القاعدة الثالثة والعشرون: الأصل عدم الإيثار بالقرب
اختلفت أقوال الفقهاء في هذه القاعدة:
فمنهم: من رأى كراهة الإيثار بالقرب مطلقًا. ومنهم: من رأى التحريم. ومنهم: من رأى أنه خلاف الأولى. ومنهم: من رأى الجواز.
ولكنهم اتفقوا: على أن الأصل هو عدم الإيثار بالقرب.
قال ابن الملقن ﵀ في التوضيح (١): (وعند أصحابنا لا يجوز الإيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظ النفوس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول وكذا نظائره).
وكان ابن عمر ﵄ إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه (٢)، قال النووي ﵀ في شرح مسلم (٣): (فهذا ورع منه، وليس قعوده فيه حرامًا إذا قام برضاه، لكنه تورع عنه لوجهين:
أحدهما: أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا.
стр. 177
والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى، فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى؛ بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به، وشبه ذلك قال أصحابنا، وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفوس وأمور الدنيا دون القرب، والله أعلم).
وذكر الإمام ابن رجب ﵀ في فتح الباري (١) أنه: (إن قام أحد من الصف تبرعًا وآثر الداخل بمكانه، فهل يكره ذلك، أم لا؟
إن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهه الشافعية.
وقال أحمد فيمن تأخر عن الصف الأول، وقدم أباه فيه: هو يقدر أن يبرَّ أباه بغير هذا. وظاهره: الكراهة، وأنه يكره الإيثار بالقرب.
وأما الموثَر، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي أُوثر به؟
فيهِ قولان مشهوران.
أشهرهما: لا يكره، وهو قولُ أصحابنا والشافعية وغيرهم.
والثاني: يكره، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك، وكذلك أبو بكرة.
وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه النبي ﷺ (٢).
стр. 178
ولو بادر رجلٌ وسبق المؤثر إلى المكان، فهل هو أحق به من الموثر، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم.
وأما من فسح له في مجلسٍ أوصفٍّ، فلا يكره له الجلوس فيه).
وقال السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. قال الشيخ عز الدين: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة، ولا بستر العورة ولا بالصف الأول، لأن الغرض بالعبادات: التعظيم، والإجلال؛ فمن آثر به، فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه.
وقال الإمام: لو دخل الوقت ومعه ماء يتوضأ به فوهبه لغيره ليتوضأ به لم يجز، لا أعرف فيه خلافًا، لأن الإيثار: إنما يكون فيما يتعلق بالنفوس، لا فيما يتعلق بالقرب، والعبادات.
وقال في شرح المهذب، في باب الجمعة: لا يقام أحد من مجلسه ليجلس في موضعه، فإن قام باختياره، لم يكره، فإن انتقل إلى أبعد من الإمام كره.
قال أصحابنا: لأنه آثر بالقربة، وقال الشيخ أبو محمد في الفروق: من دخل عليه وقت الصلاة، ومعه ما يكفيه لطهارته، وهناك من يحتاجه للطهارة، لم يجز له الإيثار.
ولو أراد المضطر إيثار غيره بالطعام، لاستبقاء مهجته، كان له ذلك، وإن خاف فوات مهجته.
والفرق: أن الحق في الطهارة لله، فلا يسوغ فيه الإيثار، والحق في حال المخمصة لنفسه.
стр. 179
وقد علم أن المهجتين على شرف التلف، إلا واحدة تستدرك بذلك الطعام، فحسُن إيثار غيره على نفسه.
وقال الخطيب في الجامع: كره قوم إيثار الطالب غيره بنوبته في القراءة، لأن قراءة العلم والمسارعة إليه قربة، والإيثار بالقرب مكروه، انتهى.
وقد جزم بذلك النووي في شرح المهذب، وقال في شرح مسلم: الإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأولى، وإنما يستحب في حظوظ النفس، وأمور الدنيا (١).
قال الزركشي: وكلام الإمام ووالده السابق: يقتضي أن الإيثار بالقرب حرام، فحصل ثلاثة أوجه.
قلت: ليس كذلك، بل الإيثار إن أدى إلى ترك واجب فهو حرام: كالماء، وساتر العورة، والمكان في جماعة لا يمكن أن يصلي فيه أكثر من واحد، ولا تنتهي النوبة، لآخرهم إلا بعد الوقت، وأشباه ذلك، وإن أدى إلى ترك سنة، أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى، مما ليس فيه نهي مخصوص، فخلاف الأولى وبهذا يرتفع الخلاف).
تنبيه (٢):
(من المشكل على هذه القاعدة: من جاء ولم يجد في الصفِّ فرجةً، فإنه يجرُّ شخصًا بعد الإحرام، ويندب للمجرور أن يساعده، فهذا يفوت على نفسه قربة، وهو أجرُ الصفِّ الأول).
стр. 180
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من رأى أنه يندب للمجرور أن يساعده وإن فوَّت على نفسه الصف المقدم، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى.
قال ابن حجر ﵀ في الفتح (١): (وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليًّا خلف الصفِّ وحده لثبوت الزجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له، وهي تحصيل فضيلة الصف الأول؛ ليحصِّلَ فضيلةً تحصل للجاذب، وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته.
ويمكن الجواب بأنه لا إيثار، إذ حقيقة الإيثار؛ إعطاء ما استحقه لغيره، وهذا لم يعط الجاذب شيئًا، وإنما رجح مصلحته على مصلحته، لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه).
ورأى فريق آخر من العلماء أنه ليس للمنفرد خلف الصفِّ أن يجر غيره، لئلا يحدث خللٌ في الصفوف، ولا يشرع للمجرور أن يساعده، وللمنفرد أن يصلي خلف الصف وحده إذا لم يجد مكانًا في الصفِّ، لأن المشقة تجلب التيسير، وقد سبق ذكر ذلك من كلام الإمام ابن القيم وهو الصواب.
واستشكل بعض العلماء حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟»، فقال الغلام: لا والله يا
стр. 181
رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتلَّه رسول الله ﷺ في يده (١).
قال ابن حجر ﵀ في الفتح (٢): (قوله: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» ظاهر في أنه لو أذن له لأعطاهم، ويؤخذ منه جواز الإيثار بمثل ذلك، وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب، وعبارة إمام الحرمين في هذا: لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها، وقد يقال: إن القُرب أعمُّ من العبادة).
وأما ابن القيم ﵀ فقد أجاز الإيثار ببعض القرب فقال (٣): (وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب لا يصحُّ.
وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوارَ النبيِّ ﷺ ، وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول، لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل ونظائره.
ومن تأمل سيرة الصحابة، وجدهم غير كارهين لذلك، ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرمٌ وسخاء، وإيثارٌ على النفس، بما هو أعظم محبوباتها، تفريحًا لأخيه المسلم، وتعظيما لقدره، وإجابةً له إلى ما سأله، وترغيبًا له في الخير، وقد يكون ثوابُ كلِّ واحد من هذه الخصال راجحًا على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافَها.
стр. 182
وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يُتوضأ به ويتيمم هو، إذا كان لا بد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلة الطهر بالتراب، ولا يمنع هذا كتابٌ ولا سنة، ولا مكارم أخلاق.
وعلى هذا، فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء، فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزًا، ولم يُقل إنه قاتل لنفسه، ولا أنه فعل محرمًا، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وقد جرى هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام، وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم، وهل إهداء القرب المجمع عليها والمتنازع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها، وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليحرز ثوابها، وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها، وبالله التوفيق).
ولكن ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (١) كأنه مال إلى كلام الفقهاء في المنع، فقال: (وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله: فلا تؤثر به أحدًا، فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله، وأنت لا تعلم.
وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأي جهالة وسفهٍ فوق هذا؟
ومن هنا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب، وقالوا: إنه مكروه أو حرام؛ كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو، أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة، أو يؤثره بعلم يَحرمه نفسه، ويرفعه عليه، فيفوز به دونه.
стр. 183
وتكلموا في إيثار عائشة ﵂ لعمر بن الخطاب ﵁ بدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها.
وأجابوا عنه بأن الميت ينقطع عمله بموته (١)، فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت، إذ لا تقرب في حق الميت، وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها. فالإيثار به قربة إلى الله للمؤثر).
وأما الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقد أجاز بعض صور الإهداء للمصلحة، وذلك في القُرب المستحبة لا الواجبة، فقال (٢): (وتأتي هنا مسألة الإيثار بالقُرب هل هو جائز أو مكروه أو محرم؟
سبق لنا الكلام عليه وبينا أن الإيثار ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما يحرم فيه الإيثار، وهو الإيثار بالواجب.
والثاني: ما يكره فيه الإيثار إلا لمصلحة تربو على الكراهة.
والثالث: ما يباح فيه الإيثار، وهو ما سوى العبادات من الأمور العادية.
فالذي يحرم فيه الإيثار كأن يكون معي ماء يكفيني للوضوء، فلو آثرت به غيري وتوضأ به، بقيت بلا ماء، فهنا يحْرُم الإيثار؛ لأنني قادر على استعمال الماء وهو في ملكي، فلا يجوز لي أن أوثر به غيري.
أما إذا كانت القربة مستحبة مثل الصف الأول، فهناك مكان رجل واحد في الصف وسبقت إليه أنا وواحد معي فهل أوثره؟
стр. 184
قال العلماء: إنه يكره أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل، لكن القول بالكراهة يتوقف فيه الإنسان، إنما يقال: لا ينبغي أن تؤثر؛ لأن هذا يدل على زهد في الخير والسبق إليه، لكن إذا اقتضت المصلحة أن تؤثرَه مثل أن يكون أباك أو أخاك الكبير، أو صاحب فضل عليك وعلى الناس، فهنا يكون الإيثار لا بأس به، بل قد تربو المصلحة ونقول: أن الإيثار هنا مستحبٌّ، أما الإيثار في الأمور العادية فهذا لا بأس به، والأصل فيه الحلُّ والجواز).
مسألة:
قال ابن نجيم ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (ثم رأيت في الهبة من منية المفتي: فقير محتاج معه دراهم، فأراد أن يؤثر على نفسه؛ إن علم أنه يصبر على الشدة فالإيثار أفضل، وإلا فالإنفاق على نفسه أفضل).
стр. 185
القاعدة الرابعة والعشرون: الضرورات تبيح المحظورات
سبق الإشارة إلى هذه القاعدة عند الكلام على قاعدة: (الضرر يزال) وقاعدة: (لا واجب مع عجز ولا محرم مع ضرورة).
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في درسه في الحرم المكي (١):
ما الضرورة التي تبيح المحظور؟
فقال: (الضرورة التي تبيح المحظور لها شرطان:
الشرط الأول: أن تزول به الضرورة.
الشرط الثاني: ألَّا تندفع الضرورة إلا بتناوله.
فالضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها، ومن ثم جاز، بل وجب أكل الميتة عند المخمصة).
قال أبو عبد الله بدر الدين الزركشي ﵀ في المنثور في القواعد الفقهية (٢): (ومن ثم أبيحت الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غصَّ، ولم يجد غيرَها، وأبيحت كلمة الكفر للمكره، وكذلك إتلاف المال، وكذلك أخذ مال الممتنع من الدَّيْن بغير إذنه، إذا كان من جنسه ولو كان بكسر بابه. ولو صال الصيد على مُحرم فقتله دفعًا لا ضمان؛ لأنه بالصيال التحق
стр. 186
بالمؤذيات، وإذا عم الحرام قطرًا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرًا، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة. قال الإمام: ولا يتبسط فيه كما يتبسط في الحلال بل يقتصر على قدر الحاجة دون أكل الطيبات ونحوها مما هو كالتتمات. قال الشيخ أبو علي في كتاب الغصب من شرح التلخيص: ومن اضطر إلى مال غيره وترك الأكل هل يعصي؟ وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن عليه إحياء نفسه.
والثاني: له أن يستسلم للهلاك، كما لو قصده مسلم لقتله، قال: وهكذا الوجهان فيما لو احتاج لشرب الخمر للعطش.
ويجوز إتلاف شجر الكفار وبنائهم لحاجة القتال، وكذا إتلاف الحيوان الذي يقاتلون عليه؛ لدفعهم أو ظفر بهم.
ويجوز نبش الميت بعد دفنه للضرورة؛ بأن دفن بلا غسل أو لغير القبلة، أو في أرض أو ثوب مغصوب، لا للتكفين في الأصح؛ ولا ليدفن عليه آخر.
ويجوز غصب الخيطِ لخياطة جرح حيوان محترم إذا لم يجد خيطًا حلالًا.
والنجاسات إذا عمَّت البلوى بها يرتفع حكمُها.
ومنه الماء الذي يسيل من فم النائم إذا حكمنا بنجاسته وعمت بلوى شخص به، فالظاهر العفو، قاله النووي.
قال: ولو عمت البلوى بذرْق الطير (١)، وتعذر الاحتراز منه عفي عنه؛ كطين الشارع، وتصح الصلاةُ معه. وفي النكت للشيخ أبي إسحاق يعفى عن ذَرْق الطيور في المساجد. وكالعفو عن أثر الاستنجاء وسلَسِ البول.
стр. 187
فائدة: جعل بعضهم المراتب خمسة: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول.
فالضرورة: بلوغه حدًّا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعًا أو عريانًا لمات أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم.
والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم.
وأما المنفعة: فكالذي يشتهي خبز الحنطة ولحم الغنم، والطعام الدسم.
وأما الزينة: فكالمشتهي الحلو المتخذ من اللوز والسكر والثوب المنسوج من حرير وكتان.
وأما الفضول: فهو التوسع بأكل الحرام أو الشبهة، كمن يريد استعمال أواني الذهب أو شرب الخمر.
إذا علمت هذا فللقنوع مرتبتان:
إحداهما: يقنع بدفع الحاجة فلا يأكل إلا عند الجوع بقدر ما يدفعه، ولا يميز بين دافع ودافع.
ودونها مرتبة من يقنع باستيفاء المنفعة فيأكل الطيب، ولكن لا يفرق بين صنف وصنف، فإذا اشتهى الحلو استوى عنده الدبس والسكر، وإذا أراد اللبس استوى عنده القطن والصوف.
وأما من دونه، وهو القَنوع بسدِّ الرمَق الصابر على مضضِ الجوع.
وكأن القانعَ يستر وجهَ الحاجة بستر خفيف، كما أن (المِقْنعةَ) تستر وجه
стр. 188
لابسها بعض الستر، ولا يقال لمن جلس خلف حائطٍ من الشمس: أنه تقنع بالحائط.
وينبغي ضبط هذه القاعدة بقاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها)، ومن ثم لا يأكل من الميتة إلا قدر سدِّ الرمق.
فإذا استشير في خاطب وأراد ذكر مساوئه، قال الغزالي في الإحياء: فإن اكتفى بالتعريض، كقوله: لا يصلح لك، لم يعدل إلى التصريح، لأن ما أبيح لضرورة يقدر بقدرها، وذكر مساوئ الشخص من الغيبة، وإنما أباحه ضرورة النصح للمسلمين.
ويجوز أخذُ نبات الحرم؛ لعلف البهائم، ولا يجوز أخذه؛ لبيعه لمن يعلف.
ومثله الطعام في دار الحرب يؤخذ على حسب الحاجة؛ لأنه أبيح للضرورة. ويعفى عن محل استجماره، ولو حمل مستجمرًا في الصلاة بطلت في الأظهر. قال القفال في فتاويه: والمرأة إذا فصَدَها أجنبيٌّ عند فقْد امرأة أو مَحْرم، لم يجز لها كشفُ جميع ساعدها، بل عليها أن تلفَّ على يدها ثوبًا، ولا تكشف إلا القدر الذي لا بد من كشفه للفصدِ، ولو زادت عليه عصتِ الله تعالى).
стр. 189
القاعدة الخامسة والعشرون: الحدود تسقط بالشبهات
الشبهة: هي: عارض يعرض للقلب، يمنعه من تصور الأمور على حقيقتها، فيحصل بها اشتباه والتباس، فلا يميز الذي اشتبه عليه الأمر بين الحق والباطل (١).
وهي أيضًا: ما يُشبه الثابت، وليس بثابت، أو هو الشيء المجهول تحليله على الحقيقة، وتحريمه على الحقيقة (٢).
ودليل هذه القاعدة ما روي عن النبي ﷺ قال: «ادرءوا الحدود بالشبهات» (٣)، أخرجه ابن عدي في جزءٍ له من حديث ابن عباس ﵄. وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: «ادفعوا الحُدودَ ما استطعتُم» (٤). وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي ﵏ وغيرهم من حديث عائشة ﵂: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا، فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (٥).
стр. 190
وأخرجه البيهقي عن عمر، وعقبة بن عامر، ومعاذ بن جبل ﵃ موقوفًا (١). وأخرج من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «ادرءوا الحدود» (٢) فقط.
وقال مسدد ﵀ في مسنده: حدثنا يحيى القطان، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: «ادرءوا الحدودَ بالشبهة»، وهو موقوف، حسن الإسناد (٣). وأخرج الطبراني عنه موقوفًا: «ادرءوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم» (٤).
قال الإمام الشاطبي ﵀ في الموافقات (٥): (ويقرب من هذا المعنى درء الحدود بالشبهات؛ فإن الدليل يقوم هنالك مفيدًا للظن في إقامة الحدِّ، ومع ذلك، فإذا عارضه شبهة وإن ضعفت؛ غلب حكمُها، ودخل صاحبها في حكم العفو).
وقال ابن اللحام الحنبلي ﵀ في القواعد والفوائد الأصولية (٦): (وتقدم قول أبي المعالي في أول القاعدة في ابن أربع عشرة سنة إذا ترك الصلاة أنه يعيدُ، وهو محمول على البالغ بالسنِّ أو الإنباتِ.
وأما إذا قذف أو قتل لم يُقم عليه الحد، ولم يجب عليه القصاص، ولم أر خلافًا في ذلك بين الأصحاب ولا عن الإمام أحمد، ولا يتخرج وجوب ذلك
стр. 191
على تكليفه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والصغر شبهة، وأكثر الناس على عدم تكليفه، فيكون اختلافهم شبهة مانعة من وجوب القصاص والحد، ولأن الحد والقصاص حق على البدن، وبدن الصبي يضعُف عن ذلك).
وأما حديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات»؛ فقد قال الكمال بن الهمام ﵀ في فتح القدير (١): (ثم الحديث المذكور قيل لم يحفظ مرفوعًا، وذكر أنه في الخلافيات للبيهقي عن علي ﵁، وهو في مسند أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات».
وأسند ابن أبي شيبة عن إبراهيم وهو النخعي، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أُعطِّل الحدودَ بالشبهات، أحبّ إلي من أن أقيمَها بالشبهات (٢).
وأخرج عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر ﵃ قالوا: إذا اشتبه عليك الحدُّ فادرأه.
ونقل ابن حزم ﵀ عن أصحابهم الظاهرية (٣): (أن الحدَّ بعد ثبوته لا يحلُّ أن يُدرأ بشبهة، وشنع بأن الآثار المذكورة لإثبات الدرء بالشبهات ليس فيها عن رسول الله ﷺ شيءٌ، بل عن بعض الصحابة من طرق لا خير فيها، وأعلَّ ما عن ابن مسعود مما رواه عبد الرزاق عنه بالإرسال، وهو غير رواية ابن أبي شيبة، فإنها معلولة بإسحاق بن أبي فروة.
стр. 192
ونحن نقول: إن الإرسال لا يقدح، وإن الموقوف في هذا له حكم المرفوع، لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل؛ بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت لا يرتفع بشبهة، فحيث ذكره صحابي حمل على الرفع.
وأيضًا في إجماع فقهاء الأمصار على أن: «الحدود تُدرأ بالشبهات» كفاية، ولذا قال بعض الفقهاء: هذا الحديث متفق عليه (١)، وأيضًا تلقته الأمة بالقبول.
وفي تتبع المروي عن النبي ﷺ والصحابة ما يقطع في المسألة، فقد علمنا أنه ﵊ قال لماعز: «لعلك قبلت، لعلك لمستَ، لعلك غمزتَ» (٢)، كل ذلك يلقنه أن يقول: نعم، بعد إقراره بالزنا، وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها ترك وإلا فلا فائدة.
ولم يقل لمن اعترف عنده بدين: لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه، وكذا قال للسارق الذي جيء به إليه: «أسرقت ما إخاله سرق» (٣)، وللغامدية نحو ذلك، وكذا قال علي ﵁ لشراحةَ على ما أسلفناه لعله وقع عليك وأنت نائمة، لعله استكرهك، لعل مولاك زوَّجك منه وأنت تكتُمينه (٤)، وتتبعُ مثلِه عن كل واحد يوجب طولًا.
فالحاصل من هذا كله كون الحد يُحتال في درئه بلا شك، ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء كلها كانت بعد الثبوت؛ لأنه كان
стр. 193
بعد صريح الإقرار وبه الثبوت، وهذا هو الحاصل من هذه الآثار ومن قوله: «ادرءوا الحدود بالشبهات»؛ فكان هذا المعنى مقطوعًا بثبوته من جهة الشرع؛ فكان الشك فيه شكًّا في ضروري فلا يلتفت إلى قائله ولا يعول عليه، وإنما يقع الاختلاف أحيانًا في بعضٍ -أهي شبهة صالحة للدرء أو لا؟ - بين الفقهاء).
وقال السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (١): (الشبهة تُسقط الحدَّ سواء كانت في الفاعل، كمن وطئ امرأة ظنها حليلته أو في المحل، بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة، كالأمة المشتركة، والمكاتبة، وأمة ولده ومملوكته المحرم أو في الطريق بأن يكون حلالًا عند قوم، حرامًا عند آخرين، كنكاح المتعة، والنكاح بلا ولي أو بلا شهود، وكل نكاح مختلف فيه، وشرب الخمر للتداوي، وإن كان الأصح تحريمه، لشبهة الخلاف.
وكذا يسقط الحدُّ بقذف من شهد أربعةٌ بزناها، وأربعٌ أنها عذراء، لاحتمال صدقِ بينة الزنا، وأنها عذراء لم تزل بكارتُها بالزنا. وسقط عنها الحدُّ لشبهة الشهادة بالبكارة، ولا قطع بسرقة مال أصله، وفرعه وسيده، وأصل سيده وفرعه، لشبهة استحقاق النفقة وسرقة ما ظنه ملكَه، أو ملكَ أبيه أو ابنه.
ولا يقتل فاقد الطهورين بترك الصلاة متعمدًا، لأنه مختلف فيه، وكذا من مسَّ أو لمس وصلى متعمدًا وهو شافعي، أو توضأ ولم ينو، ذكره القفال في فتاويه.
ويسقط القصاص أيضًا بالشبهة، فلو قتل الحر المسلم: من لا يُدرى أمسلم أو كافر؟ وحر أو عبد؟ فلا قصاص للشبهة نقله في أصل الروضة، عن البحر).
стр. 194
ونقل البيهقي ﵀ عن الشافعي أنه قال: (الناس لا يحدُّون إلا بإقرارهم أو ببينة تشهد عليهم بالفعل وأن الفعل محرم، فأما بغير ذلك فلا حدّ، ثم قال البيهقي: وهكذا لو وجدت حاملًا فادعت تزويجًا أو إكراهًا لم تُحدّ) (١).
قال السيوطي ﵀ (٢): (تنبيه: شرط الشبهة: أن تكون قويةً، وإلا فلا أثرَ لها، ولهذا يُحدُّ بوطء أمة أباحها السيدُ، ولا يراعَى خلافُ عطاءٍ في إباحة الجواري للوطء، وفي سرقة مباح الأصل، كالحطب ونحوه، وفي القذف على صورة الشهادة.
ولو قتل مسلم ذميًّا، فقتله ولي الذمي: قتل به، وإن كان موافقًا لرأي أبي حنيفة. ومن شرب النبيذ يحدُّ، ولا يراعى خلاف أبي حنيفة).
стр. 195
القاعدة السادسة والعشرون: الحاجةُ تنزل منزلةَ الضرورةِ، عامةً كانت أو خاصةً
المراد بالحاجة هنا ما كان دون الضرورة، لأن مراتب ما يحرص الشرع على توفيره للإنسان ثلاث:
الأولى: الضرورة:
وهي بلوغ الإنسان حدًّا إذا لم يتناول الممنوع عنه هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام، كما فُصِّل في قاعدة سابقة.
الثانية: الحاجة:
وهي بلوغ الإنسان حدًّا لو لم يجد ما يأكله أو يشربه أو ما يلبسه لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة.
الثالثة: الكمالية أو التحسينية:
وهي ما يقصد من فعله نوع من الترفُّه وزيادة في لين العيش.
وما عدا ذلك فهو زينةٌ وفضول دون الخروج عن الحدِّ المشروع.
فإذا كانت هناك حاجة عامة لمجموع من الناس أو خاصة بشخص أو فئة ما نزِّلت هذه الحاجة منزلة الضرورة في جواز الترخيص لأجلها، لكن الحاجة مبنية على التوسع والتسهيل فيما يسع العبد تركه بخلاف الضرورة، لأن مبنى الضرورة على لزوم فعل ما لا بد منه للتخلص من عهدة تلزم العبد ولا يسعه الترك (١).
стр. 196
ومعنى هذه القاعدة:
أن الحاجة العامة التي تتعلق بأغلب الناس، وكذلك التي تختص بفئة تنزل منزلة الضرورة فتعطى حكمها من حيث إباحة المحظور، وإن كانت الحاجة في مرتبة دون مرتبة الضرورة وهي أقل باعثًا على مخالفة قواعد الشرع العامة.
وعنى هذا الأصل أن هذا الحكم -أعني اللجوء إلى ارتكاب المحرّم أو مخالفة قواعد الشرع العامة- إنما هو من شأن الضرورات محافظة على المصالح الضرورية، لكننا وجدنا من أدلة الشرع ما يدل على أن الحاجة قد تعطى حكم الضرورة تيسيرًا على العباد وتسهيلًا لشؤون معاشهم، وقد تقدم بيان معنى كل من الضرورة والحاجة وبيان الفرق بين حقيقتيهما.
وقد فرق بعضهم بينهما من جهة أن حكم الضرورة مؤقت بزمان تلك الضرورة، وحكم الحاجة مستمر.
ومع هذا فقد تطلق الضرورة ويراد بها الحاجة.
على أن حكم هذه القاعدة ليس على إطلاقه، فقد اشترط العلماء في الحاجة المبيحة للمحظور شروطًا أهمها ما يلي:
١ - أن تكون الشدة الباعثة على مخالفة الحكم الشرعي الأصلي بالغة درجة الحرج غير المعتاد.
٢ - أن يكون الضابط في تقدير تلك الحاجة النظر إلى أواسط الناس ومجموعهم بالنسبة إلى الحاجة العامة، وإلى أواسط الفئة المعينة التي تتعلق بها الحاجة إذا كانت خاصة.
٣ - أن تكون الحاجة متعينة؛ بألا يوجد سبيل آخر للتوصل إلى الغرض سوى مخالفة الحكم العام.
стр. 197
٤ - أن تقدر تلك الحاجة بقدْرها كما هو الحال بالنسبة إلى الضرورات.
٥ - ألاّ يخالف الحكم المبني على الحاجة نصًّا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ على حكم ذلك الأمر بخصوصِه، وألاّ يعارض قياسًا صحيحًا أقوى منه، وأن يكون مندرجًا في مقاصد الشرع، وألاّ تفوت معه مصلحة أكبر (١).
وفصل الشيخ أحمد الزرقا ﵀ في هذه القاعدة فقال (٢): (الحاجة تتنزل فيما يحظره ظاهر الشرع منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
وتنزيلها منزلة الضرورة في كونها تَثبت حُكمًا، وإن افترقا في كون حكم الأولى مستمرًّا وحكم الثانية مؤقتًا بمدة قيام الضرورة، إذ الضرورة تقدَّر بقدرها.
وكيفما كانت الحاجة فالحكم الثابت بسببها يكون عامًّا بخلاف الحكم الثابت بالعرف والعادة، فإنه يكون مقتصرًا وخاصًّا بمن تعارفوه وتعاملوا عليه واعتادوه، وذلك لأن الحاجة إذا مسَّت إلى إثبات حكم تسهيلًا على قوم، لا يمنع ذلك من التسهيل على آخرين ولا يضر، بخلاف الحكم الثابت بالعرف والعادة، فإنه يقتصر على أهل ذلك العرف، إذ ليس من الحكمة إلزام قوم بعرف آخرين وعادتهم ومؤاخذاتهم بها.
ثم الضرورة في الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه.
والحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا أو تسهيلًا لأجل الحصول على
стр. 198
المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًّا، والثابت للضرورة مؤقتا كما تقدم.
ثم إنما يضاف تجويز الحكم إلى الحاجة فيما يظهر إذا كان تجويزه مخالفًا للقياس، وإلا كانت إضافته للقياس أولى.
والظاهر أن ما يجوز للحاجة، إنما يجوز فيما ورد فيه نصٌّ يجوِّزه، أو تعاملٌ، أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد فيه نصٌّ يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وجعْل ما ورد في نظيره واردا فيه.
كما في بيع الوفاء (١)، فإن مقتضاه عدم الجواز، لأنه إما من قبيل الربا، لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة، كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مسَّت الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها، جُوِّز على وجه أنه رهنٌ أبيح الانتفاع بأنزاله، والرهن على هذه الكيفية جائز.
أو كان لم يرد فيه نصٌّ يجوِّزه أو تعاملٌ، ولم يرد فيه نصٌّ يمنعُه، ولم يكن له نظيرٌ جائز في الشرع يمكن إلحاقُه به، ولكن كان فيه نفعٌ ومصلحةٌ، كما وقع في الصدر الأول من تدوين الدواوين، وضرب الدراهم، والعهد بالخلافة وغير ذلك مما لم يأمر به الشرع ولم ينهَ عنه، ولم يكن له نظيرٌ قبل، فإنه دعت إليه
стр. 199
الحاجة وسوَّغته المصلحة، بخلاف الضرورة فإن ما يجوز لأجلها لا يعتمد شيئا من ذلك.
أما ما لم يرد فيه نص يسوغه، ولا تعاملت عليه الأمة، ولم يكن له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وليس فيه مصلحة عملية ظاهرة، فإن الذي يظهر عندئذ عدم جوازه، جريًا على ظواهر الشرع، لأن ما يتصور فيه أنه حاجة والحالة هذه يكون غير منطبق على مقاصد الشرع.
وأما ما ورد فيه نصٌّ يمنعه بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظنت فيه مصلحة، لأنها حينئذ وهمٌ).
ومما يستدل به على هذه القاعدة:
حديث ترخيص النبي ﷺ في بيع العرايا، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر، عن زيد بن ثابت ﵃، قال: «رخص النبي ﷺ أن تباع العرايا (١) بخرصها (٢) تمرًا» (٣).
وقد جاء في بعض روايات الحديث النصُّ على العلة، حيث أخرج الإمام الشافعي (٤) أنه قيل لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ إما زيد وإما غيره: ما عراياكم هذه؟ قال فلان وفلان وسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شَكَوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي، ولا نقد في أيديهم يتبايعون به
стр. 200
رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخّص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصِها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها (١).
وقد بين العلماء معنى العرايا بما يدل على أن سبب الترخيص فيها هو الحاجة إليها (٢).
قال ابن الجوزي ﵀ في كشف المشكل: (وإنما جاز بيعُ العرايا لأجل الحاجة (٣)، ما رواه الإمام البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان انصدع فسلسله بفضة … الحديث (٤).
ففي الحديث جواز ذلك، وقد علَّله العلماء بالحاجة؛ لأنه قد ثبت النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة (٥)؛ حديث أنس ﵁ قال: «رخّص رسول الله ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لُبْس الحرير لحكّة بهما» (٦).
ووجه الدلالة منه: استثناء هذه الحالة من حكم لبس الحرير للرجال، وهو التحريم (٧).
стр. 201
القاعدة السابعة والعشرون: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه
قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومة القواعد (١):
(مُعاجِلُ المحظورِ قبل آنِهْ … قد باء بالخسران مَعْ حِرمانهْ
هذه القاعدة تدل على أن الذي يستعجل الشيء الذي وضع له سبب عام مطرد، وطلب الحصول عليه قبل أوانه، أي: وقت حلول سببه العام، ولم يستسلم إلى ذلك السبب الموضوع، بل عدل عنه، وقصد تحصيل ذلك الشيء بغير ذلك السبب قبل ذلك الأوان، فإنه يعاقب بحرمانه، ويحرم من النفع الذي يأتي منه عقابًا له، لأنه افتات وتجاوز.
فيكون باستعجاله هذا أقدم على تحصيله بسبب محظور فيعاقب بحرمانه ثمرة عمله التي قصد تحصيلها بذلك السبب الخاص المحظور، وكذلك من احتال على تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فإنه يعامل بنقيض قصده عقوبة له.
وهذه القاعدة كثيرة الفروع والمسائل في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، وقليلة الفروع عند الشافعية؛ حتى قالوا: إن الصورَ الخارجة عن القاعدة أكثر من الداخلة فيها، وقال الحنابلة بمضمون القاعدة في أمثلة محصورة.
وهذه القاعدة من باب السياسة الشرعية في القمع وسد الذرائع وتحريم الحيل.
стр. 202
والأصل في هذه القاعدة: أن الله تعالى لما حرَّم على اليهود الصيد يوم السبت، وضعوا الشباك وأخذوا الصيد يوم الأحد، فسمَّى الله هذا العمل اعتداءً وجازاهم بنقيض قصدهم، بأن عاقبهم، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
وقال النبي ﷺ : «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرّم عليهم شحومُ الميتة جمَلوه، ثم باعوه، ثم أكلوا ثمنَه» (١)، «ولعن رسولُ الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له» (٢)، وسماه: بالتيس المستعار (٣)، وما ذاك إلا أنه نوى بقصد النكاح التحليل، فاحتال على تحليل الحرام) (٤).
وذلك أنّ الرجل إذا طلّق امرأته الطلقة الثالثة وبانت منه بينونة كبرى، لا تَحِلُّ له إلّا بأنْ ينكحها رجل ويطأها، ثمّ يطلقها فتَحِلَّ للأول حينئذٍ، فبعض الناس يحتال فيأتي برجل ويتفق معه على أنْ يتزوج هذه المرأة ويطأها، ثم يطلق لأجل أنْ يحللها للأول.
فهذا المُحَلِّل والمُحَلَّل له كل منهما قد استعجل شيئًا قبل أوانه فعُوقبوا بالحرمان مِنْ ذلك؛ فلا تحلّ المرأة بهذا العمل، وأيضًا استحقوا -والعياذ بالله- اللعن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فهذا كله مما يدلّ لهذه القاعدة.
وقرَّر أهل العلم تحريم الحيل وعدُّوها تجرؤًا على الله، وإبطالًا لأحكام
стр. 203
القرآن والسنة، فالمحتال بالباطل يعامل بنقيض قصده شرعًا وقدرًا، وأن من احتال على الشرع فأبطل الحقوق، وأحل الحرام، وحرم الحلال، فإنه يعامل بنقيض نيته وقصده جزاءً وفاقًا (١).
ويدلُّ لهذه القاعدة قولُه ﵊: «لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا» (٢)، رواه أبو داود، فالقاتل لا يرث مِنْ مُوَرِّثه شيئًا، يعني: لا يرث مِنْ المقتول شيئًا، فلو قتل الأخُ أخاه -وكان هذا الأخ وارثًا في الأصل-، لكنه لمّا قتله لأجل أنْ يستعجل الميراث منه؛ فإنه يُحْرَم مِنْ ذلك معاقبة له بنقيض قصده -لأنّ استعجل الشيء قبل أوانه- فيعاقب بحرمانه.
ومما يدلُّ لها أيضًا ما جاء في الأثر عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنّه ورَّث تُماضِرَ بنت الأصبغ الكلبيةَ مِنْ زوجها عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٣) -وكان عبد الرحمن ﵁ قد طَلّقها في مرضه فبتَّها-، يعني: طلقها طلاقًا بائنًا، هذا القضاء مِنْ عثمان ﵁ كان بمحضر مِنْ الصحابة ﵃ فكان إجماعًا، والدلالة منه واضحة أنّ عثمان ﵁ وَرَّثَ هذه المطلقة مِنْ زوجها، مع أنّ الأصل أنّ الرجل إذا طلق امرأته طلاقًا بائنًا ثم مات لا ترث منه، لكنه في مثل هذه الحالة يحتمل أنْ يكون أراد حرمانَها مِنْ الميراث؛ فيُعاقب بنقيض قصده، وهذا لا يَرِدُ على عبد الرحمن بن عوف ﵁؛ فإنه يحتمل أنه لم يعلم بحكم المسألة أو بأيّ عذر آخر، لكن المقصود هنا أنّ عثمان ورّث هذه المرأة مع كونها مطلقة طلاقًا بائنًا، فهذا يفيد للاستدلال بالمسألة.
стр. 204
وهذه القاعدة لها عدة فروع تقدم شيءٌ منها، ومن أوضح ما يدخل فيها مسألة حرمان القاتل مِنْ الميراث، لو قَتَلَ الولدُ أباه -عياذًا بالله- فإنه يُحرم مِنْ ميراثه، ولا يخفى أنّ القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل عمدٍ عدوان، وقتل شِبْه الخطأ، وقتل الخطأ.
أمّا القتل العمد العدوان وكذا شبه الخطأ: فهذا يُحْرَمُ صاحبه مِنْ الميراث بالاتفاق، إذا قتله عمدًا عدوانًا، أو قتله شبه خطأ، أو شبه عمد -كلاهما بمعنى واحد-؛ فإنه يُحْرَمُ مِنْ الميراث بالاتفاق.
وأمّا في قتل الخطأ: فهذا محل خلاف بين الفقها:
فالجمهور على أنه أيضًا يكون مانعًا للميراث -وإنْ كان خطأً- احترازًا للنفوس وَسدًّا للذرائع التي قد توصل إلى إزهاقها.
القول الثاني: وهو قول المالكية أنه يرث مِنْ المال دون الدِّية، لأنه سيُلزم بالدِّيَة أنْ يدفعها للورثة، ولا يرث مِنْ الدِّيَة، ولكنْ يرث مِنْ غير الدِّيَة مِنْ المال.
والمسألة محل خلاف بين العلماء، ومتى ما ابتلي فيها مَنْ يفتي أو مَنْ يقضي بين الناس فلينظر في القرائن، فبعض القرائن قد تدلُّ على أحد القولين؛ فإذا ظهر له أنّ هذا الولد لا توجد أي قرينة تدلُّ على استعجاله للميراث فإنه يُورَّث، كما لو أَخَذَ الولدُ أباه وسافر به لأداء العمرة، هذا مُحْسِنٌ لوالده، ثم حصل الحادث بالسيارة، هل يمكن أنْ يَرِدَ واردٌ أنّ هذا الولد قد أراد أنْ يقتل والدَه لأجل أنْ يرث منه؟ هذا بعيد جدًّا، لأنه معه بالسيارة فالخطر على الجميع.
والمقصود أنّ الأحوال تختلف، والقرائن تختلف؛ فيجتهد في هذا القاضي أو المفتي.
стр. 205
مِنْ الأمثلة أيضًا: قتْلُ الموصَى له للموصِي، فلو أنّ شخصًا أوصى لآخر بمئة ألف ريال، قال: إذا مُتّ تعطون فلانًا مئة ألف، لمّا عَلِمَ ذلك الرجل أخذ ينتظر ويتحرى متى يموت هذا الموصِي، فاستعجل وقتله لأجل أنْ يحصل على هذه الوصية، فيقال: يُعامل بنقيض قصده فيُحرم مِنْ الوصية.
أيضًا مَنْ سافر في نهار رمضان لأجل أنْ يُفطر فإنه يُعامل بنقيض قصْدِه ولا يحلّ له الفطر.
أيضًا الغالّ مِنْ الغنيمة، يعني: أنْ يأخذ مِنْ الغنيمة قبل القسمة -وإنْ كان مجاهدًا! الأصل أنْ يستحق- لكنه أَخَذَ منها قبل القسمة؛ فهذا يُعامل بنقيض قصده لأنه استعجل الشيء قبل أوانه فيُحرم مِنْ الغنيمة.
هذا كله في أحكام الدنيا، وأيضًا هذه القاعدة أيضًا تدخل في أحكام الآخرة، فمِن ذلك قول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (١) متفق عليه، فهذا استعجل الشيء قبل أوانه -أعني بذلك الرجل يَحْرُمُ عليه الحرير مِنْ غير حاجة-؛ فإذا استعجل ذلك قبل الأوان وهو دخول الجنة والتمتع بهذه النعمة؛ فإنه يُعاقب بالحرمان مِنْ ذلك يوم القيامة.
أيضًا حديث: «مَنْ شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتُب منها؛ حُرِمها في الآخرة» (٢) متفق عليه، هذا أيضًا مِنْ الأمثلة المتعلقة بالقاعدة فيما يتعلق بالآخرة.
يُعَبّر بعض الفقهاء عن هذه القاعدة بقولهم: (المعاملة بنقيض القصد)، أو يقولون: (المعاقبة بنقيض القصد)، أو (المعارضة بنقيض القصد)، كل هذا بمعنى واحد.
стр. 206
معنى هذه القاعدة: أنّ مَنْ فعل الوسائل المشروعة -لاحظ أنّ الوسائل هنا مشروعة- بخلاف القاعدة قبل قليل كانت الوسائل غير مشروعة -قتْل وفعْل مُحَرّمات-، هنا مَنْ فعلَ الوسائل المشروعة بقصد التحايل للوصول إلى أمرٍ غير مشروع؛ فإنه يُعامل بنقيض قصْدِه ولا يُعْتَدّ بهذه الوسيلة.
دليلُ هذه القاعدة قولُ الله عن إبليس: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، وجه الدلالة أنّ اللهَ عاقبَ إبليس بنقيض قصْده حيث تكبّر عن طاعة الله وتكبّر عن السجود لآدم ﵇ فعاقبه الله -جل وعلا- وأخرجه مِنْ الجنة وجعله صاغرًا ذليلًا.
أيضًا يدلُّ لهذ القاعدة قولُ الله -جل وعلا-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، فهؤلاء اتخذوا مِنْ دون الله -جل وعلا- آلهة لينصروهم ويكونوا عِزًّا لهم! فعاقبهم الله -جل وعلا- بنقيض قصدهم، فجعل هذه الآلهة ضدًّا عليهم تتبرأ منهم وتخذلهم يوم القيامة.
ومِن أمثلة هذه القاعدة:
مَنْ باع ما ينقص به النِّصَاب مِنْ المال الزكويّ لأجل أنْ يتحايل لإسقاط الزكاة؛ فإنه يُعامل بنقيض قصْدِه وتؤخذُ منه الزكاة، يعني شخص عنده أربعون مِنْ الغنم -وهذا نصاب-، واستمر هذا النِّصَاب عشرة أشهر، الآن قَرُب إخراج الزكاة، فخشي أنْ تؤخذ منه الزكاة فتحايل بذلك وباع منها واحدة، ما غرضه مِنْ هذا البيع؟ أنْ يسقط الزكاة، فيقال: يُعامل بنقيض قصْدِه فتجب عليه الزكاة، أيضًا مَنْ طلق امرأته في مرض الموت المَخُوْف طلاقًا بائنًا فإنه يُعامل بنقيض قصْدِه وتوَرّث هذه المرأة كما تقدّم في أثر عثمان ﵁.
لكنْ أُنَبّه هنا إلى أنّ مراد الفقهاء بالمرض المَخُوْف هو المرض الذي
стр. 207
يحصل معه الموت كثيرًا، ولا يلزم أنْ يكون غالبًا، فإذا كان يموت الإنسان إذا مرض بهذا المرض كثيرًا؛ فإنه يكون مَخُوْفًا، وبناءً على ذلك، لو أنه طلق المرأة في هذا المرض المَخُوْف طلاقًا بائنًا فإنها تُوَرّث منه، لأنّ هذه قرينة على أنه أراد إسقاطَ حَقِّها في الميراث.
لكنّ هذا مقيّدٌ بما إذا لم تكن المرأة هي التي أرادت الطلاق، مثلًا: لَمّا مرض هذا الشخص مرضًا مَخُوْفًا تعبت المرأة مِنْ مراعاته والقيام بحقه في المرض، فطلبت الطلاق فطلّقها، ثم بعد يوم أو يومين مات الرجل، هنا لا نُوَرِّثُ المرأة لأنّ قصْدَ الحرمان هنا منتفٍ، لأنّ الطلب جاء مِنْ جهة المرأة.
أيضًا مما يدخل في هذه القاعدة: الحاسدُ، فإنّ اللهَ -جل وعلا- يُعامله بنقيض قصْده، فينقلب حسدُه عليه همًّا وغَمًّا، وقد يُظهر الله تعالى شأن المحسود عليه وينقص مِنْ شأن هذا الحاسد ويَحُطّ مِنْ مكانته معاقبةً له بنقيض قصْده، يعني: لا تدخل هذه القاعدة في المسائل الفقهية فقط! بل تدخل في مثل هذه الأمور المتعلقة بالقلب (١).
أما الشيخ عبد المحسن الزامل ﵀ فقد رآها قاعدة أغلبية؛ لخروج بعض الصور عنها، ولم يوافق السبكي والسيوطي في نزاعهما في صحتها، قال في شرح قواعد السعدي ﵀ (٢): (هذه القاعدة ذكرها كثير من الأئمة في كتب القواعد، ونازع بعضُهم في صحتها، وقالوا إنها قاعدة غير صحيحة، وإن كان يدخل تحتها مسائل، لكن الخارج منها أكثر من الداخل فيها، فهناك مسائل
стр. 208
داخلة بلا إشكال، ومسائل خارجة بلا إشكال، ومسائل موضع خلاف بين أهل العلم، لكن لما كان الخارج منها كثيرًا قالوا إن في صحتها نظرًا.
فمن المسائل التى تدخل فيها ومن أشهرها: إذا قتل مُوَرِّثه لكي يرثه فإنّ هذا يعاقب بنقيض قصده، ويمنع من الإرث، وكذلك لو قتل الموَصَى له الموصِي، لكي تحصل له الوصية فإنه يعاقب بنقيض قصده، وذكر تقي الدين ابن تيمية ﵀ وغيره إذا قتل إنسانًا ليتزوج زوجته فإنه يعاقب بنقيض قصده، فلا يُمَكَّن من الزواج منها، وقال بعضهم: إنها لا تحلُّ له أبدًا (١).
وهناك مسائل خرجت منها كما قلنا:
فلو أن امرأة شربت دواءً لكي ينزل منها دم الحيض، فإنه إذا نزل منها هذا الدم فإنها تعتبر حائضًا ولا يجوز لها أن تصلي، ولا يُقال: إنها تعاقب بنقيض قصدها.
ومنها -أيضًا- لو أنه رمى بنفسه من مكان مرتفع مثلًا حتى يتألم في رجله فلا يصلي قائمًا، فإنه لا يعاقب بنقيض قصده، بل يصلي جالسًا وصلاته صحيحة، وإن كان فعله محرمًا.
ومنها -أيضًا- لو تناول شيئًا ليمرض نفسه لكيلا يصوم رمضان فإنه -أيضًا- لا يعاقب بنقيض قصده، بل عليه أن يفطر ويقضي إذا شُفي، لكنه آثم بفعله هذا … إلى غير ذلك.
ولأجل هذا قال بعضهم: إنه لا يدخل فيها إلا مسألة قتل الوارث لمورثه، والباقي موضع خلاف. اوقد تعرّض السبكي في الأشباه والنظائر (٢) لهذه
стр. 209
القاعدة، وأشار إلى أن في صحتها نظرًا، وتكلم على قيود تُصَحّحُها، وقال ما معناه: (إذا كان الأمر الذي قصد المكلف إلى مخالفته، إن كان الأمر مطلوبًا للشارع، وكان مُسبَّبه يحث على سببه مثل الصلاة فهى مطلوبة من الشارع وتحقيقها فيه أجر عظيم، فالسبب وهو الصلاة يحصل مسببُه وهو الأجر العظيم في الدار الآخرة.
وهكذا مثل الصوم ما يترتب عليه من الأجر العظيم، فالمكلَّف يحرص على الصوم ويحرص على الصلاة، اللذين هما سبب من أسباب الأجر فإذا تعاطى المكلف أشياء قد تمنعه من القيام بما يجب أو يشترط للعبادة، أو مثل ما لو تعرض لأذى حتى لا يستطع القيام أو تسبب في إمراض نفسه حتى لا يصوم، فإنه لا يلتفت إلى قصده ويبقى الأجر على ما كان.
وإن كان غير مطلوب للشارع قال: ينظر إن كان هذا الأمر يهدم قاعدة من قواعد الشرع، فإنه لا يلتفت إلى قصده، ولا يعامل بنقيض قصده: مثل ما لو كان عنده سبب الزكاة وهو النصاب وشرطها، وهو الحول، فإيجاد النصاب وإيجاد الحول، ليس تحت قدرة المكلف، إنما المطلوب إذا وجد السبب والنصاب وجبت عليه الزكاة، فقال: لو تحايل في إسقاط الزكاة فإنه لا تجب عليه الزكاة.
وإن كان الذي تسبب المكلف في إسقاطه لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع فإنه يعامل بنقيض قصده، مثل ما لو قتل مُورِّثه لكي يرثه، فإن هذا لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع فيُحرَم من الميراث؛ لأن الميراث قد يسقط بين القريبين بسبب اختلاف دين أو بين الغرقى، إذا لم يعلم أولهما، المقصود أنه ذكر كلامًا نحو هذا، وكلامه هذا كله موضع نظر، وكثير من أمثلته التي أوردها ليقيّد بها هذه القاعدة لما يوافق مذهبه -عفا الله عنه-.
стр. 210
وزاد بعضهم فيها قيدًا، وهذا القيد يُدخِل كثيرًا مما استثني، قال: من تعجّل شيئاَ قبل أوانه ولم تكن المصلحة في وجوده، عوقب بحرمانه، فهذا قيد جيد، وقد يرد عليه أشياء، وبهذا تكون قاعدة أغلبية، فقد يخرج منها بعض المسائل ولا حرج، لأن هذا هو شأن القواعد أو معظمها.
فمثلًا المسائل التي أشرنا إليها: مسألة سقوط الركن من الصلاة، وعدم وجوب الصوم عليه وجواز الفطر، فهذه أمور لا يُقَال إنه يعاقب بنقيض قصده، لأن هذه الأشياء مطلوب وجودها والمصلحة في وجودها، وقد أمر العبد بتحقيقها، ولا يُقال كما أشار إليه السبكى ﵀، وهو أن يُفرّق بين ما إذا كان يهدم قاعدة من قواعد الشرع، وبين ما لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع؛ لأن هذا فيه خلاف؛ لأن من تحايل في إسقاط الزكاة ذهب كثير من أهل العلم إلى وجوب الزكاة عليه، فيعامل بنقيض قصده، لكن على القول بعدم وجوب الزكاة هو جار على قول كثير من أهل العلم من الأحناف والشافعية، لأنه لم يوجد شرط الزكاة وهو الحول، وإن كان الصواب هو وجوب الزكاة ويدخل تحت هذه القاعدة.
ومما يدخل فيها ما أشار إليه المصنف ﵀ وذكرها أيضًا تقي الدين ابن تيمية وغيره أن المكلف إذا تعجّل بعض الأمور في الدنيا قد يحصل له حرمان ومنع لها في الآخرة بحسب ما تعرض له، فالكفار بما هم عليه من كفرهم وضلالهم وتعجُّل طيباتهم في حياتهم الدنيا، مصيرهم إلى النار، فتعجلهم للطيبات هو مما يزيدهم الله به عذابًا في النار.
وأهل الإسلام بحسب مراتبهم، فمن تعجّل كثيرًا من الطيبات فإن هذا يكون نقصًا في نعيمه من حيث الجملة، وقد يكون ليس نقصًا بحسب قصده ونيته.
стр. 211
المقصود أنه كلما كان أدخل في الشبهات والتوسع في المباحات، كلما كان تعرضًا للنقص في الدار الآخرة، فهذه القاعدة كما قلنا في بعض أمثلتها شيء صحيح وواضح، وإذا زيدَ هذا القيد في قوله: (ولم تكن المصلحة في وجوده) كانت قاعدة أغلبية).
стр. 212
القاعدة الثامنة والعشرون: الأصل في العبادات الحظر، إلا ما ورد عن الشارع تشريعُه والأصل في العادات الإباحة، إلا ما ورد عن الشارع تحريمه
قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في درسه في الحرم المكي (١): (إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الشريعة مبنية على أصلين:
١ - الأصل في العبادات الحظر؛ إلا إذا ورد في القرآن أو السنة ما يفيد غير ذلك.
٢ - الأصل في المعاملات والعادات الإباحة، إلا إذا ورد ما يفيد غير ذلك).
قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومة القواعد (٢):
والأصلُ في عاداتنا الإباحةْ … حتى يجيءَ صارفُ الإباحةْ
وليس مشروعًا من الأمورْ … غيرَ الذي في شرعنا مذكورْ
قصد الشيخ السعدي ﵀ بالبيتين السابقين قاعدتين كليتين:
فأما الأولى: فهي أن الأصل في العادات والمعاملات: الإباحة والحِلُّ (٣)، ودل على صحة ذلك أدلة ترجع إلى: الخبر، والاتفاق.
стр. 213
فأما الخبر: فمنه ما أخرجه مسلم في صحيحه في قصة تأبير النخل، وفيه قال النبي ﷺ : «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١)، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ رَدَّ الأمر في التعامل في الزراعة إلى الخلق، وجعله ليس من جنس الشرع الذي يتوقف فيه حتى يأتي الأمر من الرب سبحانه.
وأما الاتفاق: فحكاه غير واحد، كالنووي في المجموع، والموفق في المغني.
وليُعلَمْ أن المعاملات والعادات باقيةٌ على الأصل ما لم تخالف أصلًا شرعيًّا، أو يأتي الصارف الشرعي لذلك، ومن ذلك: شرب الخمر، فهو من جنس العادات التي حرَّمها الرب سبحانه.
وأما القاعدة الكلية الثانية: فهي أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، ومعنى ذلك: هو ألّا يعتقد الناس في شيء أو في فعل أو قول أنه عبادة، حتى يأتي خطاب الشارع بذلك.
وقد دلت الأدلة على صحة هذه القاعدة، وترجع إلى أدلة: أولها: الخبر، وهو من السنة والأثر.
فأما السنة، فما رواه مسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (٢)، أي: مردود عليه. قال الشاطبي ﵀ في الاعتصام (٣): وهذا أصلٌ في أن الأصل في العبادات المنع والحظر.
стр. 214
وبيانه: أن النبي ﷺ قيَّد قبول العبادة بأخذها عنه، وصدورها منه ﷺ ، إذ هو المشرِّع ﷺ ، فاعتبار غير ما قاله أو فعله من العبادات عبادة تُفعل أو تقال: اعتبارٌ مردودٌ على صاحبه؛ لأن ذلك محظورٌ عليه.
وأما الأثر؛ فما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، والخطيب في الفقيه والمتفقه عن سعيد بن المسيب، أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر، يطيل في سجودهما وركوعهما، فزجره عن ذلك، فأنكر عليه المصلي ذلك، فقال له: «بل خالفت السنة» (١).
والآثار في ذلك كثيرة.
وثانيها: الاتفاق؛ فقد حكى شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع (٢).
فائدة: إذا كان العمل في أصله مشروعًا، ولكن زِيْدَ في هيئته، أو أُنْقِصَ منه، فلا يحكم على بطلانه مطلقًا، ولا على صحته مطلقًا، لأن الخلل قد يكون في شيء يوجب بطلان العبادة، وقد يكون في شيء دون ذلك، ومثاله: الصلاة إذا
стр. 215
أُوقعت بدون سجود فإنها باطلة، لأن السجود من الأركان، وإذا أوقعت دون قراءة ما تيسَّر بعد الفاتحة فهي مجزئة صحيحة.
مسألة: هل يشترط في كون الأصل في العبادات الحظر والمنع انسحاب ذلك على كمية فعل العبادة من الرسول ﷺ ، بحيث لا يُزَاد على تلك الكمية في نحو المندوبات والسنن؟
ذهب الشاطبي في الموافقات إلى لزوم ذلك، وأن الزيادة مخالَفة (١).
وذهب ابن القيم في الصواعق المرسلة إلى أن العبادة إذا ثبت أصلها، وندب إليها بالسنة القولية؛ فالمواظبة عليها فضلٌ وسنة).
(فهذا الأصل العظيم في العبادات محل إجماع أهل العلم، وأنه لا يجوز أن يشرع عبادة فيقال: هذا واجب، أو هذا مستحب، والعبادات هي ما يكون محل وجوب، أو محل استحباب، فكل ما أمر الله به ورسوله ﷺ وجوبًا أو استحبابًا فهو عبادة، وما لا فلا) (٢).
(والأصل في العادات الإباحة، فالأصل في المآكل والمشارب وأفعال الإنسان العادية كتنقله وما أشبه ذلك الأصل فيها الإباحة والحل، فلا يقال: هذا حرام إلا بدليل، عكس الأمور التعبدية، ولا نقول لأي شيء أقدم عليه: ما الدليل؟ لأن الأصل الإباحة، وألحَقَ كثير من أهل العلم في هذه مسألة الشروط والعقود في البيع والشراء، وقالوا: إن الأصل فيها الإباحة، وقال آخرون: إن الأصل فيها المنع، والصواب في مسألة الشروط والعقود والبيوع الحل لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].