← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

حاشيته الأبدال [١] وأنبت الأوتاد [٢] ، ومنفّق أسواق العزّ بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرّزق، وظلّه الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحقّ، قاصم الجبابرة، والمعفّي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التّيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال [٣] والأساورة [٤] ، وحائز قصب السّبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوّض الأمور بإخلاصه إلى وليّ الدنيا والآخرة، مؤيّد كلمة الموحّدين، ورافع دعائم الدّين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدّق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النّصر ظهيره، كما جعل السّعد قرينه، والعزّ خدينه [٥] ، وكان وليّه على القيام بأمور المسلمين ومعينة، وبلّغ الأمّة في اتّصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤمّلونه. لمّا قلّده الله هذا الأمر الّذي استوى له على كرسيّ الملك، وانتظمت عقود الدّول في لبّات [٦] الأيام، وكانت دولته واسطة السّلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان التّرك. وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والتّرك. وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرّها بمحبّه الله [له] شهادة خالصة من الرّيب، بريئة من الشّكّ. حتى استولى من العزّ والملك على المقام الّذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفس إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه وأعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدّرها بالمنّة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الأنس والجنّة، لا، بل النّسم [٧] والأجنّة [٨] . ثم آوى الخلق إلى عدله

стр. 4692

تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنّة، ونافس في اتخاذ المدارس والرّبط لتعليم الكتاب والسنّة، وبناء المساجد المقدّسة يبني له بها الله البيوت في الجنّة، والله لا يضيّع عمل عامل فيما أظهره أو أكنّه. وإنّ ما أنتجته قرائح همّته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشّريف، والهيكل الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السّحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السّحب ومناولة الشهب مارنه [١] العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السّعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجّته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء ربّاني ينشأ في جوّه للرّحمة والسّكينة ظلّة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشّمس منه ثغر بسّام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الّذي استلّه من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الّذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الّذي صقل فرنده [٢] بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيّد الّذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعزّ الأعلى جهركس [٣] الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسّهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع. واختصّها من أصناف الفعلة بالماهر الصّناع، يتناظرون في إجادة الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكأنّ العبقريّ [٤] ، يفري- الفريّ [٥] ، أو

стр. 4693

العفاريت، قدمت من أماريت [١] . وكأنما حشرت الجنّ والشّياطين، أو نشرت القهارمة [٢] من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصّخر بالأذواد [٣] لا بالواد، واستنزلوا صمّ الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشّوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصّدف والمرمر، ومائع اللّجين الأبيض والذّهب الأحمر، بكلّ مسهّم الحواشي حالي الأبراد، وقدّروه مساجد للصّلوات والأذكار، ومقاعد للسّبحات [٤] بالعشي والإبكار، ومجالس للتّلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتّخلّي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتّعرّض للفتوح الرّبّانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللّجين والنّضار، في محكّ القرائح والأبصار. تتفجّر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتّح أبواب الجنّة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غرّ السّوابق من العلوم والحقائق، في طلق [٥] ميدانه، ويصعد الكلم الطّيّب والعمل الصّالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفّر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه. ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصّوفية فرسانا، تصفّح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا، وأشد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم إلى وظائفه توسّعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتسابا للَّه وقربانا، وتقيّلا [٦] لمذاهب الملوك من قومه واستنانا، ثمّ نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلّت شانا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمّة، عيالا على هؤلاء الأئمّة، فسمحهم يغطّي ويلحف، وبمواهب العفو والتّجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيّده الله- خصّت كما عمّت، ووسمت أغفال النّكرة والإهمال وسمّت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمّت، وقد ينتظم الدرّ

стр. 4694

مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتّيجان، وتراض المسوّمة [١] العراب [٢] على مسابقة الهجان [٣] ، والكلّ في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفّقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدّهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرّة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصّته ولفيفه، عن الله وفضله. ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية [٤] ، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدّي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلّا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التّدريس والتّأليف. ثمّ خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحجّ، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزوّد هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطّور الى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكّة، فقضيت الفرض عامئذ وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيّئ ظلّه. ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش [٥] فولّاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرّم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصّها: «الحمد للَّه إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النّعم والتزاما، واقتباسا للمزيد منها

стр. 4695

واغتناما، وشكرا على الّذي أحسن وتماما، وسع كلّ شيء رحمة وإنعاما، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرّف الكائنات في قبضة قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعداما، وأعطى كلّ شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما. والصلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرّحمة الهامية غماما [١] والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطّمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاما [٢] ، أول النّبيّين رتبة وآخرهم ختاما، وسيّدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرّسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما [٣] وحربا على عدوّه وسماما [٤] ، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملئوا الأرض إيمانا وإسلاما، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما [٥] ، فأصبح ثغر الدين بسّاما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. صلّى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجّح القبول ميزانا، وتبوّئ عند الله مقاما. والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتّبعة، مصابيح الأمان ومفاتيح السّنّة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتّقين إماما. أمّا بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظّهور، والعز الخالد على الظّهور، وانفساح خطّته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة لصّيت عالية المقدار، جامعة- بمحاسن آدابه وعزّة جنابه- معاني الفخار، منفّقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفأخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوّله وآخره. وإن مولانا السلطان الملك الظّاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع

стр. 4696

لواء المعالي والمفاخر، ربّ التّيجان والأسرّة والمنابر، والمجلّي في ميدان السّابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمّة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظلّه المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العزّ والسّعادة من أفقه السّافر، واسطة السّلك من هذا النّظام، والتّاج المحلّى في مفارق الدول والأيام، سيّد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمّة إحسانه الجزيل وأنعامه، وأطال في السّعادة والخيرات المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظرا جميلا من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقّد الأمور، وصلاح الخاصّة والجمهور، عين كلاءته، كما قلّده الله رعايته [١] وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافرا عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمّنه على سلطانه ودولته، وهو الوفيّ- والحمد للَّه- بأمانته، ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النّظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبثّ العلم من يؤهّله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفأخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سرورا بمكانها، واهتزّت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفّل الرّحمن، لمن اعتزّ به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها. وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء التّرك، خفّف الله حسابه وثقّل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصّدقة الجارية وثوابه، عناية جدّد لي لباسها، وإيثارا بالنّعمة التي صحّحت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرّسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظّ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ باللَّه وبركة هؤلاء الحضور،

стр. 4697

السّادة الصّدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدّعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظّ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرّة عينه ورضى آماله، ويديم على السّادة الأمراء ما خوّلهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السّعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله. وقد رأيت أن أقرّر للقراءة في هذا الدّرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، ﵁، فإنه من أصول السّنن، وأمّهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الّذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه. فلنفتتح الكلام بالتّعريف بمؤلفه- ﵁، ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه «الموطّأ» من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطّرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيي بن يحيي، ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب. أما الإمام مالك- ﵁، فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلّد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب. قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التّيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله. كان إماما، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري. وجدّه أبو عامر بن عمرو بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلّثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف، فهو حميري صليبة، وقرشيّ حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين [١]- فيما

стр. 4698

قال ابن بكير [١] ، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [٢] ، ونشأ بالمدينة، وتفقّه بها. أخذ عن ربيعة الرأي [٣] ، وابن شهاب [٤] وعن عمّه أبي سهيل [٥] ، وعن جماعة ممّن عاصرهم من التّابعين وتابعين وتابعي التّابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله ﷺ شابا يناهز العشرين، وأقام مفتيا بالمدينة ستين سنة. وأخذ عنه الجمّ الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمّد بن إدريس الشّافعي [٦] ، وابن وهب [٧] ، والأوزاعي [٨] ، وسفيان الثّوري [٩] ، وابن المبارك [١٠]- في أمثال لهم وأنظار. وتوفّي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي [١١] : عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون [١٢] عن ابن

стр. 4699

نافع [١] : توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبّته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة [٢] : كنّا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ : «تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة» إنّه مالك بن أنس. وقال الشافّعي: إذا جاء الأثر فمالك النّجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك، فشدّ به يديك، وقال أحمد بن حنبل [٣] : إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين. وقد ألّف الناس في فضائله كتبا، وشأنه مشهور. وأما الّذي بعثه على تصنيف «الموطّأ» - فيما نقل أبو عمر بن عبد البرّ- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون [٤] ، عمل كتابا على مثال «الموطأ» ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الّذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حجّ أبو جعفر المنصور [٥] ، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنّب فيه رخص ابن عبّاس [٦] وشدائد ابن عمر [٧] ووطّئه للناس

стр. 4700

توطئة. قال مالك: فلقد علّمني التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنّفه وسمّاه «الموطأ» أي المسهّل [١] . قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطأة، أي صار وطيئا، ووطّأته توطئة، ولا يقال وطّيته [٢] . ولما شغل بتصنيفه أخذ النّاس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطّآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه النّاس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمنّ أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنّما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقّت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنّف إلى هلم [٣] . وطال ثناء العلماء في كلّ عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشّافعيّ، وعبد الرحمن بن مهدي [٤] : ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصحّ، وفي رواية أكثر صوابا، من «موّطأ» مالك [٥] . وقال يونس بن عبد الأعلى [٦] : ما رأيت كتابا الّف في العلم أكثر صوابا من «موطّأ» مالك. وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لراويه عنه [٧] فمنها موطأ الإمام محمد بن

стр. 4701

إدريس الشافعيّ [١] ، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي [٢] ، ومنها موطأ مطرّف بن عبد الله اليساري [٣] نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطّأ عبد الرّحمن بن القاسم [٤] رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي [٥] . رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جمّ، وكان فيما أخذ عنه «الموطأ» ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكبّ الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها [٦] وعوّلوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب «الموطأ» وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الروايات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الرّوايات الأخرى، وسائر تلك الطّرق، ودرست تلك الموطّآت إلّا موطأ يحيى بن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقا وغربا. وأما سندي في هذا الكتاب المتّصل بيحيى بن يحيى فعلى ما أصفه: حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي

стр. 4702

الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السّلام بن يوسف الهوّاري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرّحالة أبو عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدّثين- ابن إبراهيم بن الحاجّ البلّفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة السابعة، مقدمه من السّفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويّين من فاس، فسمعت عليه بعضا من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستّين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب «الموطّأ» ، وأجازني بسائره إجازة أخرى. ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كلّهم: حدثنا الشيخ المعمّر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطّائي [١] ، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقيّ [٢] ، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحقّ الخزرجي [٣] . وحدّثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكيّة ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدّالي [٤] ، عن الإمام شرف الدين

стр. 4703

محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النّقرات [١] عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني [٢] . قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمّد بن فرج [٣] مولى ابن الطّلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصّفّار قاضي الجماعة بقرطبة. وحدّثني به أيضا شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد ابن الغمّاز، عن شيخه أبي الرّبيع سليمان بن موسى بن سالم [٤] الكلاعيّ، عن القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون [٥] ، شارح كتاب «الموطأ» ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولانيّ [٦] ، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي [٧] ، وقال ابن حبيش: حدّثنا به القاضي أبو عبد الله بن أصبغ [٨] ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله محمد بن الطّلّاع [٩] . وقال ابن حبيش أيضا: حدّثنا به أبو

стр. 4704

القاسم أحمد بن محمد ورد [١] ، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن خلف ابن المرابط [٢] ، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الطّلمنكيّ [٣] ، قال القاضي أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطّلمنكيّ: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى. وقال الطّلمنكيّ: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزّاز، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ [٤] ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد ابن وضّاح [٥] ، قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلّا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها خروج المعتكف إلى العيد فإنّ يحيى شكّ في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن عبد الرحمن الملقّب شبطون [٦] عن مالك. ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني الآن اتّصال سندي فيها. فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرميّ كاتب السلطان أبي الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه بعض «الموطأ» ، وأجازني بالإجازة العامّة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، وعن شيخه الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل سبتة، ويتّصل سنده فيه بالقاضي عياض، وأبي العبّاس العز في صاحب كتاب (الدرّ المنظّم في المولد المعظّم) .

стр. 4705

ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير عن القاضي أبي عبد الله بن بكّار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتّصل سنده فيه بالقاضي أبي الوليد الباجي [١] ، والحافظ أبي عمر بن عبد البرّ بسندهما. ومنها عن شيخنا المكتّب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برّال الأنصاري شيخ القراءة بتونس، ومعلّمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السّبع وعرضت عليه قصيدتي الشّاطبي [٢] في القراءة، وفي الرّسم، وعرضت عليه كتاب التّقصّي لابن عبد البرّ، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامّة، وفي هذه بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العبّاس أحمد بن محمد بن الغمّاز، وعن شيخه أبي العبّاس أحمد بن موسى البطرني بسندهما. ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصّفّار المرّاكشي، شيخ القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدّث المغرب أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهريّ السّبتيّ [٣] عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنّها لم تحضرني الآن، وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتدئ، وباللَّه أهتدي. وانفضّ ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتّجلّة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النّجيّ في ذلك الخاصّة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التّحية والمشافهة بالدّعاء، الى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النّزعات الملوكية، فأبعده، وأخّره عن خطّة القضاء في رجب ستّ وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبي إلّا إمضاءه، وخلع عليّ، وبعث الأمراء

стр. 4706

معي إلى مقعد الحكم بمدرسة القضاء، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفّيت عهد الله وعهده في إقامة رسوم الحقّ، وتحريّ المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع في ذلك ما تقدّم ذكره، وكثر شغب أهل الباطل والمراء، فأعفاني السلطان منها لحول من يوم الولاية، وكان تقدّمها وصول الخبر بغرق السّفين الواصل من تونس إلى الإسكندريّة، وتلف الموجود والمولود، وعظم الأسف، وحسن العزاء، والله قادر على ما يشاء. ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة لقضاء الفرض، وركبت بحر السويس من الطّور إلى الينبع، ورافقت المحمل إلى مكّة، فقضيت الحجّ عامئذ، وعدت إلى مصر في البحر كما سافرت أولا. وشغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش، فولّاني السّلطان إياها بدلا من مدرسته في محرّم أحد وتسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من الانقباض، والتّدريس، والتّأليف، حتى ولّاني خانقاه بيبرس، ثم عزلني عنها بعد سنة أو أزيد، بسبب أنا أذكره الآن. (ولاية خانقاه بيبرس، والعزل منها) لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من التّدريس والتأليف، وتعاهد السلطان باللّقاء والتّحيّة والدعاء، وهو ينظر إليّ بعين الشّفقة، ويحسن المواعيد. وكانت بالقاهرة خانقاه شيّدها السلطان بيبرس، ثامن ملوك الترك الّذي استبدّ على النّاصر محمد بن قلاون [١] هو ورفيقه سلار [٢] وأنف النّاصر من استبدادهما، وخرج للصيد، فلمّا حاذى الكرك امتنع به، وتركهم وشأنهم، فجلس بيبرس على التّخت مكانه، وكاتب الناصر أمراء الشّام من مماليك أبيه، واستدعوه للقيام معه، وزحف بهم إلى مصر، وعاد إلى سلطانه، وقتل بيبرس

стр. 4707

وسلار سنة ثمان وسبعمائة [١] . وشيّد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر [٢] من أعظم المصانع وأحفلها، وأوفرها ريعا، وأكثرها أوقافا، وعين مشيختها، ونظرها لمن يستعدّ له بشرطه في وقفه، فكان رزق النّظر فيها والمشيخة واسعا لمن يتولّاه، وكان ناظرها يومئذ شرف الدّين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض، فولّاني السلطان مكانه توسعة عليّ، وإحسانا إليّ، وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري. فتنة الناصري (وسياقه الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع، ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج الى الضخامة والاستيلاء، ثم الى الضعف والاضمحلال، والله بالغ أمره) وذلك أن الدّول الكلّية، وهي التي تتعاقب فيها الملوك واحدا بعد واحد، في مدة طويلة، قائمين على ذلك بعصبيّة النّسب أو الولاء، وهذا كان الأصل في استيلائهم وتغلّبهم، فلا يزالون كذلك إلى انقراضهم، وغلب مستحقّين آخرين ينزعونه من أيديهم بالعصبيّة التي يقتدرون بها على ذلك، ويحوزون الأعمال التي كانت بأيدي الدولة الأولى، يفضون جبايتها بينهم على تفاضل البأس والرّجولة والكثرة في العصابة أو القلّة، وهم على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال البداوة، وعدم الثّروة من قبل. ثم تنمو الثّروة فيهم بنموّ الجباية التي ملكوها، ويزيّن حبّ الشّهوات للاقتدار عليها، فيعظم التّرف في الملابس والمطاعم والمساكن والمراكب والممالك، وسائر الأحوال، ويتزايد شيئا فشيئا

стр. 4708

بتزايد النّعم وتتّسع الأحوال أوسع ما تكون، ويقصر الدّخل عن الخرج، وتضيق الجباية عن أرزاق الجند وأحوالهم، ويحصل ذلك لكلّ أحد ممن تحت أيديهم، لأن النّاس تبع لملوكهم ودولتهم، ويراجع كلّ أحد نظره فيما هو فيه من ذلك، فيرجع وراءه، ويطلب كفاء خرجه بدخله. ثم إن البأس يقلّ من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة، وما صاروا إليه من رقّة الحاشية والتنعّم، فيتطاول من بقي من رؤساء الدّولة إلى الاستبداد بها غيرة عليها من الخلل الواقع بها. ويستعدّ لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ويحملهم على الإقلاع عن التّرف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيرة أو بمن يدعوه لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع، وهو أحقّ الناس به، وأقربهم إليه، فيصير الملك له، وفي عشيرة، وتصير كأنها دولة أخرى، تمرّ عليها الأوقات. ويقع فيها ما وقع في الأولى، فيستولي آخر منهم كذلك إلى أن تنقرض الدولة بأسرها، وتخرج عن القوم الأولين أجمع. وتأتي دولة أخرى مباينة لعصابة هؤلاء في النّسب، أو الولاء. سنّة الله في عباده. وكان مبدأ هذه الدولة التركية، أنّ بني أيّوب لمّا ملكوا مصر والشام، كما قصصناه عليك في أخبارهم واستقلّ بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسّواحل، وكان قليل العصابة، إنما كان عشيرة من الكرد يعرفون ببني هذان [١] ، وهم قليلون، وإنما كثّر منهم جماعة المسلمين، بهمّة الجهاد الّذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدّين على يده. وانتزع السّواحل كلّها من أيدي نصارى الفرنج، حتى مسجد بيت المقدّس، فإنّهم كانوا ملكوه وأفحشوا فيه بالقتل والسّبي،، فأذهب الله هذه الوصمة على يد صلاح الدين، وانقسم ملك بني أيوب بعده بين ولده وولد أخيه. واستفحل أمرهم، واقتسموا مدن الشّام، ومصر بينهم، إلى أن جاء آخرهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر أخي صلاح الدّين، وأراد الاستكثار من العصابة لحماية الدّولة، وإقامة رسوم الملك، وأن ذلك يحصل باتخاذ المماليك، والإكثار منهم، كما كان

стр. 4709

آخرا في الدولة العباسيّة ببغداد، وأخذ التّجار في جلبهم إليه، فاشترى منهم أعدادا، وأقام لتربيتهم أساتيذ [١] معلمين لحرفة الجندية، من الثقافة والرّمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخلقية إلى أن اجتمع له منهم عدد جم يناهز الألف، وكان مقيما بأحواز دمياط [٢] في حماية البلاد من طوارق الفرنج المتغلّبين على حصنها دمياط. وكان أبوه قد اتخذ لنزله هنالك قلعة سمّاها المنصورة [٣] ، وبها توفي ﵀، فكان نجم الدين نازلا في مدافعة ساكني دمياط من الفرنج، فأصابه هنالك حدث الموت، وكان ابنه المعظّم توران شاه نائبا في حصن كيفا [٤] من ديار بكر وراء الفرات، فاجتمع الجند على بيعته، وبعثوا عنه، وانتظروا. وتقطّن الفرنج لشأنهم، فهجموا عليهم، واقتتلوا فنصر الله المسلمين، وأسر ملك الفرنج ريد إفرنس، فبعثوا به إلى مصر. وحبس بدار لقمان، إلى أن فادوه بدمياط، كما هو مذكور في أخبار بني أيوب. ونصّبوا- للملك، ولهذا اللقاء- زوجة الصالح أيّوب واسمها شجر الدرّ [٥] ، فكانت تحكم بين الجند، وتكتب على المراسيم [٦] ، وركبت يوم لقاء الفرنج، تحت الصّناجق [٧] ، والجند محدقون بها، حتى أعزّ الله دينه، وأتمّ نصره. ثم وصل توران شاه المعظّم، فأقاموه في خطّة الملك مكان أبيه الصالح

стр. 4710

أيوب، ووصل معه مماليك يدلّون بمكانهم منه، ولهم به اختصاص، ومنه مكان، وكان رؤساء الترك يومئذ القائمون بالدولة من عهد أبيه وجدّه. أقطاي الجمدار [١] وأيبك التّركماني، وقلاون الصالحي، فأنفوا من تصرفات مماليك توران شاه، واستعلائهم بالحظّ من السلطان، وسخطوهم وسخطوه، وأجمعوا قتله. فلما رحل إلى القاهرة اغتالوه في طريقه بفارسكور، وقتلوه، ونصبوا للأمر أيبك التركماني منهم، واستحدثوا هذه الدولة التركية كما شرحناه في أخبارها، وهلك بعد أيبك ابنه عليّ المنصور، ثم مولاه قطز، ثم الظاهر بيبرس البندقداري [٢] . ثم ظهر أمر الطّطر [٣] ، واستفحل ملكهم. وزحف هولاكو بن طولي بن جنكيزخان من خراسان إلى بغداد، فملكها، وقتل الخليفة المستعصم آخر بني العباس. ثم زحف إلى الشام، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيوب، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان، زحف إلى خراسان، فامتعض لذلك، وكرّ راجعا، وشغل بالفتنة معه إلى إن هلك. وخرج قطز من مصر عند ما شغل هولاكو بفتنة بركة، فملك الشام كله، أمصاره ومدنه، وأصاره للترك موالي بني أيوب. واستفحلت دولة هؤلاء المماليك، واتّصلت أيامها واحدا بعد واحد، كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاون عند ما ملك بيبرس الظاهر منهم، فتظاهر به، وأصهر إليه، والترف يومئذ لم يأخذ منهم، والشّدة والشكيمة موجودة فيهم، والبأس والرجولة شعار لهم، وهلك الظاهر بيبرس، وابناه من بعده، كما في أخبارهم. وقام قلاوون بالأمر، فاتّسع نطاق ملكه، وطال ذرع سلطانه، وقصرت أيدي الطّطر عن الشام بمهلك هولاكو، وولاية الأصاغر من ولده، فعظم ملك قلاون، وحسنت آثار سياسته، وأصبح حجة على من بعده، ثم ملك بعده ابناه: خليل الأشرف، ثم محمد الناصر. وطالت أيامه، وكثرت عصابته من مماليكه،

стр. 4711

حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره. ورتّب للدّولة المراتب، وقدّم منهم في كل رتبة الأمراء، وأوسع لهم الأقطاع والولايات، حتى توفرت أرزاقهم واتسعت بالتّرف أحوالهم. ورحل أرباب البضائع من العلماء والتّجّار إلى مصر، فأوسعهم حباء وبرّا. وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والرّبط والخوانق، وأصبحت دولتهم غرّة في الزمان، وواسطة في الدّول. ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك، واحدا بعد آخر، مستبدّين عليهم، متنافسين في الملك، حتى يغلب واحد منهم الآخر، فيقتله، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر، وينصب آخر منهم مكانه، إلى أن انساق الأمر لولده حسن النّصر، فقتل مستبدّه شيخون، وملك أمره. وألقى زمام الدولة بيد مملوكه يلبغا، فقام بها، ونافسه أقرانه، وأغروا به سلطانه، فأجمع قتله. ونمي إليه الخبر وهو في علوفة البرسيم عند خيله المرتبطة لذلك، فاعتزم على الامتناع، واستعدّ للّقاء. واستدعاه سلطانه، فتثاقل عن القدوم. واستشاط السلطان، وركب في خاصته إليه، فركب هو لمصادمته. وهاجم السلطان ففلّه، ورجع إلى القلعة، وهو في اتّباعه، فلم يلفه بقصره، وأغرى به البحث فتقبّض عليه، واستصفاه، وقتله، ونصب للملك محمد المنصور بن المظفّر حاجي بن الناصر. وقام بالدولة أحسن قيام، وأغرى نفسه بالاستكثار من المماليك، وتهذيبهم بالتّربية، وتوفير النّعم عندهم بالإقطاع، والولايات، حتى كمل منهم عدد لم تعهده الدولة. ثم خلع المنصور بن المظفّر لسنتين، ونصب مكانه للملك شعبان الأشرف بن حسين بن النّاصر، فأقام على التّخت وهو في كفالته، وهو على أوّله في إعزاز الدولة، وإظهار التّرف والثروة، حتى ظهرت مخايل العزّ والنّعم، في المساكن والجياد والمماليك والزينة، ثم بطروا النّعمة، وكفروا الحقوق، فحنقوا عليه لما كان يتجاوز الحدود بهم في الآداب، فهمّوا بقتله وخلصوا نجيا لذلك في متصيّدهم الشّتوي، وقد برزوا له بخيامهم وسلطانهم على عادتهم. ولما أحسّ بذلك ركب ناجيا بنفسه إلى القاهرة، فدخلوا على السلطان الأشرف، وجاءوا به على إثره، وأجازوا البحر، فقبضوا عليه عشيّ يومهم، ثم قتلوه في محبسه عشاء. وانطلقت أيديهم على أهل البلد بمعرّات لم يعهدوها من أول دولتهم، من النّهب والتّخطّف وطروق المنازل والحمّامات للعبث بالحرم، وإطلاق أعنّة الشّهوات والبغي في كل ناحية، فمرج أمر النّاس، ورفع الأمر إلى السّلطان،

стр. 4712

وكثر الدعاء واللّجأ إلى الله. واجتمع أكابر الأمر إلى السلطان، وفاوضوه في كفّ عاديتهم، فأمرهم بالركوب، ونادى في جنده ورعيته بانطلاق الأيدي عليهم، والاحتياط بهم في قبضة القهر، فلم يكن إلا كلمح البصر، وإذا بهم في قبضة الأسر. ثم عمّرت بهم السّجون، وصفّدوا وطيف بهم على الجمال ينادي بهم، إبلاغا في الشهرة، ثم وسّط [١] أكثرهم، وتتبّع البقيّة بالنّفي والحبس بالثغور القصيّة، ثم أطلقوا بعد ذلك. وكان فيمن أطلق جماعة منهم بحبس الكرك: فيهم برقوق الّذي ملك أمرهم بعد ذلك، وبركة الجوباني [٢] ، وألطنبغا الجوباني [٣] وجهركس الخليلي. وكان طشتمر [٤] ، دوادار يلبغا [٥] ، قد لطف محلّه عند السلطان الأشرف، وولي الدّوادارية له، وكان يؤمّل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ذلك يجمع هؤلاء المماليك اليلبغاويّة من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه، ويغري السلطان بها شفاها ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب السّلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه عليّ وليّ عهده. فلما كثروا، وأخذتهم أريحيّة العزّ بعصبيّتهم، صاروا يشتطّون على السّلطان في المطالب، ويعتزّون بعصبية اليلبغاوية. واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين وسبعمائة على قضاء الفرض، فخرج لذلك خروجا فخما، واستناب ابنه عليّا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي [٦] من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة، فلما بلغ العقبة [٧] اشتطّ المماليك في

стр. 4713

طلب جرايتهم من العلوفة والزّاد، واشتطّ الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولّين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدّوادار يغضي عنهم يحسب وقت استبداده قد أزف، إلى أن راغمهم السّلطان بالزّجر، فركبوا عليه هنالك، وركب من خيامه مع لفيف من خاصّته، فنضحوه بالنّبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبّح القاهرة، وعرّس هو ولفيفه بقبّة النّصر. وكان قرطاي كافل ابنه عليّ المنصور، حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي مكالمة عند مغيب السّلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه، فأغرى عليّا المنصور بن السلطان بالتّوثّب على الملك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة، وقد أجلس عليّا مكفوله بباب الإسطبل، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه بالتخت، وبينما هم في ذلك، صبّحهم الخبر بوصول السلطان الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه نياما هنالك، وقد تسلّل من بينهم هو وبلبغا الناصري [١] من أكابر اليلبغاويّة، فقطوا رءوسهم جميعا، ورجعوا بها تسيل دما. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا النّداء عليه، وإذا بامرأة قد دلّتهم عليه في مكان عرفته، فتسابقوا إليه، وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء طشتمر الدّوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلّف السلطان، واعتزم على قتالهم طمعا في الاستبداد الّذي في نفسه، فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميرا آخر من اليلبغاوية [٢] قد ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه، فاستنام له قرطاي، وطمع هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلا صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك، فركب في بعض أيامه، وأركب معه السلطان عليا، واحتاز الأمر من يد قرطاي،

стр. 4714

وصيّره إلى صفد [١] ، واستقلّ بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشّام مع سائر أمرائه، فخرج أينبك في العساكر، وسرّح المقدّمة مع جماعة من الأمراء، وكان منهم برقوق وبركة المستوليان عقب ذلك، وخرج هو والسلطان في السّاقة [٢] ، فلما انتهوا إلى بلبيس، ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزما، فرجع إلى القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبّة النّصر، فسرّح العساكر لذلك، فلمّا فصلوا فرّ هو هاربا، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية. واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا النّاصري ودمرداش اليوسفي وبركة وبرقوق، فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال بالأمر وتغلّبوا على سائر الأمراء، واعتقلوهم بالإسكندرية. وفوّضوا الأمر إلى يلبغا النّاصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنّها منية نفسه، وسار إلى مصر، فدفعوا الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافا لعصبيتهما، فانصرفت الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثّب، ولما كان الأضحى في سنة تسع وسبعين وسبعمائة استعجل أصحابه على غير رويّة، وركبوا وبعثوا إليه فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبّض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه يلبغا الناصري، وخلت الدّولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا المراتب بأصحابهما. ثم كثر شغب التّركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا النّاصري إلى النّيابة بحلب ليستكفوا به في تلك النّاحية. ثم تنافس برقوق وبركة في الاستقلال، وأضمر كلّ واحد منهما لصاحبه، وخشي منه، فقبض برقوق على بطانة بركة من عصابته ليخصّ بذلك جناحه، فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى قبّة النّصر ليواضع برقوقا وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. وأقام برقوق بمكانه من الاسطبل، وسرّب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. وأقاموا كذلك أياما يغادونهم ويراوحونهم ثلاثا، إلى أن عضّت بركة وأصحابه الحرب، فانفضّوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى

стр. 4715

الإسكندرية، فحبس هنالك إلى أن قتله ابن عرّام نائب الإسكندرية. وارتفع أصحابه إلى برقوق شاكين، فثأرهم منه بإطلاق أيديهم في النّصفة، فانتصفوا منه بقتله في ساحة القلعة، بعد أن سمّر، وحمل على جمل عقابا له، ولم يقنعهم ذلك، فأطلق أيديهم فيما شاءوا منه، ففعلوا ما فعلوا. وانفرد برقوق- بعد ذلك- بحمل الدّولة ينظر في أعطافها [١] بالتّهديد، والتّسديد، والمقاربة [٢] ، والحرص على مكافأة الدّخل بالخرج. ونقّص ما أفاض فيه بنو قلاون من الإمعان في التّرف، والسّرف في العوائد والنّفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الرّاجح، وعجزت الدولة عن تمشية أحوالها، وراقب ذلك كلّه برقوق، ونظر في سدّ خلل الدّولة منه، وإصلاحها من مفاسده، يعتدّ ذلك ذريعة للجلوس على التّخت، وحيازة اسم السلطان من أولاد قلاون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى أن حصل من ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته، فجلس على التّخت في تاسع عشر رمضان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وتلقّب بالظاهر. ورتّب أهل عصابته في مراتب الدولة، فقام وقاموا بها أحسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاون إلى برقوق الظاهر وبنيه. واستمرّ الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية- رفقاؤه في ولاء يلبغا- فيما صار إليه من الأمر، وخصوصا يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به الظاهر فبعث باستدعائه، فجاء وحبسه مدّة، ثم رجّعه إلى نيابة حلب، وقد وغر صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر، فبعث سنة تسعين وسبعمائة دواداره للقبض عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية [٣] ، وهو منطاش من أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر إلبا على الظاهر، فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه، وبلغ الخبر إلى الظاهر برقوق، فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من أصحابه: وهم الدوادار الأكبر يونس [٤] ،

стр. 4716

وجهركس الخليلي أمير الاسطبل، والأتابكي أيتمش، وأيدكار حاجب الحجاب [١] وأحمد بن يلبغا أستاذهم [٢] . وخرج النّاصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان وأمراء الشام، ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضّوا. ونجا ايتمش إلى قلعة دمشق، فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق، ثم أجمع المسير إلى مصر، وعميت أنباؤهم حتى أطلّوا على مصر. وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة أنمى عنه، أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط [٣] في قتل السلطان يوم ركوبه إلى الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صحّ الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعا إلى تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع، ولما وصل إلى قيطا اجتمعت العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه الليل، ثم دخل إلى بيته وخرج متنكرا، وتسرّب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، وأمير حاج ابن الأشرف، فأعادوه إلى التخت ولقّبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم ألطنبغا الجوباني الّذي كان أمير مجلس [٤] ، وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياما، ثم أطلقه وبعثه نائبا على دمشق، ثم ارتفعت عنه الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصريّ نائب حلب في ذلك، وأكّد ذلك عند السلطان ما كان بينه وبين النّاصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه. ولما جاء حبسه بالإسكندرية، فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن

стр. 4717

الأشرف [١] على التخت، بعث عنه ليستعين به على أمره، وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث عنه، فاستدعى الجوبانيّ واستنام له، واستحلفه على الأمان، فحلف له، وجاء به إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصريّ في المضيّ إليه وتأمينه. وحبسوه في بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره، فأشار أمراء اليلبغاوية كلّهم بقتله، وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنّا [٢] بالشام للصحابة بينه وبين الناصري، فحضّهم على قتله، ومنع الجوبانيّ من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك [٣] ، ودافعوا منطاشا بأنهم يبعثونه إلى الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولّوا عليها نائبا وأوصوه به، فأخفق مسعى منطاش، ودبّر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذا فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضا، ووقف عند مدرسة الناصر حسن يحاصر الناصري بالقلعة. واستجاش هو بأمراء اليلبغاوية، فداهنوا في إجابته، ووقفوا بالرّميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياما حتى انفضّ جمع النّاصري، وخرج هاربا، فاعترضه أصحاب الطريق بفارسكور، وردّوه، فحبسه منطاش بالإسكندرية مع صاحبه، واستقلّ بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر، فامتنع النّائب، واعتذر بوقوفه على خطّ السلطان والخليفة والقضاة. وبثّ الظاهر عطاءه في عامّة أهل الكرك، فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الّذي جاء في ذلك، فقتلوه، وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق من العرب، واتصل به بعض مماليكه، وسار إلى الشام. واعترضه ابن باكيش [٤] نائب

стр. 4718

غزّة [١] ، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، وأخرج منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظّاهر عن دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق [٢] ، فواقعه، وأقام محاصرا له. ووصل إليه كمشبغا [٣] الحموي نائب حلب، وكان قد أظهر دعوته في عمله، وتجهّز للقائه بعسكره، فلقيه وأزال علله، فأقام له أبّهة الملك. وبيناهم في الحصار إذ جاء الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب [٤] ، فلمّا تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السّلطان أمير حاج وعساكره ففضّهم، وانهزم كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في إتباعه، فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج، ففضّها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، وصاروا في عمياء من أمرهم، وفرّ منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبيته [٥] ، ونزل على دمشق محاصرا لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة، فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظّاهر إلى ملكه. ورحل إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلّب مماليكه عليها، وذلك أن القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين هنالك في مطبق أعدّ لهم، فتناجوا في التّسوّر منه إلى ظاهره، والتوثّب على القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الّذي كان هنالك بمن كان معه من الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا [٦] وساس أمرهم، وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك الى الظاهر، أغذّ السّير إلى مصر. وتلقّاه الناس فرحين مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وولّى بطا دوادارا، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى

стр. 4719

مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه. وولّى سودون على نيابته، وكان ناظرا بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم عليّ أحوالا من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه، ومن تصرّفات دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها، فوغر صدره من ذلك، وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى [١] استدعاها منّا منطاش، وأكرهنا على كتابها، فكتبناها، وورّينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، وخصوصا عليّ، فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عنّي، فولّى فيها غيري وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات اعتذر عن ذلك ليطالعه بها، فتغافل عنها، وأعرض عني مدّة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونصّ الأبيات: سيّدي والظنون فيك جميلة ... وأياديك بالأماني كفيلة لا تحل عن جميل رأيك إنّي ... ما لي اليوم غير رأيك حيلة واصطنعني كما اصطنعت بإسداء ... يد من شفاعة أو وسيلة لا تضعني فلست منك مضيعا ... ذمّة الحبّ، والأيادي الجميلة وأجرني فالخطب عضّ بنابيه ... وأجرى الى حماي خيوله

стр. 4720

ولو أنّي دعا بنصري داع ... كنت لي خير معشر وفصيلة أنه أمري الى الّذي جعل الله ... أمور الدّنيا له مكفولة وأراه في ملكه الآية ... الكبرى فولّاه ثم كان مديله أشهدته عناية الله في التمحيص ... أن كان عونه ومنيله العزيز السلطان والملك الظّاهر ... فخر الدنيا وعزّ القبيلة ومجير الإسلام من كل خطب ... كاد زلزال بأسه أن يزيله ومديل العدو بالطّعنة النّجلا ... وتفرّي ماذيّه ونصوله [١] وشكور لأنعم الله يفني ... في رضاه غدوّه وأصيله وتلطّف في وصف حالي وشكوى ... خلّتي [٢] يا صفيّة وخليله قل له والمقال يكرم من مثلك ... في محفل العلا أن يقوله يا خوند الملوك يا معد الدّهر ... إذا عدّل [٣] الزمان فصوله لا تقصّر في جبر كسرى فما ... زلت أرجيك للأياد الطّويلة أنا جار لكم منعتم حماه ... ونهجتم الى المعالي سبيله وغريب أنّستموه على الوحشة ... والحزن بالرضى والسّهولة وجمعتم من شمله فقضى الله ... فراقا وما قضى مأموله غاله الدّهر في البنين وفي الأهل ... وما كان ظنّه أن يغوله [٤] ورمته النّوى [٥] فقيدا قد ... اجتاحت عليه فروعه وأصوله فجذبتم بضبعه [٦] وأنلتم ... كل ما شاءت العلا أن تنيله ورفعتم من قدره قبل أن ... إليكم عياءه وخموله وفرضتم له حقيقة ودّ ... حاش للَّه أن ترى مستحيلة همة ما عرفتها لسواكم ... وأنا من خبرت دهري وجيله

стр. 4721

والعدا نمّقوا أحاديث إفك ... كلها في طرائق معلولة روّجوا في شأني غرائب زور ... نصبوها لأمرهم أحبولة ورموا بالذي أرادوا من ... البهتان ظنا بأنها مقبولة زعموا انني أتيت من الأقوال ... ما لا يظنّ بي أن أقوله كيف لي أغمط الحقوق وأنّي ... شكر نعماكم عليّ الجزيلة؟ كيف لي أنكر الأيادي التي ... تعرفها الشّمس والظّلال الظليلة؟ إن يكن ذا فقد برئت من ... الله تعالى وخنت جهرا رسوله طوقونا أمر الكتاب فكانت ... لقداح الظنون فينا مجيلة [١] لا وربّ الكتاب أنزله الله ... على قلب من وعى تنزيله ما رضينا بذاك فعلا ولا جئناه ... طوعا ولا اقتفينا دليله إنما سامنا الكتاب ظلوم ... لا يرجّى دفاعه بالحيلة سخط ناجز وحلم بطيء ... وسلاح [٢] للوخز فينا صقلّيّة ودعوني ولست من منصب الحكم ... ولا ساحبا لديهم ذيوله غير أنّي وشى بذكري واش ... يتقصّى أوتاره وذحوله [٣] فكتبنا معوّلين على حلمك ... تمحو الإصار عنّا الثّقيلة ما أشرنا به لزيد ولا عمرو ... ولا عيّنوا لنا تفصيله إنما يذكرون عمّن وفيمن ... مبهمات أحكامها منقولة ويظنّن أنّ ذاك على ما ... أضمروا من شناعة أو رذيلة وهو ظنّ عن الصّواب بعيد ... وظلام لم يحسنوا تأويله وجناب السّلطان نزّهه الله ... عن العاب [٤] بالهدى والفضيلة وأجلّ الملوك قدرا صفوح ... يرتجي ذنب دهره ليقيله فاقبلوا العذر إنّنا اليوم نرجو ... بحياة السّلطان منكم قبوله وأعينوا على الزّمان غريبا ... يشتكي جدب عيشه ومحوله

стр. 4722

جاركم ضيفكم نزيل حماكم ... لا يضيع الكريم يوما نزيله جدّدوا عنده رسوم رضاكم ... فرسوم الكرام غير محيلة داركوه برحمة فلقد أمست ... عقود اصطباره محلولة وانحلوه جبرا فليس يرجّي ... غير إحسانكم لهذي النّحيلة يا حميد الآثار في الدهر يا ... ألطنبغا يا روض العلا ومقيله كيف بالخانقاه ينقل عنّي ... لا لذنب أو جنحة منقولة بل تقلّدتها شغورا بمرسوم ... شريف وخلعة مسدولة ولقد كنت آملا لسواها ... وسواها بوعده ان ينيله وتوثّقت للزّمان علييها ... بعقود ما خلتها محلولة أبلغن قصّتي فمثلك من يقصد ... فعل الحسنى بمن ينتمي له واغنموا من مثوبتي ودعائي ... قربة عند ربكم مقبولة وفي التّعريض بسفره إلى الشام: واصحب العزّ ظافرا بالأماني ... واترك العصبة العدا مفلولة واعتمل في سعادة الملك الظّاهر ... أن تمحو الأذى وتزيله وتعيد الدّنيا لأحسن شمل ... حين تضحي بسعده مشمولة واطلب النّصر من سعادته يصحبك ... دأبا في الظعن والحيلولة وارتقب ما يحلّه بالأعادي ... في جمادى أو زد عليه قليله وخذوه فألا بحسن قبول ... صدّق الله في الزمان مقولة فلقد كان يحسن الفال عند ... المصطفى دائما ويرضى جميلة (السعاية في المهاداة والإتحاف بين ملوك المغرب والملك الظاهر) كثيرا ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضا بالاتحاف بطرف أوطانهم،

стр. 4723

للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادي يعقوب المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد الفرنج عن سواحل الشّام حين كان معنيّا بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد الكريم بن منقذ [١] من أمراء شيزر [٢] ، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في الأسطول لما كان في الكتاب إليه [٣] من العدول عن تخطيطه [٤] بأمير المؤمنين، فوجدها غصّة في صدره منعته من إجابته إلى سؤاله، وكان المانع لصلاح الدّين من ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني [٥] بما كان يشاوره في أموره، وكان مقيما لدعوة الخليفة العبّاسي بمصر، فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لاثنين في الملّة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن، الخلافة ليست لقبا فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدّة والحماية، والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحقّ. فلما انقرضت دولة الموحّدين، وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم لهذه البلاد الشرقيّة، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم، فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البرّ والمواصلة، بالاتحاف والاستطراف والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية، فسنّت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقّها أن تذكر، وكان يوسف ابن يعقوب بن عبد الحقّ ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب مصر عام سبعمائة [٦] ، وهو يومئذ النّاصر بن محمد بن قلاون، هدية ضخمة، أصحبها كريمة

стр. 4724

من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطّرف، وأصناف الذّخائر، وخصوصا الخيل والبغال. أخبرني الفقيه ابو إسحاق الحسناوي، كاتب الموحّدين بتونس، أنه عاين تلك الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التّنسيّ كبير أهل الفتيا بتلمسان. ثم كافأ النّاصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل [١] مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما إلى مرّاكش للنّزاهة [٢] في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مرّاكش، فجهّزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيّعهما الى مصر، فاعترضتهما قبائل حصين ونهبوهما [٣] ، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر. ولمّا ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، وكانت لها عليه تربية، فأرادت الحجّ في أيامه وبعنايته، فأذن لها في ذلك، وبعث في خدمتها وليّه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل العتاق، والمطايا الفرة وقماش الحرير والكتّان، والصوف ومدبوغ الجلود الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخّار المخصوص كلّ مصر من المغرب بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها مكيلة من اللآلئ والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذّهبية المرصّعة بالجواهر، واللجم المذهبة، والسّيوف المحلّاة بالذهب واللآلئ، كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف دينار،

стр. 4725

وتدرّجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة، فكانت قيمته مائة دينار. تحدّث الناس بهذه الهديّة دهرا، وعرضت بين يدي الملك النّاصر، فأشار إلى خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضّيوف، في إنزالهم وقراهم وإزوادهم إلى الحجاز وإلى بلادهم، وبقي شأن الهدية حديثا يتجاراه الناس في مجالسهم وأسمارهم، وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ولمّا فصل أرسال [١] ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك النّاصر معهم هديّة كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة بالإسكندرية، تحمل كلّ عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على بيوت للمراقد، وأواوين للجلوس والطّبخ، وأبراج للإشراف على الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض، وفيها تمثال مسجد بمحرابه، وعمده، ومئذنته، حوائطها كلّها من خرق الكتّان الموصولة بحبك الخياطة مفصّلة على الأشكال التي يقترحها المتّخذون لها. وكان فيها خيمة أخرى مستديرة الشكل، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظلّ خمس مائة فارس أو أكثر، وعشرة من عتاق الخيل بالمراكب الذهبية الصّقيلة، ولجمها كذلك، ومرّت هذه الهدية بتونس، ومعها الخدّام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ أصناف تلك الهدية، وتوجّهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجّب منها دهرا على الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهديّة في الأوقات. ولما وصلت إلى مصر، واتّصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التّشوّف إلى جياد الخيل، وخصوصا من المغرب، لما فيها [من تحمّل] الشّدّة والصّبر على المتاعب، وكان يقول لي مثل ذلك، وأنّ خيل مصر قصّرت بها الرّاحة والتّنعّم، عن الصّبر على التّعب، فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرّائعة، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السّفين الواصل بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في

стр. 4726

ذلك السّفين، وكلّ شيء بقدر. ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف ابن عليّ بن غانم، كبير أولاد حسين ناجيا من سخط السلطان أبي العبّاس أحمد ابن أبي سالم، من ملوك بني مرين بفاس، يروم قضاء فرضه، ويتوسّل بذلك لرضى سلطانه، فوجد السلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش، فعرضته لصاحب المحمل. فلمّا عاد من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، وشكا بثّه، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحمّله مع ذلك هديّة إليه من قماش وطيب وقسيّ، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف، فقبل سلطانه فيه شفاعة الظّاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة لمهاداة الملك الظاهر، وأحسن في انتقاء أصناف الهدية، فعاجلته المنيّة دون ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياما ثمّ هلك، وولي أخوه أبو عامر، فاستكمل الهديّة، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول. وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشّراء، فعيّن لذلك مملوكا من مماليكه منسوبا إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا [١] ، وبعث عنّي، فحضرت بين يديه، وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك الى سلطان تونس من الموحّدين [٢] ، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس والمغرب من بني مرين، وحمّله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب والقسيّ، وانصرف عام تسعة وتسعين وسبعمائة إلى المغرب، وشيّعه كل واحد من ملوكه إلى مأمنه، وبالغ في إكرامه بما يتعيّن. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ويوسف بن عليّ على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس المخاطب أوّلا. وأظلّهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجّهين إلى مصر، وقد أفاض السّلطان من إحسانه وعطائه، على الرّسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقرّ عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومرّوا بتلمسان، وبها

стр. 4727

يومئذ أبو زيّان، ابن السلطان أبي حمّو من آل يغمراسن بن زيّان، فبعث معهم هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشّعر، فامتدح الملك الظاهر بقصيدة بعثها مع هديته، ونصّها من أولها الى آخرها: لمن الرّكائب سيرهن دميل [١] ... والصّبر- إلّا بعدهن- جميل يا أيها الحادي رويدك [٢] إنّها ... ظعن [٣] يميل القلب حيث تميل رفقا بمن حملته فوق ظهورها ... فالحسن فوق ظهورها محمول للَّه آية أنجم: شفّافة ... تنجاب عنها للظلام سدول شهب بآفاق الصدور طلوعها ... ولها بأستار الجدول أفول في الهودج المزرور منها غادة ... تزع الدجى بجبينها فيحول فكأنها قمر على غصن على ... متني كثيب والكثيب مهيل ثارت مطايا فثار بي الهوى ... واعتاد قلبي زفرة وغليل أومت لتوديعي فغالب عبرتي ... نظر تخالسه العيون كليل دمع أغيّض منه خوف رقيبها ... طورا ويغلبني الأسى فيسيل ويح المحبّ وشت به عبراته ... فكأنّها قال عليه وقيل صان الهوى وجفونه يوم النّوى ... لمصون جوهر دمعهنّ تذيل وتهابه أسد السّرى في خيسها [٤] ... ويروعه ظبي الحمى المكحول تأبى النفوس الضّيم إلّا في الهوى ... فالحرّ عبد والعزيز ذليل يا بانة الوادي ويا أهل الحمى ... هل ساعة تصغين لي فأقول ما لي إذا هبّ النسيم من الحمى ... أرتاح شوقا للحمى وأميل خلّوا الصّبا يخلص إليّ نسيمها ... إن الصّبا لصبابتي تعليل ما لي أحلّا عن ورود محلّه ... وأذاد عنه وورده منهول [٥]

стр. 4728

والباب ليس بمرتج [١] عن مرتج [٢] ... والظنّ في المولى الجميل جميل من لي بزورة روضة الهادي الّذي ... ما مثله في المرسلين رسول هو أحمد ومحمد والمصطفى ... والمجتبى وله انتهى التفضيل يا خير من أهدى الهدى وأجلّ من ... أثنى عليه الوحي والتّنزيل وحي من الرّحمن يلقيه على ... قلب النّبي محمد جبريل مدحتك آيات الكتاب وبشّرت ... بقدومك التّوراة والإنجيل صلة الصّلاة عليك تحلو في فمي ... مهما تكرّر ذكرك المعسول فور بعك المأهول إن بأضلعي ... قلبا بحبّك ربعه مأهول هل من سبيل للسّرى حتى أرى ... خير الورى فهو المنى والسّول حتّام تمطلني اللّيالي وعدها ... إنّ الزّمان بوعده لبخيل ما عاقني إلّا عظيم جرائمي ... إن الجرائم حملهنّ ثقيل أنا مغرم فتعطّفوا انا مذنب ... فتحاوزوا أنا عاثر فأقيلوا وأنا البعيد فقرّبوا والمستجير ... فأمّنوا والمرتجى فأنيلوا يا سائقا نحو الحجاز حمولة [٣] ... والقلب بين حمولة [٤] محمول لمحمّد بلّغ سلام سميّه ... فذمامه بمحمد موصول وسل الإله له اغتفار ذنوبه ... يسمع هناك دعاؤك المقبول وعن المليك أبي سعيد فلتنب ... فلكم له نحو الرّسول رسول متحمّل للَّه كسوة بيته ... يا حبّذاك المحمل المحمول سعد المليك أبي سعيد إنّه ... سيف على أعدائه مسلول ملك يحجّ المغرب الأقصى به ... فلهم به نحو الرّسول وصول [٥]

стр. 4729

ملك به نام الأنام وأمّنت ... سبل المخاف [١] فلا يخاف سبيل فالملك ضخم والجناب مؤمّل ... والفضل جمّ والعطاء جزيل والصّنع أجمل والفخار مؤثّل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل يا مالك البحرين بلّغت المنى ... قد عاد مصر على العراق يصول يا خادم الحرمين حقّ لك الهنا ... فعليك من روح [٢] الإله قبول يا متحفي ومفاتحي برسالة ... سلسالة يزهى بها التّرسيل أهديتها حسناء بكرا ما لها ... غيري، وإن كثر الرّجال، كفيل ضاء المداد من الوداد بصحفها ... حتى اضمحلّ عبوسه المجبول [٣] جمعت وحاملها بحضرتنا كما ... جمعت بثينة في الهوى وجميل [٤] وتأكّدت بهديّة ودّية ... هي للإخاء المرتضى تكميل أطلعت فيها للقسيّ أهلّة ... يرتدّ عنها الطّرف وهو كليل وحسام نصر زاهيا بنضاره ... راق العيون فرنده المعسول ماضي الشّبا [٥] لمصابه تعنو الظّبا ... فيه تصول على العدا وتطول وبدائع الحلل اليمانية التي ... روّى معاطفها بمصر النّيل فأجلت فيها ناظري فرأيتها ... حفا يجول الحسن حيث تجول جلّت محاسنها فأهوى نحوها ... بفم القبول اللّثم والتّقبيل يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي ... ومن القلوب إلى هواه تميل إن كان رسم الودّ منك مذيّلا ... بالبرّ وهو بذيله موصول فنظيره عندي وليس يضيره ... بمعارض وهم ولا تخييل ودّ «يزيد» و «ثابت» شهدا به ... و «لخالد» بخلوده تذييل وإليكها تنبيك صدق مودّتي ... صحّ الدليل ووافق المدلول فإذا بذاك المجلس السّامي سمت ... فلديك إقبال لها وقبول

стр. 4730

دام الوداد على البعاد موصّلا ... بين القلوب وحبله موصول وبقيت في نعم لديك مزيدها ... وعليك يضفو ظلّها المسدول ثم مرّوا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي العبّاس من ملوك الموحّدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزّز بها هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحّدين أبي عبد الله بن تافراكين، ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظّاهر في آخر السّنة، وعرضت بين يدي السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسّيوف والبسط ومراكب الخيل، وحمل كثيرا منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات. وكانت هديّة صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج واللّجم الذهبية، والسيوف المحلّاة، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير والكتّان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف. وهديّة صاحب تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموّهة، وأحمالا من الأقمشة. وهديّة صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشّاة ببراقع الثياب من غير مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه، وجلس السّلطان يوم عرضها جلوسا فخما في إيوانه، وحضر الرّسل، وأدّوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان بالبرّ والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضّخمة. ثم حضر وقت خروج الحاجّ، فأستأذنوا في الحجّ مع محمل السلطان، فأذن لهم، وأرغد أزودتهم. وقضوا حجّهم، ورجعوا إلى حضرة السلطان ومعهود مبرّته. ثم انصرفوا إلى مواطنهم، وشيّعهم من برّ السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السّعي في الوصلة الباقية على الأبد، فحمدت الله على ذلك. (ولاية القضاء الثانية بمصر) ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأوّل سنة سبع وثمانين وسبعمائة، مكبا على
следующие страницы →