← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا يتأخر بالتصدق حتى يكون الموت منه قاب قوسين، لأنه يكون مغلولًا عن التصرف في كل ماله، إذ إن المريض لا يجوز له أن يتبرع إلا بثلث ماله فقط، وما زاد على ذلك يكون من حق الورثة، إن شاؤا أجازوا تصرفه، وإن شاؤا لم يجيزوه. ويدل الحديث على أن تنجيز وفاء الدّين والصدقة في حال الصحة أفضل منه في حال المرض، لأنه في الأولى يصعب عليه إخراج المال غالبا؛ لما يخوفه الشيطان من الفقر، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] (١). قال ابن الجوزي ﵀ (٢): (اعلم أن المتصدق مخرج لمحبوبه عن يده، وهذا المحبوب معدٌّ للإنفاق في الأغراض، ومعظم الأغراض تكون في الصحة، فإذا كان أخرجه في المرض فقد بدت أمارات الاستغناء عن المال، فلا يلحق بدرجة المعطي في الصحة). وقال ابن بطال ﵀ (٣): (فيه: أن أعمال البر كلما صعبت كان أجرها أعظم، لأن الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر، وأمِل الغنى صعُبت عليه النفقة، وسوَّل له الشيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمن تصدق في هذه الحال، فهو مؤثرٌ لثواب الله على هوى نفسه، وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيُخشى عليه الضرار بميراثه، والجور في فعله، ولذلك قال ميمون بن مهران حين قيل له: إن

стр. 212

رقية امرأة هشام ماتت، وأعتقت كل مملوك لها، فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها). من فوائد الحديث: أولًا: فيه حرص الصحابة وتحريهم أفضل العبادات وأعظمها أجرًا ليتقربوا بها إلى الله . ثانيًا: فيه أن الصدقة من أفضل أنواع البر والمعروف، والصدقات تتفاوت في الفضل. ثالثًا: فيه أن أفضل الصدقة ما كان عن صحة وحاجة، وإقبال من الدنيا. رابعًا: فيه الحث على الوصية والصدقة والهبة والوقف وبقية أنواع البر قبل اقتراب الأجل.

стр. 213

الحديث الحادي والثلاثون: احتجاج آدم وموسى ﵈ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ» (١). معاني الكلمات: الكلمة … معناها احتج آدم وموسى … تحاجَّا وتناظرا، أي: طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول. وهذا الاحتجاج ذكر بعض العلماء أنه كان بعد وفاة موسى ﷺ ، أو أنه في الرؤيا، فإن رؤيا الأنبياء وحي. قال ابن عبد البر ﵀ (٢): (ذلك عندي لا يحتمل تكييفًا، وإنما فيه التسليم، لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلًا). فحج آدم موسى … أي: غلبه في الحجة. التعليق: هذا الحديث مما أشكل فهمه على بعض الفرق، فظنوا أن فيه حجة في الاحتجاج على المعاصي بالقدر، لكن من جمع بين أدلة الكتاب والسنة يجد أن

стр. 214

هذا لا يمكن أن يصدر من آدم ﵇، فهو أكرم من أن يحتج على المعصية بالقدر، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀ (١): (قد ظن كثير من الناس أن آدم ﵇ احتج بالقدر على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظن ثلاثة فرق: - فريق كذبوا بهذا الحديث، كأبي علي الجبائي ﵀ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل ﵈، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبي ﷺ بل جميع الأنبياء ﵈، وأتباعهم، أن يجعلوا القدر حجةً لمن عصى الله ورسوله. - وفريق تأولوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: حجه؛ لأنه أبوه، والابن لا يلوم أباه، وقول بعضهم: حجه؛ لأن الذنب كان في شريعة، والملام في أخرى، وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة، وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. - وفريق ثالث: جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله ﷺ . والصواب: أن موسى ﵇ لم يلم آدم ﵇ إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنب عاصٍ، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ولم يقل: لماذا خالفت الأمر ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس، أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر، وشهود الربوبية، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ

стр. 215

إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (١). وفي الصحيح، عن النبي ﷺ : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٢). فأمره بالحرص على ما ينفعه، وهو طاعة الله ورسوله ﷺ ، فليس للعباد أنفع من طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأمره إذا أصابته مصيبة ألَّا ينظر إلى تقدير ما لم يقع، وهو قوله: «لو أني فعلت كذا وكذا، لكان كذا وكذا»، فإن هذا ليس فيه إلا التحسر، والمضرة، ولكن لينظر إلى الواقع، ويوقن بأنه بقدر الله تعالى وقضائه، ولا بد من وقوعه، فلا مخلص منه، فيرضى به ويسلم لقدر الله تعالى وقضائه، كما قال بعضهم: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه، فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، وإن كانت المصيبة بفعل آدمي، فلو أن رجلًا أنفق ماله في المعاصي، ومات ولم يخلف لأولاده مالًا، أو ظلم الناس بظلم صاروا يبغضون أولاده من أجل ظلمه، فلا يعطونهم ما يعطون أمثالهم، فهذه مصيبة في حق الأولاد حصلت بسبب أبيهم.

стр. 216

فإذا قالوا لأبيهم: أنت فعلت بنا هذا، قيل لهم: هذا كان مقدرًا عليكم، وأنتم مأمورون بالصبر على ما يصيبكم، والأب عاص لله فيما فعل من الظلم، أو الإنفاق في المعصية، ملوم على ذلك، لا يرتفع عنه الذم والعقاب بالقدر السابق. فإن تاب توبة نصوحًا، وقبل الله توبته، وغفر له، لم يجُز ذمُّه حينئذ ولومُه بحال، لا من جهة حق الله، ولا من جهة المصيبة التي حصلت لغيره بفعله، إذ لم يكن هو ظالمًا لأولئك، فإن تلك المصيبة مقدرة عليهم. وهذا مثل قصة آدم ﵇، فإنه لم يظلم أولادَه، وإنما ولدوا بعد هبوطه من الجنة، وهبط هو وحواء، ولم يكن معهما أولاد، فلم يظلم أولاده ظلمًا يستوجب ملامَه منهم، وكونهم صاروا في الدنيا دون الجنة أمرٌ مقدَّر عليهم. وهو قد تاب من ذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. وموسى ﵇ أعلم من أن يلومه على ذنب قد علم أنه تاب منه، وآدم ﵇ أعلم من أن يحتج بالقدر على أن الذنبَ لا ملام عليه، وقد علم أن لعن إبليس بسبب ذنبه، وهو مقدَّر عليه. ولو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا من الذنب لفعله آدم ﵇، ولكنه تاب من الذنب واستغفر ربه». قال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله بعد أن ساق كلام شيخ الإسلام (١): (فتبين أن آدم ﵇ حج موسى ﵇ لما قصد موسى ﵇ لوم آدم

стр. 217

﵇ على ما كان سببًا في مصيبة أبنائه، وأن آدم ﵇ احتج بأن هذه المصيبة سبق بها القدر، ولا بد من وقوعها، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وسواء في ذلك المصائب التي تحصل بأفعال العباد، أو غيرها، فإن على العبد الصبر والتسليم، ولا يسقط بذلك لوم الجاني وعقابه. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨]. وحكم الله نوعان: خلق، وأمر: فالأول: ما يقدره من المصائب. والثاني: ما يأمر به وينهى عنه، وهو شرعه ودينه. والعبد مأمور بالصبر على النوعين، فعليه أن يصبر على فعل المأمور، وترك المحظور، وعلى ما قدره الله وقضاه. فالمصائب الحاصلة بقدر الله التي لم يبق فيه حق يؤخذ، أو ذنب يعاقب عليه، ليس فيها إلا التسليم للقدر، وقصة آدم ﵇ من هذا القبيل، فإن موسى ﵇ لامه من أجل ما أصابه وذريته. وآدم ﵇ قد تاب من الذنب الذي هو سبب المصيبة، وغفر له، والمصيبة كانت مقدرة، فلا حيلة أمامها إلا التسليم والرضا. ولهذا قال: «أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق».

стр. 218

وقال الخطابي ﵀ (١): (قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه، معنى الإجبار، والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن فلج آدم ﵇ في الحجة على موسى ﵇ إنما كان من هذا الوجه، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه. وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرها وشرها، والقدر: اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، كما أن الهدم، والقبض، والنشر، أسماء لما صدر عن فعل الهادم، والقابض، والناشر. يقال: قدّرْت الشيء، وقدرته، خفيفة وثقيلة، بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه: الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن. وإذا كان الأمر كذلك: فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم، أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد، وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها. وجماع القول في هذا الباب: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما رام هدم البناء ونقضه). وقد عقد ابن القيم ﵀ في كتابه شفاء العليل البابَ الثالث للكلام عن هذا الحديث، فذكر ما قيل في معناه من أقوال باطلة، وذَكَرَ الآيات التي فيها

стр. 219

احتجاجُ المشركين على شِرْكهم بالقدر، وأنَّ الله أَكذَبَهم؛ لأنَّهم باقون على شركهم وكفرهم، وما قالوه هو من الحقِّ الذي أُريد به باطل، ثم ذكر توجيهَين لمعنى الحديث، أوَّلهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والثاني من فهمه واستنباطه، فقال ابن القيم ﵀ (١): (إذا عرفتَ هذا، فموسى ﵇ أعرفُ بالله وأسمائه وصفاته من أن يَلومَ على ذنب قد تاب منه فاعلُه، فاجتباه ربُّه بعده وهداه واصطفاه، وآدمُ ﵇ أعرفُ بربِّه من أن يحتجَّ بقضائه وقدَره على معصيته، بل إنَّما لامَ موسى ﵇ آدمَ ﵇ على المصيبة التي نالت الذريَّة بخروجهم من الجنَّة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة، بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئةَ تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذريَّةَ، ولهذا قال له: «أخرجتَنا ونفسَك من الجنة»، وفي لفظ «خيَّبتنَا»، فاحتجَّ آدمُ ﵇ بالقدر على المصيبة، وقال: إنَّ هذه المصيبةَ التي نالت الذريَّة بسبب خطيئتِي كانت مكتوبةً بقدره قبل خلْقي. والقدرُ يُحتجُّ به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومُنِي على مصيبة قُدِّرت عليَّ وعليكم قبل خلْقي بكذا وكذا سنة، هذا جوابُ شيخنا ﵀. وقد يتوجَّه جوابٌ آخر: وهو أنَّ الاحتجاجَ بالقدر على الذنب ينفعُ في موضع ويضرُّ في موضع. فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك مُعاودته، كما فعل آدمُ ﵇، فيكون في ذِكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الربِّ وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذَّاكر والسامع؛ لأنَّه لا يدفعُ بالقدر أمرًا ولا نَهيًا، ولا يُبطل به شريعةً، بل يُخبر بالحقِّ المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول

стр. 220

والقوَّة، يوضحه أنَّ آدمَ ﵇ قال لموسى ﵇: أتلومُنِي على أن عملتُ عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلَق. فإذا أذنب الرَّجلُ ذنبًا ثم تاب منه توبةً وزال أمرُه حتى كأن لم يكن، فأنَّبَه مُؤَنِّبٌ عليه ولَامَه، حسُنَ منه أن يَحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمرٌ كان قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق، فإنَّه لم يَدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكر حجَّةً له على باطل، ولا محذورَ في الاحتجاج به. وأمَّا الموضع الذي يضُرُّ الاحتجاجُ به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكبَ فعلًا محرَّمًا أو يتركَ واجبًا، فيلُومُه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلُ بالاحتجاج به حقًّا ويرتكبُ باطلًا، كما احتجَّ به المُصِرُّون على شركهم وعبادتهم غير الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فاحتجُّوا به مُصَوِّبين لِمَا هم عليه، وأنَّهم لم يَندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولَم يُقرُّوا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج مَنْ تبيَّن له خطأُ نفسه وندم وعزَم كلَّ العزم على ألَّا يعودَ، فإذا لَامَه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله، ونُكتة المسألة أنَّ اللَّومَ إذا ارتفع صحَّ الاحتجاجُ بالقدر، وإذا كان اللَّومُ واقعًا فالاحتجاجُ بالقدر باطلٌ). من فوائد الحديث: أولًا: قال ابن عبد البر ﵀: (هذا الحديث أصل في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد، فكل أحد يصبر لما قدر له بما سبق في علم الله تعالى، وليس فيه حجة للجبرية) (١).

стр. 221

ثانيًا: فيه الإيمان بالغيب، فنحن نؤمن بوقوع هذه المحاججة بين آدم وموسى ﵉، وإن كنا لا نجزم بكيفية وقوع ذلك، لأن الأدلة الصحيحة لم تدل على الكيفية. ثالثًا: فيه أن المعاصي سبب كل شر يقع فيه الإنسان. رابعًا: فيه جواز الاحتجاج بالقدر على المصائب التي وقعت وإن كانت بسبب معصية حدثت من الإنسان، ورأى ابن القيم ﵀ جواز الاحتجاج بالقدر على المعاصي التي قد تيب منها.

стр. 222

الحديث الثاني والثلاثون: ليسوا سواء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ ﵁، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁، وَالْعَبَّاسُ ﵁ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها ما ينقم … نقمت على الرجل، أنقِم بالكسر، فأنا ناقمٌ، إذا عبتُ عليه. قال بعض أصحاب الغريب: معنى الحديث: ما حمله على منع الزكاة إلا أن أغناه الله ورسوله ﷺ ، وهو تعريض بكفران النعمة، وتقريع بسوء المقابلة، قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، أي: ما كرهوا. احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله … الأدرع: جمع: درع. والأعتد: جمع: عتد: وهو الفرس القوي الصلب المعد للركوب. وقصد بذلك إعدادها للجهاد دون التجارة، فلا زكاة فيها، وأنتم تظلمونه بأن تعدونها من عداد عروض التجارة.

стр. 223

ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا فكيف يشح بواجب عليه واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف خلافًا لداود وفيه دليل على صحة الوقف وصحة وقف المنقول وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين (١). وأما العباس فهي عليَّ ومعها مثلها … أُوِّلَ: بأنه ﵇ استسلف منه صدقة عامين، العام الذي شكا فيه العامل، والعام الذي بعده، فهي صدقة السنة الراهنة، ومثلها صدقة السنة القابلة، وقيل: إنه استمهل رسول الله ﷺ بذلك، وأخر زكاة العام لحاجة بالعباس ﵁ إلى العام القابل، وتكفل بصدقة العامين جميعًا. أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه … أي: مثله، يقال لنخيلٍ خرجت من أصل واحد: صنوان، واحدها: صنو. التعليق: بعث النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ لجباية الزكاة كعادته في بعث السُّعاة، فجاء عمر إلى العباس بن عبد المطلب ﵁ وخالد بن الوليد ﵁، وابن جميل ﵁، يريد منهم الزكاة، فمنعوا أداءَها. فجاء عمر ﵁ إلى النبي ﷺ يشتكي هؤلاء الثلاثة. فقال ﷺ : «أما ابن جميل، فليس له من العذر في منعها إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، فقابل نعمة الله كفرًا، وشكره نكرًا.

стр. 224

وأما خالد فإنكم تظلمونه بقولكم: منع الزكاة، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، فكيف يقع منع الزكاة من رجل تقرب إلى الله تعالى بإنفاق ما لا يجب عليه، ثم هو يمنع ما أوجبه الله عليه، فإن هذا بعيد». وإما لأنه جعلها أدوات قُنية (١) يستعملها في الجهاد، والأشياء التي للقنية ليس فيها زكاة، لأنها ليست من الأموال النامية بالتجارة وغيرها. وأما العباس ﵁، فقد تحمَّلها ﷺ عنه. ويحتمل أن ذلك لمقامه ومنزلته، ويدل عليه قوله: «أما علمت أن عَمَّ الرجل صنوُ أبيه؟». وإما لأنه قدم زكاته لعامين فقد تسلمها النبي ﷺ منه (٢). فالنبي ﷺ لم يحكم على الثلاثة بحكم واحد، بل فصل الحكم بما يليق بحال كل واحد منهم، وهذا يدل على أنه إذا جرت صورةُ فعلٍ بين جماعة اتفقوا في تلك الصورة، فإنه لا ينبغي أن يُحمل الأمر منهم كلهم على محمل واحد، فإن هذا الحديث يدلُّ على أنَّ منع ابن جميل ﵁ وخالد ﵁ والعباس ﵁ كانت صورةُ امتناعهم صورةً واحدة، فلم يحمل رسول الله ﷺ ذلك منهم على محمل واحد؛ بل فصَّل فقال: «ما ينتقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله من فضله». ثم اعتذر لخالد ﵁: فقال: «إنكم تظلمون خالدًا». يعني أنكم لصقتم صورةَ حاله لصورةِ حالِ ابنِ جميل ﵁، وأنتم تعرفون أنه قد وقف في سبيل

стр. 225

الله أدرعَه وأعتدَه، فكيف يُظن أنه يمنع، وهو واجد في شيء يريده رسول الله ﷺ . * وقوله في العباس ﵁: «فهي علي ومثلها معها»، المراد من ذلك: أن رسول الله ﷺ حكم في مال عمِّه. ومن روى: «فهي علي ومثلها معها». أي: إنما أؤدي ما التُمس من العباس مضعَّفًا (١). من فوائد الحديث (٢): أولًا: مشروعية بعث الإمام السعاة لجباية الزكاة. ثانيًا: جواز شكوى من امتنع من الزكاة إلى من يجبره على أدائها، ومثله في الشكوى كل ممتنع عن واجب، أو فاعل محرمًا. ثالثًا: قبح من جحد نعمة الله عليه شرعًا وعقلًا. رابعًا: أن الأشياء الموقوفة في سبيل الله، أو المعدة للاستعمال، ليس فيها زكاة. وذلك على أن عذره في منع الزكاة هو جعلها وقفًا في سبيل الله، أو على معنى أنه جعلها معدة للاستعمال والقنية. خامسًا: جواز جعل الأشياء المنقولة وقفًا لله تعالى وفى سبيله. سادسًا: فضل خالد بن الوليد ﵁، والتنويه بإنفاقه وجهاده. سابعًا: أما الاعتذار عن العباس ﵁، فيحتمل إفادة جواز تعجيل الزكاة، ويحتمل إفادة جواز تحمل الزكاة عمن وجبت عليه، ويبعد أن يمنع العباس ﵁ الزكاة لغير عذر.

стр. 226

ثامنًا: تعظيم العم، كبير حقه لأنه بمنزلة الأب. تاسعًا: ومن فوائد هذا الحديث: أن الصورة إذا تشابهت تعيَّن أن نفرق معانيها، ويحمل كل منها ما يليق بحال صاحب الصورة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦].

стр. 227

الحديث الثالث والثلاثون: لكل شيءٍ شِرَّةٌ ولكلِّ شِرَّةٍ فترة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ»: أخرجه الترمذي (١)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وعَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ». أخرجه أحمد (٢). معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها شِرَّة … بكسر المعجمة وتشديد الراء، أي: جدَّة وحرصًا ونشاطًا ورغبة، قال القاضي: الشره: الحرص على الشيء والنشاط فيه. فترة … أي: وهنًا وضعفًا وسكونًا. فأرجوه … أي: أرجو له النجاة مداومة على ما هو عليه. وإن أشير إليه بالأصابع … بسبب مبالغته الشديدة التي لم يؤمر بها شرعًا، وإنما عرفه الناس بذلك، وعظمت مبالغته في أعينهم حتى أشير إليه تعظيمًا.

стр. 228

فلا تَعُدُّوه … أي: ممن تُرجى له النجاة، لما هو عليه من العجب والرياء. سنتي … طريقتي التي شرعتها. التعليق: معنى الحديث: أن الإنسان يبالغ في العبادة أو العمل أولًا، وكل مبالغ تسكن شرتُه وتفترُ مبالغته، فإن جعل صاحب الشِّرَّةِ عملَه متوسطًا من غير غلو ولا تفريط، وتجنب طرفي أفراط الشِّرةِ وتفريطَ الفترة، فأرجو له الفلاح والصلاح والخير، وإن لم يكن مشهورًا بين الناس، فإنه يمكنه الدوام على الوسط، و: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» (١). «وإن أشير إليه بالأصابع»، أي: اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورًا بالعبادة والزهد بين الناس، وصار مشهورًا مشارًا إليه، «فلا تعدوه»، أي: لا تعتدوا به، ولا تحسبوه من الصالحين لكونه مرائيًا، ولم يقل: فلا ترجوه؛ إشارة إلى أنه قد سقط، ولم يمكنه تدارك ما فرط (٢). قال الطيبي ﵀ (٣): (إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطًا وتفريطا، فالمحمود القصدُ بينهما، فإن رأيت أحدًا يسلك سبيل القصد، فأرجوه أن يكون من الفائزين ولا تقطعوا له؛ فإن الله هو الذي يتولى السرائر. وإن رأيته يسلك سبيلَ الإفراط والغلوِّ حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تفشو القولَ فيه بأنه من الخائنين؛ فإن الله هو الذي يطَّلع على الضمائر).

стр. 229

من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث الحث على التوسط في العبادة والبعد عن الغلو والجفاء. ثانيًا: فيه التحذير من الرياء وملاحظة المخلوقين. ثالثًا: فيه عدم القطع لمسلم بجنة ولا نار، بل يحكم عليه بما يظهر من عمله بغير قطع، لأن الله هو الذي يتولى سرائر العباد. رابعًا: فيه أن الفلاح مرتبط باتباع السنة، والهلاك عاقبة مفارقة السنة.

стр. 230

الحديث الرابع والثلاثون: اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] الآيَةَ (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها ينكت به في الأرض … أي: يضرب الأرض بطرفه، وهو أن يؤثر فيها بطرفه، فعل المفكر المهموم. أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل … أي: نعتمد على ما قُدِّر علينا، يعني: أنه إذا سبق القضاء لكل واحد منّا بالجنة أو النار، فأيّ فائدة في السعي، فإنه لا يردّ قضاء الله وقدره. التعليق: سأل الصحابة ﵃ الرسول ﷺ فقالوا: إذا كانت أعمالنا ومساكننا في الآخرة معروفة ومحددة ومكتوبة ففيم العمل؟ فقال ﷺ :

стр. 231

«اعملوا فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له»، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة، قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه. والحاصل: أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، ويَسهلُ (١). وهذا الحديث أصل في باب القضاء والقدر، وأنه قد سبق قضاء الله تعالى بكون المكلفين فريقين: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. قال الخطابي ﵀ (٢): (فهذا الحديث إذا تأملته أصبتَ منه الشفاء فيما يتخالجُك من أمر القدر، وذلك أن السائلَ رسولَ الله ﷺ والقائلَ له: «أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل»، لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجويز والتعديل، إلا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه ﷺ أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه أمر لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل؛ ليكون أمارة في الحال العاجلة، لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك،

стр. 232

وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر وليست بموجبات، فإن الله سبحانه طوى علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن درْكِه، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحد متى إبَّانُ قيامِها. ثم أخبر على لسان رسول الله ﷺ بعض أماراتها وأشراطها فقال: من أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان» (١)، ومنها: «كيت وكيت … »). وبعد أن ذكر الإمام النووي ﵀ هذا الحديث وغيره من أحاديث القدر قال (٢): (وفي هذه الأحاديث كلِّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره؛ خيرها وشرها نفعها وضرها، وقد سبق في أول كتاب الإيمان قطعة صالحة من هذا. قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فهو مِلْكٌ لله تعالى يفعل ما يشاء، ولا اعتراض على المالك في ملكه، ولأن الله تعالى لا علة لأفعاله، قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما فيه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه.

стр. 233

وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، والله أعلم. وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له، لا يقدر على غيره، ومن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعملهم، كما قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى … و: لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٧ - ١٠]، وكما صرحت به هذه الأحاديث). من فوائد الحديث: أولًا: مشروعية إتباع الجنازة. ثانيًا: أن متبع الجنازة عليه أن يتذكر الآخرة وأن يظهر عليه أثر ذلك. ثالثًا: موعظة العالم أصحابه عند القبور. رابعًا: إثبات القدر، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. خامسًا: مراجعة العالم والاستفسار منه عما قد يشكل. سادسًا: أن السعادة والشقاوة بتقدير الله وقضائه. سابعًا: الرد على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر، لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له. ثامنًا: الرد على القدرية؛ لأن أفعال العباد وإن صدرت عنهم، فقد سبق علم الله بوقوعها بتقديره .

стр. 234

تاسعًا: أن العمل الطيب أمارة على الخير، والعكس بالعكس. عاشرًا: النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له. الحادي عشر: أن السنة تبين القرآن وتوضِّحه وتدل عليه (١).

стр. 235

الحديث الخامس والثلاثون: لا عدوى ولا طيرة عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» (١). وعنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى»، وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: «لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ» (٢). معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها لا عدوى … معناه: أنه لا يعدي شيءٌ شيئًا، ولا يعدي سقيمٌ صحيحًا، والله يفعل ما يشاء، لا شيء إلا ما شاء. ولا طيرة … الطيرة: من التطير: وهو التشاؤم بالشيء تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه به. الفأل … جَمْعُهُ: فؤول، كفلس وفلوس، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة. والممرض … الذي إبله مراض، وضده: المصح. التعليق: قوله ﷺ : «لا يورد صحيحٌ على ممرض»، لا ينافي ولا يتعارض مع قوله ﷺ : «لا عدوى»؛ لأن المقصود أن مخالطة المريض تهيئ

стр. 236

فرصة للمرض أن يظهر لمن عنده استعداد وقابلية للمرض، أما النفي فإنه يرجع إلى اعتقاد أن العدوى تحصل بنفسها، وأنه لابد من وقوعها، والواقع ينافي ذلك، فكثير من الناس يخالطون المرضى ولا تحصل لهم أية عدوى، وكثير أيضًا يمرضون بغير مخالطة، وكثير تؤثر فيهم مخالطة المرضى فيمرضون، وكل ذلك بتقدير الله وإرادته، والله تعالى قد يعمل الأسباب ويفعلها ويجعلها مؤثرة، وقد يبطل أثرها وتأثيرها. قال ابن الجوزي ﵀ (١): (كانت العرب تتوهم الفعل في الأسباب، كما كانت تتوهم نزول المطر بفعل الأنواء، فأبطل النبي ﷺ ذلك بقوله: «لا عدوى»، وإنما أراد إضافة الأشياء إلى القدر، ولهذا قال في حديث أبي هريرة: «فمن أعدى الأول؟» (٢)، ونهى عن الورود إلى بلد فيه الطاعون (٣) لئلا يقف الإنسان مع السبب وينسى المسبب). وقال النووي ﵀ (٤): (قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع: أن حديث: «لا عدوى»: المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده؛ أن المرض والعاهة تُعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى. وأما حديث: «لايورد ممرض على مصح»، فأرشد فيه إلى مجانبة ما

стр. 237

يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله. وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما، هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، ويتعين المصير إليه). وقوله: «ولا طيرة»: قال ابن عبد البر ﵀ (١): (أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار، هو مأخوذ من زجر الطير ومروره، سانحًا أو بارحًا (٢)، منه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر، وكذلك إذا رأوا الغراب أو غيره من الطير يتفلى أو ينتف. ولإيمان العرب بالطيرة عقدوا الرتائم (٣) واستعملوا القداح بالآمر والناهي والمتربص، وهي غير قداح الأيسار، وكانوا يشتقون الأسماء الكريهة مما يكرهون، وربما قلبوا ذلك إلى الفأل الحسن فرارًا من الطيرة، ولذلك سموا اللديغ سليمًا، والقفر مفازة، وكنوا الأعمى أبا البصير ونحو هذا. فمن تطير جعل الغراب من الاغتراب والغربة، وجعل غصن البان من

стр. 238

البينونة، والحَمام من الحِمام ومن الحميم ومن الحُمَّى، وربما جعلوا الحبل من الوصال، والهدهد من الهدى، وغصن البان من بيان الطريق، والعُقاب من عقبى خير، ومثل هذا كثير عنهم، إذا غلب عليهم الإشفاق تطيروا وتشاءموا، وإذا غلب عليهم الرجاء والسرور تفاءلوا، وذلك مستعمل عندهم فيما يرون من الأشخاص، ويسمعون من الكلام، فقال لهم رسول الله ﷺ : «لا طيرة»، ولا شؤم، فعرفهم أن ذلك إنما هو شيء من طريق الاتفاق، ليرفع عن المتوقع ما يتوقعه من ذلك كله، ويعلمه أن ذلك ليس يناله منه إلا ما كتب له). وقوله: «ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة»: قال ابن الجوزي ﵀ (١): (هذا مثل أن يكون مريضًا فيسمع: يا سالم، فيتفاءل بالشفاء، وباغيًا شيئا فيسمع: يا واجد، فيتفاءل بوجوده. وقال الأزهري: الفأل فيما يحسن ظاهره ويرجى وقوعه بالخير. والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. واعلم أنه إنما صار الفأل خير أنواع هذا الباب لأنه يصدر عن نطق وبيان، فكأنه خيرٌ جاء من غيب. فأما سنوح الطير وبروحها فتكلُّفٌ من المتطير ما لا أصل له في البيان، إذ ليس هناك نطق فيستدل به على معنى فيه). وقال الخطابي ﵀ (٢): (قد أعلم النبيُّ ﷺ أن الفأل إنما هو أن يسمع الإنسانُ الكلمة الحسنة فيفأل بها، أي: يتبرك بها ويتأولها على المعنى الذي يطابق اسمَها، وأن الطيرة بخلافها، وإنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير، إذا كانوا في سفر أو مسير، ومنهم من كان

стр. 239

يتطير بسنوحِها فيصدهم ذلك عن المسير ويردُّهم عن بلوغ ما يمَّموه من مقاصدِهم، فأبطل ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظن بالله). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث بيان أنه لا عدوى تؤثر بذاتها، ولذلك لا ينبغي الجزم بأن فلانا قد انتقلت إليه العدوى من فلان، ولذلك جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا عدوى ولا صَفَر، ولا هامةَ»، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل، تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ : «فمن أعدى الأول». يقول: إن أول بعير جرِب من الإبل لم يكن قبله بعير أجرب فيعديه، وإنما كان أول ما ظهر الجرب في أول بعير منها بقضاء الله وقدره، فكذلك ما ظهر منه في سائر الإبل بعد (١). قال النووي ﵀ (٢): (معناه أن البعير الأول الذي جرب من أجربه، أي: وأنتم تعملون وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب، فاعملوا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جرب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تعدي بطبعها. ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يجرب الأول لعدم المعدي، ففي الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها).

стр. 240

وهذا فيه إثبات القدر لا نفي الأسباب، قال ابن القيم ﵀ (١): (ولما قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة»، قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل، قال: «ذاك القدر، فمن أجرب الأول؟»، ذكره أحمد (٢). ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كل سبب مستندًا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم التسلسل في الأسباب، وهو ممتنع؛ فقطع النبي ﷺ التسلسل بقوله: «فمن أعدى الأول»، إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع). ثانيًا: فيه النهي عن الطيرة. ثالثًا: فيه استحباب الفأل الحسن وتوقع الخير والثقة في الله . رابعًا: فيه الأخذ بأسباب السلامة، بعدم إيراد الممرض على المصح. وفي الحديث: «وفرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» (٣).

стр. 241

الحديث السادس والثلاثون: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون عن حُصَيْنُ بْنُ عبد الرحمن ﵁، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ ﵁. فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ ﵁؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ». فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ

стр. 242

ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ؛ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ﵁، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها انقضَّ … سقط. البارحة … أقرب ليلة مضت. لدغتُ … يقال: لدغته العقرب وذوات السموم: إذا أصابته بسمها، وذلك بأن تأبره بشوكتها. استرقيت … طلبت الرقية. عين … إصابة العائن غيره بعينه والعين حق. أو حمة … الحُمَةُ بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم، هي كل هامة ذات سم من حية أو عقرب. الرهيط … تصغير الرهط، وهو: الجماعة دون العشرة.

стр. 243

سواد عظيم … أي: أشخاص، وكل شخصٍ سواد، ومنه قولهم: لا يفارق سوادي سوادَك. انظر إلى الأفق … الأفق: الناحية، والمراد به هنا: ناحية السماء. فخاض الناس … أي: تكلموا وتجادلوا وتناظروا. لا يرقون ولا يسترقون … أي: لا يرقون غيرهم، ولا يطلبون الرقية لأنفسهم من الغير. ولا يتطيرون … لا يتشاءمون بالطيور ونحوها مما يتشاءم به، أي: لا يرجعون عما عزموا عليه عند وجود ما جرت به عادة الجاهلية من التطير به، والوقوف عن الفعل منه من الجوائح والسوانح. التعليق: قوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ»: قال الخطابى ﵀ (١): (ومعنى ذلك: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وكان ﷺ قد رقى ورقي، وأمر بها، وأجاز الرقية، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهى مباحة، وإنما جاءت الكراهية منها مما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرًا أو قولًا يدخله الشرك، قال: ويحتمل أن يكون الذي ذكره من الرقية ما كان منها على مذاهب أهل الجاهلية في العِوذِ التى كانوا يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم).

стр. 244

وفي حديث ابن عباس ﵄ أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون». قال النووي ﵀ (١) بعد ذكر حديث رقية جبريل للنبي ﷺ (٢): (وفي الحديث الآخر في الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون»، فقد يُظن مخالفًا لهذه الأحاديث، ولامخالفة، بل المدح في ترك الرقى، المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة، والتي بغير العربية، وما لا يعرف معناها، فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه، وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة، فلا نهى فيه، بل هو سنة. ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين: إن المدح في ترك الرقى للأفضيلة وبيان التوكل، والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز، مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن عبد البر، وحكاه عمن حكاه، والمختار الأول. وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى، قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية، أو بما لايدرى معناه، لجواز أن يكون فيه كفر. قال: واختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو بكر الصديق ﵁، وكرهها مالك خوفًا أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا

стр. 245

الرقى، فإنهم لهم غرض في ذلك بخلاف غيرها مما بدلوه، وقد ذكر مسلم بعد هذا أن النبي ﷺ قال: «اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شيء» (١). وأما قوله في الرواية الأخرى: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى (٢)، فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها: كان نهى أولًا، ثم نسخ ذلك وأذن فيها وفعلها، واستقر الشرع على الإذن. والثاني: أن النهي عن الرقى المجهولة كما سبق. والثالث: أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة. أما قوله في الحديث الآخر: «لا رقية إلا من عينٍ أو حُمَةٍ»؛ فقال العلماء: لم يرد به حصر الرقية الجائزة فيهما ومنعها فيما عداهما، وانما المراد لارقية أحق وأولى من رقية العين والحمة، لشدة الضرر فيهما). حكم النُّشرة: قال النووي ﵀ (٣): (قال القاضي: وجاء في حديث في غير مسلم سئل عن النشرة فأضافها إلى الشيطان قال: والنشرة معروفة مشهورة عند أهل

стр. 246

التعزيم، وسميت بذلك: لأنها تنشر عن صاحبها، أي: تخلي عنه، وقال الحسن: هي من السحر. قال القاضي: وهذا محمول على أنها أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره، وعن المداواة المعروفة التي هي من جنس المباح. وقد اختار بعض المتقدمين هذا، فَكَرِهَ حل المعقود عن امرأته، وقد حكى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب ﵁؛ أنه سئل عن رجل به طب، أي: ضرب من الجنون، أو يؤخذ عن امرأته، أيخلى عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الصلاح، فلم ينه عما ينفع. وممن أجاز النشرة الطبري وهو الصحيح (١)، قال كثيرون أو الأكثرون: يجوز الاسترقاء للصحيح، لما يَخَافُ أن يغشاه من المكروهات والهوام، ودليله أحاديث، ومنها حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري: «كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه تفل في كفِّه، ويقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين، ثم يمسح بها وجهه، وما بلغت يده من جسده»). قال ابن الملقن ﵀ (٢): (وقال أبو الحسن القابسي: معنى «لا يسترقون»: يريد به الذي كانوا يسترقون به في الجاهلية مما ليس في كتاب الله، وهو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله فقد فعله ﷺ وأمر به، وليس بمخرج عن التوكل؛ لأن الثقة بالله: الاعتماد في الأمور عليه، وتفويض كل ذلك -بعد استفراغ الوسع في السعي فيما بالعبد الحاجة- إليه في أمر دينه

стр. 247

ودنياه، على ما أمر به، لا كما قاله بعض الصوفية: إن التوكل حدُّه الاستسلام للسباع، وترك الاحتراز من الأعداء، ورفض السعي للمعايش والمكاسب، والإعراض عن علاج العلل، تمسكًا بقوله: «ولا يكتوون» (١)، الحديث. ومعناه: معتقدين أن الشفاء والبرء في الكي وغيره دون إذن الله بالشفاء، وأما من اكتوى معتقدًا إذا شفي أن الله هو الذي شفاه فهو المتوكل على ربه). رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ورد الحافظ ابن حجر ﵏: ولشيخ الإسلام ﵀ (٢) رأي في لفظة: «لا يرقون»، التي انفرد بها مسلم في صحيحه، فقد رأى أن هذه اللفظة غلط من الراوي وأن أصلها: «لا يكتوون»، لأن رقية الإنسان نفسه وغيره لا تنافي التوكل، بل هي من اللجوء إلى الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (وقد أنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يُحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟ وأيضًا فقد رقى جبريل ﵇ النبي ﷺ (٤)، ورقى النبي أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٥)، والنفع مطلوب. قال: وأما المسترقي، فإنه يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك.

стр. 248

قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء. وأجاب غيرُه: بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه. والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي، لأنه اعتلَّ بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي ألَّا يمكنه منه لأجل تمام التوكل. وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة، لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام. ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسمًا للمادة، لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما منع منها ما كان شركًا أو احتمله، ومن ثم قال ﷺ : «اعرضوا علي رقاكم، ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك» (١). من فوائد الحديث: أولًا: قال الوزير ابن هبيرة ﵀ (٢): (وفيه من الفقه أن الرقية جائزة وتركها توكلًا على الله تعالى أفضل منها، وكذلك الكي فإنه جائز وتركه أحسن، وأما الطيرة فلا تحِلُّ بحال).

стр. 249

ثانيًا: فيه النهي عن الرقى الشركية، أو التي فيها ما يخالف الشريعة، ككشف العورات أو تحسس جسد المرأة من قبل الراقي، أو الرقى المجهولة التي لا يعرف معناها. ثالثًا: فيه أن أولى الناس بالرقية، هم المصابون بالعين أو الحمة، وذلك لشدة حاجتهم إلى الرقية. رابعًا: فيه فضيلة أمة النبي ﷺ وأنهم أكثر أهل الجنة. خامسًا: فيه فضيلة اهتبال الفرص، وبخاصة ما يتعلق بأمور الآخرة، كما فعل عكاشة بن محصن، الذي سارع إلى طلب الدعاء من النبي ﷺ أن يكون من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.

стр. 250

الحديث السابع والثلاثون: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). ولفظ مسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣). وفي رواية للإمام أحمد ﵀ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (٤). فزاد في رواية الإمام أحمد ﵀: «وما تأخر». معاني الكلمات (٥): الكلمة … معناها إيمانًا … أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة. واحتسابًا … أي: طلبًا لمرضاة الله تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
следующие страницы →