← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذا الحديث يضع لك منهجًا عمليًّا يجب أن تلتزمه، دون أن تبرر مخالفتك إياه بحجة أنك لا تفعل تلك المخالفة خيلاء، حيث يقول: «أِزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف، ساقيه، لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وأسفل من الكعبين في النار»، فهنا لا يُسْمَعُ مِنْ أحد يطيل ثوبه إلى ما تحت الكعبين أنه لا يفعل ذلك خيلاءً؛ لأننا نقول: إنك تفعل ذلك مخالفة لهذا النهج النبوي، وانتهى الأمر. أما إن انضمَّ إلى ذلك أنك فعلتَه خيلاءً فقد استحققت ذلك الوعيد الشديد، ألاَّ ينظر الله ﵎ إليك يوم القيامة نظرةَ رحمة. هذه تذكرة أردتُ أن أوجهها إليكم؛ لإرشاد من كان يريد منكم أن يكون تحت رحمة ربه يوم يُحْشَر الناس: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]). من فوائد الحديث: أولًا: تحريم الكبر وأنه يهلك صاحبه. ثانيًا: فيه إثبات صفة الرؤية لله كالبصر والنظر- وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسنة. ثالثًا: قال ابن حجر ﵀ (١): (في الحديث اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطرد غالبًا). فليس المسبل بطرًا كالمسبل عادة، أو المسبل لحاجة أو ضرورة، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (ويستثنى من إسبال الإزار مطلقًا ما أسبله

стр. 72

لضرورة؛ كمن يكون بكعبيه جرح، يؤذيه الذباب مثلًا إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، نبَّه على ذلك شيخنا في شرح الترمذي، واستدل على ذلك بإذنه ﷺ لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحرير من أجل الحكة (١)، والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي، ويستثنى أيضًا من الوعيد في ذلك النساء).

стр. 73

الحديث الحادي عشر: السحت عن جابر بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النار أولى به» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها السُّحت … هو المال الحَرَام الذي لا يَحِلُّ كسْبُه؛ لأنه يَسْحَت البركة، أي: يُذْهبها. والسَّحت: من الإهْلاك والاستِئصال. والسُّحت أيضًا: كل ما يأخذه العامل والحاكم على إبطال حق أو تحقيق باطل. التعليق: قال أبو حاتم ابن حبان ﵀ (٣): ( … وقوله: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لَحمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ»، يريد به جنة دون جنة؛ لأنها جنان كثيرة، وهذا كقوله ﷺ :

стр. 74

«لا يدخل الجنة ولد الزنى، ولا يدخل العاق الجنة، ولا منان» (١)، يريد جنة دون جنة) (٢). وقال في مرقاة المفاتيح (٣): («لا يدخل الجنة»: أي: دخولًا أوليًّا مع الناجين؛ بل بعد عذابٍ بقدر أكله للحرام ما لم يُعْفَ عنه، أو لا يدخل منازله العليَّة. أو المراد: ألَّا يدخلها أبدًا إن اعتقد حلَّ الحرام، وكان معلومًا من الدين بالضرورة. أو المراد به: الزجر والتهديد والوعيد الشديد، ولذا لم يقيده بنوع من التقييد. «لحم»: أي صاحب لحم. «نبت من السحت»: بضم السين والحاء وسكونها: الحرام، لأنه يسحت البركة، أي: يذهبها. وأسند عدم دخول الجنة إلى اللحم لا إلى صاحبه إشعارًا بالعِلِّيَّة، وأنه خبيث لا يصلح أن يدخل الطيبَ، لأن الخبيث للخبيث، ولذا أتبعه بقوله: «وكل لحم نبت من سحت كانت النار»، وفي نسخة: «كان النار أولى به»، أي: من الجنة؛ لتطهره النار عن ذلك بإحراقها إياه. وهذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب، أو غفر له من غير توبة وأرضى خصومه، أو نالته شفاعة شفيع، فهو خارج من هذا الوعيد).

стр. 75

من فوائد الحديث: أولَّا: التحذير من أكل الحرام، وأنَّه سبب للهلاك ولدخول النار. ثانيًا: أن أكل السحت يذهب البركة في المال والوقت والصحة والأبناء وغير ذلك. ثالثًا: يشير الحديث إلى وجوب التوبة من المحرمات، وإرضاء الخصوم؛ طلبًا للنجاة من النار.

стр. 76

الحديث الثاني عشر: الحياء عن ابن مسعود ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إِذا لم تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْت» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها الحياء … خُلُقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حقِّ صاحب الحق. من كلام النبوة الأولى … أَنْ الْحيَاء لم يزل ممدوحًا على ألسن الْأَنْبِيَاء الْأَوَّلين، منذ آدم فما بعده، وهو مأمورٌ بِهِ لم يُنْسَخ فِي شرع، أي: تتواصي به الأمم، وينقله الأبناء عن الآباء لعظم مقدار صفة الحياء عند العقلاء. التعليق: لا شك أن الحياء كلَّه خير، وقد جاء في الحديث عن عمران بن حصين ﵁، قال ﷺ : «الحياء كله خير» (٣). وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ سمع رجلًا يعظُ أخاه في الحياء (٤)، فقال: «الحياءُ من الإيمان» (٥).

стр. 77

قال ابن القيم ﵀ (١): (والحياء من الحياة، ومنه الحيا للمطر، لكنه مقصور، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتمّ، قال الجنيد: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء). وقال الصنعاني ﵀ (٢): (قوله: «فاصنع ما شئت»: فيه معنيان مشهوران: الأول: أي: إذا لم تستح من العيب ولم تخش العار مما تفعله، فافعل ما تحدثك به نفسك من إعراضها حسنًا كان أو قبيحًا، فلفظه: أمر، ومعناه تهديد وتوبيخ. وفي معناه قيل: إذا لم تصُن عِرْضًا ولم تَخْشَ خالقًا … وتستحْيِ مخْلوقًا فما شئتَ فاصنعِ والثاني: أن معناه: إذا لم يكن فيما تأتيه عيب ولا نكارة تستحي من إتيانه فاصنعه، فجعل الحياء معيارًا وميزانًا لما يباح للإنسان فعله، وقيل: معناه الإخبار أن من لم يستح فهو يصنع ما يشاء). ومثَّل ابن الجوزي ﵀ لكل وجهٍ بمثال فقال (٣): (وَفِي قَوْله: «إِذا لم تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْت» ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه بِمَعْنى الْخَبَر، وَإِنْ كَانَ لَفظه لفظ الْأَمر، كَقَوْلِه: «فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار» (٤)، فَيكون المَعْنى: إِذا لم يمنعك الحيَاء صنعت مَا شِئْت، وَهَذَا على جِهَة الذَّم لترك الحيَاء، وَهَذَا قَول أبي عبيد.

стр. 78

وَالثَّانِي: أَنه وَعِيد على ترك الحيَاء، وَالمعْنَى: إِذا لم تَسْتَحِ فافعل مَا تُرِيدُ فستجازى، كَقَوْلِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، قَالَه ثَعْلَب. وَالثَّالِث: أَنْ الْمَعْنى: مَا لم تَسْتَح مِنْهُ إِذا ظهر فافعله، فَهُوَ فِي معنى قَوْله: «الْإِثْم حوًّاز الْقُلُوب» (١)، قَالَه أَبُو مُوسَى المروزِي الشَّافِعِي). والحياء لا ينبغي أن يمنع صاحبه من الفضائل، وإلا لم يكن حياء ممدوحًا، كالذي يمنعه الحياء من طلب العلم أو طلب الرزق، أو طلب الحق الذي له عند غيره، أو القيام بالنصيحة عند وجود موجبها، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيره. وَمن كَلَام بعض العلمَاء: (لا ينال العلم مستحي وَلَا متكبر، هَذَا يمنعهُ حياؤه من التَّعَلُّم، وَهَذَا يمنعهُ كبره). وَمن كَلَام الْحسن ﵁: «من استتر عَنْ طلب العلم بِالحَيَاءِ لبس للجَهْل سرباله؛ فَقَطِّعُوا سرابيل الحَيَاءِ فانه من رقَّ وَجهُه رقَّ علمُه» (٢). ومما نقل عن بعض السلف في الحياء غير الممدوح قول أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب ﵁: «قُرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان» (٣). وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁: «الحياء يمنع الرزق».

стр. 79

وقال الشاعر (١): ارفع حياءَكَ فيما جئتَ طالبَه … إنَّ الحياءَ مع الحرمانِ مَقرونُ يعني: إن حاجات النفس المشروعة من: علم، أو تعلم، أو طلب حق، أو أداء واجب، ونصح من يستحق، فينبغي ألَّا يمنعه من ذلك الحياء، فالحياء نعمة وجمال وخير، لكن لا حياء في أداء الواجب، أو طلب العلم، ونصح المسلمين ونحو ذلك. وعلى هذا: فالحياء ذو حدين، إذا أعددنا غير المشروع نوعًا من الحياء، وكلّه خير إذا حجب عن المحرمات والوقاحة، كما قيل (٢): وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي … وبينَ ركوِبها إِلا الحَياءُ فكان هو الدواءُ لها ولكن … إذا ذهب الحياءُ فلا دواء أنواع الحياء: قال الماوردي ﵀ (٣): (واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: حياؤه من الله تعالى. والثاني: حياؤه من الناس. والثالث: حياؤه من نفسه. - فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.

стр. 80

- وأما حياؤه من الناس فيكون بكفِّ الأذى وترك المجاهرة بالقبيح. وروي أن حذيفة بن اليمان ﵁ أتى الجمعة، فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس، وقال: «لا خير فيمن لا يستحي من الناس، وهذا النوع من الحياء قد يكون من كمال المروءة وحب الثناء». - وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات. وقال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك. وقال بعض الأدباء: من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر. ودعا قوم رجلًا كان يألف عشرتهم، فلم يجبهم، وقال: إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا أستحي من سني. وقال بعض الشعراء: فسري كإعلاني وتلك خليقتي … وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة، فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورًا، وبالجميل مذكورًا. وقال بعض الشعراء: وإني ليثنيني عن الجهل والخنى … وعن شتم ذي القربى خلائق أربع حياء وإسلام وتقوى وطاعة … لربي ومثلي من يضر وينفع وإن أخلَّ بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من الفضل بكماله).

стр. 81

رؤيا عجيبة: قال الماوردي ﵀ (١): (رأيت رسول الله ﷺ في المنام ذات ليلة فقلت: يا رسول الله أوصني: فقال: «استح من الله حق الحياء»، ثم قال: تغير الناس، قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟، قال: «كنت أنظر إلى الصبي فأرى من وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه» (٢). ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورتها، وأذهلني السرور عن حفظها ووددت أني لو حفظتها. فلم يبدأ ﷺ بشيء قبل الوصية بالحياء من الله ، وجعل ما سلبه الصبيُّ من البِشر والحياءِ سببًا لتغير الناس، وخصَّ الصبي؛ لأن ما يأتيه بالطبع من غير تكلف. فصلى الله وسلم على من هدى أمته، وتابع إنذارها، وقطع أعذارها، وأوصل تأديبها، وحفظ تهذيبها، وجعل لكل عصر حظًّا من زواجره، ونصيبًا من أوامره. أعاننا الله على قبولها بالعمل، وعلى استدامتها بالتوفيق). من فوائد الحديث: الأول: فيه: تعظيم لقدر صفة الحياء، وأنه الخلق الذي يردع من ارتكاب القبيح، وذلك معلوم عند العقلاء، ولذلك قيل (٣): إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي … ولم تستحْ فاصنع ما تشاءُ فلا والله ما في العيشِ خيرٌ … ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ يعيش المرء ما استحيا بخير … ويبقى العودُ ما بقي اللِّحاء

стр. 82

الثاني: فيه: أن الحياء خلق قديم نادى به الأنبياء جميعًا، وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يبدل فيما بدل منها، وذلك أنه أمر قد علم صوابه، وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه، وما كان هذا صفته لم يجز عليه النسخ والتبديل (١).

стр. 83

الحديث الثالث عشر: الوحدة في السفر والمبيت عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (١). وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» (٢). وزاد الإمام أحمد ﵀ في روايته، أن النبي ﷺ نهى عن الوحدة، أن يبيتَ الرجلُ وحده، أو يسافر وحده (٣).

стр. 84

معاني الكلمات (١): الكلمة … معناها ركب … أي: جماعة. شيطان … أي: عاصٍ. التعليق: قال الجوهري ﵀ (٢): (قيل: السفر الذي يكره للواحد والاثنين الذي يقصر فيه الصلاة (٣)، وذكر عن مالك فما دون ذلك فلا بأس به لواحد واثنين). وقال الخطابي ﵀ (٤): (قوله: «الراكب شيطان»: معناه والله أعلم: أن التفرد بالذهاب في الأرض من فعل الشيطان، أي: شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، فقيل: إن فاعله شيطان … وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث، فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب، أي: جماعة. وروي عن عمر ﵁ أنه قال في رجل سافر وحده: «أرأيتم إن مات من أسأل عنه» (٥).

стр. 85

قلت: المنفرد وحده في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله، ويرد خبره عليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ منها). وقال ابن عبد البر ﵀ (١): (وإنما سمي الواحد شيطانًا والاثنان شيطانان؛ لأن الشيطان في أصل اللغة: هو البعيد من الخير من قولهم: نوى شطون، أي: بائنة بعيدة، فالمسافر وحده يبعد عن خير الرفيق وعونه، والأنس به وتمريضه، ودفع وسوسة النفس بحديثه، ولا يؤمن على المسافر وحده أن يضطر إلى المشي بالليل فتعترضه الشياطين المردة هازلين ومتلاعبين ومفزعين. وقد بلغنا ذلك عن جماعة المسافرين إذا سافروا منفردين، وكذلك الاثنان، لأنه إذا مرَّ أحدهما في حاجتهما بقي الآخر وحده، فإن شردت دابته أو نفرت، أو عرَض له في نفسه أو حاله شيء، لم يجد من يعينه ولا من يكفيه، ولا من يخبر بما يطرقه، فكأنه قد سافر وحده. وإذا كانوا ثلاثة ارتفعت العلة المخوفة في الأغلب، لأنه لا يخرج الواحد مرة في الحاجة ويبقى الاثنان، ثم يخرج الآخر مرة أخرى ويبقى الاثنان، يكون هذا دأبًا في الأغلب في أمورهم، وإن خرج الاثنان لم يطل مكث الواحد وحده، هذا ونحوه والله أعلم ما أراد رسول الله بقوله ذلك ﷺ . وقال أيضًا (٢): (في هذا الحديث كراهية الوحدة في السفر، وأتى هذا الحديث بلفظ الراكب، ويدخل الراجل في معناه إذا كان وحده.

стр. 86

ولم تختلف الآثار في كراهية السفر للواحد، واختلفت في الاثنين، ولم يُختلف في الثلاثة فما زاد أن ذلك حسن جائز. وإنما وردت الكراهية في ذلك والله أعلم، لأن الوحيد إذا مرض لم يجد من يمرضه ولا يقوم عليه ولا يخبر عنه ونحو هذا). وأما حديث ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكبٌ بليل وحده» (١)؛ فقد نهى النبي ﷺ في هذا الحديث أن يجلس الرجل لوحده، أو يسافر لوحده دون أن يكون معه رفقة، لما في ذلك من المضار التي تترتب على ذلك. قَالَ المهلب ﵀ (٢): (نهيه ﷺ عن الوَحدة في سير الليل إنما هو إشفاق على الواحد من الشياطين؛ لأنه وقت انتشارهم وأذاهم للبشر بالتمثيل لهم وما يفزعهم، ويدخل في قلوبهم الوساوس، ولذلك أمر الناس أن يحبسوا صبيانهم عند فحمة الليل). وقال ابن بطال ﵀ (٣): (فإن الناس مختلفو الأحوال متفاوتو الأسباب، فمن كَمِيٍّ باسل لا يهوله هائل، ولا يبقى غول غائل، فهو لا يبالى، وحده سلك المفاوز أو في عسكر، فذلك الذي أذن عمر في السير لمثله، من المدينة إلى الكوفة وحده، حين بلغه عن سعد أنه بنى قصرًا، وأمره بإحراق بابه، ومن مخيف الفؤاد يروعه كل منظر، ويهوله كل شخص، ويفزعه كل صوت، فذلك الذي يحرم عليه أن يسافر وحده، ويمكن أن يكون الذي نهاه الرسول

стр. 87

ﷺ ، أن يبيت وحده كان بهذه الصفة، ومن أخذ بين ذلك الاحتياط له في نفسه ودينه، ترك السفر وحده، ومع آخر أيضًا، فمن كان الأغلب عليه الشجاعة، والقوة لم يكن إن شاء الله حرجًا ولا آثمًا، ومن كان الأغلب من قلبه الهلع، ومن نفسه الخور، خشيت عليه في السفر وحده الإثم والحرج، وأن يورثه ذلك العلل الردية). جواز السفر وحده للحاجة: وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على جواز سفر الرجل وحده للحاجة، ومن ذلك: حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: ندب النبي ﷺ الناس -قال صدقة: أظنه يوم الخندق- فانتدب الزبير ﵁، ثم ندب الناس، فانتدب الزبير ﵁، ثم ندب الناس، فانتدب الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ : «إن لكل نبي حواريًّا وإن حواري الزبير بن العوام» (١). وفي رواية النسائي (٢): قَالَ وهب بن كيسان: أشهد لسمعت جابرًا ﵁ يقول: لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال رسول الله ﷺ : «من يأتينا بخبر القوم»، فلم يذهب أحد؛ فذهب الزبير ﵁، فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضًا، قال: «من يأتينا بخبرهم»، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير، ثم اشتد الأمر أيضًا، فقال: «إن لكل نبي حوارِيًّا وإن حواري الزبير». ورواه ابن أبي عاصم (٣) من حديث وهب هذا، وفيه أن ذَلِكَ يوم الخندق.

стр. 88

وفي الترمذي (١): الحواري: الناصر. وقال عبد الرزاق (٢) عن معمر: قَالَ قتادة: الحواري: الوزير. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (وفيه جواز سفر الرجل وحده، وأن النهي عن السفر وحده إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك). وقال ابن بطال ﵀ (٤): (وأما قصة الزبير ﵁ فإنما هي ليعرف أمر العدو، والواحد الثابت في ذلك أخفى على العدو، وأقرب إلى التجسس بالاختفاء والقرب منهم، مع ما علم الله من نيته والتأييد عليها، فبعثه ﷺ واثقًا بالله، ومع أن الوحدة ليست محرمة، وإنما هي مكروهة؛ فمن أخذ بالأفضل من الصحبة فهو أولى، ومن أخذ بالوحدة فلم يأت حرامًا). وجمع المهلب بين الحديثين فقال (٥): (وليس بينهما تعارض لاختلاف المعنى في الحديثين؛ وهو أن الذي يسافر وحده لا يأنس بأحد ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤونة السفر، كالشيطان الذي لا يأنس بأحد ويطلب الوحدة ليغويه. وأما سفر الزبير ﵁ فليس كذلك، لأنه كان كالجاسوس يتجسس على قريش ما يريدون من حرب النبي ﷺ ، ولا يناسبه إلا الوحدة، على أنه

стр. 89

خرج في مثل هذا الأمر الخطير لحماية الدين وإظهار طاعة النبي ﷺ ، ولم يزل عليه حفظ من الله تعالى ببركة دعاء النبي ﷺ فأين هذا من ذلك؟ ألا ترى أن عمر ﵁، لما بلغه أن سعدًا بنى قصرًا أرسل شخصًا وحده ليهدمه؟ وذكر ابن أبي عاصم: أن النبي ﷺ أرسل عبد الله بن أنس ﵄ سرية وحده؟ وبعث عمرو بن أمية وحده عينًا؟ وذكر ابن سعد: أنه ﷺ أرسل سالم بن عمير ﵁ سرية وحده. وحمل الطبري الحديث على جواز السفر للرجل الواحد إذا كان لا يهوله هولٌ، وإلا فممنوع من السفر وحده خشيةً على عقله، أو يموت فلا يدري خبرَه أحد ولا يشهده، كما قال عمر ﵁: «أرأيتم إذا سافر وحده فمات، من أسأل عنه؟». قال: ويحتمل أن يكون النهي عن السفر وحده نهي تأديب وإرشاد إلى ما هو الأولى. وقال ابن التين: وحمله الشيخ أبو محمد على السفر الذي تُقصر فيه الصلاة). تغير الفتوى بتغير الواقع: جاء في موقع الإسلام سؤال وجواب بإشراف الشيخ محمد المنجد (١):

стр. 90

(والظاهر من الحديث أن النهي وارد على من يسافر في الطرق الخالية الموحشة، أما الطرق الآهلة، والتي يأمن فيها المرء ألا تنقطع به السبيل، ولا يعدم معينًا ولا أنيسًا، فلا يرد الكراهة ولا النهي عنه، ومثله السفر في أيامنا هذه في الطائرات أو السفن أو الحافلات، لأن من فيها كلها يعتبرون رفقة، فلم يتحقق وصف الوحدة المنهي عنه. قال الشيخ ابن عثيمين في فتاوى نور على الدرب (١): وهذا يدل على الحذر من سفر الإنسان وحده، ولكن هذا في الأسفار الذي لا يكون طريقها مسلوكًا بكثرة، وأما الأسفار الذي يكون طريقها مسلوكًا بكثرة وكأنك في وسط البلد، مثل طريق القصيم الرياض، أو الرياض الدمام، وما أشبه ذلك من الطرق التي يكثر فيها السالكون، ومثل طريق الحجاز في أيام المواسم، فإن هذا لا يعد انفرادًا في الحقيقة؛ لأن الناس يمرون به كثيرًا، فهو منفرد في سيارته وليس منفردًا في السفر، بل الناس حوله ووراءه وأمامه في كل لحظة. انتهى. وقال الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الحديث (٢): ولعل الحديث أراد السفر في الصحاري والفلوات التي قلما يرى المسافر فيها أحدًا من الناس، فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المعبدة الكثيرة المواصلات، والله أعلم). انتهى.

стр. 91

من فوائد الحديث: أولَّا: جمهور العلماء على كراهة سفر الإنسان وحده لغير حاجة أو ضرورة، وأنه يجوز لوجودهما. ثانيًا: تتأكد الكراهة لضعاف النفوس، الذين يخشى تلاعب الشيطان بهم. ثالثًا: تزول الكراهة في السفر على الطرق المعبدة المسلوكة التي بها ما يحتاجه المسافر من خدمات؛ لانتفاء علة الكراهة. رابعًا: أما مبيت الإنسان وحده فلا كراهة فيه على الصحيح، ولكن استحب بعض العلماء أن يتوقاه المرء.

стр. 92

الحديث الرابع عشر: من انتسب إلى غير أبيه عن أبي ذر ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم، فليتبوأ مقعده من النار» (١). وفي لفظ في الصحيح: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» (٢). معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها ادعى لغير أبيه … أي: انتسب إليه واتخذه أبًا. وهو يعلم … قيدٌ لا بُدَّ منه؛ فإنَّ الإثم يتبَع العِلْمَ. فليتبوأ مقعده من النار … أي: فلينزل منزله منها، أو فليتخذ منزلًا بها، وهو دعاء أو خبر بلفظ الأمر، وهذا أظهر القولين. ومعناه: هذا جزاؤه، فقد يجازى وقد يعفى عنه، وقد يوفق للتوبة فيسقط عنه. ليس له فيهم … أي: ليس له فيهم نسب. حار عليه … رجع عليه. والْحَور الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤].

стр. 93

التعليق: من الكبائر انتساب الرجل إلى غير أبيه، قال ابن عباس ﵄: كفر دون كفر أو كفر النعمة، وهو مثل قول فرعون لموسى ﵊: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]، أي: الكافرين لنعمة فرعون عليه؛ حيث تربَّى في قصره. قال ابن حجر ﵀ (١): (وقوله: «ليس من رجل»: مِنْ زائدة، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها. وقوله: «ادعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر بالله» كذا وقع هنا؛ «كفر بالله»، ولم يقع قوله: بالله في غير رواية أبي ذر ولا في رواية مسلم ولا الإسماعيلي وهو أولى. وإن ثبت ذاك، فالمراد: من استحل ذلك مع علمه بالتحريم. وعلى الرواية المشهورة فالمراد كفر النعمة. وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما ورد على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أن فاعله فَعَلَ فعلًا شبيها بفعل أهل الكفر). وقوله: «ومن ادعى قومًا»، أي: ومن انتسب إلى قوم. وقوله: «ليس له فيهم»، أي: ليس لهذا المدعي في هذا القوم نسب، أي: قرابة، وليس في رواية الكشميهني لفظة: نسب، وفي رواية مسلم: «ومن ادعى ما ليس له فليس منا»، وهذه أعم من رواية البخاري، ولكن يحتاج فيها إلى تقدير، وأولى ما يقدر فيه لفظ: نسب، لوجوده في بعض الروايات (٢).

стр. 94

وأما قوله ﷺ : «ومن ادعى ما ليس له فليس منا»: (قال العلماء: معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا، كما يقول الرجل لابنه: لست مني) (١). وهذا عامٌّ لأنه يشمل من ادعى أبًا غير أبيه، كما يشمل من ادعى أي شيء له، فيدخل فيه جميع الادعاءات الباطلة، سواء كانت مالًا أو علمًا أو نسبًا أو قوة أو شرفًا أو حالًا أو صلاحًا أو نعمة أو ولاء أو غير ذلك (٢). ومن العقوبات أيضًا: أن المدعي ما ليس له يحصل له نقيض مطلوبه، فمن تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه وادعاه لنفسه وليس موصوفًا به، لم يحصل له من ذلك إلا نقيض مقصوده وهو النقص، فإن كان المدعى مالًا لم يبارك له فيه، أو علمًا أظهر الله جهله فاحتقره الناس، فقلَّ مقداره عندهم. وكذلك لو ادعى دينًا أو نسبًا أو غير ذلك فضحه الله وأظهر باطله، فقلَّ مقداره عند الناس، وذلَّ في نفسه فحصل على نقيض قصده، وهذا نحو قوله ﷺ : «من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها» (٣). ونحو قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﵊: «المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور» (٤)، رواه مسلم (٥).

стр. 95

وأما قوله: «ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك؛ إلا حار عليه»: قال النووي ﵀ (١): (هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي؛ كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر، فعلى هذا معنى باء بها، أي: بكلمة الكفر، وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت عليه، أي: رجع عليه الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى واحد. والوجه الثاني معناه: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. والوجه الرابع معناه: أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. والوجه الخامس: معناه: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافرًا، فكأنه كفَّر نفسه؛ إما لأنه كفَّر

стр. 96

من هو مثله، وإما لأنه كفَّر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم). من فوائد الحديث: الأول: فيه تحريم انتساب الرجل إلى غير أبيه واتخاذه أبا. الثاني: فيه تحريم ادعاء ما ليس له من الفضائل. الثالث: فيه تحريم تكفير الناس بغير برهان. الرابع: فيه أن من فعل ذلك رجعت عليه نقيصته لأخيه.

стр. 97

الحديث الخامس عشر: الحمو الموت عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ». متفق عليه (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها إياكم … تحذير بالغ، أي: احذروا غاية الحذر. الدخول على النساء … أي: الأجنبيات، على وجه الخلوة بهن. الحمو … أخو الزوج أو قريبه. الحمو الموت … أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، فهو محرم شديد التحريم، وهذا نحو قولهم: الأسد الموت، أي: أنه يفضي لقاؤه إلى الموت، والمراد موت الدين. وإنما بالغ بهذا التشبيه لتساهل الناس في ذلك حتى كأنه ليس بأجنبي، وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة؛ لأن موقع ذلك من الرجل ليس كموقعه من أمه؛ لأن ذلك قد استحكمت فيه النفرة العادية.

стр. 98

التعليق: اهتم الإسلام بالمحافظة على الأعراض والأنساب، فسد الذرائع التي تفضي إلى انتهاك الأعراض واختلاط الأنساب، ولذلك منع النبي ﷺ من دخول الرجال على النساء الأجنبيات على وجه الخلوة بهن، لأن فيه من المفاسد ما هو معلوم مشاهد لكل أحد، وقد وقعت كثير من جرائم الزنا، وانتهاك الأعراض، وتلويث الشرف والسمعة، بسبب التساهل في هذا الهدي النبوي الشريف، وفي الحديث: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» (١). قال الحافظ العراقي ﵀ (٢): (قوله: «إياكم والدخول»: هو بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور يجب الاحتراز عنه فقوله: «إياكم»: مفعول بفعل واجب الإضمار تقديره: اتقوا ونحوه. واستعمال مثل هذا اللفظ هنا يدل على تحذير شديد ونهي أكيد، وهو كقول العرب: إياك والأسد وإياك والشر. ثانيًا: فيه تحريم الدخول على النساء، وله شرطان: أحدهما: أن لا يكون الداخل زوجًا للمدخول عليها ولا محرمًا، ويدل له ما في صحيح مسلم (٣) عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم»، وإنما خص فيه الثيب بالذكر؛ لأنها التي يدخل عليها غالبًا، وأما البكر فمصونة في العادة، فهي أولى بذلك.

стр. 99

ثانيهما: أن يتضمن الدخول الخلوة، ويدل له ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة، إلا مع ذي محرم»، وهذا لفظ البخاري (١)، ولفظ مسلم (٢): «إلا ومعها ذو محرم». وما في صحيح مسلم (٣) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «ألا لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان»؛ على أن هذا مشكل على المشهور عند أصحابنا أنه تحرم خلوة الرجل بامرأتين فما فوقهما. قال النووي ﵀ (٤): (فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك، وقد أشار القاضي عياض ﵀ إلى هذا التأويل). انتهى. فلو دخل بحضور الزوج جاز ذلك، وإليه أشار بقوله في الرواية الأخرى: «على المغيبات» (٥): وهن اللاتي غاب عنهن أزواجهن، ولو كانت غيبتهن في البلد أيضًا من غير سفر، ويدل له قوله ﵊ في حديث الإفك: «وذكروا رجلًا صالحًا ما كان يدخل على أهلي إلا معي» (٦)، ولا يكفي إذنه من غير حضوره، ولا حضور محرم.

стр. 100

وأما ما رواه الترمذي (١) عن عمرو بن العاص ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهانا أو نهى أن يدخل على النساء بغير إذن أزواجهن»، فإنه محمول على ما إذا انتفت الخلوة المحرمة، والقصد منه توقف جواز الدخول على إذن الزوج وإن انتفت الخلوة؛ لأن المنزل ملكه، فلا يجوز دخوله إلا بإذنه، والمعنى في تحريم الخلوة بالأجنبية؛ أنه مظنة الوقوع في الفاحشة بتسويل الشيطان. وروى الترمذي (٢) عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا تلِجُوا على المغيَّبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم». وروى النسائي (٣) عن عمر ﵁ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما»، وقد حكى النووي وغيره الإجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية، وإباحتها بالمحارم. والمحرم: هي كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فقولنا: على التأبيد؛ احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن، ومن بنتها قبل الدخول بالأم. وقولنا: بسبب مباح؛ احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنهما حرام على التأبيد، لكن لا بسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بحل ولا حرمة ولا غيرهما؛ لأنه ليس فعل مكلف.

стр. 101

وقولنا: لحرمتها؛ احتراز عن الملاعنة، فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها؛ بل للتغليظ). وقال النووي ﵀ (١): (وأما قوله ﷺ : «الحمو الموت»، فمعناه: أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه والفتنة أكثر؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي. والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج، غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته، تجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وانما المراد الأخ وابن الأخ، والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه، فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث). من فوائد الحديث: أولًا: فيه الحرص على سلامة الأعراض والأنساب، ووضع الضوابط التي تمنع انتهاكها. ثانيًا: فيه دليل على تحريم الخلوة بالأجانب. ثالثًا: فيه الحذر من تساهل المرأة مع أقرباء زوجها ممن لا تحرم عليهم على التأبيد.

стр. 102

الحديث السادس عشر: ما مثلي ومثل الدنيا عَنْ عِكْرِمَةَ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ ﷺ : «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مَثَلِى وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ سَارَ في يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها أوثر … الوثير: الفِراشُ الوَطيء، وهو الكثيف، وكلّ وطيء وثير. صائف … شديد الحر، تقول: صيف صائف اتباع له وتأكيد، كما يقال: ليل لائل، ويوم صائف، أي، حار، وليلة صائفة. التعليق: وقد صدق ﷺ ، نسأل الله الرواح سالمين. قال ابن رجب ﵀ (٣): (وهذا إنما كان النبي ﷺ يفعله امتثالًا لما أمره الله به؛ ألّا يمدَّ عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعد عنها بكل

стр. 103

وجه، ولهذا قال: «مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها» (١). فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة، وخصوصًا في حال عباداته ومناجاته لله، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره، فإن ذلك كان هو قرة عينه). فكل أحد في الدنيا هذا شأنه، فإنه عن قريب سيرحل عنها، ولا يبقى له منها شيء إلا ما قدمه من عمل صالح. قال الطيبي في قوله ﷺ : «إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها»: (تشبيه تمثيلي، ووجه الشبه سرعة الرحيل، وقلة المكث، ومن ثمة خصَّ الراكب. قال عيسى ﵇: «يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟». قالوا: يا روح الله ومن يقدر؟، قال: «إياكم والدنيا لا تتخذوها قرارًا». والحديث تزهيدٌ في الدنيا وتحقيرٌ لها، وترغيبٌ في الآخرة، فإنها الحيوان (٢)، وإذا كان زهد فيها أفضل الخلائق الذي لو توسع لما خيف عليه ما يخاف على غيره، فغيره بالأولى) (٣).

стр. 104

حقيقة الزهد في الدنيا: بسط الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١) القولَ في حقيقة الزهد في الدنيا، وذكر أقوال العلماء في ذلك، فأجاد وأفاد ﵀، فكان مما قال: (فأما الزهد في الدنيا، فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذمِّ الرغبة في الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]. وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾، إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٣]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. وقد ذم الله من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته. والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدًّا، ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ مر بالسوق والناس كنفَيْه، فمر بجديٍ أسكٍّ (٢) ميتٍ، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟»،

стр. 105

فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟»، قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: «والله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (١). وفيه أيضًا عن المستورد الفهري، عن النبي ﷺ قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع» (٢). وخرَّج الترمذي من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٣). ومعنى الزهد في الشيء: الإعراض عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمة عنه، يقال: شيء زهيد، أي: قليل حقير. وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه، قال يونس بن ميسرة: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء (٤). ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب، لا من أعمال

стр. 106

الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في القلب. أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقال الحسن: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله (١). وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنًّا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم (٢). وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (٣). وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له

стр. 107

شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا (١). وقال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تَلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرصُ حريص، ولا يرده كراهة كاره، فإن الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمه- جعل الروحَ والفرحَ في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط» (٢). والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال، أو ولد، أو غير ذلك - أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين. وقد روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا» (٣). وهو من علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، كما قال علي ﵁: «من زهد الدنيا، هانت عليه المصيبات» (٤).

стр. 108

والثالث: أن يستوي عند العبد حامده وذامُّه في الحق، وهذا من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألَّا ترضي الناس بسخط الله» (١). وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم. وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم، كقول الحسن ﵁: «الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضل مني» (٢). وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها. ولهذا يقال: الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس، فهو الزاهد حقًّا. وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا ألّا تأسى على ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٣)، قال ابن السماك: (هذا هو الزاهد المُبرَّز في زهده) (٤).

стр. 109

وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها، وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق. وسئل الزهري عن الزاهد فقال: (من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره) (١)، وهذا قريب مما قبله، فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال، لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه. وقال ربيعة: (رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقِّها) (٢). قصر الأمل: وقال سفيان الثوري ﵀: (الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء) (٣). وقال: (كان من دعائهم: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تَزْوِها عنا، فتُرغِّبنا فيها) (٤).

стр. 110

وكذا قال الإمام أحمد: (الزهد في الدنيا: قصر الأمل، وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس) (١). ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله، بالخروج من الدنيا، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها، فمن قصُر أملُه، فقد كرِه البقاءَ في الدنيا، وهذا نهايةُ الزهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. أقسام الزهد في الدنيا: قال ابن رجب ﵀ (٢): (وقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا: فمنهم من قال: أفضل الزهد الزهد في الشرك، وفي عبادة ما عبد من دون الله، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي، ثم الزهد في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، كلاهما واجب، والثالث: ليس بواجب، فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك، ثم في المعاصي كلها. وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أن الله يراه فتركه (٣). وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزهد على ثلاثة وجوه: واحد: أن يخلص العمل لله والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا
следующие страницы →