← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال علي بن أبي طالب ﵁: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برٌّ أو فاجر، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وعمل الفاجر فيه إلى أجله) (١). وقال الحسن ﵁ في الأمراء: (هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن -والله- إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر) (٢). أما قوله: «وإن كان عبدًا حبشيًّا»: قال ابن دقيق العيد ﵀ (٣): (قال بعض العلماء: العبد لا يكون واليًا، ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن، كقوله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا كمفحص قطاة (٤)، بنى الله له بيتًا في الجنة» (٥). ومفحص قطاةٍ لا يكون مسجدًا، ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي ﷺ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا؛ تغليبًا لأهون الضررين، وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.

стр. 142

وقوله: «وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»: هذا من بعض معجزاته ﷺ ، أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر، وقد كان عالمًا به على التفصيل، ولم يكن بينه لكل أحد، إنما حذر منه على العموم، وقد بين ذلك لبعض الآحاد؛ كحذيفة ﵁ وأبي هريرة ﵁ وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما. وقوله: «فعليكم بسنتي»: السنة: الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح. وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، يعني، الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة بالإجماع: أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁، وعلي ﵁. وأمر ﷺ بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر. والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة). وقد جاء في بعض الأحاديث فضل السنن النوافل، والسنن النوافل مثل: السنن الرواتب، وقيام الليل، وصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشرواء ويوم عرفه … وغيرها كثير. وهذه السنن غير السنن التي في قوله ﷺ : «عليكم بسنتي»؛ لأن الثاني المقصود الدين كاملًا أو الملة. قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»: تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة.

стр. 143

والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (١) (٢). فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٣). فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه (٤). وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة (٥).

стр. 144

وروي عن أبي بن كعب ﵁، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر ﵁: قد علمت، ولكنه حسن (١). ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم (٢)، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده ﷺ ، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (٣). ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين ﵃ (٤)، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵃، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁. ومن ذلك: أذان الجمعة الأول، زاده عثمان ﵁ لحاجة الناس إليه، وأقره علي ﵁، واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه ﵁ في قيام رمضان.

стр. 145

ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت ﵁ وقال لأبي بكر ﵁ وعمر ﵁: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي (١)، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح. وكذلك جمع عثمان ﵁ الأمةَ على مصحفٍ واحدٍ وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي ﵁ وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة. وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر ﵁ وغيره حتى بين له أبو بكر ﵁ أصله الذي يرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك (٢).

стр. 146

من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث فضل الوعظ والتذكير وحرص النبي ﷺ على ذلك مع أصحابه. ثانيًا: فيه أن بلاغة الموعظة والصدق فيها أبلغ في تأثيرها في النفوس. ثالثًا: فيه أن الوصية بتقوى الله هي أولى ما يوصى به، لما في الالتزام بها من حصول خيري الدنيا والآخرة. رابعًا: فيه الوصية بطاعة أولي الأمر في المعروف لما في ذلك من تماسك أمر الأمة وقوتها وتفرغها لمواجهة أعدائها. خامسًا: في الحديث إشارة إلى الفتن التي ستحدث بعد وفاة النبي ﷺ والاختلاف في هذه الأمة. سادسًا: فيه الأمر بالتمسك بالسنة وبخاصة عند الفتن والاختلاف. سابعًا: فيه الأخذ بهدي الخلفاء الراشدين وتقديم أقوالهم على أقوال غيرهم من الصحابة. ثامنًا: فيه التحذير من البدع والمحدثات في الدين.

стр. 147

الحديث العشرون: اللهم احفظني بالإسلام قائمًا عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تشمت بي عدوًّا ولا حاسدًا، اللهم أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك» (١). التعليق: جاء في صحيح ابن حبان، والدعوات الكبير للبيهقي سبب ورود هذا الحديث؛ فقد روَيَا عن هاشم بن عبد الله بن الزبير ﵁، أن عمر بن الخطاب ﵁، أصابته مصيبة، فأتى رسول الله ﷺ فشكا إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسق (٢) من تمر، فقال رسول الله ﷺ : «إن شئت أمرت لك بوسق، وإن شئت علمتك كلمات هي خير لك منه»، قال: علمنيهن ومر لي بوسق؛ فإني ذو حاجة إليه، فقال: «أفعل»، وقال: «قل: اللهم احفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوًّا حاسدًا، وأعوذ بك من شر ما أنت آخذ بناصيته، وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله» (٣).

стр. 148

قال الصنعاني ﵀ (١): (قوله: «اللَّهم احفظني بالإِسلام قائمًا»، أي: احفظني بمصاحبة الإِسلام في حال قيامي. «واحفظني بالإِسلام قاعدًا»، مثله. «واحفظني بالإِسلام راقدًا» (٢)، واحفظني عن الأسواء في هذه الأحوال بسبب الإِسلام لك والانقياد. «ولا تشمت بي» (٣)، في القاموس (٤): شمِت كفرِح شماتًا وشماتة: فرح ببلة العدو، أي: لا تُفرح «عدوًّا لي» ببلية أقع فيها «ولا حاسدًا». وهو دعاء بأن يحفظه من أن يحلَّ به بلية. «اللَّهم إني أسألك من كلِّ خير خزائنُه» مبتدأ «بيدك» خبره «وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك» وقد علم أن خزائن الأمر بيده تعالى فهو عام لخير الدارين). أنواع الحفظ: ويجب على الإنسان أن يحفظ حدود الله ليحفظه الله في دينه ودنياه، لأن الجزاء من جنس العمل، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ

стр. 149

بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال النبي ﷺ : «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (١). قال الإمام ابن رجب ﵀ (٢): (وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله: قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال ابن عباس ﵁: (هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلُّوا عنه) (٣). وقال علي ﵁: (إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاء القدر خلَّيا بينه وبينه، وإن الأجل جُنَّةٌ حصينة) (٤). وقال مجاهد ﵀: (ما من عبد الا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه) (٥). وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن عمر ﵄، قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو

стр. 150

والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي، وآمن روعتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» (١). ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله. كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله (٢)، فوثب يومًا وثبة شديدة، فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيفٌ ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره (٣). وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، أنهما حفظا بصلاح أبيهما. قال سعيد بن المسيب ﵁ لابنه: (لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]) (٤).

стр. 151

وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه، وعقب عقبه) (١). وقال ابن المنكدر: (إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر) (٢). ومتى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله، فإن الله يحفظه في تلك الحال. وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ ، قال: «كانت امرأة في بيت، فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزة وصِيصِيَتَها كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصِيصِيَتَها، فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزًا من غنمي وصيصيَتي، وإني أنشدك عنزي وصيصيَتي»، قال: وجعل رسول الله ﷺ يذكر شدةَ مناشدتها ربها ﵎، قال رسول الله ﷺ : «فأصبحت عنزها ومثلها، وصِيصيَتُها ومثلُها» (٣). والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وينسج. فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه، فقد ضيع نفسَه، والله الغني عنه.

стр. 152

من عجيب حفظ الله: ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه؛ أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى، كما جرى لسفينة مولى النبي ﷺ حيث كسر به المركب، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسد، فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أوقفه عليها، جعل يُهمهِم كأنه يودعُه، ثم رجع عنه (١). ورئي إبراهيم بن أدهم نائمًا في بستان، وعنده حيةٌ في فمها طاقة نرجسٍ، فما زالت تذبُّ عنه حتى استيقظ (٢). وعكس هذا أن من ضيع الله، ضيعه الله، فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السلف: (إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي) (٣). النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه على الإيمان. قال بعض السلف: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شُمَّ رأسه، قال:

стр. 153

أجد في رأسه القرآن، قال: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شم قدميه قال: أجد في قدميه القيام، قال: حفظ نفسه، فحفظه الله (١). وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ أنه أمره أن يقول عند منامه: «إن قبضت نفسي، فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (٢). وفي حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ علمه أن يقول: «اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تطع في عدوًّا ولا حاسدًا» (٣). خرجه ابن حبان في صحيحه. وكان النبي ﷺ يودِّع من أراد سفرًا، فيقول: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» (٤). وكان يقول: «إن الله إذا استودع شيئًا حفظه» (٥). خرجه النسائي وغيره. وفي الجملة: فإن الله يحفظ على المؤمن الحافظ لحدود دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارهًا له، كما قال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].

стр. 154

قال ابن عباس ﵁: في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار (١). وقال الحسن ﵁ وذكر أهل المعاصي-: هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم (٢). وقال ابن مسعود ﵁: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النارَ، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير يقول: سبقني فلان دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله (٣). وخرجه الطبراني من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «يقول الله : إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت عليه أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصحَحْته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من يطلب بابا من العبادة، فأكفه عنه، لكيلا يدخله العجب، إني أدبر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير» (٤).

стр. 155

من فوائد الحديث: الأول: في الحديث أهمية الدعاء في حفظ النفس، وحصول كل محبوب وتوقي كل مكروه. الثاني: فيه أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم على الإطلاق؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسأل اللَّه تعالى أن يتمّ عليه هذه النعمة في كافة أحواله. الثالث: فيه استحباب سؤال الله ألا يجعل عدوه يفرح ببلية تنزل عليه، ولا حاسدًا يتمنى زوال نعمته، فيسوء عيشه. الثالث: فيه سؤال اللَّه تعالى من كل أنواع الخير، وأقسامه المخزونة عنده جل وعلا، ما علمناها، وما جهلناها. الرابع: فيه الاستعاذة بالله من كل الشرور وأنواعها، مما أعلمها، ومما لا أعلمها.

стр. 156

الحديث الحادي والعشرون: من تعلق شيئًا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى، أخيه، قال: دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني، أعودُه وبه حُمْرةٌ، فقلنا: ألا تعلِّق شيئًا؟ قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي ﷺ : «من تعلق شيئًا وُكل إليه» (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها أعوده … أزوره زيارة مريض. حُمْرة … مرض جلدي حاد، قال الأَزهري: (الحُمْرَةُ من جنس الطواعين) (٢). ألا تعلق شيئًا … أي: من التعاويذ. من تعلَّق شيئًا … أي: من علق على نفسه شيئًا من التعاويذ والتمائم وأشباهها معتقدًا أنها تجلب إليه نفعًا أو تدفع عنه ضرًّا. وُكِل إليه … أي: خُلي إلى ذلك الشيء وترك بينه وبينه. التعليق: في الحديث النهي عن تعلق شيء من التمائم والحروز رجاء النفع ودفع الضر،

стр. 157

وفي الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق ودَعَةً فلا ودَع اللهُ له» (١). قال السيد الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي ﵀ (٢): (إن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله تعالى وصفاته. فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول ابن عمرو بن العاص ﵁، وهو ظاهر ما روي عن عائشة ﵂، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد ﵀ في رواية، وحملوا الحديث يعني حديث ابن مسعود ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم التولة شرك» (٣)؛ على التمائم التي فيها شرك. وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال: ابن مسعود ﵄ وابن عباس ﵄ وهو ظاهر قول حذيفة ﵁ وعقبة بن عامر ﵁ وابن عكيم ﵁، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: أصحاب ابن مسعود ﵄ وأحمد ﵀ في رواية اختارها كثير من أصحابه. وجزم به المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.

стр. 158

قال بعض العلماء: وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة، تظهر للمتأمل: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم. الثاني: سد الذريعة فإن يفضي إلى تعليق من ليس كذلك. الثالث: أنه إذا علَّق فلا بد أن يمتهنه المعلِّق؛ بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك. قال: وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف، يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة؛ من تعظيم القبور، واتخاذها مساجد، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حقُّ الله تعالى إليها من دونه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧]، ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر. انتهى. قلت: غربة الإسلام شيء، وحكم المسألة شيء آخر، والوجه الثالث المتقدم لمنع التعليق ضعيف جدًّا، لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة، ثم يعلقها (١). والراجح في الباب: أن ترك التعليق أفضل في كل حال، بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم، بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت، لأن التقوى لها مراتب، وكذا في الإخلاص، وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى، والمحصِّلون لها أقلّ.

стр. 159

ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب أنهم: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون» (١)؛ مع أن الرُّقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب، والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفًا مما فيه بأس). انتهى كلامه بلفظه. قال أبو الحسن المباركفوري ﵀ (٢): (وزاد بعضهم وجهًا رابعًا: وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به، فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا، وإنه لتذكرة للمتقين، ولم ينزل القرآنُ ليتخذ حجُبًا وتمائم، ولا ليتلاعب به المتأكِّلون به، الذين يشترون به ثمنًا قليلًا، والذين يقرؤونه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرَّأ رؤساء المسلمين على ترك الحكم به). أما من تعلق شيئًا، واعتقد أن الشفاء من هذا الشيء لا من الله تعالى فلا شك أن هذا محرم، لأنه نوع من الشرك. قال الحسين بن محمود المظهري ﵀ (٣): (قوله: «مَنْ تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه»؛ يعني: مَنْ تمسَّك بشيءٍ من المداواة، واعتقد أن الشفاءَ منه لا من الله تعالى لم يَشفِه الله، بل وُكِلَ شفاؤُه إلى ذلك الشيء، وحينَئذٍ لا يحصل شفاؤُه؛ لأن الأشياءَ لا تنفعُ ولا تضرُّ بغير أمر الله تعالى، ولذلك مَنْ اعتقد حصولَ الرزق أو دفعَ البلاء أو تحصيلَ مطلوبٍ من شيءٍ بغير أمر الله تعالى فهو داخلٌ في هذا الحديث).

стр. 160

من فوائد الحديث: الأول: في الحديث التزام السلف بما حث عليه النبي ﷺ من فضائل، ومن ذلك عيادة المرضى، فقد قال النبي ﷺ : «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» (١). الثاني: في الحديث تفاوت السلف في العلم، وأن بعض المسائل المهمة كانت تخفى على بعضهم، فإذا عرفوها عملوا بها. الثالث: فيه النهي عن التعالاق وكراهتهم لما نهى عنه النبي ﷺ وأن الموت أحب إليهم من اقترافه.

стр. 161

الحديث الثاني والعشرون: من أصبح منكم معافى عن سلمة بن عبيد الله بن مِحْصَنٍ الخطْميِّ، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم معافًى في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها آمنًا في سِربه … بكسر السين على الأشهر، أي: في نفسه، وقيل: في نفسه وأهله، وروي بفتحها؛ أي: في طريقه ومسلكه، وقيل: بفتحتين (سَرَبه)؛ أي: في بيته. فكأنما حيزت له الدنيا … أي: ضُمَّت وجمعت. بحذافيرها … بجوانبها، إذ ليس مع من نال الدنيا بجوانبها سوى هذه الثلاث. التعليق: في هذا الحديث إشارة إلى أصول النعم الدنيوية وهي: أولًا: نعمة الصحة والعافية. ثانيًا: نعمة الأمن.

стр. 162

ثالثًا: نعمة المال والاستغناء عن الناس. فمن جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه ونفسه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أنلا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها؛ بأن يصرفها طاعة المنعم لا في معصية، ولا يفتر عن ذكره، قال نفطويْه: إذا ما كساك الدهرُ ثوب مَصَحَّةٍ … ولم يخل من قوتٍ يُحَلَّى ويعذُب فلا تغبطنَّ المترفين فإنه … على حسب ما يعطيهم الدهرُ يسلبُ وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى (١). أما نعمة الصحة فهي نعمة عظيمة ينبغي أن يستثمرها الإنسان في طاعة الله ورضوانه، ولذلك قال النبي ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ» (٢). فهذه النعمة مما يسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة، ويطالب بها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. وخرج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم، فيقول له: ألم نُصِح لك جسمَك، ونَرْويك من الماء البارد؟» (٣).

стр. 163

وقال ابن مسعود ﵄: (النعيم: الأمن والصحة) (١)، وروي عنه مرفوعًا (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: (النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد: فيما استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٣) (٤). وأما نعمة الأمن، فمن أعظم أسباب تحقيقها هو الإيمان بالله تعالى ومتابعة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. فهذا وعد من الله لأهل الإيمان بالأمن التام الذي ليس بعده خوف، وهذا إنما يكون يوم القيامة، أما في الدنيا فقد يتحقق الأمن لأهل الإيمان وقد يتخلف عنهم، وقد يتحقق في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وكلما

стр. 164

توافرت الشروط وانتفت الموانع تحقق لهم الأمن، وكلما تخلفت الشروط وتحققت الموانع، فقد الأمن وضاعت الحقوق والمصالح، وحصل القلق والخوف والفوضى، وتسلط الظلمة على الناس، وحصل السلب والنهب، وسفكت الدماء، وانتهكت الأعراض إلى غير ذلك من مظاهر فقد الأمن للمجتمع. فلا يأمن الإنسان على نفسه وهو في بيته، ولا يأمن على أهله وحرمته، ولا يأمن على ماله، ولا يأمن وهو في الشارع أو في المسجد أو في مكتبه ومحل عمله، لا يأمن في أي مكان إذا زالت نعمة الأمن عن المجتمع. ولذلك ينبغي شكر هذه النعمة إذا تحققت، والعمل على تثبيتها واستمرارها. وأما نعمة الاستغناء عن الناس: فهي نعمة عظيمة، فإن سؤال الناس مذلة، وعز المؤمن في استغنائه عن الناس، كما في حديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (١). وقد أرسى النبي ﷺ قيمة الاستغناء عن الناس، في نفوس أصحابه، فكان يبايعهم على ألا يسأل أحدهم الناس شيئًا؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة؛ فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديث عهد ببيعة. فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله.

стр. 165

ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا -وأَسَرَّ كلمةً خفية- ولا تسألوا الناس شيئًا». قال عوف بن مالك: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه (١). ولا يستطيع الإنسان الاستغناء عن الناس إلا إذا كان يمتلك قوته وقوت عياله، فالمال لا يذم مطلقًا بل قد يمدح، لأنه يغني المرء عن مذلة السؤال، وينفق في طاعة الله وفي مشاريع الخير، ويتصدق به على الفقراء والمساكين، وتستنقذ به رقاب الناس، وقد قال النبي ﷺ لعمرو بن العاص ﵁: «يَا عَمْرُو، نِعْم الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (٢). قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٣): (والمقصود: أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وطلب منهم الشكر، ورضي به منهم. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم، حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها (٤)، كما خرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن غنام

стр. 166

﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته» (١). وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ﵀ إليه: إني بأرض قد كثرت فيها النعم، حتى لقد أشفقت على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر ﵀: إني قد كنت أراك أعلم بالله مما أنت، إن الله لم ينعم على عبد نعمة، فحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، إلى قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٧٤]، وأي نعمة أفضل من دخول الجنة؟ (٢). وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بعض العلماء أنه صوب هذا القول: أعني قول من قال: (إن الحمد أفضل من النعم) (٣). وعن ابن عيينة أنه خطأ قائله، قال: (ولا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب (٤). ولكن الصواب قول من صوبه، فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية

стр. 167

والرزق والصحة، ودفع المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمة من الله، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده، فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر، كانت بلية، كما قال أبو حازم: (كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية) (١). فإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحب إلى الله منها، فإن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها (٢). والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحب إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبا للثناء، والله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح العبد وفلاحه وكماله فيه. ومن فضله أنه نسب الحمد والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكُه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك، ومن هنا

стр. 168

يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا: «الحمد لله حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئُ مَزيدَه» (١). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث فضل الصحة والمعافاة في الأبدان، وأنها من أعظم النعم. ثانيًا: فيه فضل الأمن والاستقرار وعدم الخوف وأن ذلك من أعظم النعم. ثالثًا: فيه فضل الاستغناء عن الناس ولو بالقليل، وأنه من أعظم النعم. رابعًا: فيه أن نعم الدنيا وملذاتها لا تخرج عن هذه الثلاثة. خامسًا: فيه حث على النظر والتأمل في النعم التي يتمتع بها الإنسان وقد لا يشعر بها لاعتياده عليها، فإذا فقدها علم قدرها، وفي هذا الزمان رأينا ذلك رأي العين بعد أن ضرب العالم وباء كورونا، فأدركنا كثيرًا من النعم التي حرمنا منها بسبب هذا الوباء، منها نعمة المساجد وصلاة الجماعة متلاصقين لا يخشى أحدنا من الآخر، ونعمة لقاء الناس والجلوس معهم، بل ونعمة الزحام الذي كنا نشكو منه في الحج والعمرة، وغير ذلك من النعم التي ما كنا نعدها شيئًا، فلما فقدناها علمنا قدرها.

стр. 169

الحديث الثالث والعشرون: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ». رواه البخاري (١). ورواه مسلم (٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها حُجبت … سُترت. الشهوات … الملذات التي منع الشرع من تعاطيها أو التي قد تؤدي إلى ترك الواجبات أو الوقوع في المحرمات. بالمكاره … المشاق التي تستلزمها الطاعات وترك المحرمات. حُفَّت … بالحاء المهملة وتشديد الفاء من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات، فكانت الشهوات سببًا لدخول النار، وكانت المكاره سببًا لدخول الجنة.

стр. 170

التعليق: معنى الحديث: أن من يريد الجنة فعليه أن يُكره نفسه على أعمال الطاعات والخير، ومن يريد النجاة من النار، فعليه أن يبتعد عن الشهوات المحرمة، فإنها موصلة إلى النار والعياذ بالله. قال النووي ﵀ (١): (قال العلماء هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها ﷺ من التمثيل الحسن. ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات. فأما المكاره: فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك. وأما الشهوات التي النار محفوفة بها: فالظاهر أنها الشهوات المحرمة، كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية، والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك. وأما الشهوات المباحة، فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا). ولذة الشهوات زائلة لا تبقى، وإنما يبقى إثمُها وعارها. قال عباس الدوري ﵀: (كان بعض أصحابنا يقول: كان سفيان الثوري كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:

стр. 171

تفنى اللذاذةُ ممن نال صفوتَها … من الحرام ويبقى الوزرُ والعارُ تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتها … لا خير في لذةٍ من بعدها النار وقال الحسين بن مطير: ونفسَك أكرم عن أمورٍ كثيرةٍ … فما لك نفسٌ بعدَها تستعيرُها ولا تقرب المرعَى الحرامَ فإنما … حلاوتُه تفنى ويبقى مريرُها وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى). وروى الخرائطي عن مالك بن دينار قال: بينا أنا أطوف، إذ أنا بجارية متعبدة، متعلقة بأستار الكعبة، وهي تقول: يا رب كم من شهوةٍ ذهبت لذتُها وبقيت تبعتُها، أيا رب! أما لك أدبٌ إلا النار، فما زال مقامها حتى طلع الفجر، فلما رأيت ذلك، وضعت يدي على رأسي خارجًا أقول: ثكلت مالكًا أمُّه؛ جويرية منذ الليلة قد بطَّلتْه!! (١). وطائفةٌ بالبيتِ والليلُ مظلمٌ … تقولُ ومنها دمْعُها يتسجَّمُ أيا ربِّ كم من شهوةٍ قد رزئتُها … ولذة عيشٍ حبلُها يتصرَّمُ أما كان يكفي للعبادِ عقوبةً … ولا أدبًا إلا الجحيمُ المضرَّمُ فما زال ذاك القول منها تضرعًا … إلى أن بدا فجرُ الصباح المقدَّمٌ فشبكت مني الكفَّ أهتف خارجًا … على الرأس أُبدي بعضَ ما كنت أكتُمُ وقلت لنفسي إذا تطاولَ ما بها … وأعيا عليها ورْدُها المتغنَّمُ

стр. 172

ألا ثكلتْك اليوم أمُّك مالكا … جويريةٌ ألهاك منها التكلُّمُ فمازلت بطالا بها طولَ ليلةٍ … تنال بها حظًّا جسيمًا وتغنَمُ) (١) وأما الطاعات والمكاره، فإن تعبها يزول، ويبقى أجرها وثوابها حتى يدخل صاحبها الجنة، وفي الحديث عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (٢). من فوائد الحديث: أولًا: أنَّ الجنة لا تُنال إلا بالصبر على المكاره، ولذلك كان السلف ﵏ لا يحبون البقاء في الدنيا إلا لمكابدة الطاعات، وكانوا يجدون في ذلك أعظم اللذة والنعيم. وروى ابن المبارك في الزهد أن أبا الدرداء ﵁ قال: (لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر) (٣).

стр. 173

ثانيًا: أنَّ النَّار لا يُنْجَى منها إلا بفطام النفس عن الشهوات المحرمة، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. قال البغوي ﵀ (١): (أي المعاصي وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال وهب: الغي: نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه، وقال ابن عباس ﵄: الغي: واد في جهنم وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق ولشاهد الزور). فالشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة. فالزنى -والعياذ بالله- شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيرًا، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سببًا لدخوله النار (٢).

стр. 174

الحديث الرابع والعشرون: مثل طائفتان عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». معاني الكلمات (١): الكلمة … معناها غيث … الغيث: هو المطر، وإنما اختار الغيث من بين سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق حينئذ إليه ﷺ كاضطرارهم إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]. طائفة … أي: قطعة من الأرض. الكلأ والعشب الكثير … العشب والكلأ والحشيش، كلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب.

стр. 175

أجادب … من الجدب واليبس، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء. قيعان … جمع: قاع، وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في هذا الحديث، كما صرح به ﷺ ، ويجمع أيضًا على: أقوع وأقواع. فقُه … أي: صار فقيهًا. التعليق: هذه أمثال ضربت: فالأول: لمن يقبل الهدى ويعلم غيره فينتفع وينفع. والثاني: لمن ينفع غيره بالعلم ولا ينتفع. والثالث: لمن لا ينفع ولا ينتفع. ويحتمل أن يشار بالطائفة الأولى إلى العلماء بالحديث والفقه، فإنهم حفظوا المنقول واستنبطوا، فعم نفعُهم. ويشار بالطائفة الأخرى إلى من نقل الحديث ولم يفهم معانيه ولا تفقه، فهو يحفظ الألفاظ وينقلها إلى من ينتفع بها. ويشار بالقيعان إلى من لم يتعلق بشيء من العلم (١). قال ابن القيم ﵀ في مفتاح دار السعادة (٢): (شبه ﷺ العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر.

стр. 176

وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر، لأنها المحلُّ الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته. ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه، وفهم معانيه، واستنباط أحكامه، واستخراج حِكَمه وفوائده: أحدها: أهل الحفظ والفهم، الذين حفظوه وعقلوه، وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبِلت الماء، وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط، فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء، أهل الرواية والدراية. القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه، ولا استنباطًا ولا استخراجًا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه، ولم يرزق فيه فهمًا خاصًّا عن الله، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إلَّا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه) (١). والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله ﷺ أعظم تفاوت، فرُب شخص يفهم من النص حكمًا أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فانتفعوا به، هذا

стр. 177

يشرب منه، وهذا يسقي وهذا يزرع، فهؤلاء القسمان هم السعداء والأولون أرفع درجة وأعلى قدرًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه لا حفظًا ولا فهمًا، ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء، وهؤلاء هم الأشقياء. والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبِله، ووصل إليه، فهذا يَعلم ألفاظَ القرآن ويحفظها، وهذا يعلِّم معانيه وأحكامه وعلومه. والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسًا، ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار. فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم، وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد. وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر، بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث. قال الإمام أحمد ﵀: الناس محتاجون الى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس (١).

стр. 178

وقد قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]، شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله ﷺ بالماء الذي أنزله من السماء؛ لما يحصل لكل واحد منهما من الحياة، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ثم شبه القلوب بالأودية؛ فقلبٌ كبير يسع علمًا كثيرًا، كوادٍ عظيم يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغير إنما يسع علمًا قليلًا، كوادٍ صغير إنما يسع ماء قليلًا، فقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته، فإنه يستخرج منها زبدَ الشبهاتِ الباطلة، فيطفو على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبدًا يعلو فوق الماء. وأخبر سبحانه أنه رابٍ يطفو ويعلو على الماء، لا يستقر في أرض الوادي، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم، ربت فوق القلوب وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق، كما يستقر في الوادي الماء الصافي، ويذهب الزبد جُفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون. ثم ضرب سبحانه لذلك مثلًا آخر فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يعني: أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه، وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها، فإنه يقذف ويلقى به، ويستقر الجوهر الخالص وحده.

стр. 179

وضرب سبحانه مثلًا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة، ومثلًا بالنار لما فيها من الإضاءة والإشراق والإحراق، فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الارض بالماء، وتحرق خبثها وشبهاتِها وشهواتِها وسخائمَها، كما تحرق النار ما يلقى فيها، وتميز جيِّدَها من زبدِها، كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه. فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر والعلم قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. من فوائد الحديث: أولًا: في هذا الحديث إشارة إلى وظيفة الرسول ﷺ وسبب بعثته، وهو هداية الخلق وتعليمهم ما ينفعهم وينجيهم. وقد كانت الناس قبل بعثته ﷺ في جهل وضلال، امتحنوا بموت القلب، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، وأغاثهم به ﷺ فأرسله إليهم رحمة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أي: لجميع الخلق: للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب، فهداهم به، وأزال ضلالهم، وعلم جاهلهم، وقوَّم مائلهم، وأحيا قلوبهم الميتة به، كما أحيا الأرض الميتة بالغيث المرسل إليها، وهذا يدل على شرفه وعلو قدره ﷺ عند الله (١). ثانيًا: فيه دلالة على أن حياة القلوب لا تكون إلا بالعلم، وأن العلم للقلوب

стр. 180

بمنزلة الحياة للأبدان، لأن المطر يمثل الحياة، بل إن حاجة الإنسان للعلم أعظم من حاجته إلى المطر. ثالثًا: فيه إشارة إلى شرف العلم والتعليم وعظيم موقعه، وأن المشتغل به مشتغل بما اشتغل به الرسل ﵈. رابعًا: فيه إشارة إلى اختلاف عقول الناس وفهومهم، فمنهم الذي يحفظ الألفاظ، ولا يجتهد في فهم المعاني، ومنهم الذي يفهم المعاني، دون حفظ الألفاظ، ومنهم من جمع بين الحسنيين. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله، لكن لم يفقه منه شيئًا، وإنما هو راوية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان، القسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان -والعياذ بالله- كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئًا للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به). خامسًا: فيه إشارة إلى شقاء من لم ينتسب إلى أهل العلم، لا تعلمًا ولا حفظًا ولا تعليمًا، وأنه بمنزلة من لم يقبل ما جاء به النبي ﷺ من الهدى والرشاد.
следующие страницы →