← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1232

التحفة المكية في توضيح أهم القواعد الفقهية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك»، رواه أبو داود (١). وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة. روى سعيد بن منصور في سننه (٢) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن عمر كتب إلى الناس؛ ألّا يُجلدن أمير جيش ولا سريةٍ ولا رجل من المسلمين حدًّا وهو غازٍ، حتى يقطع الدرب قافلًا؛ لئلا تلحقه حميةُ الشيطان فيلحق بالكفار. وعن أبي الدرداء ﵁ مثل ذلك (٣). وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ (٤).

стр. 107

وأتى سعد بن أبي وقاص بأبي مِحجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزنًا أن تُطردَ الخيلُ بالقَنا … وأُترك مشدودًا عليَّ وثاقيا فقال لابنة خَصْفة (١) امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قُتلت استرحتُم مني، قال: فحَلَّته حتى التقى الناس. وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة. فوثب أبو مِحجن على فرس لسعد يقال لها البلقاءُ، ثم أخذ رمحًا، ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملَكٌ، لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الضبْرُ (٢) ضَبْرُ البلقاء، والطعنُ طعنُ أبي محجن، وأبو محجن في القيد. فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنةُ خصفة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم، فخلى سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحدُّ وأطهَّر منها، فأما إذ بهْرَجْتَني (٣) فوالله لا أشربها أبدًا (٤).

стр. 108

وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في المغني (١): وهذا اتفاق لم يظهر خلافه، قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدِّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار. وتأخير الحدِّ لعارض أمرٌ وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحرِّ والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى. ومن ذلك أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافر، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها (٢)، وما ذاك إلا لأن النوم قبلَها ذريعةٌ إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعةٌ إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره) (٣).

стр. 109

القاعدة السابعة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح هذه القاعدة فرع عن القاعدة السابقة، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة، قُدِّم دفع المفسدة غالبًا، وذلك عند تساويهما في النظر، أو عند غلبة المفسدة، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات. ولذلك قال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١). ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات دفعًا للمشقة؛ كالقيام في الصلاة، والفطر والطهارة، ولم يسامح في الإقدام على المنهيات: وخصوصًا الكبائر (٢). والمراد بدرء المفاسد: دفعُها ورفعُها وإزالتها. ومن أدلة ثبوت هذه القاعدة: * قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، قال الإمام ابن كثير ﵀ (٣): (يقول تعالى ناهيًا لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبِّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّك آلهتنا، أو

стр. 110

لنهجُوَنَّ ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسبُّ الكفار اللهَ عدْوًا بغير علم، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. * ومن الأدلة كذلك: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. فعلى الرغم من وجود بعض المنافع لبعض الناس في شرب الخمر والاتجار بها، وكذلك في لعب الميسر، إلا أنه غلَّب جانب المفسدة فحرمهما، وعلل ذلك بأن الإثم فيهما كبير وهو أكبر من النفع الجزئي الحاصل لبعض الناس، قال الإمام ابن كثير ﵀ (١): (وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأسْدًا لا ينهنهها اللقاءُ وكذا بيعُها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمِّشه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرتَه ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرِّضة؛

стр. 111

ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا (١)، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]). * ومن الأدلة كذلك: ما اتفق عليه الشيخان -واللفظ لمسلم- من حديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْرِ؟ أَمِنَ البيت هو؟ قال: «نعم»، قلتُ: فلم لم يُدْخلوهُ في البيت؟ قال: «إن قومكِ قَصَّرَتْ بهمُ النفقة»، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مرتفعًا؟ قال: «فَعَلَ ذلك قومُكِ ليُدخْلوا من شاؤُوا، ويمنعوا من شاؤوا؛ ولولا أنَّ قومك حديثٌ عهدُهُمْ في الجاهليَّةِ فأخاف أن تنكِرَ قلوبُهُمْ: لنظرتُ أن أُدخل الجَدْرَ في البيت، وأن أُلزق بابَهُ بالأرض» (٢). قال الشيخ عبد السلام بن برجس ﵀ (٣): (وقد بوَّب البخاري على حديث عائشة، فقال: باب من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فهم بعضِ

стр. 112

الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه. اه. قال الحافظ في الفتح (١): ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه. اه. وقال شيخ الإسلام في مَعْرِضِ ذكر بعض المستحبات (٢): ويسْتَحَبُّ للرجل أن يَقصِدَ إلى تأليف القلوب بتركِ هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليفِ في الدينِ أعظمُ من مصلحة فعل مثل هذا. كما ترك النبي ﷺ تَغْيِيرَ بناءِ البيت لِمَا في إبقائهِ من تأليفِ القلوب، وكما أنكر ابنُ مسعودٍ على عثمانَ إتمامَ الصلاة في السَّفر، ثم صَلّى خَلْفَهُ مُتمًّا، وقال: الخلافُ شَرٌّ. وقال ﵀ في موضعٍ آخر (٣): (فالعمل الواحد يكون فعله مستحبًّا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية. والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فسادٌ راجحٌ على مصلحته، كما تركَ النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇ وقال لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضتُ الكعبة ولألصقتُها بالأرض ولجعلت لها بابين بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه»، والحديث في الصحيحين (٤)، فتركَ النبي ﷺ هذا الأمر الذي كان عنده أفضل

стр. 113

الأمرين للمعارض الراجح، وهو: حِدْثَانُ عهدِ قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة. ولذلك استحب الأئمةُ: أحمد وغيرُه: أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يُسَلِّم في الشفعِ ثم يصلي ركعةَ الوترِ، وهو يؤمُّ قومًا لا يرون إلا وَصْلَ الوتر، فإذا لم يمكنْهُ أن يتقدَّمَ إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتِهِ لهم بوصلِ الوترِ أرجح من مصلحة فَصْلِهِ مع كراهتهم للصلاة خَلْفَهُ. وكذلك لو كان ممن يرى المخافتَةَ بالبَسْمَلَةِ أفضلَ أو الجهرَ بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضولَ عنده لمصلحةِ الموافقةِ والتأليف التي هي راجحةٌ على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزًا حسنًا). ومن تطبيقات هذه القاعدة (١): ١ - لا يجوز للمالك أن يتصرف بملكه بما يضرُّ الغير كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذيان الجيران. ٢ - يمنع الشخص من الاتجار بالمحرمات من خمر ومخدرات ولو أدت إلى ربح لأن المفسدة أكبر. ٣ - يمنع الاحتكار والتعدي في الأسعار، ولوكان فيها مصلحة لصاحبها، لحصول المضرة على الآخرين. ٤ - يشرع التخلف عن الجماعة والجمعة بسبب المرض والخوف وتمريض الضائع ونحو ذلك.

стр. 114

٥ - يكره صلاة التراويح في البيوت إذا أدت إلى تعطيل المساجد، تقديمًا لدرء المفسدة، وهي تعطيل المساجد على تحصيل المصلحة وهي صلاتها في البيوت. ٦ - من لم يجد سترة ترك الاستنجاء، ولو على شط نهر؛ لأن النهي عن كشف العورة راجح على الأمر بإزالة النجاسة. ٧ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة، وتكره للصائم تقديمًا لدرء مفسدة إفساد الصيام على جلب مصلحة سنية المضمضة والاستنشاق. ٨ - قطع اليد المتآكلة حفظًا للروح إذا كان الغالب السلامة بقطعها.

стр. 115

القاعدة الثامنة: ما ترتب على المأذون غير مضمون قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي: (هناك قاعدة في الفقه تقول: ما ترتب على المأذون فليس بمضمون؛ إلا مع التفريط). والمعنى: أن الولي أو الوكيل إذا اجتهد ولم يفرط لا يضمن ما يحصل منه من تلفيَّات أو خسارة ونحو ذلك، وهذا هو القول الراجح؛ لأنه مأذون له في البيع والشراء، وما ترتب على المأذون غير مضمون؛ ولأنه أمين والأمين لا ضمان عليه مع عدم التعدي والتفريط. أما ما يحصل من تلفيات لم يؤذن له فيها فإنه مضمون، أي: يضمن ما يترتب على هذه التلفيات. ولهذا قال الفقهاء في هذه القاعدة: ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون. يعني: ما أذن لك فيه ففعلته فلا تضمن ما ترتب عليه من تلف إذا لم تتعد، لكن إذا قمت بعمل ليس بمأذون فيه ثم إنه حصل من ذلك تلف فإنك تضمن؛ لأنك فعلت ما لم يؤذن لك بفعله، فما ترتب عليه فهو مضمون، أي: تضمنه حيث قمت بهذا الفعل غير المأذون فيه. فمثلًا: الطبيب الذي أُذن له بالعلاج فما ترتب على هذا المأذون فإنه غير مضمون، وأيضًا هذا المريض أمانة بيد الطبيب، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط. وهكذا السارق إذا قُطعت يده، فسرى ذلك إلى بقية يده من غير أن يحصل

стр. 116

أي اعتداء، فنقول: إن هذه السرايةَ لا تُضمن؛ لأن هذا الفعل تم بحقٍّ ومأذون فيه من الشارع. لكن لو أن رجلًا قطع يد آخر، ثم إن الجناية سرت، فإن عليه ضمان سراية هذه الجناية، لأن هذا الفعل غير مأذون فيه. وعكس هذه القاعدة: (ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون). والمعنى كما قلنا: أن من قام بعمل لم يُؤذن له فيه، فإنه يضمن ما يترتب على هذا الفعل من أضرار. وقد مثل العلماء ﵏ لهذه القاعدة برجل جنى على شخص، فقطع إصبعه، ثم إن الجرح سرى إلى اليد، ثم إلى البدن، ثم مات من الجرح، فإن الجارح يضمن نفسًا كاملة، ولا يقف ضمانه على الإصبع الذي قطعه؛ لأن قطعه للإصبع غير مأذون فيه، وما ترتب على غير مأذون فهو مضمون. ودليل هذه القاعدة حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (١)، أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». فَقَتْلُ الصائل مأذون فيه، ولذلك فإن النبي ﷺ لم يرتب عليه ضمانًا، بل قال: بأن صاحبه في النار، فما ترتب على المأذون ليس بمضمون. ومن أمثلته ما تقدم في دفع الصائل إذا لم يندفع إلا بالضرب، إلا بالقطع، إلا بالقتل … إلى آخره.

стр. 117

ومثل ذلك أيضًا: الأكل من مال اليتيم، هذا مأذون فيه إذا كان الولي فقيرًا، وعلى هذا نقول: بأنه لا يجب عليه أن يضمن، وإذا استغنى هذا الولي، فكذلك لا يجب عليه أن يضمن، فما ترتب على المأذون فليس مضمونًا (١).

стр. 118

القاعدة التاسعة: كل نجس حرام، وليس كل حرام نجسًا هذه القاعدة تدل على أنه لا ملازمة بين التحريم والنجاسة؛ فكل نجس حرام، وليس كل حرام نجسًا. فلبس الحرير والذهب حرام على الذكور، وهما طاهران ضرورة إجماعًا (١). يقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٢): (فهاتان القاعدتان ينبغي لطالب العلم أن يفهمهما: القاعدة الأولى: (كل نجس حرام): فدليلها قول الله ﵎: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فبين ﵎ أن علة التحريم كونه رجسًا، أي: نجسًا، فيستفاد من ذلك أن كل نجس فهو حرام). من أمثلة هذه القاعدة: روث الحمار نجس، وأيضًا أكلُه حرام، وغيرها كثير. القاعدة الثانية: (ليس كلُّ حرام نجس): فإننا نرى أن السمَّ حرام وليس بنجس، وأكل البصل لمن أراد أن يأكله

стр. 119

ليتخلف عن الجماعة حرام، والبصل ليس بنجس، وأما أكل البصل للتشهي أو التطبب فلا بأس به، ولو أدى ذلك إلى ترك الجماعة، لأنه لم يقصد بأكله أن يتخلف عن الجماعة، ونجد أن الدخان -السيجارة- حرام، وليس بنجس. ومن أمثلة هذه القاعدة: • شرب الخمر حرام، ولكن -على الراجح- ليست بنجسة. • شرب السُّم حرام، ولكنه ليس بنجس. • شرب سيجارة الدخان حرام، ولكنها ليست بنجس. • أكل البصل من أجل ترك صلاة الجماعة في المسجد حرام، ولكنه ليس بنجس، وغيرها كثير. وفي حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء بماء البحر؟ فقال النبي ﷺ فيه: «هو الطهور ماؤه الحل ميتَتُه» (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في فتح ذي الجلال والإكرام (٢): (ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع الأسماك والحيتان حلال لعموم قوله: «ميتته»، وميتة هنا: مفرد مضاف، فيعم فكل ميتة البحر من أسماك وحيتان فإنه حلال (٣). وهل هو طاهر أو غير طاهر؟

стр. 120

هو طاهر وحلال، لأن لدينا قاعدة مفيدة وهي: (أن كل حلال فهو طاهر، وليس كل طاهر حلالًا، وكل نجس فهو حرام، وليس كل حرام نجسًا). كل حلال طاهر واضح، وليس كل طاهر حلالًا مثل الأشياء الضارة؛ كالسم والدخان، والحشيشة، وما أشبه ذلك، فهذه طاهرة، وهي حرام على خلاف في مسألة الحشيشة والخمر، لكن القول الراجح أنها طاهرة. ثانيا: كل نجس حرام، الدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فعلل الله تعالى التحريم بالنجاسة، فدل ذلك على أن كل نجس فهو حرام، هذا من جهة الأثر -الدليل الأثري-. أما الدليل النظري: فهو أنه إذا كان يجب علينا أن نزيل أثر هذا الشيء من ظواهرنا، فكيف ندخله إلى بواطننا؟ وأيضًا: وليس كل حرام نجًسا، صحيح وهو كذلك كالدخان والسم وشبهه فإنه حرام وليس بنجس، إذن نستفيد من هذا الحديث: أن جميع ميتات البحر حلال، وجميع حيتانه وأسماكه حلالٌ حيّها وميتها). وقال أيضًا في نفس الكتاب (١): (وحديث أنس أن الرسول ﷺ أمر أبا طلحة فنادى يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس» (٢)، هنا نقيس على ذلك كل رجس، ونقول: كل رجس فهو حرام، والرجس: هو النجس؛ ولهذا من القواعد المقررة: (أن كل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا)؛ فالسم مثلًا حرام وليس بنجس، الدخان حرام وليس بنجس،

стр. 121

لكن لحم الخنزير نجس فهو حرام، فهاتان قاعدتان مفيدتان: كل نجس حرام وليس كل حرام نجسًا). مسألة: هل يحرم استعمال النجاسة وملابستها من كل وجه؟ ذكرنا في هذه القاعدة: (أن كل نجس فهو حرام). فهل التحريم يتناول كل أوجه استعمالات النجاسة؟ أم أن هناك صورًا مستثناة من هذا التحريم؟ وقد تكلم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند حديثه عن حكم الفخَّار الذي يشوى بالنجاسة، والأفران التي تسخن بالزبل، فقال ﵀ (١): (هذه المسائل مبنية على أصلين: أحدهما: السرجين (٢) النجس، ونحوه في الوقود ليسخن الماء أو الطعام ونحو ذلك، فقال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، وغيره: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه يتضمن ملابسة النجاسة ومباشرتها. وقال بعضهم: إن ذلك مكروه غير محرم؛ لأن إتلاف النجاسة لا يحرم، وإنما ذلك مَظِنَّةُ التلوث بها، ومما يشبه ذلك الاستصباحُ بالدهن النجس، فإنه استعمالٌ له بالإتلاف، والمشهور عن أحمد، وغيره من العلماء أن ذلك يجوز، وهو المأثور عن الصحابة. والقول الآخر عنه، وعن غيره: المنع؛ لأنه مَظِنةُ التلوث به، ولكراهة دخان النجاسة.

стр. 122

والصحيح أنه لا يحرم شيء من ذلك، فإن الله تعالى حرم الخبائث من الدم، والميتة، ولحم الخنزير. وقد ثبت في الصحيحين: عن النبي ﷺ : أنه قال: «إنما حرم من الميتة أكلها» (١). ثم إنه حرم لبسها قبل الدباغ، وهذا وجه قوله في حديث عبد الله بن عكيم: «كنت رخصتُ لكم في جلودِ الميتةِ، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب» (٢). فإن الرخصة متقدمة كانت في الانتفاع بالجلود بلا دباغ، كما ذهب إليه طائفة من السلف، فرفَع النهي عما أرخص. فأما الانتفاع بها بعد الدباغ فلم ينه عنه قط، ولهذا كان آخر الروايتين عن أحمد: إن الدباغ مطهِّرٌ لجلود الميتة، لكن هل يقوم مقام الذكاة، أو مقام الحياة فيطهر جلد المأكول، أو جلد ما كان طاهرًا في الحياة دون ما سوى ذلك؟ على وجهين: أصحّهما الأول، فيطهر بالدباغ ما تطهره الذكاة، لنهيه ﷺ في حديث عن جلود السباع (٣).

стр. 123

وأيضًا فإن استعمال الخمر في إطفاء الحريق ونحو ذلك، سلَّمه المنازعون، مع أن الأمر بمجانبة الخمر أعظم، فإذا جاز إتلاف الخمر بما فيه منفعة، فإتلاف النجاسات بما فيه منفعة أولى؛ ولأنهم سلموا جواز طعام الميتة للبزاة والصقور فاستعمالها في النار أولى. وأما قول القائل: هذا مَظِنَّةُ ملابستها، فيقال: ملابسة النجاسة للحاجة جائز إذا طهر بدنه وثيابه عند الصلاة ونحوها، كما يجوز الاستنجاء بالماء مع مباشرة النجاسة، ولا يكره ذلك على أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول أكثر الفقهاء. والرواية الثانية يكره ذلك بل يستعمل الحجر، أو يجمع بينهما، والمشهور أن الاقتصار على الماء أفضل وإن كان فيه مباشرتها. وفي استعمال جلود الميتة إذا لم يقل بطهارتها في اليابسات روايتان: أصحهما جواز ذاك، وإن قيل إنه يكره فالكراهة تزول بالحاجة. وأما قوله: هذا يفضي إلى التلوث بدخان النجاسة، فهذا مبني على الأصل الثاني، وهو أن النجاسة في الملَّاحة إذا صارت ملحًا، ونحو ذلك، فهل هي نجسة أم لا؟ على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد نصَّ عليهما في الخنزير المشوي في التنور، هل تُطهِّر النار ما لصق به، أم يحتاج إلى غسل ما أصابه منه؟ على روايتين منصوصتين: إحداهما: هي نجسة، وهذا مذهب الشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وأحد قولي أصحاب مالك، وهؤلاء يقولون: لا يطهر من النجاسة بالاستحالة إلا الخمرة المنتقلة بنفسها، والجلد المدبوغ إذا قيل إن الدبغ إحالة لا إزالة. والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي المالكية، وغيرهم: إنها لا تبقى نجسة، وهذا هو الصواب، فإن هذه الأعيان لم يتناولها نصُّ التحريم، لا

стр. 124

لفظًا ولا معنًى؛ وليست في معنى النصوص؛ بل هي أعيان طيبة فيتناولها نصُّ التحليل، وهي أولى بذلك من الخمر المنقلبةِ بنفسها. وما ذكروه من الفرق بأن الخمر نجست بالاستحالة، فتطهر بالاستحالة، باطل، فإن جميع النجاسات إنما نجست بالاستحالة كالدم، فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر، وكذلك البول والعذرة، حتى الحيوان النجس مستحيل عن الماء والتراب ونحوهما من الطاهرات. ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجسِ لم يطهر، لكن استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس وإن كان مستحيلًا منه، والمادة واحدة، كما أن الماء ليس هو الزرع، والهواء، والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني. والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض، ويحيل بعضها إلى بعض، وهي تبدل من الحقائق، ليس هذا هذا، فكيف يكون الرماد هو العظم الميت، واللحم، والدم نفسه، بمعنى أنه يتناوله اسم العظم. وأما كونه هو هو باعتبار الأصل والمادة، فهذا لا يضر، فإن التحريم يتبع الاسم والمعنى الذي هو الخبث، وكلاهما منتف. وعلى هذا فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النجس الذي يجتمع في السقف طاهر، وأمثال ذلك من المسائل، وإذا كان كذلك، فهذا الفخارُ طاهر، إذ ليس فيه من النجاسة شيء، وإن قيل: إنه خالطه من دخانها، خرج على القولين، والصحيح أنه طاهر. وأما نفس استعمال النجاسة فقد تقدم الكلام فيه، والنزاع في الماء المسخَّن بالنجاسة، فإنه طاهر.

стр. 125

لكن هل يكره؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: إحداهما لا يكره، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. والثاني: يكره، وهو مذهب مالك، وللكراهة مأخذان. أحدهما: خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيء من النجاسة، فيكره لاحتمال تنجسه، فعلى هذا إذا كان بين الموقد وبين النار حاجز حصين لم يكره، وهذه طريقة الشريف أبي جعفر، وابن عقيل، وغيرهما. والثانية: أن سبب الكراهة كون استعمال النجاسة مكروها؛ وأن السخونة حصلت بفعل مكروه، وهذه طريقة القاضي أبي يعلى، ومثل هذا طبخ الطعام بالوقود النجس؛ فإن نضج الطعام كسخونة الماء؛ والكراهة في طبخ الفخار بالوقود النجس تشبه تسخين الماء الذي ليس بينه وبين النار حاجز، والله أعلم).

стр. 126

القاعدة العاشرة: الخراج بالضمان أي: الغلة بإزاء الضمان، أي: مستحقَّة بسببه، فمن كان ضمان المبيع عليه كان خراجُه له، وكما أن المبيع لو تلف أو نقص في يد المشتري فهو في عهدته، وقد تلف على ملكه، ليس على بائعِه شيء، فكذا لو زاد وحصل منه على غلة فهو له لا للبائع، إذا فسخ بنحو عيب، فالغُنم لمن عليه الغُرم، ولا فرق عند الشافعية بين الزائد من نفس المبيع كالنتاج والثمر وغيرها كالغلة (١). وأصل هذه القاعدة هو نص نبوي شريف، وذلك فيما أخرجه أصحاب السنن عن عائشة ﵂: أن رجلًا ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء اللهُ أن يُقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبيِّ ﷺ ، فردّة عليه، فقال الرجلُ: يا رسولَ الله قد استغلَّ غلامي، فقال رسولُ الله ﷺ : «الخَرَاجُ بالضمَانِ» (٢). قال الخطابي ﵀ في معالم السنن (٣): (معنى الخراج: الدخل والمنفعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢]. ويقال للعبد إذا كان لسيده عليه ضريبة: مُخارج.

стр. 127

ومعنى قوله: الخراج بالضمان؛ المبيع إذا كان مما له دخلٌ وغلة، فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن الأصل، يملك الخراج بضمان الأصل. فإذا ابتاع الرجل أرضًا فأشغلها، أو ماشية فنتجها، أودابة فركبها، أو عبدًا فاستخدمه، ثم وجد به عيبًا، فله أن يردَّ الرقبة ولا شيء عليه فيما انتفع به، لأنها لو تلفت ما بين مدة العقد والفسخ، لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج من حقِّه). وقال الصنعاني ﵀ (١): (وقد اختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال: الأول: للشافعي: أن الخراج بالضمان على ما قررناه في معنى الحديث، وما وجد من الفوائد الأصلية والفرعية فهو للمشتري، ويرد المبيع، ما لم يكن ناقصًا عما أخذه. الثاني: للهادوية: أنه يفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية، فيستحق المشتري الفرعية، وأما الأصلية فتصير أمانة في يده، فإن ردَّ المشتري المبيع بالحكم وجب الردُّ ويضمن التلف، وإن كان بالتراضي لم يردها. الثالث: للحنفية: أن المشتري يستحق الفوائد الفرعية كالكراء، وأما الفوائد الأصلية كالثمر، فإن كانت باقية ردَّها مع الأصل، وإن كانت تالفة امتنع الردِّ واستحق الأرشَ (٢).

стр. 128

الرابع: لمالك: أنه يفرق بين الفوائد الأصلية كالصوف والشعر فيستحقه المشتري، والولد يرده مع أمه، وهذا ما لم تكن متصلة بالمبيع وقت الردِّ، فإن كانت متصلة وجب الردُّ لها إجماعًا، هذا ما قاله المذكورون، والحديث ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي). وأما قول الحنابلة، فقد قال ابن قدامة ﵀ في المغني (١): (وما يحصل من غلات المبيع؛ ونمائه المنفصل في مدة الخيار، فهو للمشتري، أمضيا العقد، أو فسخاه، قال أحمد في من اشترى عبدًا، فوهب له مالٌ قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري. وقال الشافعي: إن أمضيا العقد، وقلنا: الملك للمشتري، أو موقوف. فالنماء المنفصل له، وإن قلنا: الملك للبائع، فالنماء له. وإن فسخا العقد، وقلنا: الملك للبائع، أو موقوف، فالنماء له، وإلا فهو للمشتري. ولنا، قول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان»، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له؛ ولأن الملك ينتقل بالبيع على ما ذكرنا، فيجب أن يكون نماؤه له، كما بعد انقضاء الخيار. ويتخرج أن يكون النماء المنفصل للبائع إذا فسخا العقد، بناء على الرواية التي قلنا: إن الملك لا ينتقل. فأما النماء المتصل فهو تابع للمبيع، أمضيا العقد، أو فسخاه، كما يتبعه في الرد بالعيب والمقايلة.

стр. 129

وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلًا، ولا موزونًا، فإن تلف، أو نقص، أو حدث به عيب في مدة الخيار، فهو من ضمانه؛ لأنه ملكه، وغلته له، فكان من ضمانه، كما بعد انقضاء الخيار، ومؤنته عليه. وإن كان عبدًا، فهلَّ هلال شوال، ففطرته عليه لذلك، فإن اشترى حاملًا، فولدت عنده في مدة الخيار، ثم ردَّها على البائع، لزمه ردُّ ولدها؛ لأنه مبيع حدثت فيه بزيادة متصلة، فلزمه ردُّه بزيادته، كما لو اشترى عبدين، فسمِن أحدهما عنده. وقال الشافعي في أحدِ قوليه: لا يردُّ الولد؛ لأن الحمل لا حكم له؛ لأنه جزء متصل بالأم، فلم يأخذ قسطًا من الثمن، كأطرافها. ولنا، أن كل ما يقسط عليه الثمن إذا كان منفصلًا، يقسط عليه إذا كان متصلًا، كاللبن. وما قالوه يبطل بالجزء المشاع، كالثلث، والربع، والحكم في الأصل ممنوع، ثم يفارق الحمل الأطراف؛ لأنه يئول إلى الانفصال، وينتفع به منفصلًا، ويصحُّ إفرادُه بالعتق، والوصية به، وله، ويرث إن كان من أهل الميراث، ويفرد بالدية، ويرثها ورثته. ولا يصح قولهم: إنه لا حكم للحمل لهذه الأحكام وغيرها مما ذكرناه في غير هذا الموضع).

стр. 130

القاعدة الحادية عشر: الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل هذه القاعدة تختص بالمسائل الربوية، فالشرط في حِلِّ تبادل الأَموال الربوية تحقق المماثلة بينها، وعند الشك في تحقق المماثلة أو الجهل بها تفسد المعاملة وتبطل لاحتمال الربا، وباب الربا مبني على الاحتياط كما سبق بيانه، وهذا أمر متفق عليه (١). قال الشيخ عبد المحسن العباد ﵀ (٢): (لو بيع مثلًا كوم من التمر بكوم من التمر، ولم يعرف مقدار هذا ولا مقدار هذا، فالجهل بالتماثل حاصل، فهو كالعلم بالتفاضل، يعني: أن هذا البيع فيه ربًا، ومن شرط بيع الشيء بجنسه أن يكونا متماثلين، وفي بيع كوم من التمر بكوم آخر من التمر جهالة، فالتماثل بينهما مجهول، فهو لا يجوز كما لو علم بالتفاضل، فلا يجوز هذا البيع حتى لو كان أحدهما رديئًا والآخر طيبًا. والمخرج من الربا أن يبيع الرديء بنقد، ثم يشتري بالنقد من النوع الطيب الذي يريد، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «بِعِ الجَمعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَاشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (٣). والجمع: هو التمر المجمَّع المختلط، والجنيب: الجيد من أنواع التمر، فكانوا يبيعون الصاع من الجنيب بالصاعين من الجمع، فنهاهم النبي

стр. 131

ﷺ عن ذلك، وبين لهم المخرج، وهو أن يبيع الرديء بدراهم، ثم يشتري بالدراهم التي يقبضها تمرًا جيدًا، أما أن يبيع جنسًا بجنسه متفاضلًا فهذا لا يجوز). والحاصل: أن الجهل بالتماثل حكمه حكم العلم بالتفاضل، فكونك تجهل التماثل، أي: تجهل معرفة حجم الكميتين، فهو كالعلم بالتفاضل، أي: كمن يبيع كومين من الرديء بكوم من الجيد، فهذا ربا ولا يجوز وذاك ربا لا يجوز.

стр. 132

القاعدة الثانية عشر: كل حلال طاهر، وليس كل طاهر حلالاً تفيد هذه القاعدة بأن كل ما هو حلال استعماله من أكل أو شرب وغيره فإنه طاهر. قال الشيخ ابن عثيمين (١): ويلزم من الحِلّ الطَّهارة، ولا عكس. ووصف الله تعالى الحلال بالطيب، وهذا يقتضي طهارته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. والأمثلة على هذه القاعدة ما يلي: ١ - كل مأكول كالإبل والبقر والغنم والضَّبُع -على الصحيح من أقوال العلماء-، ونحو ذلك، فهو حلال طاهر. ٢ - جميع حيوانات البحر فإن ميتتها حلال، ولذلك فهي طاهرة. ٣ - بعض الحيوانات طاهرة؛ كالهرة، لقوله ﷺ : «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» (٢) ومع ذلك ليست حلالًا. ٤ - كل شيء ليس له نفسٌ سائلة إذا ذبح أو قتل، يعني: ليس له دم يسيل عند ذبحه أو قتله، كالبعوض والذباب والفراش، ونحو ذلك؛ فإنه طاهر، لقوله

стр. 133

ﷺ : «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ يَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» (١)، وهذا أيضًا ليس حلالًا. وغيرها من الأمثلة. قال الإمام محفوظ الكلوذاني ﵀ (٢): (يباح أكلُ كل طاهر لا ضرر في أكله، كالحيوان كلها، والثمار جميعها، وما عمل منها. وكذلك لحوم الحيوانات وهي على ضربين: إنسي ووحشي: فالإنسي: ينقسم إلى: ما يباح ذبحه وأكل لحمه: وهو الإبل والبقر والغنم والخيل والدجاج والديوك. وإلى ما لا يباح ذبحه وأكله: كالآدمي والحمير والبغال والكلاب والخنازير والسنانير (٣). وأما الوحشي: فيقسم إلى: مباح: وهو البقر والحمير والظباء والضبع والضب، والبط والأوِز والنعام، والحمام والغراب وغراب الزرع والعصافير وما أشبهها. وإلى محظور: وهو كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مَخلب من الطير؛

стр. 134

كالأسد والنمر والذئب والفهد، والفيل والزرافة وابن آوى (١) وابن عرس (٢)، والقنفذ والنسر والصقر والعُقاب (٣)، والشَّاهين (٤) والبازي والحِدَأَة (٥) واللقلق (٦)، والغراب الأسود الكبير والرَّخَم (٧). وكل ما يأكل الجيف، وكل ما يُخَبِّثُه العرب من الحشرات؛ كالحية والعقرب والوزغ وسام أبرص (٨)، والخنافس والجعلان وبنات وردان (٩) والفأر وسائر البعوض.

стр. 135

وما يولد من مأكول وغير مأكول كالسِّمْع (١). واختلفت الرواية في الثعلب والأرنب واليربوع (٢) وسنَّوْر البرِّ، فعنه أنها مباحة، وعنه أنها محرمة).

стр. 136

القاعدة الثالثة عشر: لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة أدلّة هذه القاعدة من الكتاب والسنة: أولًا: الأدلة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وغيرها من الآيات الدّالة على إباحة المحرّمات لأجل الضّرورة، أو الآيات الّتي تدلّ على أنّ التّكليف بقدر الوسع والطّاقة. ثانيًا: الأدلة من السنة: ومن السّنّة قوله ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (١). فالقاعدة تدلّ دلالة صريحة على أنّ الواجبات تسقط إذا عجز المكلّف عن فعلها، وأنّ المحرّمات قد تستباح عند الضّرورة، وهذا من يسر هذه الشّريعة وسماحتها (٢).

стр. 137

ومنها ما رواه جابر بن سَمُرَةَ ﵁، أن رجلًا نزل الحرَّةَ ومعه أهلُه وولَدُه، فقال رجل: إن ناقةً لي ضَلَّتْ، فإن وجدْتَّها، فأمْسِكْها، فوجدها، فلم يَجِدْ صاحِبَها، فمرِضَتْ، فقالت امرأتُه: انحَرْها، فأبى، فنَفَقَتْ، فقالت امرأته: اسْلَخْها حتى نُقَدِّدَ شحمَها ولحمَها ونأكلَه، فقال: حتى أسألَ رسولَ الله ﷺ ، فأتاه، فسأله، فقال: «هَلْ عندَكَ غِنًى يُغنيكَ؟» قال: لا، قال: «فَكُلُوها»، قال: فجاءَ صاحبُها، فأخبره الخبَر، فقال: هَلَّا كنْتَ نحرْتَها، قال: استَحيَيتُ مِنْكَ (١). قال في عون المعبود (٢): (قال في المنتقى: وهو دليل على إمساك الميتة للمضطر). اه. وقد ذكر هذه القاعدة (لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة) الإمام ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (٣)، وذكر مثالين عليها: الأول: أن الرجل إذا لم يجد خلف الصفِّ من يقوم معه، وتعذَّر عليه الدخول في الصف، ووقف فذًّا صحَّت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها. الثاني: -هو طرد هذا القياس- إذا لم يمكنه أن يُصلِّي مع الجماعة إلا قُدّام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصحُّ صلاته، وكلاهما وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا ﵀.

стр. 138

وبالجملة: فليست المُصَافةُ أوْجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر فهي أولى بالسقوط، ومن قواعد الشرع الكلية أنه: (لا واجبَ مع عجزٍ، ولا حرامَ مع ضرورة). وهذه القاعدة تشبه في شقِّها الثاني قاعدة الضرورات تبيح المحظورات. ومن ثم أبيحت الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غصَّ، ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمكره، وكذلك إتلاف المال، وكذلك أخذ مال الممتنع من الدَّيْنِ بغير إذنه، إذا كان من جنسه ولو كان بكسرِ بابه. ولو صال الصيد على محرم فقتله دفعًا فلا ضمان؛ لأنه بالصيال التحق بالمؤذيات. وإذا عم الحرام قطرًا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرًا، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة، قال الإمام (١): (ولا يتبسط فيه كما يتبسط في الحلال، بل يقتصر على قدر الحاجة دون أكل الطيبات ونحوها مما هو كالتتمات). ولكن ينبغي أن تضبط هذه القواعد بقاعدة: الضرورةُ تقدر بقدرها، كما قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومته (٢): (وكل محظورٍ مع الضرورةْ … بقَدْرِ ما تحتاجه الضرورةْ وهي قاعدة تعتبر قيدًا للقاعدة السابقة المذكورة في قول الناظم: (ولا محرم مع اضطرار).

стр. 139

والمقصود: أن كل فعل جوِّز للضرورة إنما جاز ذلك الفعل بالقدر الذي يحصل به إزالة تلك الضرورة، ولا يجوز الزيادة عن هذا الحدّ، ومعرفة ذلك راجعة إلى المتضرر نفسه كما سبق. فلا يباح للمضطر إلا بقدر ما يدفع الضرورة، وقيل: له أن يأكل الأكل الذي اعتاد عليه قبل الضرورة). قال الشوكاني ﵀ في حديث جابر بن سمرة ﵁ السابق (١): (وقد أباح لهم مع ذلك الميتة، فكان دلالته أن تُتناول الميتة إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، كما ذهب إليه مالك والشافعي -رحمهما الله- في أحد قوليه. والقول الراجح عند الشافعي هو الاقتصار على سدِّ الرَّمق كما نقله المزني وصححه الرافعي والنووي، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك والهادوية ويدل عليه قوله: «هل عندك غنًى يغنيك» إذا كان يقال لمن وجد سدَّ رمقه مستغنيًا لغة أو شرعًا. واستدل به بعضهم على القول الأول، قال: لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه، والآية الكريمة قد دلت على تحريم الميتة، واستُثني ما وقع الاضطرار إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحالة الابتداء. ولا شك أن سد الرَّمَق يدفع الضرورة، وقيل إنه يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار، قال الحافظ: وهو الراجح لإطلاق الآية. واختلفوا في الحالة التي يصح فيها الوصف بالاضطرار ويباح عندها الأكل.

стр. 140

فذهب الجمهور إلى أنها الحالة التي يصل به الجوع فيها إلى حد الهلاك، أو إلى مرض يفضي إليه، وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام، وقال ابن حزم ﵀ (١): حدُّ المضطر أن يبقى يومًا وليلة لا يجد ما يأكل ولا ما يشرب. ومن القيود أن من العلماء من قيَّد هذه القاعدة بألا تنقص الضرورة عن المحظور، بمعنى ألا يكون المحظور حرمة مما قد يترتب على استمرار الضرورة من مفسدة، ومثّلوا لذلك بمن اضطر إلى أكل ميتة الآدمي على القول بجوازه، فإنه لا يجوز أن يأكل منها لو كان الميت نبيًّا، وإن أبيح له أكل غيره؛ لأن حرمة النبي في الشرع أعظم من نفس المضطر، فتكون من باب دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما. ومما قيدت به -أيضًا- قاعدة: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) فيلزم من اضطر إلى أكل مال غيره، أو نحو ذلك ضمانه (٢).

стр. 141

القاعدة الرابعة عشر: متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها من الأمثلة على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. فلا يجوز عند خوف النشوز أن يبدأ بالضرب أو بالهجران، ولكن يبدأ بما بدأ الله به من الموعظة والتنبيه والتحذير، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. قال ابن الجوزي ﵀ (١): (ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز، قال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد، وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. وقال القرطبي (٢): أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولًا، ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له، ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرِّح، وهو الذي لا يكسر عظمًا، ولا يشين جارحة، كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير، فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامَه لتعليم القرآن والأدب). وقد ذكر السبكي ﵀ هذه القاعدة في الأشباه والنظائر، واستثنى منها

стр. 142

بعض الصور، فقال (١): (ويستثنى مسائل: منها: من وجد زانيًا بامرأته فله دفعُه بالقتل وإن اندفع بدونه. كذا قال الماوردي، وتبعه صاحب البحر وهو -على تقدير تسليمه- مقيدٌ بقيدٍ إن تأملته طاح الاستثناء، والقيد أن يكون زمنُ الدفع بالسيف أقل من غيره، لكن تعليلهما يدل على أنه لا فرق بين أن يكون زمن الدفع أقل أو لا؛ لأن صاحب البحر قال: إذا رآه أوقع أو أولج جاز أن يبدأ في دفعه بالقتل، وله أن يتعجله، لأنه في كل لحظة تمر عليه مواقع بما لا يستدرك بالأناة، فجاز من أجلها أن يعجل بالقتل، ثم في هذا القتل وجهان: أحدهما: أنه قتل دفعٍ؛ فعلى هذا يختص بالرجال، ويستوي البكر والثيب. والثاني: أنه قتْل حَدٍّ جوَّز له أن ينفرد به دون السلطان، لتفرده بالمشاهدة التي لا تتعداه، فعلى هذا يدفع الرجل والمرأة المطاوعة. وهل يفرق بين البكر والثيب؟ وجهان: أظهرهما لا فرق، ويقتل البكر أيضًا لأن القتل حدٌّ، وجاز تغليظه حالة مواقعة المعصية، ولأن السنة لم تفرق بين البكر والثيب. ثم إذا قتل عُزِّر، لتفويت القتل على الإمام. قال صاحب البحر: كذا قال أصحابنا، قال: وعندي ألا يعزَّر لأنه كان يلزمه. قلت: فعلى القول بأنه قتلُ حدٍّ يزول الاستثناء. وقد فرض صاحب الحاوي والبحر المسألة في الزوج يجد من يزني بزوجته لا من كل زانٍ، وكأن الأمر غُلِّظ على الزاني بحضرة الزوج لما فيه من الغيرة، فلا يُلحق به من وُجد يزني بأجنبية، إذ ليس فيه من الغيرة ما يحمل على هذا.

стр. 143

ومنها: هل يجوز رمي الناظر في دار إنسان إلى حريمه قبل إنذاره؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الرافعي -وعبر عنه النووي في أصل الروضة بالأصح- الجواز، واستدل به صاحب التقريب؛ على ألا يجب تقديم الكلام في كل دفع، وأنه يجوز للمصول عليه الابتداء بالفعل).

стр. 144

القاعدة الخامسة عشر: القضاء يحكي الأداء القضاء هو: فعل المأمور به بعدخروج وقته لفواته فيه، لعذر أو غيره. يحكي: يماثل ويشابه. والأداء: فعل المأمور به في وقته المقدَّر له شرعًا. معنى القاعدة: تُبيِّن هذه القاعدة أن القضاء يشابه ويماثل الأداء من حيث كيفيته وطريقته وهيئته وصفته بلا تغيير. وهذه القاعدة يعمل بها أصحاب المذاهب، إلا أن العمل بها ليس مطلقًا كما سنرى في أمثلة التطبيقات. تطبيقات القاعدة: المثال الأول: قضاء الفوائت هل يجب فيه التتابع أم لا؟ عن جابر بن عبد الله ﵁، أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق، بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : «والله! ما صليتُها»، قال: فقمنا إلى بُطحان (١)، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٢).

стр. 145

فالنبي ﷺ قضى ما فاته من الصلاة على ترتيبها وهيئتها وصفتها حال الأداء. قال السفاريني ﵀ في كشف اللثام (١): (وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد، فقال: يقضي الفوائت مرتبًا فورًا ما لم يضعف بدنه، أو يشغله عن معيشة من يقوم بكفايته، وهذا معتمد المذهب، قلت: الفوائت ولو كثرت، نصَّ عليه، واختاره الشيخ؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب، فالقضاء مثله. قال في الفروع: يجب قضاء الفوائت اتفاقًا على الفور في المنصوص؛ خلافًا للشافعي، ويجب ترتيبها؛ خلافًا للشافعي. وعنه -يعني: الإمام أحمد-: لا يجب ترتيب. وقيل: يجبان؛ أي: الفورية والترتيب في خمس صلوات؛ وفاقًا لأبي حنيفة ومالك في الترتيب؛ لأنه ﷺ رتب، وفعله بيان لمجمل الأعمال المطلقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). واستوجه في الفروع: احتمال وجوب الترتيب؛ ولا يعتبر للصحة، قال: وله نظائر. قال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام-: إن عجز فمات بعد التوبة، غفر له، ولا تسقط بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك إجماعًا. ويسقط الترتيب بخشية فوات الحاضرة؛ لئلا تصيرا فائتتين، ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الوقت.
следующие страницы →