكومات [١] ، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف [٢] على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة بجاههم يدّرعون [٣] به مما يتوقعونه من مغبتهم، لتعرّضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلّط بعض قلمه، على العقود المحكمة فيوجد السبيل إلى حلّها بوجه فقهيّ أو كتابيّ، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصا في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر لكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للأحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا، شارطوه وأجابوه مفتاتين فيه على الحكّام الذين ضربوا فيه سدّ الحظر والمنع حماية عن التّلاعب، وفشا من ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر [٤] في العقود والأملاك. فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم عليّ وأحقدهم، ثم التفت إلى أهل الفتيا بالمذهب، وكان الحكّام منهم على جانب الحيرة لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، فبينما هم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة، ولا يكادون إذا بهم ظهروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها وتناولوها بالجزاف، وأجازوها من غير مرتّب [٥] ولا مستند للأهلية، ولا مرشح، إذ

стр. 4671

الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقّة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منها رسنا، ويتناول من حافته شقّا، يروم به الفتح [١] على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته متتبعا إيّاه في شغب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذّر وأهلية المفتي وشهرة الإفتاء عندنا [٢] ، فلا يكاد هذا المدى ينحسم [٣] ولا الشغب ينقطع. فصدعت في ذلك بالحق وكبحت أعنّة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، ولا ينتمون إلى شيخ معروف مشهود، ولا يعرف لهم كتاب في فنّ اتخذوا الناس هزوا وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ومثابة [٤] للحرم، فأرغمهم ذلك مني وملأهم حسدا، وحقدوا عليّ، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، ليشترون بها الجاه، ويجترءوا به على الله، وربّما اضطرّ أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم، يترخّصون به الإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرّض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت حكم الله فيمن أجازوه، فلم يغنوا عن الله شيئا وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطّلة، وانطلقوا يواطئون السفهاء من النيل في عرضي، وسوء الاحدوثة عني بمختلق الافك وقول الزور، ويبثّونه في الناس ويدسّون إلى السلطان التظلّم مني، فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب على الله، ما منيت به في هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سويّ من الصرامة وقوّة الشكيمة، وتحرّي العدالة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والإعراض متى غمزني لامسها ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة فنكروه مني ودعوني إلى متابعتهم فيما

стр. 4672

يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذّرت، بناء على أن الحاكم لا يتعيّن عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعلمون أن قد تمالئوا عليه. وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا علموا خلافها، والنّبيّ ﷺ يقول: «من قضيت له من حقّ أخيه شيئا فإنّما أقضي له من النار» . فأبيت من ذلك كلّه إلا إعطاء العهدة حقّها، والوفاء لها، ولمن قلّدنيها، فأصبح الجميع عليّ البا [١] ولمن ينادي بالتأفّف مني عونا، وفي النكير عليّ أمّة، وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير وجه الحق، لاعتمادي على علمي في الجرح، وهي قضية إجماع. وانطلقت الألسن، وارتفع الصخب وأرادني بعض على الحكم بغرضهم، فتوقفت وأغروا بي الخصوم، فتنادوا بالتظلّم عند السلطان، فجمع القضاة وأهل الفتياء في مجلس جعل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبيّن أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله تعالى إرغاما لهم، فغدوا على حرد قادرين، ودسّوا الأولياء السلطان وعظماء الدولة، يقبحون لهم إهمال جاههم وردّ شفاعاتهم، مموّهين بأنّ الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إليّ، تبعث الحليم وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم عليّ ويشربونهم البغضاء إليّ، والله يجازيهم وسائلهم. فكثر الشغب عليّ من كل جانب، وأظلم الجوّ بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته خشية من نكير السلطان وسخطه، فتوقّفت بين الورد والصدر على صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الربّاني وشملتني نعمة السلطان أيّده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت كما زعموا مصطلحها، فردّها إلى صاحبها الأوّل، وأنشطني من عقالها، فانطلقت حميد

стр. 4673

الأثر مشيّعا من الكافة بالأسد والدّعاء، وحميد الثّناء، تلحظني العيون بالرحمة وتتناجى الآمال في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعا فيه قبل من مراعي نعمته وظلّ رضاه وعنايته بالعافية التي سألها رسول الله ﷺ من ربّه، عاكفا على تدريس علم أو قراءة كتاب أو إعمال قلم في تدوين أو تأليف، مؤمّلا من الله قطع صبابة العمر [١] في العبادة، ومحو عائق السعادة، بفضل الله ونعمته. (السفر لقضاء الحج) ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودّعت السلطان والأمراء وزودوا وأعانوا فوق الكفاية، وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة إلى مرسي الطور [٢] بالجانب الغربي من بحر السويس، وركبت البحر من هنالك عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع [٣] لشهر فوافينا المحمل، ورافقتهم من هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجّة، فقضيت الفريضة في هذه السنة. ثم عدت إلى الينبع فأقمت بها خمسين ليلة حتى تهيّأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح فما وسعنا إلّا قطع البحر إلى جانبه الشرقي، ونزلنا بساحل القصير [٤] ثم بذرقنا، ثم سرنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص [٥] قاعدة الصعيد، فأرحنا بها أياما، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، فوصلنا إليها لشهر من سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين وسبعمائة وقضيت حقّ السلطان في لقائه، وإعلامه بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبّل ذلك بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من رعايته وظلّ إحسانه.

стр. 4674

وكنت لما نزلت بالينبع لقيت بها الفقيه الأديب المتفنّن أبا القاسم بن محمد بن شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفّق سوق البلاغة، أبي إسحاق إبراهيم الساحليّ المعروف جدّه بالطّويجن وقد قدم حاجا وفي صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير الكبير العالم كاتب سرّ السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، الحظيّ لديه أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوّف ويذكّر بعهود الصحبة نصّه: سلوا البارق النجديّ على عمل نجدي [١] ... تبسّم فاستبكى جفوني من الوجد أجاد ربوعي باللّوى، درك [٢] اللّوى ... وسحّ به صوب الغمائم من بعدي ويا زاجر الأظعان وهي ضوامر ... دعوها ترد هيما عطاشا على نجد ولا تنشّقوا الأنفاس منها مع الصّبا ... فإنّ زفير الشوق من مثلها يعدي براها الهوى بري القداح وخطّها ... حزون [٣] على صفح من القفر ممتدّ عجبت لها أني تجاذبني الهوى ... وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي لئن شاقها بين العذيب وبارق ... مياه بفيء الظلّ للّبان والرّند [٤] فما شاقني إلّا بدور خدورها ... وقد لحن يوم النّفر في قضب ملد [٥] فكم في قباب الحيّ من شمس كلّة ... وفي فلك الأزرار من قمر سعد وكم صارم قد سلّ من لحظ أحور ... وكم ذابل قد هزّ من ناعم القدّ خذوا الحذر من سكّان رامة إنّها ... ضعيفات كرّ اللحظ تفتك بالأسد سهام جفون من قسيّ حواجب ... يصاب بها قلب البريّ على عمد وروض جمال ضاع عرف نسيمه ... وما ضاع غير الورد في صفحة الخدّ ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤا ... فرشّ بماء الورد روضا من الورد وكم غصن قد عانق الغصن مثله ... وكلّ على كلّ من الشوق يستعدي قبيح وداع قد جلا لعيوننا ... محاسن من روض الجمال بلا عدّ

стр. 4675

رعى الله ليلى لو علمت طريقها ... فرشت لأخفاف المطيّ بها خدّي وما شاقني والطيف يرهب أدمعي ... ويسبح في بحر من الليل مزبد وقد سلّ خفّاق الذوائب بارق ... كما سلّ لمّاع الصّقال من الغمد وهزّت محلاة يد الشّوق في الدّجى ... فحلّ الّذي أبرمت للصبر من عقدي وأقلق خفّاق الجوانح نسمة ... تنمّ مع الأصباح خافقة البرد وهبّ عليل لفّ طيّ بروده ... أحاديث أهداها إلى الغور من نجد [١] سوى صادح في الأيّك لم يدر ما الهوى ... ولكن دعا مني الشجون على وعد فهل عند ليلى نعّم الله ليلها ... بأنّ جفوني ما تملّ من السّهد وليلة إذ وافى الحجيج إلى منى [٢] ... وفت لي المنى منها بما شئت من قصد فقضيت منها فوق ما أحسب المنى ... وبرد عفاف صانه الله من برد وليس سوى لحظ خفيّ نجيله ... وشكوى كما ارفضّ الجمان من العقد غفرت لدهري بعدها كلّ ما جنى ... سوى ما جشى [٣] وفد المشيب على فودي عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي ... وما زال فضل الضّدّ يعرف بالضّد ومن نام في ليل الشباب ضلالة ... سيوقظه صبح المشيب إلى الرّشد أما والهوى ما حدت عن سنن الهدى [٤] ... ولا جرت في طرق الصّبابة عن قصد تجاوزت حدّ العاشقين الأولى مضوا [٥] ... وأصبحت في دين الهوى أمّة وحدي نسيت وما أنسى وفائي لخلّتي ... وأقفر ربع القلب إلّا من الوجد إليك أبا زيد شكاة رفعتها ... وما أنت من عمر ولديّ ولا زيد بعيشك خبّرني وما زلت مفضلا ... أعندك من شوق كمثل الّذي عندي فكم ثار بي شوق إليك مبرّح ... فظلّت يد الأشواق تقدح من زندي وصفّق حتى الريح في لمم الرّبى ... وأشفق حتى الطّفل في كبد المهد يقابلني منك الصّباح بوجنة ... حكى شفقا فيه الحياء الّذي تبدي

стр. 4676

وتوهمني الشمس المنيرة غرّة ... بوجهك صان الله وجهك عن ردّ محيّاك أجلى في العيون من الضّحى ... وذكرك أحلى في الشّفاه من الشّهد وما أنت إلّا الشمس في علو أفقها ... نفدّيك من قرب وتلحظ من بعد وفي ماغمّة [١] من لا ترى الشّمس عينه ... وما نفع نور الشمس في الأعين الرّمد من القوم صانوا المجد صون عيونهم ... كما قد أباحوا المال ينهب للرفد إذا ازدحموا يوما على الماء أسرة ... فما ازدحموا إلّا على مورد المجد ومهما أغاروا منجدين صريخهم ... يشبّون نار الحرب في الغور والنّجد ولم يقتنوا بعد الثناء [٢] ذخيرة ... سوى الصّارم المصقول والصافن النّهد وما اقتسم الأنفال إلّا ممدّح ... بلاها بأعراف المطهّمة الجرد [٣] أتنسى ولا تنسى ليالينا التي ... خلسنا بها العينين من جنّة الخلد [٤] ركبنا إلى اللّذات في طلق الصّبا ... مطايا الليالي وادعين إلى حدّ فإن لم ندر فيها الكئوس فإنّنا ... وردنا بها للأنس مستعذب الورد لقيتك [٥] في غرب وأنت رئيسه ... وبابك للأعلام مجتمع الوفد فآنست حتى ما شكوت بغربة ... وواليت حتى لم أجد مضض الفقد وعدت لقطري شاكرا ما بلوته ... من الخلق المحمود والحسب العدّ [٦] إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا ... وزرت مزار الغيث في عقب الجهد ألذّ من النّعمى على حال فاقة ... وأشهى من الوصل الهنيّ على صدّ ولو ساء أن قوّضت رحلك بالنّوى ... وعوّضت منها بالزّميل وبالوخد [٧] لقد سرّني أن لحت في أفق العلا ... على الطائر الميمون والطالع السّعد طلعت بأفق الشّرق نجم هداية ... فجئت مع الأنوار فيه على وعد

стр. 4677

يمينا بمن تسري المطيّ سراهم [١] ... عليها سهام قد رمت هدف القصد إلى بيته كيما تزور معاهدا ... بأنّ بها جبريل عن كرم العهد لأنت لنا مهما دجا ليل مشكل ... قدحت به للنور وارية الزّند وحيث استقلّت في ركاب لطيّة ... فأنت تحيي النفس في القرب والبعد وإني بباب الملك حيث عهدتني ... مذيل [٢] ظلال الجاه مستحصف العقد أجهّز بالإنشاء كلّ كتيبة ... من الكتب والكتّاب في عرضها جندي نلوذ من المولى الإمام محمّد ... بظل على نهر المبرّة ممتدّ إذا فاض من يميناه بحر سماحة ... وعمّ به الطوفان في النّجد والوهد ركبنا إلى الإحسان في سفن الرّجا ... بحور عطاء ليس تزجر عن صدّ [٣] فمن مبلغ الأنصار عني ألوكة ... مغلغلة في الصّدق منجزة الوعد بآية ما أعطى الخليفة ربّه ... مفاتيح فتح ساقها سائق السّعد ودونك من روض المحامد نفحة ... تفوق إذا اصطفّ النديّ من الندّ ثناء يقول المسك إن ذاع عرفه ... أيا لك من ندّ أيا لك من ندّ [٤] وما الماء في جوّ السّحاب مروّقا ... بأظهر ذات منك في كنف المهد فكيف وقد حلّتك أسرابها الجلا [٥] ... وباهت بك الأعلام بالعلم الفرد وما الطلّ [٦] في ثغر من الزّهر باسم ... بأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودّي ولا البدر معصوما بتاج تمامه ... بأبهر من ودّي وأسير من حمدي بقيت ابن خلدون إمام هداية ... ولا زلت من دنياك في جنّة الخلد ووصلها بقوله: سيّدي شيخ الأعلام، كنز رؤساء الإسلام، مشرّف حملة السّيوف والأقلام، جمال الخواصّ والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، سرّ العلاء [٧] أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجّة البلغاء، أبقاكم الله

стр. 4678

بقاء جميلا، يعقد لواء الفخر، ويعلى منار الفضل، ويرفع عماد المجد، ويوضح معالم السيادة [١] ، ويرسل أشعّة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ويطلق ألسنة المحامد، وينير [٢] أفق المعارف، ويعذب مورد العناية، ويمتع بعمر النهاية ولا نهاية. بآي التحيات أفاتحك وقدرك أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى في الثناء وتبّع، فأثرك لا يقتفي ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، وزمزمة نافرها اللسان العربيّ المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الخفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن كانت التحيّتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما أريد. تحيّة الإسلام أصل في الفخر نسبا. وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن نحيّيك بما حيّا الله في كتابه رسله وأنبياءه، وحيّت به ملائكته في جواره أولياءه، فأقول: السلام عليكم يرسل من رحمة الله غماما ويفتق من الطّروس عن أزهار المحامد كماما، ويستصحب من البركات ما يكون على التي هي أحسن من ذلك مقاما، وأجدّد السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين المستمدّة من أنوارها سرج المهتدين. زادها الله صلاحا وعرفها نجاحا يتبع فلاحا، وأقرّر ما عندي من تعظيم ارتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء، أنشر بيدك البيضاء صحفه، وعلى ذلك أيّها السيّد المالك، فقد تشعبت عليّ في مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فضلك العميم، ونسبك الصّميم، فو الله ما أدري بأيّ بيعة لفخرك تدفع الظلم، وفي أيّ بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جلل، والشّمس تكبر على حلي وحلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق اتّسع المجال، وحصرت الرويّة والارتجال، فالأولى أن أثرك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق وأسلة اليراع، تخضب مفارق الطّروس بصبيغ الحبر المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبداع والاختراع، فإنما هو بثّ يبكي، وفراق يشكي، فيعلم الله مرضي [٣] عن أن أشافه

стр. 4679

من أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرّسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيّا الشارق [١] ، ولمح البارق. ولقد وجّهت إليك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر اللائي استأثر بهنّ البحر، قدّس الله أرواحهم، وأعظم الله أجرك فيهمّ، فإنّها أنافت على مائة وخمسين بيتا، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد المسافة، والّذي يطرق في سوء الظنّ بذلك ما صدر في مقابلته منكم. فإنّي على علم من كرم قصدكم، ومن حين استغربناكم بذلك الأفق الشرقي [٢] لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع اثنين منهما بهذا الأفق الغربي (أهـ.) . وفي الكتاب إشارة إلى أنّه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي الهمزة ومطلعها: أمدامع منهلّة أم لؤلؤ ... لمّا استهلّ العارض المتلألئ وبعث في طيّ الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفا، قال وحقها أن تكتب بالواو لأنها تبدل بالواو وتسهل بين الهمزة والواو، وحرب الإطلاق أيضا يسوقها، واوا، هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفا على كل حال على لغة من لا يسهل لكنّه ليس بشيء. وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقيّ لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سرّه ولم يرجع إليّ منها شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي. وكان في الكتاب فصل عرّفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحّو المستبدّ بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه: كان مسعود بن رحّو الّذي أقام بالأندلس عشرين عاما يتبثّك النعيم [٣] ويقود الدنيا ويتحيّز العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد عثمان كما تعرفتم من نسخة كتب إنشائه

стр. 4680

بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب لضعف السلطان رحمة الله. ولم يكن إلّا أن كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته سواد العقوق، وداخل من سبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنّوا أنّ القصبة لا تثبت لهم، وكان قائدها الشيخ الأبهة [١] فلّ الحصار وجلّى القتال، ومحشّ الحرب أبو زكريا بن شعيب، فثبت للصدمة ونوّر للأندلس، فبادره المدد من الجبل ومن مالقة، وتوالت الأمداد وخاف أهل البلد، ورجع شرفاؤه ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم، وجاءهم المدد أيضا، ثم دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال، وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العبّاس لتبادر القصبة به ويتوجّه منها إلى المغرب لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الّذي قلّدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره. وبعده فصل آخر يطلب فيه كتبا من مصر يقول فيه: والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو به النفع عند الله، وقد علمتم أنّ عندي التفسير الّذي أوصله عثمان النجاني من تأليف الطيبي [٢] والسفر الأوّل من تفسير أبي حيّان، وملخّص إعرابه وكتاب المغني لابن هشام، وسمعت عن براءة تفسير للإمام بهاء الدين ابن عقيل ووصلت إليّ براءة من كلام أكمل الدين الأشيري رضي الله عن جميعهم، ولكني لم أصل إلّا للبسملة، وذكر أبو حيّان في صدر تفسيره أنّ شيخه سليمان النقيب أو أبا سليمان لا أدري الآن صنّف كتابا في البيان في سفرين جعله مقدّمة لكتاب تفسيره الكبير. فإن أمكن سيّدي توجيهه لا بأس انتهى. وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعدّدة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه محمد بن يوسف بن زمرك الصّريحي، وتاريخه

стр. 4681

العشرون من محرّم سنة تسع وثمانين وسبعمائة (وكتب إليّ) قاضي الجماعة بغرناطة أبو الحسن علي بن الحسن البنيّ [١] : الحمد للَّه والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد رسول الله يا سيّدي وواحدي ودّا وحبّا، ونجيّ الروح بعدا وقربا أبقاكم الله وثوب سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم كلما أفلت الأقمار بازغ، أسلّم بأثّم عليكم، وأقرّر بعض ما لديّ من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة مهّدها الله عن ذلك لكم يتضوّع طيبه وشكر لا يذوى وإن طال الزمان طيبه قد كان بلغ ما جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلّدتم أمرها، وتحملّتم مرّها، فتمثّلت بما قاله شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب [٢] عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم [٣] عن خطّة القضاء. لا مرحبا بالناس أنفارك [٤] ... إذ جهلت رفعة مقدارك لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك ثم تعرّفت كيفيّة انفصالكم وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيّد هنا لكم فرددت وقد توهّمت مشاهدتكم هذه الأبيات. لك الله يا بدر السماحة والبشر ... لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر ولكنّك استعفيت عنها تورّعا ... وتلك سبيل الصالحين كما تدري جريت على نهج السلامة في الّذي ... تخيّرته للنشر منك وللحشر [٥] وحق بأنّ العلم ولّاك خطّة ... من العزّ لا تنفك عنها مدى العمر تزيد على مرّ الجديدين جدّة ... وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... وكم لذوي الدنيا الدنيّة من خطر [٦]

стр. 4682

وأمسى لأنواع الولايات نابذا ... فغير نكير أن يواجه بالنكر فيهنيك يهنيك الّذي أنت أهله ... من الزّهد فيها والتوقّي من الوزر ولا تكترث من حاسديك فإنّهم ... حصى والحصى لا يرتقي مرتقى الدرّ [١] ومن عامل الأقوام باللَّه مخلصا ... له فيهم نال الجزيل من الأجر بقيت لرفع المجد تحمي ذماره ... وخار لك الرحمن في كلّ ما يجري [٢] إيه سيّدي رضي الله عنكم وأرضاكم، أطنبتم في كتابكم في الثناء على السّلطان الّذي أنعم بالاعفاء، والمساعدة على الانفصال عن خطّة القضاء، واستوهبتم الدعاء له من الأولياء وللَّه درّكم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب فيه استقامة الأمور وصلاح الخاصّة والجمهور، وعند ذلك ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمّله. وأنتم أيضا من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظّ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد العظيمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، فالزمان بكم حيث كنتم مباه، والمحامد مجموعة لكم جمع ثناه. ولما وقف على مكتوبكم إليّ مولانا السلطان أبو عبد الله، أطال الله الثناء على مقاصدكم، وتحقّق جميل [٣] ودادكم، وصحيح اعتقادكم، وعمّر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما لديكم. ثم ختم الكتاب بالسّلام من كاتبه عليّ بن عبد الله بن الحسن مؤرّخا بصفر سنة تسعين وسبعمائة وفي طيّه مدرجة بخطّه وقد قصّر فيها عن الإجادة نصّها: سيّدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفركم يمناكم بذوائب مناكم أعتذر لكم عن الكتاب المدرج به هذا غير خطّي فإنّي في ذلك الوقت بحال مرض في عينيّ، ولكم العافية الوافية، فيسعني سمحكم وربّما كان لديكم تشوّف بما نزل في هذه المدّة بالمغرب من الهرج أماطه الله، وأمّن بلاد المسلمين. والموجب أنّ الحصّة الموجّهة في خدمة أميرهم الواثق ظهر له ولوزيره ومن ساعده على

стр. 4683

رأيه إمساكها رهينة، وجعله في القيود إلى أن يقع الخروج لهم على مدينة سبتة، وكان القائد على هذه الحصّة العلج المدعو المهنّد، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله. وكثر التردّد في القضية إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العبّاس تولاه الله، صحبة فرج بن رضوان بحصّة ثانية، وكان ما كان حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام ثم دعا وختم الكتاب. وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا الكتاب المؤلّف لأنّ فيها تحقيقا لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها، فربّما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع. وبعد قضاء الفريضة رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه، ولقيت السلطان، فتلقّاني أيّده الله بمعهود مبرّته وعنايته وكانت فتنة الناصريّ بعدها سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. والله يعرّفنا عوارف لطفه، ويمدّ علينا ظلّ ستره، ويختم لنا بصالح الأعمال، وهذا آخر ما انتهيت إليه، وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله الموفّق برحمته للصواب، والهادي إلى حسن المآرب، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب والحمد للَّه رب العالمين. (ولاية الدروس والخوانق [١] أهل هذه الدّولة التركية بمصر والشام معنيّون- على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب- بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصّلوات. أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافية، فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدرّبي الفقراء. وإن استفضل الرّيع شيئا عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذّرّية الضّعاف من العيلة [٢] . واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّئاسة والثّروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة

стр. 4684

القاهرة، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدّولة التّركية، وآثارها الجميلة الخالدة. وكنت لأوّل قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيّوب، وقفها على المالكيّة يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيّوم تغلّ القمح، فسمّيت لذلك القمحيّة، كما وقف أخرى على الشّافعية هنالك، وتوفي مدرّسها حينئذ، فولّاني السلطان تدريسها، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين وسبعمائة، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم جلوسي للتّدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر القوم بما يناسبهم، ويوفي حقّهم، ووصفت المقام، وكان نصّها: الحمد للَّه الّذي بدأ بالنّعم قبل سؤالها، ووفّق من هداه للشّكر على منالها، وجعل جزاء المحسنين في محبّته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلّم الإنسان الأسماء والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميّزه بالعقل الّذي فضّله على أصناف الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التّكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجنّ والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسّعادة من جدّ في امتثالها، ويسّر كلّا لما خلق له [١] ، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربّك من خلقها وخلقها وأرزاقها وآجالها. والصّلاة على سيّدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجّة البالغة للَّه على كمالها، الّذي رقّاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطّين والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسلها [٢] ، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميّز حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام دينا، فأتمّ علينا النّعمة بإكمالها [٣] . والرّضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها [٤] ، وليوث ملاحمه [٥]

стр. 4685

المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للنّاس، في توسّطها واعتدالها، وظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صلّى الله عليه وعليهم صلاة تتّصل الخيرات باتّصالها، وتنال البركات من خلالها. أمّا بعد فإنّ الله سبحانه لما أقرّ هذه الملّة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها وأوصابها [١] ، وأورث الأرض عباده الصّالحين من أيدي غصّابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها [٢] ، وخلت الرّوم إلى تماثيلها وأنصابها وجعل لها من العلماء حفظة وقوّاما، ونجوما يهتدي بها التّابع وأعلاما، يقربونها للدّراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتّدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما. ثمّ اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها [٣] بإقامة السّياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظّهور والانتشار، والذكر السّيّار، والبركات المخلّدة والآثار، ولها بالملوك العزّ والفخار، والصّولة التي يلين لها الجبّار، ويذلّ لعزّة المؤمنين بها الكفّار، وتجلّل وجوه الشّرك معها الصّغار، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدّول تحتفل والأمصار، واللّيل يختلف والنّهار، حتى أظلّت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من التّرك، الماحين بأنوار أسنّتهم ظلم الضّلالة والشّكّ، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك [٤] ، المصيبين بسهامهم النّافذة ثغر الجهالة والشّرك، المظهرين سرّ قوله: «لا تزال طائفة من أمّتي» [٥] فيما يتناولونه من الأخذ والتّرك، ففسحوا خطّة الإسلام، وقاموا بالدّعوة الخلافيّة أحسن القيام، وبثّوها في أقصى التّخوم من الحجاز والشّام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشّريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسيّ مصر الّذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيّام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع

стр. 4686

المثاني والقرآن وعمّرت المساجد بالصّلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشّهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسّبحان [١] معلنة بشعار الإيمان، وازدان جوّها بالقصر فالقصر والإيوان فالإيوان. ونظّم دستها بالعزيز، والظّاهر، والأمير، والسّلطان. فما شئت من ملك يخفق العزّ في إعلامه، وتتوقّد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنّته وسهامه، ومن أسرة للعلماء تتناول العلم بوعد الصّادق ولو تعلّق بأعنان السّماء [٢] ، وتنير سراجه في جوانب الشّبه المدلهمّة الظّلماء، ومن قضاة يباهون بالعلم والسّؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل والمناقب اشتمال الصّماء [٣] ، ويفصلون الخصومات برأي يفرّق بين اللّبن والماء. ولا كدولة السّلطان الظّاهر، والعزيز القاهر، يعسوب [٤] العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العزّ الباهر، ومصرّف الكتائب تزري بالبحر الزّاخر، وتقوم بالحجة للقسيّ على الأهلّة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدوّ الكافر، ورحمته المتكفّلة للعباد باللّطف السّاتر، ربّ التّيجان والأسرّة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيّد بالبيض البواتر، والرّماح الشّواجر [٥] ، والأقلام المرتضعة أخلاف [٦] العزّ في مهود المحابر، والفيض الرّباني الّذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيّد الملوك والسلاطين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد أمدّه الله بالنّصر المصاحب، والسّعد المؤازر، وعرّفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الآخر، فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرّأي عند ما سدّد من سهمه، وأوقع الرّعايا في ظلّ من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشدّ

стр. 4687

بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها، من بين مصرّف لعنانها، متقدّم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، وربّ مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصّواب عن مكانها، ومنفّذ أحكام يشرق الحقّ في بيانها، ويضوع العدل من أردانها [١] ونجيّ [٢] خلوة في المهم الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل [٣] الجرّار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسّعادة والخيرات المبدأة المعادة تابعهم ومتبوعهم. ولمّا سبحت في اللّجّ الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النّهار ينصبّ من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعزّ بها الإسلام تهتزّ في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم والفضائل تمدّ وشلنا [٤] من فراته المغدق، أو لوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا، وأوسعوا بهمتي [٥] إيضاحا، ونكرتي تعريفا، ثمّ أهّلوني للقيام بوظيفة السّادة المالكيّة بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدّين أيّوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التّثليث والرّفض الخبيث من البلاد، ومطهّر القدس الشّريف من رجس الكفر بعد أن كانت النّواقيس والصّلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبّلة يسعى نورها بين يديه في يوم التّناد [٦] ، فأقامني السلطان- أيده الله- لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدّما على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشّأن، وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتّسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمّدوا بالصّفح والإغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة [٧] ، والاعتراف من اللّوم- إن شاء الله- منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في

стр. 4688

مدارج القبول أعماله، ويبلّغه في الدّارين آماله، ويجعل للحسنى والمقرّ الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السّادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشّمل دولتهم ودولته، ويمدّ قضاة المسلمين وحكّامهم بالعون والتّسديد، ويمتّعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السّعيد، بمنّه وكرمه. وانفضّ ذلك المجلس، وقد شيّعتني العيون بالتّجلّة والوقار، وتناجت النّفوس بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النّزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلّا إمضاءه. وخلع عليّ، وبعث معي من أجلسني بمقعد الحكم في المدرسة الصّالحية [١] في رجب ستّ وثمانين وسبعمائة، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفّيت عهد الله في إقامة رسوم الحقّ، وتحرّي المعدلة، حتّى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمراء ما تقدّم ذكره. وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللّحاق بي اغتباطا بمكاني، فرغبت من السّلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشّفاعة، فركبوا البحر من تونس في السّفين، فما هو إلّا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندريّة، فعصفت بهم الرّياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريسا وتأليفا. ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته [٢] بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعيّن لي فيها تدريس المالكيّة، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التّدريس على عادتهم في ذلك ونصّها: «الحمد للَّه الّذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرّفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرّفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع

стр. 4689

عباده، وعرضهم على أمانة التّكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده [١] ، ويسّر كلّا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيّه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النّجدين [٢] لصلاحه أو فساده، وعلّمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عمّا في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حقّ جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدّسة بسبحات [٣] الذّكر وأوراده. والصّلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد سيّد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيّد الثّقلين [٤] في العالم من إنسه وجنّه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيّد الملائكة والنّبيّين، الّذي ختم [الله] كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الّذي شرّف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصّل له الذّكر الحكيم تفصيلا، كذلك ليثبّت من فؤاده [٥] وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل ربّ العالمين، ليكون من المنذرين لعباده [٦] ، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده [٧] وأنزل عليه النّصر العزيز، وكانت ملائكة السّماء من إمداده، حتّى ظهر نور الله على رغم من رغم [٨] . بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد للَّه غائلة انقطاعه ولا نفاذه، ثمّ أعدّ له من الكرامات ما أعدّ في معاده، وفضّله بالمقام المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشّفاعة فيمن انتظم في امّته، واعتصم بمقاده. والرّضى عن آله وأصحابه، غيوث رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه

стр. 4690

الطّاهرة وأهل وداده المتزوّدين بالتّقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحقّ وعنادة، وأراد في الدّين بظلمه وإلحاده، حتّى استقام الميسم [١] في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلّى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتّصال الخير واعتياده، وتؤهّل لاقتناء الثّواب وزيادة، وسلّم كثيرا، وعن الأئمّة الأربعة [٢] ، علماء السّنة المتّبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الّذي حمل الشريعة وبيّنها، وحرّر مقاصدها الشريفة وعيّنها، وتعرّض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها اللّوامه، فزيّنها. نكتة الهداية إذا حقّق مناطها، وشرط التّحصيل والدّراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الرّكاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها [٣] ، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النّبوّة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرّفنا بركة الاقتداء بهداه وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين. أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، وييسّرهم لأسباب السّعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرّعاية لجمهورهم، على مناهج سنّته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التّمسّك بكلمته. ثم فضّلهم بما خوّلهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التّمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدّرجات العلى في وفور الأجر ومزيّته. وإنّ مولانا السّلطان الملك الظّاهر، العزيز القاهر، العادل الطّاهر، القائم بأمور الإسلام عند ما أعيا حملها الأكتاد [٤] ، وقطب دائرة الملك الّذي أطلع الله من

стр. 4691

حاشيته الأبدال [١] وأنبت الأوتاد [٢] ، ومنفّق أسواق العزّ بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرّزق، وظلّه الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحقّ، قاصم الجبابرة، والمعفّي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التّيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال [٣] والأساورة [٤] ، وحائز قصب السّبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوّض الأمور بإخلاصه إلى وليّ الدنيا والآخرة، مؤيّد كلمة الموحّدين، ورافع دعائم الدّين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدّق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النّصر ظهيره، كما جعل السّعد قرينه، والعزّ خدينه [٥] ، وكان وليّه على القيام بأمور المسلمين ومعينة، وبلّغ الأمّة في اتّصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤمّلونه. لمّا قلّده الله هذا الأمر الّذي استوى له على كرسيّ الملك، وانتظمت عقود الدّول في لبّات [٦] الأيام، وكانت دولته واسطة السّلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان التّرك. وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والتّرك. وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرّها بمحبّه الله [له] شهادة خالصة من الرّيب، بريئة من الشّكّ. حتى استولى من العزّ والملك على المقام الّذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفس إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه وأعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدّرها بالمنّة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الأنس والجنّة، لا، بل النّسم [٧] والأجنّة [٨] . ثم آوى الخلق إلى عدله

стр. 4692

تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنّة، ونافس في اتخاذ المدارس والرّبط لتعليم الكتاب والسنّة، وبناء المساجد المقدّسة يبني له بها الله البيوت في الجنّة، والله لا يضيّع عمل عامل فيما أظهره أو أكنّه. وإنّ ما أنتجته قرائح همّته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشّريف، والهيكل الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السّحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السّحب ومناولة الشهب مارنه [١] العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السّعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجّته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء ربّاني ينشأ في جوّه للرّحمة والسّكينة ظلّة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشّمس منه ثغر بسّام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الّذي استلّه من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الّذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الّذي صقل فرنده [٢] بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيّد الّذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعزّ الأعلى جهركس [٣] الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسّهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع. واختصّها من أصناف الفعلة بالماهر الصّناع، يتناظرون في إجادة الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكأنّ العبقريّ [٤] ، يفري- الفريّ [٥] ، أو

стр. 4693

العفاريت، قدمت من أماريت [١] . وكأنما حشرت الجنّ والشّياطين، أو نشرت القهارمة [٢] من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصّخر بالأذواد [٣] لا بالواد، واستنزلوا صمّ الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشّوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصّدف والمرمر، ومائع اللّجين الأبيض والذّهب الأحمر، بكلّ مسهّم الحواشي حالي الأبراد، وقدّروه مساجد للصّلوات والأذكار، ومقاعد للسّبحات [٤] بالعشي والإبكار، ومجالس للتّلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتّخلّي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتّعرّض للفتوح الرّبّانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللّجين والنّضار، في محكّ القرائح والأبصار. تتفجّر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتّح أبواب الجنّة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غرّ السّوابق من العلوم والحقائق، في طلق [٥] ميدانه، ويصعد الكلم الطّيّب والعمل الصّالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفّر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه. ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصّوفية فرسانا، تصفّح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا، وأشد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم إلى وظائفه توسّعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتسابا للَّه وقربانا، وتقيّلا [٦] لمذاهب الملوك من قومه واستنانا، ثمّ نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلّت شانا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمّة، عيالا على هؤلاء الأئمّة، فسمحهم يغطّي ويلحف، وبمواهب العفو والتّجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيّده الله- خصّت كما عمّت، ووسمت أغفال النّكرة والإهمال وسمّت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمّت، وقد ينتظم الدرّ

стр. 4694

مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتّيجان، وتراض المسوّمة [١] العراب [٢] على مسابقة الهجان [٣] ، والكلّ في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفّقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدّهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرّة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصّته ولفيفه، عن الله وفضله. ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية [٤] ، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدّي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلّا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التّدريس والتّأليف. ثمّ خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحجّ، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزوّد هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطّور الى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكّة، فقضيت الفرض عامئذ وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيّئ ظلّه. ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش [٥] فولّاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرّم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصّها: «الحمد للَّه إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النّعم والتزاما، واقتباسا للمزيد منها

стр. 4695

واغتناما، وشكرا على الّذي أحسن وتماما، وسع كلّ شيء رحمة وإنعاما، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرّف الكائنات في قبضة قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعداما، وأعطى كلّ شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما. والصلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرّحمة الهامية غماما [١] والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطّمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاما [٢] ، أول النّبيّين رتبة وآخرهم ختاما، وسيّدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرّسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما [٣] وحربا على عدوّه وسماما [٤] ، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملئوا الأرض إيمانا وإسلاما، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما [٥] ، فأصبح ثغر الدين بسّاما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. صلّى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجّح القبول ميزانا، وتبوّئ عند الله مقاما. والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتّبعة، مصابيح الأمان ومفاتيح السّنّة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتّقين إماما. أمّا بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظّهور، والعز الخالد على الظّهور، وانفساح خطّته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة لصّيت عالية المقدار، جامعة- بمحاسن آدابه وعزّة جنابه- معاني الفخار، منفّقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفأخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوّله وآخره. وإن مولانا السلطان الملك الظّاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع
следующие страницы →