← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر، لأنها المحلُّ الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته. ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه، وفهم معانيه، واستنباط أحكامه، واستخراج حِكَمه وفوائده: أحدها: أهل الحفظ والفهم، الذين حفظوه وعقلوه، وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبِلت الماء، وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط، فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء، أهل الرواية والدراية. القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه، ولا استنباطًا ولا استخراجًا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه، ولم يرزق فيه فهمًا خاصًّا عن الله، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إلَّا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه) (١). والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله ﷺ أعظم تفاوت، فرُب شخص يفهم من النص حكمًا أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فانتفعوا به، هذا

стр. 177

يشرب منه، وهذا يسقي وهذا يزرع، فهؤلاء القسمان هم السعداء والأولون أرفع درجة وأعلى قدرًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه لا حفظًا ولا فهمًا، ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء، وهؤلاء هم الأشقياء. والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبِله، ووصل إليه، فهذا يَعلم ألفاظَ القرآن ويحفظها، وهذا يعلِّم معانيه وأحكامه وعلومه. والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسًا، ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار. فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم، وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد. وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر، بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث. قال الإمام أحمد ﵀: الناس محتاجون الى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس (١).

стр. 178

وقد قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]، شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله ﷺ بالماء الذي أنزله من السماء؛ لما يحصل لكل واحد منهما من الحياة، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ثم شبه القلوب بالأودية؛ فقلبٌ كبير يسع علمًا كثيرًا، كوادٍ عظيم يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغير إنما يسع علمًا قليلًا، كوادٍ صغير إنما يسع ماء قليلًا، فقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾. هذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته، فإنه يستخرج منها زبدَ الشبهاتِ الباطلة، فيطفو على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبدًا يعلو فوق الماء. وأخبر سبحانه أنه رابٍ يطفو ويعلو على الماء، لا يستقر في أرض الوادي، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم، ربت فوق القلوب وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى، فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من الهدى ودين الحق، كما يستقر في الوادي الماء الصافي، ويذهب الزبد جُفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون. ثم ضرب سبحانه لذلك مثلًا آخر فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يعني: أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه، وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها، فإنه يقذف ويلقى به، ويستقر الجوهر الخالص وحده.

стр. 179

وضرب سبحانه مثلًا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة، ومثلًا بالنار لما فيها من الإضاءة والإشراق والإحراق، فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الارض بالماء، وتحرق خبثها وشبهاتِها وشهواتِها وسخائمَها، كما تحرق النار ما يلقى فيها، وتميز جيِّدَها من زبدِها، كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه. فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر والعلم قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. من فوائد الحديث: أولًا: في هذا الحديث إشارة إلى وظيفة الرسول ﷺ وسبب بعثته، وهو هداية الخلق وتعليمهم ما ينفعهم وينجيهم. وقد كانت الناس قبل بعثته ﷺ في جهل وضلال، امتحنوا بموت القلب، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، وأغاثهم به ﷺ فأرسله إليهم رحمة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أي: لجميع الخلق: للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب، فهداهم به، وأزال ضلالهم، وعلم جاهلهم، وقوَّم مائلهم، وأحيا قلوبهم الميتة به، كما أحيا الأرض الميتة بالغيث المرسل إليها، وهذا يدل على شرفه وعلو قدره ﷺ عند الله (١). ثانيًا: فيه دلالة على أن حياة القلوب لا تكون إلا بالعلم، وأن العلم للقلوب

стр. 180

بمنزلة الحياة للأبدان، لأن المطر يمثل الحياة، بل إن حاجة الإنسان للعلم أعظم من حاجته إلى المطر. ثالثًا: فيه إشارة إلى شرف العلم والتعليم وعظيم موقعه، وأن المشتغل به مشتغل بما اشتغل به الرسل ﵈. رابعًا: فيه إشارة إلى اختلاف عقول الناس وفهومهم، فمنهم الذي يحفظ الألفاظ، ولا يجتهد في فهم المعاني، ومنهم الذي يفهم المعاني، دون حفظ الألفاظ، ومنهم من جمع بين الحسنيين. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله ﷺ ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس، ويليه من علم ولكن لم يفقه، يعني روى الحديث وحمله، لكن لم يفقه منه شيئًا، وإنما هو راوية فقط، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان، القسم الثالث: لا خير له، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي ﵊، ولكنه لم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان -والعياذ بالله- كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئًا للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به). خامسًا: فيه إشارة إلى شقاء من لم ينتسب إلى أهل العلم، لا تعلمًا ولا حفظًا ولا تعليمًا، وأنه بمنزلة من لم يقبل ما جاء به النبي ﷺ من الهدى والرشاد.

стр. 181

سادسًا: في هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول ﵊، وذلك بضرب الأمثال، لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية، أي: ما يدرك بالعقل يقربه ما يدرك بالحس، وهذا مشاهد؛ فإن كثيرًا من الناس لا يفهم، فإذا ضربت له مثلًا محسوسًا فهم وانتفع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]. فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم (١).

стр. 182

الحديث الخامس والعشرون: خالفوا المشركين عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها وفِّروا اللِّحى … أي: اتركوها موفَّرةً. أحفُوا الشوارب … قال الخطابيُّ: ويكون بمعنى الاستقصاء. يقال: أحفى شاربه ورأسه، وقال ابنُ دريد: يقال: حفَا شاربَه يحفوه حفوًا: إذا استأصل أخذ شعره. التعليق: كان النبي ﷺ يحبُّ مخالفةَ المشركين، ويخشى على أمته من التشبه بهم، واتباعهم في مظهرهم ومخبرهم. قال ابن عبد البر ﵀ (٣): (وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: «لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل، حتى إن أحدَهم لو دخل جُحر ضبٍّ لدخلتموه») (٤).

стр. 183

ومن ذلك الأمر بإعفاء اللحى وجزُّ الشوارب مخالفة للمشركين، وفي حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «جزُّوا الشواربَ، وأرْخوا اللحى خالفوا المجوس» (١). لأن المجوس كانوا يقصرون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها (٢). أما حكم حلق اللحية فقد قال السفاريني ﵀ (٣): (وحاصل ما ذهب إليه إمامنا وعلماؤنا: تحريم حلق اللحية. وقال أبو شامة من الشافعية: وقد حدَث قومٌ يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصُّونها. وقال الإمام النووي (٤): يستثنى من الأمر بإعفاء اللحى: ما لو نبت للمرأة لحية، فإنه يستحب لها حلقُها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة). وأما الأخذ من اللحية فقد ذهب أكثر العلماء إلى جواز الأخذ غير الفاحش من طولها وعرضها إذا كانت تطول عن العادة (٥). وقد اختلف السلف هل لذلك حدٌّ؛ فمنهم من لم يحدد شيئًا في ذلك، إلا

стр. 184

أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة (١). قال ابن حجر ﵀ (٢): (الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخصُّ هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة، بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه). وأما إحفاء الشوارب؛ فمن العلماء من فهم منه الحلق أو الاستقصاء في الأخذ، ومنهم من فهم منه القص، للحديث الوارد في سنن الفطرة، ومنها قصُّ الشوارب (٣). قال ابن دقيق العيد ﵀ (٤): (وقص الشارب مطلق، ينطلق على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، واستحب بعض العلماء إزالة ما زاد على الشفة، وفسروا به قوله ﷺ : «وأحفوا الشوارب» (٥)، وقوم يرون إنهاكَها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء، فإن اللفظ يدل على الاستقصاء، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات: «انهكوا الشواربَ» (٦).

стр. 185

والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان: أحدهما: مخالفة زي الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح، حيث قال: «خالفوا المجوس» (١). والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر الطعام). وقال الشوكاني ﵀ (٢): (وقد اختلف الناس في حدِّ ما يُقص من الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: «أحفوا وانْهَكوا» وهو قول الكوفيين. وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشاربِ مُثْلَةٌ. قال النووي ﵀: المختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية: «أحفوا الشوارب»، فمعناه: أحفوا ما طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ (٣): يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة. قال ابن القيم ﵀ (٤): وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصًا في هذا، وأصحابه

стр. 186

الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربَهما، ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي ﵀ (١). وروى الأثرم عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يحفي شاربه إحفاءً شديدًا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يُحفى (٢). وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس (٣). وقال أبو محمد: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه. وقد روى النووي في شرح مسلم (٤) عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث الأمر بمخالفة المشركين في هديهم الظاهر. ثانيًا: فيه الأمر بإطلاق اللحية والنهي عن حلقها. ثالثًا: فيه الأمر بإحفاء الشارب على الخلاف في معنى الإحفاء، هل هو القص أم الإزالة.

стр. 187

الحديث السادس والعشرون: قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ». رواه مسلم (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها أفلح … بمعنى: فاز ونجا. والكفاف … ما كفَّ عن الاحتياج وكفى. وقنعه الله … القناعة: الرضا بالكفاف وترك الشَّره إلى الازدياد. التعليق: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (٢): (حكم ﷺ بالفلاح لمن جمع هذه الخلال الثلاث. والفلاح: اسم جامع لحصول كلّ مطلوب محبوب، والسلامة من كلّ مخوفٍ مهوب. وذلك أنَّ هذه الثلاث جمعت خير الدين والدنيا، فإنَّ العبد إذا هدي للإسلام الذي هو دين الله، الذي لا يقبل دينًا سواه، وهو مدار الفوز بالثواب والنجاة من العقاب، وحصل له الرزق الذي يكفيه ويكفّ وجهه عن سؤال الخلق، ثمّ تمّم الله عليه النعمة، بأن قنَّعه بما آتاه، أي: حصل له الرضى بما أوتي من الرزق والكفاف، ولم تطمح نفسه لما وراء ذلك: فقد حصل له حسنة الدنيا والآخرة.

стр. 188

فإنَّ النقص بفوات هذه الأمور الثلاثة أو أحدها: إمّا ألَّا يُهدى للإسلام، فهذا مهما كانت حاله، فإنّ عاقبته الشقاوة الأبديّة، وإمّا بأن يُهدي للإسلام، ولكنّه يبتلى: إمّا بفقرٍ ينسي، أو غنى يطغي؛ وكلاهما ضرر ونقص كبير، وإمّا بأن يحصل له الرزق الكافي موسَّعًا أو مقدّرًا، ولكنّه لا يقنع برزق الله، ولا يطمئن قلبه بما آتاه الله: فهذا فقير القلب والنفس. فإنّه: ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى القلب (١)، فكم من صاحب ثروة وقلبه فقير متحسر، وكم من فقير ذات اليد، وقلبه غنيٌّ راض، قانع برزق الله. فالحازم إذا ضاقت عليه الدنيا لم يجمع على نفسه بين ضيقها وفقرِها، وبين فقر القلب وحسرته وحزنِه، بل كما يسعى لتحصيل الرزق فليسع لراحة القلب، وسكونه وطمأنينته. والله أعلم). وفي هذا الحديث مدح القناعة، وقيل هي: الاستغناء بالموجود، وترك للتشوف إلى المفقود. وقيل: الاستغناء بالحلال الطيب عن الحرام الخبيث. وقيل: أن يكتفي المرء بما يملك، ولا يطمع فيما لا يملك. وقيل: امتلاء القلب بالرضا، والبعد عن التسخّط والشكوى. وعن ابن عمر ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (٢).

стр. 189

قال أبو حاتم البستي ﵀ (١): (فقد أمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا، إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبةِ الإكثارَ من الثروة، بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا). قال أكثم بن صيفي لابنه (٢): (يا بني من لم يأسَ على ما فاته ودَّع بدنَه، ومن قنع بما هو فيه قرَّت عينُه). وأنشد علي بن محمد البسامي: من تمامِ العيش ما قرَّت به … عينُ ذي النِّعمةِ أثرى أو أقَلّ وقليلٌ أنت مسرورٌ به … لك خيرٌ من كثيرٍ في دغَل وأنشد ابن زنجي البغدادي: أقول للنفس صبرًا عند نائبة … فعسر يومِك موصولٌ بيسْر غدِ ما سرني أن نفسي غيرُ قانعةٍ … وأن أرزاقَ هذا الخلقِ تحتَ يدي قال أبو حاتم ﵀ (٣): (مِنْ أكثر مواهبِ الله لعباده وأعظمِها خطرًا القناعة، وليس شيء أرْوَح للبدن من الرِّضا بالقضاء، والثقة بالقسْم، ولو لم يكن في القناعة خصلةٌ تُحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال).

стр. 190

وعن محمد بن المنكدر قال: (القناعة مال لا ينفذ) (١). وقال محمد بن حميد الأكاف: تقنع بالكفاف تعش رخيًّا … ولا تبغ الفضولَ من الكفافِ ففي خبز القفار بغير أدمٍ … وفي ماء الفراتِ غنى وكاف وكل تزين بالمرء زين … وأزينُه التزينُ بالعفاف وأنشد محمد بن إسحاق الواسطي: الحمد لله حمدًا دائما أبدا … لقد تزين أهلُ الحرصِ والشّين لا زين إلا لراضٍ في تقلُّله … إن القنوعَ لثوبُ العزِّ والدين وأنشد عبد العزيز بن سليمان الأبرش: إذا المرءُ لم يقنع بعيشٍ فإنه … وإن كان ذا مالٍ من الفقر موقَرُ إذا كان فضلُ الناسِ يغنيك بينهم … فأنت بفضلِ الله أغنى وأيسرُ وقال ابن المبارك ﵀ (٢): (مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء). وقال أبو حاتم ﵁ (٣): (القناعةُ تكون بالقلب، فمن غني قلبُه غنِيَت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعْه غناه، ومن قنع ولم يتسخَّط عاش آمنا مطمئنًّا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائتِ نهايةٌ لرغبته، والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد).

стр. 191

ولقد أحسن الذي يقول: فما كل ما حاز الفتى من تلاده … بكيْسٍ ولا ما فاته بتوانِ بكيْسٍ ولا ما فاته بتوانِ … سيكفيكه جدانِ يصطرعان وعن المديني قال: (كان يقال: مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى، أكثر من مروءة الإعطاء). قال أبو حاتم ﵀ (١): (من نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعةٍ ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل، فمثله كمثل حمار السوء، الذي يعرج بخفةِ حِمْلِه، ويحزن إذا رأى العلفَ يُؤثر به ذو القوةِ والحمل الثقيل، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشرِه اللئيم أتعب قلبه وجسمه والكرام أصبر نفوسًا واللئام أصبر أجسادًا). وأنشد عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي: لعمرك ما الأرزاق من حيلة الفتى … ولا سببٌ في ساحة الحي ثاقب ولكنها الأرزاق تقسم بينهم … فما لك منها غير ما أنت شارب وقال الخليل بن أحمد (٢): إن لم يكن لك لحمٌ … كفاك خلٌّ وزيتُ إلَّا يكنْ ذا وهذا … فكسرةٌ وبُيَيْتُ تظلُّ فيه وتأوي … حتى يجيئَك موتُ هذا لعمري كفاف … فلا يغرّك ليتُ

стр. 192

وعن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قال: (القناعة) (١). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث إشارة إلى فضل الإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. ثانيًا: فيه فضل القناعة بالقليل، وأن ذلك نعمة من الله تعالى. والقناعة هي أول درجات الرضا، كما قال أبو سليمان الداراني ﵀: (الورع أول الزهد، كما أن القناعة أولُ الرضا) (٢). وإذا انحرف الإنسان عن القناعة انحرف: إما إلى حرصٍ وكلَبٍ، وإما إلى خسةٍ ومهانة وإضاعة (٣).

стр. 193

الحديث السابع والعشرون: جوامع الخيرات عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها نفس عن مؤمن … خفف عنه ووسع عليه. كربة … الكربة: الشدة العظيمة. يسَّر على معسرٍ … سهل عليه إن كان له دين عنده، أو سعى عند من له الدين في التيسير عليه. والمعسر: الفقير. والله في عون العبد … العون: النصرة.

стр. 194

يلتمس فيه علمًا … أي: يطلبُ. يتدارسونه بينهم … المدارسة مفاعلة، تصدق على من تلا شيئًا ورفيقه يستمع له، ثم يتلو رفيقه وهو كذلك، ويصدق على جماعة كلٌّ يتلو لنفسه على الاستقلال، والمفاعلة بمعنى فعل بينهم. السكينة … فعيلة من السُّكون والطمأنينة. وغشيتهم الرحمة … خالطتهم وعمَّتهم. وحفتهم الملائكة … أحاطت بهم، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]. بطأ به عمله … أخّره عن القرب من الله والتقرب إليه. التعليق: إن أبواب الخير كثيرة وطرق البر متعددة، ومن أفضل تلك الأبواب ما يتعلق بنفع العباد وتنفيس كربهم، والسعي في حوائجهم، وكشف الضر عنهم، فإن الخلق عيال الله، وخير الناس أنفعهم لعياله، وكذلك من أبواب البر الطاعات المقصور نفعها على صاحبها، كالصلاة والتلاوة والذكر ومدارسة القرآن، كل ذلك مما يقرب إلى الله ويرفع الدرجات. وقد ذكر النووي ﵀ في شرح مسلم (١) أن هذا الحديث: (حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب. ومعنى نفَّس الكربة: أزالها، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر؛ من علم أو مال أو معاونة، أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك،

стр. 195

وفضل الستر على المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وان كان هذا شرطًا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس، ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم. وقوله ﷺ : «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة»: قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض ﵀، وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار هو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه. ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الذي بعده فإنه مطلق (١) يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به. قوله ﷺ : «ومن بطَّأ به عملُه لم يُسرعْ به نسبُه»: معناه: من كان عمله ناقصًا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغى أن لايتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل).

стр. 196

من فوائد الحديث (١): الأول: فضيلة تنفيس الكُرب عن المؤمنين وأن ذلك يجازى عليه بجنسه من تنفيس كُرب الآخرة. والأصل والقياس أن الجزاء يكون من جنس العمل ثوابًا وعقابًا، كالتنفيس بالتنفيس، والستر بالستر، والعون بالعون في هذا الحديث، ونظائره كثيرة في أحكام الدنيا والآخرة. وإنما كان تنفيس الكرب مطلوبًا للشرع مثابًا عليه لأن الخلق عيال الله ، فتنفيس كربهم إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيد والملك يحب الإحسان إلى عياله وحاشيته والمحسن إليهم. وفي الأثر: «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أرفقهم بعياله» (٢). الثاني: فضيلة التيسير على المعسر، والجزاء عليه بحسبه في الآخرة كما مَرَّ في تنفيس الكربة. الثالث: فضيلة ستر عورة المسلم، والمكافأة عليها بجنسها كما مَرَّ، ولأن الله حَيِيٌّ كريم، وستر العورة من الحياء والكرم، ففيه تخلق بِخُلُق الله ، والله يحب التخلق بأخلاقه. الرابع: فضيلة عون الأخ على أموره والمكافأة عليها بجنسها من الإعانة الإلهية.

стр. 197

الخامس: أن سلوك طريق العلم يجازى عليه بتسهيل طريق إلى الجنة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن طلب العلم وتحصيله يرشد إلى سبيل الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة، وذلك بتسهيل الله له، وإلا فبدون لطفه وتوفيقه لا ينتفع بشيء من علم ولا غيره. والثاني: أنه يجازى على طلب العلم وتحصيله، بتسهيل دخول الجنة بقطع العِقَابِ (١) الشاقة دونها يوم القيامة، بأن يُسَهَّلَ عليه الوقوف في المحشر والجواز على الصراط ونحو ذلك. فإن قلت: قوله: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» عام في كل علم شرعي أو فلسفي، فلم خصصتموه بالعلم الشرعي؟ قلنا: بدليل قوله: «سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، والعلوم التي يطلب بها الجنة ويسهل بها طريقها هي الشرعية دون غيرها. السادس: أن الاجتماع في بيوت الله لمذاكرة الكتاب ومدارسته يجازى عليه بأشياء: أحدها: نزول السكينة عليهم لأنها الطمأنينة، وبذكر الله تطمئن القلوب، والمراد أنها تطمئن للإيمان حتى يفضي بها إلى الروضات في جوار الرحمن. الثاني: غشيان الرحمة لهم لأن ذكر الله تعالى إحسان، والرحمة إحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

стр. 198

الثالث: حفت الملائكة بهم لاستماع الذكر تعظيما للمذكور وإكراما للذاكر. الرابع: ذكر الله لهم فيمن عنده من الملائكة لقوله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه» (١). السابع: أن الإسراع إلى السعادة إنما هي بالأعمال، لا الأنساب لقول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقوله ﵊: «كلكم من آدم، وآدم من تراب» (٢)؛ ولأن الله خلق الخلق لطاعته، وهي المؤثرة لا غيرها ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. والله أعلم بالصواب.

стр. 199

الحديث الثامن والعشرون: لا يرد القضاء إلا الدعاء عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ». أخرجه الترمذي (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها القضاء … الأمر المقدر. التعليق: قال الطيبي ﵀ (٢): (في تأويل الحديث وجهان: أحدهما: أن يراد بالقضاء؛ ما يخافه العبد من نزول المكروه ويتوقاه، فإذا وُفق للدعاء دفع الله عنه، فتكون تسميتُه بالقضاء على المجاز. ويزيد توضيحه ما سئل ﷺ : أرأيت رقًى نسترقيها … إلى قوله: قال: «هي من قدر الله» (٣)؛ فقد أمر الله تعالى بالدعاء والتداوي، مع علم الخلق بأن المقدور كائن؛ لأن حقيقة المقدور وجودًا أو عدمًا مخفيةٌ عنهم. وثانيهما: أن يراد به الحقيقة، فيكون معنى ردِّ الدعاءِ القضاءَ، تهوينه وتيسير

стр. 200

الأمر فيه، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، ويؤيده الحديث التالي: «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل» (١). أما نفعه مما نزل عليه، فصبره عليه، وتحمله له، رضاه به، حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، وأما نفعُه مما لم ينزل، فهو أن يصرفه عنه، أو يمدُّه قبل النزول بتأييدٍ من عنده، حتى تخف معه أعباءُ ذلك إذا نزل به. قال أبو حامد الغزالي ﵀: (فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردَّ له؟ فاعلم أن من جملة القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن التُّرسَ سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، كذلك الدعاء والبلاء. وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألَّا يحمل السلاح، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ فقدر الله تعالى الأمر وقدَّر سببه. وفي الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب، والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة. قوله: «ولا يزيد في العمر إلا البر»: قيل: معناه إذا أبرَّ فلا يضيع عمرُه، فكأنه زاد. وقيل: يزاد في العمر حقيقةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].

стр. 201

وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب. وصورته: أن يكتب في اللوح المحفوظ: إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما، فبلغ الستين، فقد عُمِّر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نُقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون. وذكر نحوه في معالم التنزيل، ثم قال: فقيل للقائل: إن الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. إذا علم الله تعالى أن زيدًا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله أن تزيد أو تنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملَك الموت أو غيره ممن وكِّل بقبض الأرواح، وأمرَه بالقبض بعد آجالٍ محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره ذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وعلى ما ذُكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]).

стр. 202

والحاصل أن القضاء المعلَّق يتغير، وأما القضاء المُبرَم فلا يبدَّل ولا يغير (١). وقال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله (٢): (وأمَّا قوله ﷺ : «لا يَردُّ القضَاءَ إلاَّ الدعاءُ، ولا يزيد في العُمر إلاَّ البرُّ»؛ فلا يدلُّ على تغيير ما في اللَّوح المحفوظ، وإنَّما يدلُّ على أنَّ اللهَ قدَّر السَّلامةَ من الشرور، وقدَّر أسبابًا لتلك السَّلامة، والمعنى أنَّ اللهَ دفع عن العبد شرًّا؛ وذلك مقدَّرٌ بسببٍ يفعله وهو الدّعاء، وهو مقدَّرٌ، وكذلك قدَّر أن يطولَ عُمرُ الإنسان، وقدَّر أن يحصلَ منه سببُ لذلك، وهو البِرُّ وصلة الرَّحم، فالأسبابُ والمسبَّباتُ كلُّها بقضاء الله وقدره. وكذلك يُقال في قوله ﷺ : «مَنْ سرَّه أن يُبسَط له في رزقه أو يُنسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحِمَه» (٣)، وأجَلُ كلّ إنسان مُقدَّرٌ في اللوح المحفوظ، لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، كما قال الله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وكلُّ مَنْ مات أو قُتل فهو بأجله، ولا يُقال كما قالت المعتزلة: إنَّ المقتولَ قُطع عليه أجلُه، وأنَّه لو لَم يُقتَل لعاش إلى أجل آخر؛ فإنَّ كلَّ إنسان قدَّر الله له أجلًا واحدًا، وقدَّر لهذا الأجل أسبابًا، فهذا يموتُ بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموتُ بالقتل، وهكذا.

стр. 203

ولا يجوز الاحتجاجُ بالقدر على ترك مأمور ولا على فعل محظور، فمَن فعل معصيةً لها عقوبة محدَّدة شرعًا، واعتذر عن فعله بأنَّ ذلك قدَرٌ، فإنَّه يُعاقَبُ بالعقوبة الشرعية، ويُقال له: إنَّ معاقبتَك بهذه العقوبة قدَرٌ أيضًا). وقد ذكر العلماء التوفيق بين قوله ﷺ : «لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاء»، وقوله ﷺ : «وَإِنَّ رَبِّي قَال: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاء فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ» (١)، قالوا: (ويرتفع الإشكال بأن يقال إن القضاء الذي لا يرده دعاء ولا غيره هو الذي سبق علم الله تعالى بأنه لا بد من وقوعه والقضاء الذي يردُّه الدعاء أو صلة الرحم؛ هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والله أعلم) (٢). ولذلك فقولهم: (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء؛ بل أسألك اللطف فيه)، خطأ. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣): (من العبارات المشهورة بين العامة مع أنها تخالف العقيدة الصحيحة قولهم: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه)، وهذا غلط مخالف للحديث، وهو قوله ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء»، وكم من شيء أراده الله فرفعه بالدعاء، ألم تعلموا أن النبي ﷺ قال في صلاة الكسوف: «إن الله يخوف عباده بذلك، فإذا

стр. 204

رأيتموهما فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه والصلاة»، وذلك حتى نردَّ الشر الذي انعقد سببه، والذي أنذرنا به بهذا الكسوف. فإذا دعوت الله تعالى بكشف ضر فهذا قد كتب في الأزل في اللوح المحفوظ أن الله تعالى يرفع هذا الضر عنك بدعائك، فكله مكتوب. وأنت إذا قلت: لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، كأنك تقول: ما يهمني ترفع البلاء أو لا ترفع، لكن الإنسان يطلب رفع كل ما نزل به، فلا تقل: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه، بل قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية، اللهم اشفني من مرضي، اللهم أغنني من فقري، اللهم اقض عني الدين، اللهم علمني ما جهلت، وما أشبه ذلك. أما لا أسألك رد القضاء، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا أحد يرده، لكن أنت مفتقر إلى الله، أما هذا الكلام فلا أصل له ولا يجوز، بل قد قال النبي ﷺ : «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت»، وهي أهون من: (اللهم لا أسألك رد القضاء)؛ «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وليعزم المسألة، فإن الله تعالى لا مكره له» (١)، وفي لفظ: «فإن الله لا يتعاظمه شيء» (٢). وسئل الشيخ عبد الله البسام ﵀: هل الدعاء يردُّ القدر؟ (٣). قال: إن الدعاء من القدر؛ لأنه قد كان من قِبَلِ الله -جل وعلا-، وربما قَدَرٌ رُتِّبِ رفعه على الدعاء، وفي الحديث: «لا يُردُّ القضاءُ إلا الدعاء».

стр. 205

من فوائد الحديث: الأول: فيه فضل الدعاء، وأنه سبب في دفع الشرور والبلاء عن العبد. الثاني: أن البر سبب في بركة العمر وزيادته، لأن البر يطيب عيشه فكأنما زيد في عمره، وقيل يزيده حقيقة.

стр. 206

الحديث التاسع والعشرون: لا يشكر الناس من لا يشكر الله قال ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١). التعليق: أمر الله تعالى بشكر المحسن والثناء على صنيعه، لأن الاعتراف بالجميل من نبل النفس، وجحدُ المعروف من خسَّة النفس ودناءتها، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «من صُنِع إليه معروفٌ فليُجزِه، فإن لم يجد ما يُجزيه فليُثْنِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أثْنَى فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَه فَقَدْ كفَرَهُ» (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٣).

стр. 207

وقد حذر النبي ﷺ من تجاهل شكر الناس على ما يقدمونه من الخير والمعروف، لأن هذا التجاهل يؤدي إلى عزوف الناس عن فعل المعروف، وهذا خلل في العلاقات الاجتماعية، جاء الإسلام بإصلاحه، حتى تدوم المحبة والمودة بين الناس. وهذا أيضًا دليل على عدم شكر نعمة الله ، فإن الله أمر بشكر المحسن، فمن لم يشكره فقد ترك امتثال أمر الله، ومن ترك امتثال أمره لم يشكره (١). قال الخطابي ﵀ (٢): (هذا الكلام يُتَأوَّلُ على وجهين: أحدهما: أن من كان طبعُه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفران نعمة الله وترك الشكر له سبحانه. والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر). ومن هذا الباب أيضًا ترك المرأة شكرَ نعمة الزوج ومعروفِه. قال القاضي ابن العربي ﵀ في شرح الموطأ (٣): (وقد أمر الله تعالى بشكر النعم، وقد جاء في الحديث: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». وكفر نعمة الزوج هو من باب كفر نعمة الله ؛ لأن كل نعمةٍ تصل إليها أو يصل بها العشيرُ زوجَه (٤)، فمن نعمةِ اللهِ أجراها الله على يديه، وهو معنى

стр. 208

قوله: «يكفرن الإحسان» (١)، أراد كفرهن حقَّ الزوج ونعمة الله الذي ينعم بها عليها، فهي تعذب على ذلك في النار). وقد جاء في الحديث من طرق صحاح، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تعرف حقَّ زوجِها، ولا تشكره، وهي لا تستغني عنه» (٢). من فوائد الحديث: أولًا: أن شكر الله فضيلة ينبغي السعي في تحصيلها والقيام بها على أكمل وجه. ثانيًا: أن من علامات شكر الله ، شكر الخلق على إحسانهم ومعروفهم.

стр. 209

الحديث الثلاثون: أفضل الصدقة عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها شحيح … الشح: بخل مع حرص؛ فهو أبلغ منه. تأمل الغنى … تطمع فيه. بلغت الحلقوم … الحلقوم: مجرى النفس، والمعنى: اقترب خروج الروح. قلت لفلان: كذا … أي: قلت لورثتك: أوصي لفلان بكذا. ولفلان كذا … أي: لغيره كذا من المال بالوصية، والتكرير يفيد التكثير. وقد كان لفلان … قيل: جملة حالية، أي: وقد صار المال الذي تتصرف فيه في هذه الحالة، ثلثاه حقًّا للوارث، وأنت تتصدق بجميعه فكيف يقبل منك؟

стр. 210

وقال الطيبي ﵀: (قيل: إشارة إلى المنع عن الوصية لتعلق حقِّ الوارث). ويمكن أن يقال: معناه وكان، أي: عندكم لفلان كذا من المال، فيكون الذم على الإمهال إلى تلك الحال، فإن فعل الخير في حال الصحة عمل أرباب الكمال، ورد الحقوق لا ينبغي فيه الإهمال، لأن الخطر كثير في المال ويدل عليه صدر هذا الحديث. التعليق: كان أصحاب الرسول ﷺ يتحرون أفضل أنواع الطاعات وأعظمها عند الله أجرًا؛ ولا يأبون أن يسألوا الرسول عنها ليتقربوا بها إلى الله، وينالوا الدرجات العلا. فسأله أحدهم عن أكثر الصدقات أجرًا، فقال له ﷺ : «أن تتصدّق وأنت صحيح الجسم معافى في بدنك لم ينقطع أملك من الحياة، ولم تقف بك القدم على حافة القبر، إذ المرض يقصر يدَ المالك عن ملكه، وسخاوته بالمال إذ ذاك لا تمحو عنه سمةَ البخل ولا تدل على طيب نفسه بالعطاء، لأنه يكون قد ملَّ الحياة، وسئم العيشَ، ورأى ماله قد صار لغيره، بخلاف ما إذا كان صحيحًا يكون للمال مكانٌ في قلبه وحبٌّ من نفسه، لما يأمل من البقاء ويخشى من الفقر، فالشح به غالب، والسماح به حينئذ أصدق في الإخلاص وأعظم في المثوبة». وكذا إذا تصدق وهو حريص على جمع المال، قد توافرت لديه أسباب إدخاره، كان ذلك دالًّا على الرغبة في الخير، وابتغاء ما عند الله.

стр. 211

ولا يتأخر بالتصدق حتى يكون الموت منه قاب قوسين، لأنه يكون مغلولًا عن التصرف في كل ماله، إذ إن المريض لا يجوز له أن يتبرع إلا بثلث ماله فقط، وما زاد على ذلك يكون من حق الورثة، إن شاؤا أجازوا تصرفه، وإن شاؤا لم يجيزوه. ويدل الحديث على أن تنجيز وفاء الدّين والصدقة في حال الصحة أفضل منه في حال المرض، لأنه في الأولى يصعب عليه إخراج المال غالبا؛ لما يخوفه الشيطان من الفقر، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] (١). قال ابن الجوزي ﵀ (٢): (اعلم أن المتصدق مخرج لمحبوبه عن يده، وهذا المحبوب معدٌّ للإنفاق في الأغراض، ومعظم الأغراض تكون في الصحة، فإذا كان أخرجه في المرض فقد بدت أمارات الاستغناء عن المال، فلا يلحق بدرجة المعطي في الصحة). وقال ابن بطال ﵀ (٣): (فيه: أن أعمال البر كلما صعبت كان أجرها أعظم، لأن الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر، وأمِل الغنى صعُبت عليه النفقة، وسوَّل له الشيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمن تصدق في هذه الحال، فهو مؤثرٌ لثواب الله على هوى نفسه، وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيُخشى عليه الضرار بميراثه، والجور في فعله، ولذلك قال ميمون بن مهران حين قيل له: إن

стр. 212

رقية امرأة هشام ماتت، وأعتقت كل مملوك لها، فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها). من فوائد الحديث: أولًا: فيه حرص الصحابة وتحريهم أفضل العبادات وأعظمها أجرًا ليتقربوا بها إلى الله . ثانيًا: فيه أن الصدقة من أفضل أنواع البر والمعروف، والصدقات تتفاوت في الفضل. ثالثًا: فيه أن أفضل الصدقة ما كان عن صحة وحاجة، وإقبال من الدنيا. رابعًا: فيه الحث على الوصية والصدقة والهبة والوقف وبقية أنواع البر قبل اقتراب الأجل.

стр. 213

الحديث الحادي والثلاثون: احتجاج آدم وموسى ﵈ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ» (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها احتج آدم وموسى … تحاجَّا وتناظرا، أي: طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول. وهذا الاحتجاج ذكر بعض العلماء أنه كان بعد وفاة موسى ﷺ ، أو أنه في الرؤيا، فإن رؤيا الأنبياء وحي. قال ابن عبد البر ﵀ (٢): (ذلك عندي لا يحتمل تكييفًا، وإنما فيه التسليم، لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلًا). فحج آدم موسى … أي: غلبه في الحجة. التعليق: هذا الحديث مما أشكل فهمه على بعض الفرق، فظنوا أن فيه حجة في الاحتجاج على المعاصي بالقدر، لكن من جمع بين أدلة الكتاب والسنة يجد أن

стр. 214

هذا لا يمكن أن يصدر من آدم ﵇، فهو أكرم من أن يحتج على المعصية بالقدر، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀ (١): (قد ظن كثير من الناس أن آدم ﵇ احتج بالقدر على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظن ثلاثة فرق: - فريق كذبوا بهذا الحديث، كأبي علي الجبائي ﵀ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل ﵈، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبي ﷺ بل جميع الأنبياء ﵈، وأتباعهم، أن يجعلوا القدر حجةً لمن عصى الله ورسوله. - وفريق تأولوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: حجه؛ لأنه أبوه، والابن لا يلوم أباه، وقول بعضهم: حجه؛ لأن الذنب كان في شريعة، والملام في أخرى، وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة، وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. - وفريق ثالث: جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله ﷺ . والصواب: أن موسى ﵇ لم يلم آدم ﵇ إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنب عاصٍ، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ولم يقل: لماذا خالفت الأمر ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس، أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر، وشهود الربوبية، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ

стр. 215

إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (١). وفي الصحيح، عن النبي ﷺ : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٢). فأمره بالحرص على ما ينفعه، وهو طاعة الله ورسوله ﷺ ، فليس للعباد أنفع من طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمره إذا أصابته مصيبة ألَّا ينظر إلى تقدير ما لم يقع، وهو قوله: «لو أني فعلت كذا وكذا، لكان كذا وكذا»، فإن هذا ليس فيه إلا التحسر، والمضرة، ولكن لينظر إلى الواقع، ويوقن بأنه بقدر الله تعالى وقضائه، ولا بد من وقوعه، فلا مخلص منه، فيرضى به ويسلم لقدر الله تعالى وقضائه، كما قال بعضهم: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه، فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، وإن كانت المصيبة بفعل آدمي، فلو أن رجلًا أنفق ماله في المعاصي، ومات ولم يخلف لأولاده مالًا، أو ظلم الناس بظلم صاروا يبغضون أولاده من أجل ظلمه، فلا يعطونهم ما يعطون أمثالهم، فهذه مصيبة في حق الأولاد حصلت بسبب أبيهم.
следующие страницы →