← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في القلب. أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله (١). وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنًّا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم (٢). وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (٣). وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له

стр. 107

شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا (١). وقال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تَلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرصُ حريص، ولا يرده كراهة كاره، فإن الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمه- جعل الروحَ والفرحَ في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط» (٢). والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال، أو ولد، أو غير ذلك - أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين. وقد روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا» (٣). وهو من علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، كما قال علي ﵁: «من زهد الدنيا، هانت عليه المصيبات» (٤).

стр. 108

والثالث: أن يستوي عند العبد حامده وذامُّه في الحق، وهذا من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله» (١). وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم. وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم، كقول الحسن ﵁: «الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضل مني» (٢). وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها. ولهذا يقال: الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس، فهو الزاهد حقًّا. وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا ألّا تأسى على ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٣)، قال ابن السماك: (هذا هو الزاهد المُبرَّز في زهده) (٤).

стр. 109

وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها، وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق. وسئل الزهري عن الزاهد فقال: (من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره) (١)، وهذا قريب مما قبله، فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال، لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه. وقال ربيعة: (رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقِّها) (٢). قصر الأمل: وقال سفيان الثوري ﵀: (الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء) (٣). وقال: (كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تَزْوِها عنا، فتُرغِّبنا فيها) (٤).

стр. 110

وكذا قال الإمام أحمد: (الزهد في الدنيا: قصر الأمل، وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس) (١). ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها، فمن قصُر أملُه، فقد كرِه البقاءَ في الدنيا، وهذا نهايةُ الزهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. أقسام الزهد في الدنيا: قال ابن رجب ﵀ (٢): (وقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا: فمنهم من قال: أفضل الزهد الزهد في الشرك، وفي عبادة ما عبد من دون الله، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي، ثم الزهد في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، كلاهما واجب، والثالث: ليس بواجب، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك، ثم في المعاصي كلها. وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أن الله يراه فتركه (٣). وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد: أن يخلص العمل لله والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا

стр. 111

يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع، وهو أدناها (١). وهذا قريب مما قبله، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة. وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف (٢): فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات). مواقف الناس من الدنيا: قال ابن رجب ﵀ (٣): (وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨]، وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا، واغتنام لذاتها قبل الموت، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا، لأنه يرى أن الاستكثار منها موجب الهم والغم، ويقول: كلما كثر التعلق بها، تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا.

стр. 112

والقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله. فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همه، لها يغضب، وبها يرضى، ولها يوالي، وعليها يعادي، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزل سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانًا مجملًا، فهو لا يعرفه مفصلًا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة. والمقتصد منهم: أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا. روى الإمام أحمد ﵀ في كتاب الزهد بإسناده عن عمر ﵁ قال (١): (لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله عيَّر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]). ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذي عن قتادة بن النعمان ﵁، عن النبي

стр. 113

ﷺ ، قال: «إن الله إذا أحب عبدًا حماه عن الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمَه الماء» (١). وخرجه الحاكم، ولفظه: «إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه، كما تحمُون مريضكم الطعامَ والشراب، تخافون عليه» (٢). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (٣). وأما السابق بالخيرات بإذن الله: فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا؟ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. قال بعض السلف: (أيهم أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنةً، لينظر من يقف منهم معه، ويركن إليه، ومن ليس كذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]).

стр. 114

ثم بين انقطاعه ونفاده فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا، جعلوا همَّهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره، كما كان النبي ﷺ يقول: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» (١). ووصى ﷺ جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب منهم: سلمان ﵁، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، وأبو ذر ﵁، وعائشة ﵂، ووصى ابن عمر ﵄ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل (٢)، وأن يعد نفسه من أهل القبور (٣). من فوائد الحديث: أولًا: فيه محبة أصحاب النبي ﷺ له وشفقتهم عليه، وتأثرهم بأحواله وما كان يلاقيه في الدنيا من الشدائد وضيق العيش. ثانيًا: فيه ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا والتقلل منها. ثالثًا: فيه إشارة إلى تقلب الدنيا بأهلها، وسرعة انقضاء الأعمار. رابعًا: فيه إشارة إلى التزام قصر الأمل، والتوثق بالعمل، واغتنام الأعمار في الطاعات، قبل هجوم هادم اللذات.

стр. 115

الحديث السابع عشر: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع عن كَعْبٍ بن مالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى، حَتَّى تَهِيجَ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها الخامة من الزرع … ورقة الزَّرع الغضة الرطبة، وهي أول ما ينبت منه يكون غضًّا طريًّا أو ضعيفًا. تفيئها الريح … تُميلها. تصرعها مرة … أَي: تلقيها. وتعدلها أخرى … أي: تقيمها وترفعها. تهيج … تيبس، يُقَال: هاج النَّبَات: إِذا يبس، وهاج: إِذا أصفرَّ أَيْضًا. الأرزة … الأرزة: وَاحِدَة الْأرز، قَالَ أَبُو عبيد: (وَهِي شَجَرَة الصنوبر، والصنوبر ثَمَر الْأرز، ويُسمى: الشّجر صنوبرًا من أجل ثمره). المجذية … الثَّابِتَة، يُقَال: أجذت تجذي، وجذت تجذو. انجعافها … انقلاعها.

стр. 116

التعليق: يدل هذا الحديث على أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها وإن وقع به شيء لم يكفر شيئًا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة (١). قال الإمام ابن رجب ﵀ في غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع (٢): (ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ ضرب مثل المؤمن في إصابة البلاء لجسده بخامة الزرع التي تفيئها الريح يمنة ويسرة. والخامة: الرطبة من النبات. وَمَثَّل المنافق والفاجر بالأرزة وهي الشجرة العظيمة التي لا تحركها الرياح ولا تزعزعها حتى يرسل الله عليها ريحًا عاصفًا فتقتلعها من الأرض دفعة واحدة. ففي هذا فضيلة عظيمة للمؤمن بابتلائه في الدنيا في جسده بأنواع البلاء، وتمييز له على الفاجر والمنافق بأنه لا يصيبه البلاء حتى يموت بحاله فيلقى الله بذنوبه كلها فيستحق العقوبة عليها. والنصوص في تكفير ذنوب المؤمن بالبلاء والمصائب كثيرة جدًّا، ففي الصحيحين عن عطاء بن يسار ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن: من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٣). وفيهما أيضًا عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من

стр. 117

مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر» (١). وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال البلايا بالعبد حتى تتركه يمشي على الأرض ما به خطيئة» (٢). وإنما يعرف قدر البلاء إذا كشف الغطاء يوم القيامة، كما في الترمذي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض في الدنيا» (٣). وفي سنن أبي داود عن عامر الرام ﵁ قال: جلست إلى النبي ﷺ فذكر الأسقام، فقال: «إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير، عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدْر لم عقلوه ولم أرسلوه»، فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله! وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط. قال: «قم عنا فلست منا» (٤).

стр. 118

وهذا كما قال للذي سأله عن الحمى فلم يعرفها: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» (١). فجعل الفرق بين أهل الجنة وأهل النار إصابة البلاء والمصائب، كما جعل ذلك فرقًا بين المؤمنين والمنافقين والفجار في هذه الأحاديث المذكورة ها هنا. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قيس بن أبي حازم ﵁ قال: طلَّق خالد بن الوليد ﵁ امرأته، ثم أحسن عليها الثناءَ، فقيل له: يا أبا سليمان، لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رابني منها، ولكن لم يصبها عندي بلاء (٢). وبإسناده عن عمار بن ياسر ﵁ أنه ذكر الأوجاع، فقال أعرابي عنده: ما اشتكيت قط، فقال عمار ﵁: ما أنت منا -أو لست منا- إن المسلم يبتلى ببلاء فتحط عنه ذنوبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها، وإن الكافر والفاجر يبتلى ببلاء، فمثله مثل البعير أُطلق، فلم يَدْر لِمَ أُطلق، وعُقل فلم يدْرِ لِمَ عُقل (٣). من فوائد الحديث: قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٤): (واعلم أن تمثيل المؤمن بالزرع، الرعاع أتباع كل ناعق نذكر ما يسر الله منها:

стр. 119

الأول: فمنها أن الزرع ضعيف مستضعف والشجر قوي مستكبر متعاظم، فالشجر لا يضعف من حر ولا برد، ولا من كثرة ماء ولا من ريح، والزرع بخلاف ذلك، وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، وبين أهل الجنة والنار. كما في الصحيحين عن حارثة بن وهب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيفٍ متضعِّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتُلٍّ (١) جواظٍ (٢) مستكبر» (٣). وخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تحاجت الجنة والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلني إلا المتجبرون والمتكبرون» (٤). الحديث. وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة مع حسن منظرهم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقال وفصاحته، حتى يعجب من منظرهم من رآهم، ويسمع قولهم من سمعه سماعَ إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعانيهم فارغة، فلهذا مثَّلهم بالخشب المسندة، التي لا روح لها ولا إحساس، وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ

стр. 120

صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم، وهكذا كل مريب يُظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويحسبه عليه. وأما المؤمن فبعكس هذه الصفات، غالبهم مستضعفون في ظاهر أجسامهم ولباسهم وكلامهم؛ لأنهم اشتغلوا بعمارة قلوبهم وأرواحهم عن عمارة أجسادهم. فقلوبهم ثابتة قوية عامرة، فيكابدون بها الأعمال الشاقة في طاعة الله من الجهاد والعبادات والعلوم وغيرها مما لا يستطيع المنافق مكابدته؛ لضعف قلبه، ولا يخافون من ظهورِ ما في قلوبهم إلا خشية الفتنة على نفوسهم، فإن بواطنهم خير من ظواهرهم، وسرهم أصلح من علانيتهم. قال سليمان التيمي: أتاني آت في منامي فقال: يا سليمان إن قوة المؤمن في قلبه (١). ومن قوة قلب المؤمن وثباته أنه ثابت على الإيمان، فالإيمان الذي في قلبه مثله كمثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فيعيش على الإيمان ويموت عليه ويبعث عليه، وإنما الرياح وهي بلايا الدنيا تقلب جسمه يمنة ويسرة، وكذلك قلبه لا تصل إليه الرياح؛ لأنه محروس بنور الإيمان.

стр. 121

والكافر والمنافق بعكس ذلك، قوي جسمه، لا تقلبه رياح الدنيا، وأما قلبه فإنه ضعيف، تلاعب به الأهواء المضلة، فتقلبه يمنة ويسرة، فكذلك كان مثل قلبه كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، كشجر الحنظل ونحوه مما ليس له أصل ثابت في الأرض. وقال علي ﵁ في صفة الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق (١). وبهذا يظهر الجمع بين حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع والفاجر بشجرة الأرز، وبين حديث تمثيل المؤمن بالنخلة (٢). فإن التمثيل بالزرع لجسده؛ لتوالي البلاء عليه، والتمثيل بالنخلة إيمانه وعمله وقوله، يدل عليه قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، فجعلها مثلًا بكلمة الشهادة التي هي أصل الإسلام، وثبوتها في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض، وارتفاع عمل المؤمن إلى السماء كارتفاع النخلة، وتجدد عمل المؤمن من كل حين كإتيان النخلة أكلها كل حين. الثاني: ومنها أن المؤمن يمشي مع البلاء كيف ما مشى به، فيلين له، فيقلبه البلاء يمنة ويسرة، فكلما أداره استدار معه، فيكون عاقبته العافية من البلاء

стр. 122

وحسن الخاتمة، وتوقي ميتة السوء، فلهذا كان مثله كمثل السنبلة تفيئها الرياح يمنة ويسرة، فلا تضره الرياح كما في أمثال العرب: إذا رأيت الريح عاصفًا فتطامن، أي: إذا رأيت الأمر غالبًا فاخضع له (١). الثالث: ومنها أن الزرع وإن كانت كل طاقة منه ضعيفة ضئيلة؛ إلا أنه يتقوى بما يخرج معه وحوله ويعتضد به بخلاف الشجر العظام، فإن بعضها لا يشدُّ بعضًا، وقد ضرب الله تعالى مثل نبيه ﷺ وأصحابه بالزرع، لهذا المعنى قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩]. وقد قال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، فالمؤمنون بينهم ولاية، وهي مودة ومحبة باطنة، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ لأن المؤمنين قلوبهم على قلب رجل واحد فيما يعتقدونه من الإيمان. وأما المنافقون فقلوبهم مختلفة كما قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، فأهواؤهم مختلفة، ولا ولاية بينهم في الباطن، وإنما بعضهم من جنس بعض في الكفر والنفاق. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وشبك بين أصابعه (٢). وفيهما أيضًا عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم

стр. 123

وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائره بالحمى والسهر» (١). الرابع: ومنها أن الزرع ينتفع به بعد حصاده، فإنه يحصده أربابه، ثم يبقى منه بعد حصاده ما يلتقطه المساكين، وترعاه البهائم وتأكله الطير، وربما استخلف بعضه فأخرج منه ثانية، وبيع منه من الحب ما ينبت مرارًا. وهكذا مثل المؤمن يموت ويُخلف ما ينتفع منه، من علم نافع وصدقة جارية وولد صالح ينتفع به. وأما الفاجر فإنه إذا انقلع من الأرض لم يبق فيه نفع بل ربما أثر ضررًا، فهو: كالشجرة المنجعفة (٢) لا تصلح إلا لوقيدِ النار. الخامس: ومنها أن الزرع في حملِه مبارك، كما ضرب الله مثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء. وليس كذلك الشجر؛ لأن كل حبة مما يغرس منه لا تزيد على نبات شجرة واحدة منها. السادس: ومنها أن الحب الذي ينبت من الزرع هو قوت الآدميين، وغذاء أبدانهم، وسبب حياة أجسادهم، فكذلك الإيمان هو قوت القلوب وغذاء الأرواح وسبب حياتها، ومتى فقدته القلوب ماتت، وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدًا، بل هو هلاك الدنيا والآخرة، كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياء

стр. 124

فلذلك شبه المؤمن بالزرع حيث كان الزرع حياة الأجساد، والإيمان حياة الأرواح. وأما ثمر بعض الأشجار العظام كالصنوبر ونحوه، فليس له كبير نفع، وربما لا يتضرر بفقده. فكذلك مثَّل الفاجر أو المنافق بهذه الشجرة لقلة نفع ثمرها. ولما كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فصاحب السجن لا يزال في بلاء حتى يخرج منه، فإذا خرج من السجن أفضى إلى الرخاء والنعيم الدائم، وصاحب الجنة إذا خرج منها وقع في السجن الدائم. وإذا صُبغ أنعمُ الناس -كان في الدنيا- صبغةً في العذاب، فقيل له: هل مر بك نعيم قط؟ قال: لا يا رب. وإذا صبغ أبأس الناس -في النعيم صبغة، ثم قيل له: هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب (١): فما هي إلا ساعة ثم تنقضي … ويذهب هذا كلُّه ويزول لا يجد أهل الجنة من ألم نصب الدنيا شيئًا، بل ينقلب راحة أبدًا: جميع آلام لسعِ النحل يذهبها … ما يجتني المجتني من لذة العسل من طمع في الوصول إلى المعالي؛ صبر على مواصلة نصب النهار بسهر الليالي.

стр. 125

من أراد غدًا قربنًا؛ فليصبر اليوم على ألم ضربِنا، فما يحسُّ بألم من صدق في حبِّنا. لابد من البلوى والاختبار ليتبين الصادق اليوم من الكاذب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. الراحة لا تنال بالراحة: لولا المشقةُ ساد الناس كلُّهم … الجود يفقر والإقدام قتال مراتب الدنيا لا تنال إلا بالصبر على البلاء في طلبها والمجاهدة، فكيف من أراد مقعد صدق عند مليك مقتدر: كم صبروا حتى قدروا … كم غضوا حتى نظروا ما وصلوا إلى المنزل إلا بعد طول السجن، ما نالوا لذة الراحة إلا بعد أن صبروا على المشقة).

стр. 126

الحديث الثامن عشر: أول ما يحاسب عليه العبد عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (٢). التعليق: قوله ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته»، أي: أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة. وقوله: «أول ما يحاسب به بين الناس يوم القيامة في الدماء»، أي: أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الناس يوم القيامة في الدماء. وهذا الكلام هو الجمع بين الحديثين؛ لأن في كليهما أول ما يحاسب. قال النووي ﵀ (٣): (فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين

стр. 127

الناس يوم القيامة، وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن: «أول ما يحاسب به العبد صلاته»؛ لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى، وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد، والله أعلم بالصواب). أما الصلاة فشأنها عظيم، ومكانتها في الإسلام عالية، فليس يدانيها شيء من الأعمال، ولا يساويها شيء من الأقوال بعد الشهادتين، حتى قال عبد الله بن العقيلي ﵀: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) (١). وللإمام أحمد كلام رائع في شأن الصلاة، وخطر التهاون بها، ذكره في رسالته في الصلاة، وهذه الرسالة أوردها أبو يعلى في كتابه طبقات الحنابلة (٢). قال الإمام أحمد بعد كلام له: (واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة، لسبقهم الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض، وقد جاء الحديث قَالَ: «يأتي عَلَى الناس زمان يُصلُّون ولا يُصلُّون» (٣). وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان، فلو صليت فِي مائة مسجد، ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة عَلَى ما جاء عَنِ النَّبِيّ ﷺ وعن أصحابه ﵃، فاتقوا اللَّه وانظروا فِي صلاتكم وصلاة من يصلي معكم. واعلموا لو أن رجلًا أحسن الصلاة فأتمَّها وأحكمَها، ثم نظر إلى من أساء

стр. 128

فِي صلاته وضيعها وسبق الإمام فيها، فسكت عنه ولم يُعْلمه فِي إساءته فِي صلاته ومسابقته الإمام فيها، ولم ينهه عَنْ ذلك ولم ينصحه، شاركه فِي وزرِها وعارِها، فالمحسن فِي صلاته شريك المسيء فِي إساءته إذا لم ينهه ولم ينصحْه. وجاء الحديث عَنْ بلال بْن سعد ﵁ أنه قَالَ: الخطيئة إذا خَفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغيَّر ضرت العامة (١)؛ لتركهم ما لزمهم وما وجب عليهم من التغيير، والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة. وجاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ويل للعالم من الجاهل حيث لا يُعَلِّمه» (٢). فلولا أن تعليم الجاهل واجب عَلَى العالم لازم وفريضة وليس بتطوع، ما كان له الويل فِي السكوت عنه وفي ترك تعليمه، والله تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع، إنما يؤاخذ من ترك الفرائض، فتعليم الجاهل فريضة، فلذلك كان له الويل فِي السكوت عنه وترك تعليمه. فاتقوا اللَّه تعالى فِي أموركم عامة وفي صلاتكم خاصة، واتقوا الله في تعليم الجاهل، فإن تعليمه فريضة واجب لازم، والتارك لذلك مخطئ آثم.

стр. 129

وأمروا أهل مسجدِكم بإحكام الصلاة وإتمامها، وألَّا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام، وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه. واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة، وذلك الواجب عَلَى الناس واللازم لهم، كذلك جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أصحابه ﵃. ومن العجب أن يكون الرجل فِي منزله، فيسمع الأذان فيقوم فزعًا، يتهيأ ويخرج من منزله يريد الصلاة، ولا يريد غيرها، ثم لعله يخرج فِي الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط فِي الطين ويخوضُ الماء وتبتل ثيابه، وإن كان فِي ليالي الصيف فليس يأمن العقارب والهوام فِي ظلمة الليل، ولعله مع هذا أن يكون مريضًا ضعيفًا فلا يدع الخروج إلى المسجد، فيتحمل هذا كله إيثارًا للصلاة وحبًّا لها وقصدًا إليها، لم يخرجه من منزله غيرها، فإذا دخل مع الإمام فِي الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام فِي الركوع والسجود والرفع والخفض؛ خدعًا من الشيطان له، لما يريد من إبطال صلاته وإحباط عمله، فيخرج من المسجد ولا صلاة له. ومن العجب أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام، وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم، وهم كلهم إلا ما شاء اللَّه يسابقونه فِي الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعًا من الشيطان لهم، واستخفافًا بالصلاة منهم، واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام، وقد جاء الحديث قَالَ: «لا حظ فِي الإسلام لمن ترك الصلاة» (١).

стр. 130

فكل مستخف بالصلاة مستهين بها هو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام عَلَى قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم فِي الإسلام عَلَى قدر رغبتهم فِي الصلاة. فاعرف نفسك يا عبد الله، واعلم أن حظَّك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظك من الصلاة وقدرها عندك. واحذر أن تلقى اللَّه ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام فِي قلبك كقدر الصلاة فِي قلبك. وقد جاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «الصلاة عمود الإسلام» (١). ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب (٢) ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنُب والأوتاد، فكذلك الصلاة من الإسلام.

стр. 131

فانظروا رحمكم اللَّه واعقلوا وأحكموا الصلاة، واتقوا اللَّه فيها وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتعليم من بعضكم لبعض والتذكير من بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان، فإن اللَّه قد أمركم أن تتعاونوا عَلَى البر والتقوى، والصلاة أفضل البر، وجاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم» (١). وجاء الحديث أن: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن رُدَّت صلاته رُدَّ سائر عمله» (٢). فصلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دين، فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعُه، فتمسكوا رحمكم اللَّه بآخر دينكم. وليعلم المتهاون بصلاته المستخفُّ بها المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصلاة رحمكم اللَّه، وتمسكوا بها، واتقوا اللَّه فيها خاصة، وفي أموركم عامة. واعلموا أن اللَّه قد عظم خطر الصلاة فِي القرآن، وعظم أمرها وشرفها وشرف أهلها، وخصها بالذكر من بين الطاعات كلها فِي مواضع من القرآن كثيرة وأوصى بها خاصة.

стр. 132

فمن ذلك أن اللَّه تعالى ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود فِي الفردوس، فافتتح تلك الأعمال بالصلاة، وختمها بالصلاة، وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الخلود فِي الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]؛ فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مديحه إياهم، ثم وصفهم بالأعمال الطاهرة الزاكية المرضية إلى قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٨ - ١١]، فأوجب اللَّه لأهل هذه الأعمال الشريفة الزاكية المرضية الخلود فِي الفردوس، وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين. ثم عاب اللَّه الناس كلهم وذمهم، ونسبهم إلى اللؤم والهلع والجزع والمنع للخير، إلا أهل الصلاة، فإنه استثناهم منهم فقَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، ثم استثنى المصلين منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٥]. ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]، ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم بأن ذكرهم بمحافظتهم عَلَى الصلاة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٤ - ٣٥]، فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة فِي الجنة، وافتتح ذكر هذه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة، فجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين. ثم ندب اللَّه رسولَه ﷺ إلى الطاعة كلها جملة، وأفرد الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها، والصلاة هي من الطاعة، فقال : ﴿اتْلُ

стр. 133

مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ففي تلاوة الكتاب فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، فخصَّ الصلاة بالذكر فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وإلى الصلاة خاصة ندبه اللَّه فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، فأمره أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها، ثم أمر اللَّه تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة عَلَى طاعته كلها بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعة كلها، فقرنها مع الصبر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، فكذلك أمر اللَّه تعالى بني إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة عَلَى جميع الطاعة، ثم أفرد الصلاة من بين الطاعة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. ومثل ذلك ما أخبر اللَّه به من حُكمه ووصيته خليله إبراهيم ﵇ ولوطًا ﵇ وإسحاق ﵇ ويعقوب ﵇ فقال: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، إلى قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ [الأنبياء: ٧١]، إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، إلى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، فذكر الخيرات كلها جملة وهي جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية، وأفرد الصلاة بالذكر، وأوصاهم بها خاصة. ومثل ذلك ما ذكر عَنْ إِسْمَاعِيل ﵇ فِي قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]، فبدأ بالصلاة.

стр. 134

ومثل ذلك عَنْ نجيه مُوسَى ﵇ فِي قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فأجمل الطاعة واجتناب المعصية فِي قوله لموسى ﵇: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾، وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة، وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، والتمسك بالكتاب يأتي عَلَى جميع الطاعة واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. وإلى تضييع الصلاة نسب الله من أوجب له العذاب قبل المعاصي فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، فمن اتباع الشهوات ركوب جميع المعاصي، فنسبهم اللَّه إلى جميع المعصية فِي تضييع الصلاة. فهذا ما أخبر الله تعالى به من آي القرآن من تعظيم الصلاة، وتقديمها بين يدي الأعمال كلها، وإفرادها بالذكر من بين جميع الطاعات، والوصية بها دون أعمال البر عامة، فالصلاة خطرها عظيم وأمرها جسيم. وبالصلاة أمر اللَّه ﵎ رسوله ﷺ أول ما أوحى إليه بالنبوة قبل كل عمل وقبل كل فريضة. وبالصلاة أوصى النَّبِيّ ﷺ عند خروجه من الدنيا فقال: «اللَّه اللَّه فِي الصلاة وفيما ملكت أيمانكم» (١). فِي آخر وصيته إياهم.

стр. 135

وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نَبِيّ لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وجاء فِي حديث آخر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه كان يجود بنفسه ويقول: «الصلاة الصلاة الصلاة» (١). فالصلاة أول فريضة فرضت عليهم، وهي آخر ما أوصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام، فالله اللَّه فِي أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، فتمسكوا بها، واحذروا تضييعها والاستخفاف بها، ومسابقة الإمام فيها، وخداع الشيطان أحدكم عنها، وإخراجه إياكم منها، فإنها آخر دينكم، ومن ذهب آخر دينه، فقد ذهب دينه كله، فتمسكوا بآخر دينكم). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (وقد جمع النسائي في روايته في حديث بن مسعود ﵁ بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» (٣). وتقدم في تفسير سورة الحج ذكر هذه الأولية بأخص مما في حديث الباب، وهو عن علي ﵁ قال: أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة (٤)، يعني: هو ورفيقاه حمزة ﵁ وعبيدة ﵁، وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة الذين بارزوا يوم بدر.

стр. 136

قال أبو ذر ﵁: فيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، الآية (١). وتقدم شرحه هناك. وفي حديث الصور الطويل عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسَه فيقول: يا ربِّ سل هذا فيم قتلني» (٢). الحديث. وفي حديث نافع بن جبير ﵁ عن ابن عباس ﵁ رفعه: «يأتي المقتول معلقا رأسَه بإحدى يديه مُتَلَبِّبًا قاتلَه (٣) بيده الأخرى، تشخُب (٤) أوداجه دمًا، حتى يقفا بين يدي الله» (٥). الحديث. ونحوه عند بن المبارك عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا. وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس رفعه: «نحن آخرُ الأمم وأولُ من يحاسب يوم القيامة») (٦). من فوائد الحديثين: أولًا: في الحديث الأول تعظيم شأن الصلاة، وأنها أهم الأركان العملية بعد الشهادتين.

стр. 137

ثانيًا: فيه أن الصلاة هي ميزان الأعمال يوم القيامة، فإن أحسن العبد صلاته، رجي له النجاح والفلاح، وهذا يدعو إلى الاهتمام بما يصلح الصلاة من أركان وواجبات وسنن، وكذلك الاهتمام بالخشوع في الصلاة، لأنه روح الصلاة ولبها. ثالثًا: في الحديث بيان فضل التطوع وأهميته في إكمال الصلاة لتكون مقبولة عند الله تعالى. قال ابن عبد البر ﵀ (١): (أما إكمال الفريضة من التطوع، فإنما يكون ذلك والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم يحسن ركوعها، ولم يدر قدر ذلك. وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدًا، واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له، فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه، والله أعلم). رابعًا: أما الحديث الثاني فقد قال ابن حجر ﵀ (٢): (وفي الحديث عظم أمر الدم، فإن البداءة إنما تكون بالأهم، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، وقد ورد في التغليظ في أمر القتل آيات كثيرة وآثار شهيرة).

стр. 138

الحديث التاسع عشر: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: «أُوصِيكُمْ: بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها النواجذ … آخر الأضراس. محدثات الأمور … البدع المخالفة للسنة. التعليق: قال ابن رجب ﵀ (٢): (كان النبي ﷺ كثيرًا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال:

стр. 139

﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخولهم به أحيانًا، كما في الصحيحين (١)، عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود ﵁ يذكِّرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهة أن أملَّكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السآمة علينا. وقوله ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة». فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة. أما التقوى: فهي كافلة بسعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٣].

стр. 140

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا، فهو خير إلى خير) (١). وقال طلق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله) (٢). وقال ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: (أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) (٣)، وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات، ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها). وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين: ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما

стр. 141

قال علي بن أبي طالب ﵁: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برٌّ أو فاجر، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وعمل الفاجر فيه إلى أجله) (١). وقال الحسن ﵁ في الأمراء: (هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن -والله- إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر) (٢). أما قوله: «وإن كان عبدًا حبشيًّا»: قال ابن دقيق العيد ﵀ (٣): (قال بعض العلماء: العبد لا يكون واليًا، ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن، كقوله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا كمفحص قطاة (٤)، بنى الله له بيتًا في الجنة» (٥). ومفحص قطاةٍ لا يكون مسجدًا، ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا؛ تغليبًا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.

стр. 142

وقوله: «وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»: هذا من بعض معجزاته ﷺ ، أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر، وقد كان عالمًا به على التفصيل، ولم يكن بينه لكل أحد، إنما حذر منه على العموم، وقد بين ذلك لبعض الآحاد؛ كحذيفة ﵁ وأبي هريرة ﵁ وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما. وقوله: «فعليكم بسنتي»: السنة: الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح. وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، يعني، الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة بالإجماع: أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁، وعلي ﵁. وأمر ﷺ بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر. والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة). وقد جاء في بعض الأحاديث فضل السنن النوافل، والسنن النوافل مثل: السنن الرواتب، وقيام الليل، وصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشرواء ويوم عرفه … وغيرها كثير. وهذه السنن غير السنن التي في قوله ﷺ : «عليكم بسنتي»؛ لأن الثاني المقصود الدين كاملًا أو الملة. قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»: تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة.

стр. 143

والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (١) (٢). فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٣). فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه (٤). وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة (٥).

стр. 144

وروي عن أبي بن كعب ﵁، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر ﵁: قد علمت، ولكنه حسن (١). ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم (٢)، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده ﷺ ، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (٣). ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين ﵃ (٤)، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵃، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁. ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان ﵁ لحاجة الناس إليه، وأقره علي ﵁، واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه ﵁ في قيام رمضان.

стр. 145

ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت ﵁ وقال لأبي بكر ﵁ وعمر ﵁: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي (١)، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح. وكذلك جمع عثمان ﵁ الأمةَ على مصحفٍ واحدٍ وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي ﵁ وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة. وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر ﵁ وغيره حتى بين له أبو بكر ﵁ أصله الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك (٢).
следующие страницы →