← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1232

التحفة المكية في توضيح أهم القواعد الفقهية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القاعدة الرابعة عشر: متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها من الأمثلة على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. فلا يجوز عند خوف النشوز أن يبدأ بالضرب أو بالهجران، ولكن يبدأ بما بدأ الله به من الموعظة والتنبيه والتحذير، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. قال ابن الجوزي ﵀ (١): (ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز، قال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد، وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. وقال القرطبي (٢): أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولًا، ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له، ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرِّح، وهو الذي لا يكسر عظمًا، ولا يشين جارحة، كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير، فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامَه لتعليم القرآن والأدب). وقد ذكر السبكي ﵀ هذه القاعدة في الأشباه والنظائر، واستثنى منها

стр. 142

بعض الصور، فقال (١): (ويستثنى مسائل: منها: من وجد زانيًا بامرأته فله دفعُه بالقتل وإن اندفع بدونه. كذا قال الماوردي، وتبعه صاحب البحر وهو -على تقدير تسليمه- مقيدٌ بقيدٍ إن تأملته طاح الاستثناء، والقيد أن يكون زمنُ الدفع بالسيف أقل من غيره، لكن تعليلهما يدل على أنه لا فرق بين أن يكون زمن الدفع أقل أو لا؛ لأن صاحب البحر قال: إذا رآه أوقع أو أولج جاز أن يبدأ في دفعه بالقتل، وله أن يتعجله، لأنه في كل لحظة تمر عليه مواقع بما لا يستدرك بالأناة، فجاز من أجلها أن يعجل بالقتل، ثم في هذا القتل وجهان: أحدهما: أنه قتل دفعٍ؛ فعلى هذا يختص بالرجال، ويستوي البكر والثيب. والثاني: أنه قتْل حَدٍّ جوَّز له أن ينفرد به دون السلطان، لتفرده بالمشاهدة التي لا تتعداه، فعلى هذا يدفع الرجل والمرأة المطاوعة. وهل يفرق بين البكر والثيب؟ وجهان: أظهرهما لا فرق، ويقتل البكر أيضًا لأن القتل حدٌّ، وجاز تغليظه حالة مواقعة المعصية، ولأن السنة لم تفرق بين البكر والثيب. ثم إذا قتل عُزِّر، لتفويت القتل على الإمام. قال صاحب البحر: كذا قال أصحابنا، قال: وعندي ألا يعزَّر لأنه كان يلزمه. قلت: فعلى القول بأنه قتلُ حدٍّ يزول الاستثناء. وقد فرض صاحب الحاوي والبحر المسألة في الزوج يجد من يزني بزوجته لا من كل زانٍ، وكأن الأمر غُلِّظ على الزاني بحضرة الزوج لما فيه من الغيرة، فلا يُلحق به من وُجد يزني بأجنبية، إذ ليس فيه من الغيرة ما يحمل على هذا.

стр. 143

ومنها: هل يجوز رمي الناظر في دار إنسان إلى حريمه قبل إنذاره؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الرافعي -وعبر عنه النووي في أصل الروضة بالأصح- الجواز، واستدل به صاحب التقريب؛ على ألا يجب تقديم الكلام في كل دفع، وأنه يجوز للمصول عليه الابتداء بالفعل).

стр. 144

القاعدة الخامسة عشر: القضاء يحكي الأداء القضاء هو: فعل المأمور به بعدخروج وقته لفواته فيه، لعذر أو غيره. يحكي: يماثل ويشابه. والأداء: فعل المأمور به في وقته المقدَّر له شرعًا. معنى القاعدة: تُبيِّن هذه القاعدة أن القضاء يشابه ويماثل الأداء من حيث كيفيته وطريقته وهيئته وصفته بلا تغيير. وهذه القاعدة يعمل بها أصحاب المذاهب، إلا أن العمل بها ليس مطلقًا كما سنرى في أمثلة التطبيقات. تطبيقات القاعدة: المثال الأول: قضاء الفوائت هل يجب فيه التتابع أم لا؟ عن جابر بن عبد الله ﵁، أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق، بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر، حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : «والله! ما صليتُها»، قال: فقمنا إلى بُطحان (١)، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٢).

стр. 145

فالنبي ﷺ قضى ما فاته من الصلاة على ترتيبها وهيئتها وصفتها حال الأداء. قال السفاريني ﵀ في كشف اللثام (١): (وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد، فقال: يقضي الفوائت مرتبًا فورًا ما لم يضعف بدنه، أو يشغله عن معيشة من يقوم بكفايته، وهذا معتمد المذهب، قلت: الفوائت ولو كثرت، نصَّ عليه، واختاره الشيخ؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب، فالقضاء مثله. قال في الفروع: يجب قضاء الفوائت اتفاقًا على الفور في المنصوص؛ خلافًا للشافعي، ويجب ترتيبها؛ خلافًا للشافعي. وعنه -يعني: الإمام أحمد-: لا يجب ترتيب. وقيل: يجبان؛ أي: الفورية والترتيب في خمس صلوات؛ وفاقًا لأبي حنيفة ومالك في الترتيب؛ لأنه ﷺ رتب، وفعله بيان لمجمل الأعمال المطلقة، وهي تشمل الأداء والقضاء، مع عموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). واستوجه في الفروع: احتمال وجوب الترتيب؛ ولا يعتبر للصحة، قال: وله نظائر. قال: قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام-: إن عجز فمات بعد التوبة، غفر له، ولا تسقط بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة، ولا غير ذلك إجماعًا. ويسقط الترتيب بخشية فوات الحاضرة؛ لئلا تصيرا فائتتين، ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الوقت.

стр. 146

وعنه: مع الكثرة؛ وفاقًا لمالك، ويسقط الترتيب بالنسيان أيضًا، على الأصح فيهما؛ خلافًا لمالك. تنبيهان: الأول: قول صاحب الفروع: يجبان؛ أي: الفورية والترتيب في خمس؛ وفاقا لمالك وأبي حنيفة: المشهور من مذهب مالك: وجوب الترتيب في القليل من الفوائت، وهو عنده ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف. الثاني: في هذا الحديث من الفوائد: اعتبار ترتيب الفوائت، وهذا المقصود منه هنا، والأكثر على وجوبه مع الذكر. وما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك. وأن الفوائت تقضى جماعة، وذلك مستحب كما في المغني. وأنه لا يلزم القضاء أكثر من مرة؛ لأن النبي ﷺ لم يقض أكثر من مرة، وقال ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» (١)، لم يزد على ذلك. المثال الثاني: قضاء الفوائت للمسافر: جاء في شرح الموطأ للشيخ عبد الكريم الخضير (٢): (يقول (٣): «من أدرك

стр. 147

الوقت وهو في سفر فأخَّر الصلاة ساهيًا أو ناسيًا حتى قدم على أهله» (١): يعني: قدم بلده ولو لم يكن له أهل، لما قدم إلى بلده محل إقامته، «فإن كان قدم على أهله في الوقت فليصلِّ صلاة المقيم»، لأنه إنما يصلي صلاة السفر بسبب الوصف الذي تلبس به، والوصف ارتفع، والوقت باق، وحينئذ يصلي صلاة مقيم؛ أُذِّن لصلاة الظهر وقد بقي على البلد خمسين كيلو، أو مائة كيلو أو أكثر، ووصل إلى البلد في الوقت، فهذا يصلي صلاة مقيم على كلام الإمام مالك. لكن ماذا لو أخر الظهر إلى أن وصل إلى بلده بعد أن خرج وقتها على كلام الإمام مالك؟ قال: «وإن كان قد قدم وقد ذهب الوقت فليصلِ صلاة المسافر». لأنها وجبت عليه في السفر، وصلاتها بعد انقضاء وقتها قضاء، والقضاء على كلامه كما هو مقرر يحكي الأداء، صلاة مقصورة يصليها قصرًا، وجبت عليه في السفر وصلاة المسافر أقرت على التشريع الأول ركعتين، يصليها كما وجبت عليه؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذا رأي الإمام مالك ﵀، وهو قول أبي حنيفة ﵀. وصورة المسألة أن شخصًا مسافرًا وجبت عليه صلاة الظهر أو صلاة العصر، ووصل البلد بعد أن خرج وقت الظهر، إذا وصل البلد قبل أن يخرج الوقت، هذا ليس فيه إشكال، يصلي الصلاة تامة، صلاة مقيم، إذا وصل البلد بعد أن خرج وقتها على كلام الإمام مالك، وهو قول أبي حنيفة يصليها قصرًا؛ لأنها إنما وجبت عليه في السفر، وهي هنا في هذه الحالة قضاء والقضاء يحكي الأداء، فيصليها ركعتين.

стр. 148

مذهب الشافعية في هذه المسألة والحنابلة أنه يصليها تامةً أربع ركعات، ولو خرج وقتها، مع أنهم يقررون قاعدة القضاء يحكي الأداء في بعض المسائل إلا أنهم رأوا أمورًا: الأمر الأول: أن الشافعية والحنابلة يغلِّبون جانب الحضر؛ لأنه أحوط. الأمر الثاني: أن الرخصة ارتبطت بوصف وقد زال الوصف، فنرجع إلى العزيمة، فالرخصة التي هي القصر، والتخفيف من أربع ركعات إلى ركعتين مربوطة بوصف وهو السفر، وقد زال هذا الوصف إذًا نرجع إلى الأصل، قال مالك: وهذا الأمر هو الذي أدركت عليه الناس: يعني من التابعين وأهل العلم من أتباعهم ببلدنا: يعني المدينة، والعمل عند أهل المدينة له شأن عند الإمام مالك، فهو يحتج به، ويردُّ بعض النصوص التي تخالف عمل أهل المدينة، فعمل أهل المدينة أصل عند المالكية). وقال ابن نجيم الحنفي ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (وعندنا فائتة السفر إذا قضاها في الحضر يقضيها ركعتين، وعكسه يقضيها أربعًا؛ لأن القضاءَ يحكي الأداء). المثال الثالث: قضاءُ الصيام: قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فقضاء هذه الأيام التي أفطرها من رمضان، هل يجب فيها التتابع أم لا؟ ذهب علماء الحنابلة إلى أن التتابع في قضاء رمضان لا يجب، فلم يطبقوا هنا قاعدة القضاء يحكي الأداء.

стр. 149

ففي المغني لابن قدامة ﵀ (١): (قال (٢): وقضاء شهر رمضان متفرقًا يجزئ، والمتتابع أحسن؛ هذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي، والشعبي وقال داود: يجب، ولا يشترط؛ ولنا إطلاق قول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، غير مقيد بالتتابع. فإن قيل: قد روي عن عائشة، أنها قالت: نزلت: «فعدة من أيام أخر متتابعات» (٣)؛ فسقطت «متتابعات». قلنا: هذا لم يثبت عندنا صحته، ولو صحَّ فقد سقطت اللفظة المحتج بها. وأيضًا قول الصحابة، قال ابن عمر: «إن سافر؛ فإن شاء فرَّق، وإن شاء تابع وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ». وقال أبو عبيدة بن الجراح، في قضاء رمضان: «إن الله لم يرخص لكم في فطره، وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه». ولأنه صوم لا يتعلق بزمان بعينه، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق، وخبرهم لم يثبت صحته، فإن أهل السنن لم يذكروه، ولو صح حملناه على

стр. 150

الاستحباب، فإن المتتابع أحسن؛ لما فيه من موافقة الخبر، والخروج من الخلاف وشبهه بالأداء، والله أعلم). وقال ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة (١): (وإن قضاه مفرَّقًا؛ جاز ولم يكره. وعنه: هما سواء؛ لقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يقيدها بالتتابع، فيجب أن تحمل على الإِطلاق؛ كالمطلقة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: «صم كيف شئت، قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾». ولأنه يريد اليسر بعباده، وقد يكون التفريق أيسر. قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرق صيامه أو يصله؟: إن الله أراد بعباده اليسر؛ فلينظر أيسر ذلك عليه، إن شاء وصله، وإن شاء فرقه. ولأنه اعتبر إكمال العدة فقط، وإكمال العدة يحصل بالتقطيع والصلة. قال الزركشي ﵀ (٢): والمتتابع أحسن. وعند المالكية يستحب التتابع ولا يجب (٣).

стр. 151

ومشى بعض علماء الحنفية على قاعدة القضاء يحكي الأداء فأوجبوا التتابع في صيام رمضان، قال صاحب العناية في شرح الهداية (١): (أما صوم رمضان فلا كلام لأحد في وجوب التتابع فيه، وأما غيره فقد ضبطه المشايخ بأن كل ما شرع فيه العتق كان التتابع فيه واجبًا، وما لا فلا فيكون قضاء رمضان مما فيه لمن عليه الخيار، ولأن النصَّ مطلق والعمل به واجب. وفيه بحث من وجهين: أحدهما: أن القضاء يحكي الأداء، والتتابع واجب في الأداء، فكان مغنيًا عن تقييد نصِّ القضاء. والثاني: أن أبي بن كعب ﵁ قرأ: (فعدة من أيام أُخرَ متتابعات)، فهلَّا اعتبرتم قراءته مقيدة كما فعلتم بقراءة ابن مسعود ﵁ في كفارة اليمين؟).

стр. 152

القاعدة السادسة عشر: كلُّ ما سُكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفوٌ عفا عنه لعباده هذه قاعدة كلية نافعة، تنبني عليها كثير من المسائل، وتدخل في كثير من أبواب الفقه وبخاصة ما يتعلق بالمعاملات. ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]. قال الإمام ابن القيم ﵀ (١): (وقد اختلف في هذه الأشياء المسؤول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية؟ على قولين: فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها، أي: سكت عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها، ولو لم يسألوا لكانت عفوًا، ومنه قوله ﷺ وقد سئل عن الحج أفي كل عام؟ فقال: «لو قلت نعم لوجبت، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» (٢)؛ ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة المذكور: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا … » الحديث (٣)؟. ومنه الحديث الآخر: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة من غير نسيان فلا

стр. 153

تبحثوا عنها» (١)، وفسرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية؛ كقول عبد الله بن حذافة: «من أبي يا رسول الله؟» (٢)، وقول الآخر: أين أبي يا رسول الله؟، قال: «في النار» (٣). والتحقيق: أن الآية تعم النهي عن النوعين، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: أما في أحكام الخلق والقدر فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه، وأما في أحكام التكليف فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها وعلمها أبدى لكم وبين لكم، والمراد بحين النزول زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن للنزول. وكأن في هذا إذنًا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله؛ ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقًا. والقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوءكم، والمعنى لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدى لكم.

стр. 154

وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾، أي: عن بيانها خبرًا وأمرًا، بل طوي بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلمًا والله غفور حليم. فعلى القول الأول: عفا الله عن التكليف بها توسعة عليكم. وعلى القول الثاني: عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها). وقال أيضًا (١): (ومن ذلك الاكتفاء لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، مع قوله ﷺ : «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (٢): فكل ما لم يُبِيِّنُ الله ولا رسوله ﷺ تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله سبحانه قد فصَّل لنا ما حرَّم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بد أن يكون تحريمُه مفصَّلا، وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرمه الله فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه، وبالله التوفيق).

стр. 155

القاعدة السابعة عشر: الوسائل لها أحكام المقاصد فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها، ووسيلة المباح مباح، والوسائل لها أحكام المقاصد، وكل ما كان حلالًا، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ أباحا الوسائل الموصلة إليه، وكل ما كان حرامًا، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ منعا الوسائل المفضية إليه. قال الإمام ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١): (لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطُرُق تُفْضِي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها مُعْتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقُرُبَات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغاياتِ، وهي مقصودة قصد الوسائل؛ فإذا حَرَّمَ الربُّ تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفْضِي إليه فإنه يحرمُها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يُقربَ حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفْضِية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه تأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدَهم إذا منع جُنْدَه أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصِّلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده.

стр. 156

وكذلك الأطباء إذا أرادوا حَسْمَ الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصَّلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحَه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومَنْ تأمل مصادرها ومواردها علم أن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ سدَّ الذرائع المُفْضِية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعةُ ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء). قال الشيخ عبد المحسن الزامل (١): (هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشرع، وهي عامة في جميع الأعمال، فتشمل جميع أحكام الشرع التكليفية. والمراد بالوسائل: الطرق التي يُتوسل بها ويتوصل بها إلى أمور أخرى، هي مقصودة في نفسها، والوسائل ليست مقصودة، إنما هي طرق إلى هذه المقاصد، فعندنا الوسيلة حسب القصد، فإن كان القصد واجبًا كانت الوسيلة واجبة، وهكذا في المحرَّم والمستحبِّ والمباح والمكروه. وقد جاء الشرع بإيجاب الطرق والوسائل إلى الأمور الواجبة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مثاله: الصلاة في المساجد جماعة واجبة، ولا يتوصل إليها إلا بالسعي إليها، فيكون السعي إليها واجبًا مهما كانت الوسيلة، سواء كان ماشيًا أو راكبًا، وإذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة، فعليه أن يقوم إن كان قادرًا ويصلي، حتى يتحقق وجود هذا الواجب وهو الصلاة، وقِسْ على ذلك. وهكذا المستحب: فالوسيلة إلى المستحب مستحبة، فمن قصد المسجد

стр. 157

لصلاة نافلة أو قراءة قرآن أو حضور حلقةِ علمٍ، فالسعي إليها مستحبٌّ ومطلوب. وفي المباحات أيضًا في أمور الإنسان في معاشه، فمن خرج من بيته لأجل طلب العيش فخروجه من بيته يكون مباحًا في أصله، لكن إذا ضمَّ إليه نيةً أخرى فإنه يترقى إلى درجة أعلى وهي درجة الاستحباب بحسب نيته فيما خرج له، فطلب الرزق أمر مشروع فيكون خروجه أمرًا مشروعًا. وهكذا في المكروهات والمحرمات، فالوسائل لها أحكام المقاصد، والشرع جاء بسدِّ الوسائل وبفتحها، فالوسائل المحرمة يجب سدُّها، والمكروهة يستحب سدُّها، والواجبة يجب فتحُها، والمستحبة يستحبُّ فتحُها، والمباحة يباح الأخذ بها أو تركُها، هذه هي المسألة الأولى في هذه القاعدة. المسألة الثانية: كلّما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، هذا هو الأصل، فمن لم يجب عليه الحج لا يجب عليه قصد مكة؛ لأن المقصود نفسه ليس واجبًا، فالوسيلة ليست واجبة، لكن يبقى اعتبار استحبابها، فإذا سقط اعتبار وجوب الوسيلة بقي استحباب السير إليها، لكن ليس بواجب، كذلك في سائر الأحكام الأخرى كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فمن لم يجب عليه هذا الشيء لم تجب عليه وسيلته، وكذلك إذا لم يستحب هذا الشيء لم تستحب وسيلته. مسألة: قالوا: إنه تعتبر الوسيلةُ والمقصود غير موجود، وذكروا في هذا حلقَ المحرِم لرأسه إذا كان أصلع الرأس، أو كان قد جزَّه فلم يَبْقَ فيه شيءٌ، ورميُ الجمرة فإنه يحصل له التحلل الأول، فيباح له كل شيء حرُم عليه بالإحرام إلا

стр. 158

النساء، فعلى هذا هل يشرع له إمرار الموسى على رأسه مع أن المقصود الذي هو الشعر غير موجود، قالوا: إنه يستحب إمرار الموسى، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. لو نظرنا إلى هذه القاعدة وهي: (الوسائل لها أحكام المقاصد)، فإمرار الموسى على رأسه وسيلة إلى التحلل، والتحلل من حلق الرأس واجب، والحلق نسك على الصحيح والشعر غير موجود، فعلى قول الجمهور إذا رمى الجمرة وهو أصلع وفي نيته إزالة ما على رأسه، فإنه يحصل له التحلل الأول، وقول مالك إنه يحصل برمي الجمرة. وقالوا: إنه يشرع له أن يمرَّ الموسى على رأسه، وهذا مشكل على هذه القاعدة، لكن يمكن أن يقال: إن كان في المسألة خلاف، وأن بعض أهل العلم قالوا: إن إمرار الموسى وآلة الحلاق ليس له معنى، يمكن أن يكون هذا القول أقوى، وإن كان في المسألة إجماع على الاستحباب كما حكاه بعضهم، يمكن أن يقال: إن أمورَ الحج أمورٌ تعبدية، أو في كثير منها يغلب عليها التعبد، ويجب الانقياد وهذا منها. والله أعلم. المسألة الثالثة: وسيلة المحرم محرمة: فإذا قلنا الوسيلة محرّمة لأن المقصود أمرٌ محرَّمٌ، مثل قطع الطريق، أو ذهب ليشرب الخمر، أو مشى بقصد النميمة، أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم، والواجب واجب، والمستحب مستحب، فإذا كان هذا فإنه في حال الوجوب يثاب الإنسان على الوسيلة والقصد جميعًا. وكما قلنا في المحرم الوسيلة إليه محرمة، لكن في بعض الأحوال قد يستثنى منها مسائل، فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة، وهذا إذا أفضت إلى مصلحة

стр. 159

راجحة، بل قد تكون الوسيلة إلى المحرم واجبة، وهذه قد تستثنى من القاعدة كما قلنا، لكن تستثنى بأدلة. مثاله: إنسان ظالم قصد أن يأخذ مال إنسان ظلمًا، فجاء آخر يريد الإصلاح، ويريد دفع الظلم وقال: أنا أعطيك من مالي هذا مبلغًا معينًا، ولا تأخذ من ماله شيئًا. فتمكين الظالم من هذا المال محرم عليه، ولا يجوز للظالم أن يأخذه، لأن هذه الوسيلة القصد منها دفع بعض المال إليه لأجل أن يترك بقية المال، والأصل أن تكون محرمة، لكن هذه الوسيلة ليست محرمة وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة بحسب الحال التي يدفع بها هذا الظالم. فالشرع سدَّ الطرق المؤدية إلى المحرم، فما كان طريقًا إلى محرم فيجب سدّه، ولا يجوز فتحه، لأنه مناقض لمقصود الشرع في تحليل الحرام بفتح الطرق المؤدية إليه. وقد تؤدي مسألة الذرائع إلى الأمور المحرمة، وقد تكون واضحة، وقد تكون خفية جدًّا، وقد يكون فيها اختلاف، فالذرائع وسائلها ثلاث: ١ - وسيلة هي حرام بالإجماع: ويجب سدُّها ولا يجوز فتحها، مثل حفر الآبار في طرق المسلمين ووضع الأذى فيها. ٢ - وسيلة أجمع أهل العلم على حلِّها وعدم تحريمِها: مثل زراعة العنب، فلا يمنع لتوهم اتخاذه خمرًا. ٣ - ووسيلة مختلف فيها: وهي التي ظاهرها تفضي إلى مباح وتتخذ وسيلة إلى أمر محرم.

стр. 160

مثاله: إنسانٌ عقد على امرأة لكي يحلِّلَها لزوجها الذي حَرُمت عليه بالطلاق ثلاثًا، فعقد عليها وأظهر عقدًا في ظاهره ليس عقد تحليل ومن نيته أن يحلِّلَها، وقال بعض أهل العلم إن الذرائع إلى الأمور المباحة إذا كانت تفضي إلى أمر محرم واتخذت ذريعة مباحة وسيلة إليه فإنه لا يجوز وهو حرام. فهناك أمور تفضي إلى المحرم مباشرة فهذه حرام، وهناك ذرائع إلى أمور محرمة ولا تفضى إليه مباشرة وهي في الظاهر مباحة فهي أيضًا محرمة. مسألة أخرى: المقاصد أعلى من الوسائل وأعظم رتبة وأجرًا، لأنه إذا سقط المقصود سقطت الوسيلة، وإذا سقط المتبوع سقط التابع. مثاله: قصد الصلاة واجب، والصلاة واجبة، لكن وجوب الصلاة آكد وأعظم أجرًا، لأنها هي القصد وهذا وسيلة إليها). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في درسه في الحرم المكي (١): (إن الوسائل لها أحكام المقاصد، فمثلًا مكبرات الصوت وأكثر الحاجات التي أُحدثت، مثل: تنظيم المدارس، والعلوم، وترتيب الأبواب الفقهية والعلمية، والمرتبات، والتنظيم الخاص بالجيوش والدواوين، وتعدد الوزارات، وتقسيم الاختصاصات عليها؛ كل هذه الأشياء وأشياء أخرى قُصد بها التوصل لأداء الواجبات الشرعية، وهي محدثه لكن إحداثها كان لقصد إقامة الشريعة، فلا تعتبر من البدع). وقال أيضًا في قاعدة (٢) (ما لا يتم المأمور إلا به): (إذا توقف فعل المأمور

стр. 161

به على شيء كان ذلك الشيء مأمورًا به، فإن كان المأمور به واجبًا كان ذلك الشيء واجبًا، وإن كان المأمور به مندوبًا كان ذلك الشيء مندوبًا). مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب، كان ذلك الشراء واجبًا. ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب، كان ذلك الشراء مندوبًا. وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد.

стр. 162

القاعدة الثامنة عشر: ما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب هذه القاعدة متفرعة عن القاعدة السابقة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب)؛ سواء قدر عليه المكلف؛ كاكتساب المال للزكاة والحج والكفارات ونحوها، أو لم يقدر عليه؛ كحضور الإمام الجمعة، وحضور العدد المشترط فيها، لأنه من صنع غيره، فإنه ليس بواجب مطلقًا وحكي إجماعًا (١). وقوله: (ما لا يتم الوجوب إلا به)؛ كشروط الوجوب، وأسبابه، وانتفاء موانعه، فهذه ليست واجبة باتفاق، فليس على المكلف أن يمسك عن إنفاق ما عنده من مال حتى يتم الحول ويزكيه، وليس عليه أن يمسك ما عنده من بهيمة الأنعام أو يزيدها حتى تبلغ نصابًا لتجب فيها الزكاة مثلًا، وإنما يتصرف في ماله تصرفًا عاديًّا من غير هروب من الزكاة، فإذا حال الحول وعنده نصاب زكاة زكَّاه وإلا فلا (٢). وأما (ما لا يتم الواجب إلا به)؛ كالطهارة، وقطع المسافة إلى العبادة، وغسل بعض الرأس، فواجب عند الأكثر خلافًا لبعض المعتزلة (٣). قلت: لاحظ الفرق بين التعبيرين.

стр. 163

القاعدة التاسعة عشر: الاجتهاد لا يُنْقَضُ بالاجتهاد الاجتهاد عند الفقهاء: هو بذلُ الفقيه وسعه في تقرير حكم شرعي. فإذا اجتهد مجتهد في مسألة ما من المسائل الشرعية الاجتهادية، وعمل باجتهاده، ثم بدا له رأي آخر فعدل عن الأول في حادثة أخرى، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول. قال السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (الأصل في ذلك إجماع الصحابة ﵃، نقله ابن الصباغ، وأن أبا بكر حكم في مسائل خالفه عمر فيها ولم ينقض حكمه، وحكم عمر في المُشَرَّكة بعدم المشاركةِ ثم بالمشاركة، وقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا (٢)، وقضى في الجدِّ قضايا مختلفة، وعلته أنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول، فإنه يؤدي إلى أنه لا يستقر حكم وفي ذلك مشقة شديدة، فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلم جرًّا). وقال بدر الدين الزركشي ﵀ في المنثور (٣): (لأنه لو نُقض به لنُقض النقضُ أيضًا، لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل، فيؤدي إلى أنه لا

стр. 164

تستقر الأحكام، ومن ثم اتفق العلماء على أنه لا ينقض حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها، وإن قلنا: المصيب واحد لأنه غير متعين. ولو حكم القاضي باجتهاده ثم تغير باجتهاد آخر لا ينقض الأول، وإن كان الثاني أقوى منه. غير أنه إذا تجدد له لا يعمل إلا بالثاني، بخلاف ما لو بان له الخطأ باليقين قاله ينقض. ولو تقدم خصمان إلى القاضي فقالا: كان بيننا خصومة في كذا، وتحاكمنا فيها إلى القاضي فلان فحكم بيننا بكذا، لكِنَّا نريد أن نستأنف الحكم فيها عندك. فقيل: يجيبهما. والأصح المنع، بل يُمضي حكم الأول. ولو اشتبهت القبلة فاجتهد رجل، ثم تغير اجتهاده عمل بالثاني ولا قضاء، حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد فلا قضاء. ولو اجتهد فظن طهارة أحد الإناءين فاستعمله وترك الآخر، ثم تغير ظنه لم يعمل بالثاني بل يتيمم بلا إعادة في الأصح، وقال ابن سريج: يتوضأ بالثاني ولا يتيمم، لأنها قضية مستأنفة، فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي (١). واعلم أنه لا يؤخذ من هذا أن ابن سريج يقول: إن الاجتهاد ينقض بالاجتهاد، وإنما الأصحاب ألزموه ذلك، وهو يدفعه فإن هذا حكم جديد، وإنما ينقض الاجتهاد لو ألزمناه بإعادة الصلاة الأولى وهو لا يقول به. ولو شهد الفاسق فردت شهادته فتاب وأعادها لم تقبل، لأن قبول شهادته بعد التوبة يتضمن نقض الاجتهاد بالاجتهاد كذا علله في التتمة.

стр. 165

ولو ألحقه القائف (١) بأحد المتداعيين، ثم رجع وألحقه بالآخر لم يقبل، وكذا لو ألحقه القائف بأحدهما، فجاء قائف آخر فألحقه لم يلحق به، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وقيل: يتعارضان ويصير كأن لا قائف. تنبيهات: التنبيه الأول: اعلم أن هذه العبارة اشتهرت في كلامهم وتحقيقها: أن النقض الممتنع إنما هو في الأحكام الماضية، وإنما تغير الحكم في المستقبل لانتفاء الترجيح الآن، وهذا كالمجتهد في القبلة وغيرها إذا غلب على ظنه دليل فأخذ به، ثم عارضه دليل آخر بعد ذلك، فإنه يعمل بالثاني في المستقبل ولا ينقض ما مضى. وقال الإمام في باب إحياء الموات مقتضى هذا أن القاضي إذا أمضى حكمه وقضاءه في واقعة، وكان لقضائه مستند من مذهب العلماء ومتعلق بالحجة، فإذا أراد قاض بعده أن ينقض قضاءه لم يجد إليه سبيلًا. التنبيه الثاني: المراد لا ينقض باجتهاد مثله، فإنه ليس بأولى من الآخر، وينقض باجتهاد أجلى وأوضح منه، ومن طريق أولى أن يتيقن الخطأ كما في القبلة والأواني). (التنبيه الثالث (٢): ينقض قضاء القاضي إذا خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا. قال القرافي: أو خالف القواعد الكلية. وقال الحَنَفِيَّةُ: أو كان حكمًا لا دليل عليه.

стр. 166

وإنما ينقض حكم الحاكم لتبين خطئه، والخطأ قد يكون في نفس الحكم بكونه خالف نصًّا أو شيئا مما تقدم، وقد يكون الخطأ في السبب كأن يحكم ببينة مزورة ثم يتبين خلافه، فيكون الخطأ في السبب لا في الحكم، وقد يكون الخطأ في الطريق، كما إذا حكم ببينة ثم بان فسقها. وفي هذه الثلاثة ينقض الحكم بمعنى أنا تبيَّنَّا بطلانه). وقال النووي ﵀ في آداب الفتوى (١): (إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به. وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع، لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء صلاته. وإن كان عمل قبل رجوعه، فإن خالف دليلًا قاطعًا لزم المستفتي نقضُ عمله ذلك (٢)، وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو، واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه وما ذكره الغزالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه). وقال الخطيب البغدادي ﵀ في الفقيه والمتفقه (٣): (وإن كان رجوع المفتي عن قوله الأول من جهة اجتهادٍ هو أقوى، أو قياس هو أولى لم ينقض العمل المتقدم (٤)، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد).

стр. 167

القاعدة العشرون: ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة الذرائع: جمع: ذريعة. وهي في اللغة: الوسيلة إلى الشيء. ويقصد بها في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: ما كان ظاهره الإباحة، لكنه يفضي ويؤول إلى المفسدة أو الوقوع في الحرام، فيحرم لذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١): (والذريعة ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عمَّا أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم). فالمقصود بقولهم: (سد الذرائع)، أي: سدّ الطرق المؤدية إلى الفساد، وقطع الأسباب الموصلة إليه، وحسم مادة الفساد، من أصلها. قال القرافي ﵀ (٢): (سدُّ الذرائع، ومعناه: حسم مادة وسائل الفساد؛ دفعًا لها، فمتى كان الفعل السَّالم عن المفسدة، وسيلةً للمفسدة: منع الإمام مالك من ذلك الفعل) قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٣): (وتحريم الحرير إنما كان سدًّا للذريعة، ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة: (ما حُرِّم لسدِّ الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة)، كما حرم النظر

стр. 168

سدًّا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدًّا لذريعة المشابهة الصورية بعبَّاد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حُرِّم ربا الفضل سدًّا لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا). وقال أيضًا (١): (إن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدَّم بيانه، وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أُبيحت العَرَايا (٢) من ربا الفَضْل، وكما أُبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أُبيح النَّظرُ للخاطبِ والشاهدِ والطبيب والمعاملِ من جملة النَّظر المحرم. وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجالَ حُرِّم لسدِّ ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة. وكذلك ينبغي أن يُباح بيع الحلية المصوغةِ صياغةً مباحةً بأكثر من وزنها؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وتحريم التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة؛ فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع، وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقوَّمة بالأثمان). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أثناء حديثه عن أوقات النهي عن الصلاة تطوعًا (٣): (أن النهي إنما كان لسدِّ الذريعة وما كان لسدَّ الذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، وذلك أن الصلاة في نفسها من أفضل الأعمال وأعظم

стр. 169

العبادات، كما قال النبي ﷺ : «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (١)، فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب الشيطان يقارن الشمس، وحينئذ يسجد لها الكفار، فالمصلي حينئذ يتشبه بهم في جنس الصلاة. فالسُّجود وإن لم يكونوا يعبدون معبودهم ولا يقصدون مقصودهم، لكن يشبههم في الصورة، فنهى عن الصلاة في هذين الوقتين سدًّا للذريعة حتى ينقطع التشبه بالكفار، ولا يتشبه بهم المسلم في شركهم. كما نهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر معها والنظر إليها؛ لما يفضي إليه من الفساد، ونهاها أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم. وكما نهى عن سب آلهة المشركين؛ لئلا يسبوا الله بغير علم. وكما نهى عن أكل الخبائث، لما يفضي إليه من حيث التغذية الذي يقتضي الأعمال المنهي عنها وأمثال ذلك. ثم إن ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعُها، كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم كلثوم (٢)، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيًا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيًا إلى المفسدة).

стр. 170

القاعدة الحادية والعشرون: الشريكان في عين مالٍ أو منفعة إذا كانا محتاجين إلى رفع مضرة أو إبقاء منفعة؛ أجبر أحدهما على موافقة الآخر قال ابن رجب ﵀ في القواعد (١): (الشريكان في عين مال أو منفعة، إذا كانا محتاجين إلى دفع مضرة أو إبقاء منفعة؛ أجبر أحدهما على موافقة الآخر في الصحيح من المذهب. وفيه رواية أخرى: إن أمكن أحدهما أن يستقلَّ بدفع الضرر فعلَه، ولم يُجبر الآخر معه، لكن إن أراد الآخر الانتفاعَ بما فعله شريكه؛ فله منعُه حتى يعطيَه حصةَ مُلكه من النفقة، وإن احتاجا إلى تجديد منفعة؛ فلا إجبار. ويندرج تحت ذلك صور: منها: إذا انهدم الحائط المشترك؛ فالمذهب إجبار الممتنع منهما بالبناء مع الآخر، نصَّ عليه في رواية جماعة، فإن الإِجبار هنا من جنس المعاوضة، والمعاوضة في الأموال المشتركة واجبة لدفع الضرر في الانتزاع بالشفعة وبيع ما لا يمكن قسمته. والمعنى فيه: أن المالك يستحق الانتفاع بملكه، ويجب على شريكه تمكينه منه، فإذا دار الأمر بين تعطيل الحق بالكلية وبين المعاوضة عليه؛ فالمعاوضة عليه أولى؛ لأنه يرجع فيها إلى الانتفاع بالبدل، بخلاف التعطيل. وأما الرواية الثابتة بعدم الإِجبار؛ فهي مأخوذة من نصِّ أحمد على عدم الإِجبار في بناء حيطان السُّفل إذا كان العلو لآخر وانهدم الكل: أنه لا يجبر

стр. 171

صاحب العلو على البناء مع صاحب السفل في السفل، والفرق واضح؛ لأن السفل ملكه مختصٌّ بصاحبه، بخلاف الحائط المشترك، ولذلك عقد الخلال لكل واحد منهما بابًا، وذكر النصَّ بالإِجبار في الحائط، والنصَّ بانتفائه في الصورة الأخرى. ومنها: إذا انهدم السقف الذي بين سُفل أحدهما وعلوِّ الآخر؛ فذكر الأصحاب في الإِجبار الروايتين، والمنصوص ها هنا أنه إن انكسر خشبه؛ فبناؤه بينهما، لأن المنفعة لهما جميعًا، وظاهره الإِجبار (١). وإن انهدم السقف والحيطان؛ لم يجبر صاحب العلو على بناء الحيطان؛ لأنها خاصُّ ملك صاحب السفل، ولكنه يجبر على أن يبني معه السقف، فإن لم يفعل؛ أشهد عليه ومنعه من الانتفاع به حتى يعطيه حقه، ويجبر صاحب السفل على بنائه؛ لأنه سترة له. نقل ذلك عنه أبو طالب. ونقل عنه ابن الحكم: أن صاحب السفل لا يجبر على البناء لأجل صاحب العلو، لكن صاحب العلو له أن يبني الحيطان ويسقف عليها، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيه حقَّ ما بني به السفل، ويكون لهما جميعًا. وهذا يحتمل أنه أراد أن يعطيه ما بنى به الحيطان كله؛ فيصير البيت لهما؛ كما كان لأحدهما سفله وللآخر علوه، وهو ظاهر كلامه. ويحتمل أنه يعطيَه نصفَ قيمة بناء السفل، وتكون الحيطان مشتركةً بينهما.

стр. 172

ومنها: أن ما يقبل القسمة من الأعيان إذا طلب أحد الشريكين قسمته أجبر الآخر عليها، وعلى التزام كلفها ومؤنها لتكميل نفع الشريك، فأما ما لا يقبل القسمة؛ فإنه يجبر أحدهما على بيعه إذا طلب الآخر بيعه، نصَّ أحمد على ذلك في رواية الميموني (١).

стр. 173

القاعدة الثانية والعشرون: من اتصل بملكه ملكُ غيره متميزًا عنه وهو تابع له، ولم يمكن فصله منه بدون ضرر يلحقه، وفي إبقائه على الشركة ضرر، ولم يفصله مالكه فلمالك الأصل أن يتملكه بالقيمة من مالكه، ويجبر المالك على القبول وإن كان يمكن فصلُه بدون ضرر يلحق مالك الأصل فالمشهور أنه ليس له تملكه قهرًا لزوال ضرره بالفصل قال ابن رجب ﵀ في القواعد (١): (ويتخرج على هذه القاعدة مسائل كثيرة: منها: غراس المستأجر وبناؤه بعد انقضاء المدة إذا لم يقلعْه المالك؛ فللمؤجِّر تملكُه بالقيمة، لأنه لا يملك قلعَه بدون ضمان نقصِه، وفيه ضرر عليه، ذكر ذلك القاضي وابن عقيل والأكثرون، ولم يشترط أبو الخطاب ألّا يقلعه المالك؛ فلعله جعل الخيرة لمالك الأرض دون مالك الغراس والبناء. ومنها: غراس المستعير وبناؤه إذا رجع المعير أو انقضت مدة الإعارة، وقلنا: يلزم بالتوقيت؛ فالمنصوص عن أحمد أنه يتملك بالقيمة، نقله عنه مهنا وابن منصور، وكذلك نقل عنه جعفر بن محمد، لكن قال في روايته: يتملك بالنفقة ولمالكه القلع ابتداءً بغير خلاف، ولا يجبر عليه إذا كان فيه ضرر، وإن لم يكن فيه ضرر؛ فتردد فيه كلام الأصحاب، وظاهر كلام أحمد أنه لا يقلع بدون شرط. ومنها: غراس المفلس وبناؤه إذا رجع بائع الأرض فيها؛ فللمفلس

стр. 174

والغرماء القلع، فإن أَبَوْهُ وطلب البائع التملك بالقيمة ملكه، وكذلك إذا طلب القلعَ مضمونًا. ومنها: القابض بعقد فاسد من المالك إذا غرس وبنى؛ فللمالك تملكه بالقيمة، كغراس المستعير، ولا يقلع إلا مضمونًا لاستناده إلى الإذن، ذكره القاضي وابن عقيل. ومنها: غراس الغاصب وبناؤه (١)، والمشهور عن أحمد أن للمالك قلعه مجانًا، وعليه الأصحاب، وعنه رواية ثانية: لا يقلع، بل يتملك بالقيمة أيضًا، وممن حكاها القاضي وابن عقيل في (كتاب الروايتين) لهما، ونص عليها أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه فيمن غصب أرضًا أو دارًا وبنى فيها؛ قال: يعجبني أن يغرم البناء ويعطي؛ لأنه إن أخذ الغاصب بناءه؛ تضررت الأرض في الخراب والهدم، ويكون أيضًا ذهاب مال الغاصب في الآجر والجص وكل شيء. وفي مسائل ابن هانئ عن أحمد في رجل اكترى أرضًا يغرس فيها أشجارًا واشترط عليه ربُّ الأرض ألّا يغرس فيها غيره فغرس فيها شجرًا، يعني: غير ما اشترطه، وأثمر الشجر، وأراد أن يقلع الغرس؛ قال: لا يقلع الشجر من الأرض، يضرُّ بهما جميعًا. وعلى هذه الرواية؛ فلا يقلع إلا مضمونًا؛ كغرس المستعير كذلك، حكاها القاضي وابن عقيل؛ فلذلك يملكه بالقيمة حيث لم يمكن القلع بدون ضرر. ومنها: من كان في أرضه نخلة لغيره، فلحق صاحب الأرض ضرر بدخوله؛

стр. 175

قال أحمد في رواية حنبل، ذكر له الحديث الذي ورد في ذلك، وأن النبي ﷺ أمر صاحبها أن يبيع فأبى، فأمره أن يناقل، فأبى، فأمره أن يهب، فأبى؛ فقال النبي ﷺ : «أنت مضار، اذهب فاقلع نخله» (١). قال أحمد: كلما كان على هذه الجهة وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب، وإلا جبره السلطان، ولا يضر بأخيه إذا كان ذلك فيه رفق له. وأيضًا؛ فالأمر بالقلع هنا إنما كان عند الإِصرار على المضارة والامتناع من قبول ما يدفع ضرر المالك، ولهذا قال أصحابنا في المستعير: إذا امتنع المعير من الضمان مطلقًا، فطلب قيمة الغراس والبناء؛ أجيب إلى ذلك، وإن طلب القلع وضمان النقص؛ لم يجب).

стр. 176

القاعدة الثالثة والعشرون: الأصل عدم الإيثار بالقرب اختلفت أقوال الفقهاء في هذه القاعدة: فمنهم: من رأى كراهة الإيثار بالقرب مطلقًا. ومنهم: من رأى التحريم. ومنهم: من رأى أنه خلاف الأولى. ومنهم: من رأى الجواز. ولكنهم اتفقوا: على أن الأصل هو عدم الإيثار بالقرب. قال ابن الملقن ﵀ في التوضيح (١): (وعند أصحابنا لا يجوز الإيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظ النفوس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول وكذا نظائره). وكان ابن عمر ﵄ إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه (٢)، قال النووي ﵀ في شرح مسلم (٣): (فهذا ورع منه، وليس قعوده فيه حرامًا إذا قام برضاه، لكنه تورع عنه لوجهين: أحدهما: أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا.

стр. 177

والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى، فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى؛ بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به، وشبه ذلك قال أصحابنا، وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفوس وأمور الدنيا دون القرب، والله أعلم). وذكر الإمام ابن رجب ﵀ في فتح الباري (١) أنه: (إن قام أحد من الصف تبرعًا وآثر الداخل بمكانه، فهل يكره ذلك، أم لا؟ إن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهه الشافعية. وقال أحمد فيمن تأخر عن الصف الأول، وقدم أباه فيه: هو يقدر أن يبرَّ أباه بغير هذا. وظاهره: الكراهة، وأنه يكره الإيثار بالقرب. وأما الموثَر، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي أُوثر به؟ فيهِ قولان مشهوران. أشهرهما: لا يكره، وهو قولُ أصحابنا والشافعية وغيرهم. والثاني: يكره، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك، وكذلك أبو بكرة. وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه النبي ﷺ (٢).

стр. 178

ولو بادر رجلٌ وسبق المؤثر إلى المكان، فهل هو أحق به من الموثر، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم. وأما من فسح له في مجلسٍ أوصفٍّ، فلا يكره له الجلوس فيه). وقال السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. قال الشيخ عز الدين: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة، ولا بستر العورة ولا بالصف الأول، لأن الغرض بالعبادات: التعظيم، والإجلال؛ فمن آثر به، فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه. وقال الإمام: لو دخل الوقت ومعه ماء يتوضأ به فوهبه لغيره ليتوضأ به لم يجز، لا أعرف فيه خلافًا، لأن الإيثار: إنما يكون فيما يتعلق بالنفوس، لا فيما يتعلق بالقرب، والعبادات. وقال في شرح المهذب، في باب الجمعة: لا يقام أحد من مجلسه ليجلس في موضعه، فإن قام باختياره، لم يكره، فإن انتقل إلى أبعد من الإمام كره. قال أصحابنا: لأنه آثر بالقربة، وقال الشيخ أبو محمد في الفروق: من دخل عليه وقت الصلاة، ومعه ما يكفيه لطهارته، وهناك من يحتاجه للطهارة، لم يجز له الإيثار. ولو أراد المضطر إيثار غيره بالطعام، لاستبقاء مهجته، كان له ذلك، وإن خاف فوات مهجته. والفرق: أن الحق في الطهارة لله، فلا يسوغ فيه الإيثار، والحق في حال المخمصة لنفسه.

стр. 179

وقد علم أن المهجتين على شرف التلف، إلا واحدة تستدرك بذلك الطعام، فحسُن إيثار غيره على نفسه. وقال الخطيب في الجامع: كره قوم إيثار الطالب غيره بنوبته في القراءة، لأن قراءة العلم والمسارعة إليه قربة، والإيثار بالقرب مكروه، انتهى. وقد جزم بذلك النووي في شرح المهذب، وقال في شرح مسلم: الإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأولى، وإنما يستحب في حظوظ النفس، وأمور الدنيا (١). قال الزركشي: وكلام الإمام ووالده السابق: يقتضي أن الإيثار بالقرب حرام، فحصل ثلاثة أوجه. قلت: ليس كذلك، بل الإيثار إن أدى إلى ترك واجب فهو حرام: كالماء، وساتر العورة، والمكان في جماعة لا يمكن أن يصلي فيه أكثر من واحد، ولا تنتهي النوبة، لآخرهم إلا بعد الوقت، وأشباه ذلك، وإن أدى إلى ترك سنة، أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى، مما ليس فيه نهي مخصوص، فخلاف الأولى وبهذا يرتفع الخلاف). تنبيه (٢): (من المشكل على هذه القاعدة: من جاء ولم يجد في الصفِّ فرجةً، فإنه يجرُّ شخصًا بعد الإحرام، ويندب للمجرور أن يساعده، فهذا يفوت على نفسه قربة، وهو أجرُ الصفِّ الأول).

стр. 180

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: فمنهم من رأى أنه يندب للمجرور أن يساعده وإن فوَّت على نفسه الصف المقدم، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى. قال ابن حجر ﵀ في الفتح (١): (وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليًّا خلف الصفِّ وحده لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له، وهي تحصيل فضيلة الصف الأول؛ ليحصِّلَ فضيلةً تحصل للجاذب، وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته. ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار؛ إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئًا، وإنما رجح مصلحته على مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه). ورأى فريق آخر من العلماء أنه ليس للمنفرد خلف الصفِّ أن يجر غيره، لئلا يحدث خللٌ في الصفوف، ولا يشرع للمجرور أن يساعده، وللمنفرد أن يصلي خلف الصف وحده إذا لم يجد مكانًا في الصفِّ، لأن المشقة تجلب التيسير، وقد سبق ذكر ذلك من كلام الإمام ابن القيم وهو الصواب. واستشكل بعض العلماء حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟»، فقال الغلام: لا والله يا
следующие страницы →