← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التعزيم، وسميت بذلك: لأنها تنشر عن صاحبها، أي: تخلي عنه، وقال الحسن: هي من السحر. قال القاضي: وهذا محمول على أنها أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره، وعن المداواة المعروفة التي هي من جنس المباح. وقد اختار بعض المتقدمين هذا، فَكَرِهَ حل المعقود عن امرأته، وقد حكى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب ﵁؛ أنه سئل عن رجل به طب، أي: ضرب من الجنون، أو يؤخذ عن امرأته، أيخلى عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الصلاح، فلم ينه عما ينفع. وممن أجاز النشرة الطبري وهو الصحيح (١)، قال كثيرون أو الأكثرون: يجوز الاسترقاء للصحيح، لما يَخَافُ أن يغشاه من المكروهات والهوام، ودليله أحاديث، ومنها حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري: «كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه تفل في كفِّه، ويقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين، ثم يمسح بها وجهه، وما بلغت يده من جسده»). قال ابن الملقن ﵀ (٢): (وقال أبو الحسن القابسي: معنى «لا يسترقون»: يريد به الذي كانوا يسترقون به في الجاهلية مما ليس في كتاب الله، وهو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله فقد فعله ﷺ وأمر به، وليس بمخرج عن التوكل؛ لأن الثقة بالله: الاعتماد في الأمور عليه، وتفويض كل ذلك -بعد استفراغ الوسع في السعي فيما بالعبد الحاجة- إليه في أمر دينه

стр. 247

ودنياه، على ما أمر به، لا كما قاله بعض الصوفية: إن التوكل حدُّه الاستسلام للسباع، وترك الاحتراز من الأعداء، ورفض السعي للمعايش والمكاسب، والإعراض عن علاج العلل، تمسكًا بقوله: «ولا يكتوون» (١)، الحديث. ومعناه: معتقدين أن الشفاء والبرء في الكي وغيره دون إذن الله بالشفاء، وأما من اكتوى معتقدًا إذا شفي أن الله هو الذي شفاه فهو المتوكل على ربه). رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ورد الحافظ ابن حجر ﵏: ولشيخ الإسلام ﵀ (٢) رأي في لفظة: «لا يرقون»، التي انفرد بها مسلم في صحيحه، فقد رأى أن هذه اللفظة غلط من الراوي وأن أصلها: «لا يكتوون»، لأن رقية الإنسان نفسه وغيره لا تنافي التوكل، بل هي من اللجوء إلى الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (وقد أنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يُحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟ وأيضًا فقد رقى جبريل ﵇ النبي ﷺ (٤)، ورقى النبي أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٥)، والنفع مطلوب. قال: وأما المسترقي، فإنه يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك.

стр. 248

قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء. وأجاب غيرُه: بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه. والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي، لأنه اعتلَّ بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي ألَّا يمكنه منه لأجل تمام التوكل. وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة، لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام. ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسمًا للمادة، لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما منع منها ما كان شركًا أو احتمله، ومن ثم قال ﷺ : «اعرضوا علي رقاكم، ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك» (١). من فوائد الحديث: أولًا: قال الوزير ابن هبيرة ﵀ (٢): (وفيه من الفقه أن الرقية جائزة وتركها توكلًا على الله تعالى أفضل منها، وكذلك الكي فإنه جائز وتركه أحسن، وأما الطيرة فلا تحِلُّ بحال).

стр. 249

ثانيًا: فيه النهي عن الرقى الشركية، أو التي فيها ما يخالف الشريعة، ككشف العورات أو تحسس جسد المرأة من قبل الراقي، أو الرقى المجهولة التي لا يعرف معناها. ثالثًا: فيه أن أولى الناس بالرقية، هم المصابون بالعين أو الحمة، وذلك لشدة حاجتهم إلى الرقية. رابعًا: فيه فضيلة أمة النبي ﷺ وأنهم أكثر أهل الجنة. خامسًا: فيه فضيلة اهتبال الفرص، وبخاصة ما يتعلق بأمور الآخرة، كما فعل عكاشة بن محصن، الذي سارع إلى طلب الدعاء من النبي ﷺ أن يكون من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.

стр. 250

الحديث السابع والثلاثون: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). ولفظ مسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣). وفي رواية للإمام أحمد ﵀ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (٤). فزاد في رواية الإمام أحمد ﵀: «وما تأخر». معاني الكلمات (٥): الكلمة … معناها إيمانًا … أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة. واحتسابًا … أي: طلبًا لمرضاة الله تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.

стр. 251

والاحتسابُ من الحسْب وهو: العدُّ، كالاعتداد من العدِّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدَّ عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدٌّ به. التعليق: هذه الأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر، وللإمام ابن القيم ﵀ كلام جامع في كتابه زاد المعاد حول هدي النبي ﷺ في الصيام، والمقصود من الصيام، وفوائده، قال فيه (١): (فصل في هديه ﷺ في الصيام: لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدَّتها وسوْرَتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين. وتُضيَّقُ مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحُكْمِ الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتُلجم بلجامِه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين. وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوتَه وطعامَه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد

стр. 252

يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحِمْيتِها عن التخليط الجالب لها الموادَّ الفاسدةَ التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ المواد الرديئة المانعةِ لها من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتَها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقال النبي ﷺ : «الصوم جُنَّةٌ» (١). وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرةَ له عليه بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة (٢). والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانا إليهم وحميةً لهم وجُنَّة. وكان هدي رسول الله ﷺ فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهله على النفوس. ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وأُلفت أوامر القرآن، فنُقِلت إليه بالتدريج.

стр. 253

متى فُرض الصيام ومراحل تشريعه: وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسعَ رمضانات. وفرض أولًا على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام. وكان للصوم رتب ثلاث: إحداها: إيجابه بوصف التخيير. والثانية: تحتُّمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعَم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة. فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة. الإكثار من العبادات في رمضان: وكان من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريلُ أجود بالخير من الريح المرسلة: «وكان أجودَ الناس، وأجود ما يكون في رمضان» (١)، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف).

стр. 254

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (١) في قوله ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»: (والمراد بالإيمان: الاعتقاد بحقَّ فرضية صومه وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى. وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه). وقوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»: قال النووي ﵀ (٢): (والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد ﵀ وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت لقوله ﷺ : «أفضل الصلاة؛ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣). والقول الأول هو الذي عليه المسلمون كافة، في جميع الأقطار على مدى القرون. وبالغ الطحاوي ﵀ فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية (٤).

стр. 255

وقال الحافظ العراقي ﵀ (١): (ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة، لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليلَ كلَّه»، رواه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ (٢). وقوله: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابًا»: ليلة القدر ليلة عظيمة اختص الله تعالى بها هذه الأمة، فأنزل فيها كتابه، وجعل العبادة فيها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣]. قال القاضي ابن العربي ﵀ (٣): (وأما قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ففي تأويل ذلك اختلاف على ثلاثة أقوال: القول الأول: قيل: إن معنى ذلك أن العمل بما يرضي الله في تلك الليلة من صلاة وغيرها خير من العمل في غيرها ألف شهر. القول الثاني: قيل: إن المعنى أن العمل في ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهو نحو ما تقدم؛ لأن فضيلة الليلة على ما سواها ليس بمعنى يختصُّ بها، حاشا تضعيف الحسنات فيها.

стр. 256

القول الثالث: قيل: إنه كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ففعل ذلك ألف شهر، فتمنى النبي ﷺ أن يكون ذلك في أمته. فقال: «يا رب جعلت أعمار أمتي أقصر الأعمار، وأقل الأعمال»، فأعطاه الله ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يريد خير من تلك الألف شهر التي قامها الإسرائيلي، وهذا معنى حديث مالك (١)؛ أن رسول الله ﷺ أُري أعمار الناس قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم في طول العمل، فأعطاه الله ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر). ثم قال (٢): (اختلف العلماء في ليلة القدر، وفي تعيينها وفي ميقات رجائها على ثلاثة عشر قولًا -فذكر بعض هذه الأقوال-، ثم قال: الصحيح أنَّها لا تعلم، لكن النبي ﷺ قد حضَّ على قيام رمضان، وحض بالتخصيص العشرَ الأواخر. وكان رسول الله ﷺ يحيي فيها ليله ويوقظ أهلَه ويشدُّ مئزرَه (٣)، وصدَّق رسول الله ﷺ أنها في العشر الأواخر (٤). وفي الحديث دليل على أنها متنقلة غير مخصوصة بليلة؛ لأن رؤيا النبي ﷺ خرجت في صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وعلى جسمه وأنفه أثر الماء والطين.

стр. 257

واستفتاه رجل ليختار له عند عجزه عن عموم الجميع، فاختار له ليلة ثلاث وعشرين، فدل ذلك أنها تنتقل، وما كان رسول الله ﷺ ليبخس السائل حظَّه منها. ومن فضل الله على هذه الأمة أن أعطاها قيراطين من الأجر، من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وأعطى اليهود والنصارى جميعا قيراطين، قيراطًا لكل طائفة منهما من أول النهار إلى صلاة العصر، وأعطى الله هذه الأمة ليلة القدر لقصرِ أعمارها، فجعل لهم ليلة بألف شهر، فما فاتهم من تقصير الأعمار الطوال التي كانت لمن قبلهم، أدركوه فيها، فخفَّ عنهم شغب الدنيا، وأدركوا عظيم الثواب في الآخرة، والحمد لله). ثم قال (١): (والصحيح أنها في العشر الأواخر من كل رمضان، إلا أنها تنتقل في العشر، فتارة تكون إحدى وعشرين، وتارة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، فمن وافقها فقد سعد، والله يكشفها لمن يشاء من عباده. وقال عبد الوهاب: ليلة القدر هي غير مرتفعة بموت النبي ﷺ ، خلافًا لمن قال: إنَّها زائلة، لقوله: «التمسوها في العشر الأواخر» فعم كل وقت، ولأنَّها من شعائر الدين والإسلام كشعائر سواها، وليس فيها تعيين كما بينا قبل). ما اجتُنبت الكبائر: أما قوله: «غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»: فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المغفرة تشمل الصغائر والكبائر.

стр. 258

قال العيني ﵀ (١): (قوله: «غفر له ما تقدم من ذنبه». المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر، دون الكبائر، قال بعضهم: يجوز أن يُخَففَ من الكبائر إذا لم تصادف صغيرة. قلت: اللفظ عام، ينبغي أن يشمل الصغيرة والكبيرة، والتخصيص بلا مخصص باطل). لكن الصواب هو تكفير الصغائر دون الكبائر، لوجود المخصص، فقد ثبت في الصحيح ما يؤيده فمن ذلك حديث عثمان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله»، رواه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ كفارة لما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر» (٣). فإذا كانت الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان لا تكفر الكبائر فبالأحرى صيام رمضان وقيامه. وقال النووي ﵀ (٤): (وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان: أحدهما: يكفر الصغائر بشرط ألَّا يكون هناك كبائر فإن كانت كبائر لم يكفر شيئا لا الكبائر لا الكبائر ولا الصغائر.

стр. 259

والثاني: وهو الأصح المختار أنه يكفر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى. فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفره الصلاة؟ وإذا كفرت الصلوات، فماذا تكفره الجمعات ورمضان؟ وكذا صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة (١)، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). فالجواب: ما أجاب به العلماء؛ أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت له به درجات، وذلك كصلوات الأنبياء والصالحين والصبيان وصيامهم ووضوئهم وغير ذلك من عباداتهم، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر، رجونا أن تخفف من الكبائر. وقد قال أبو بكر في الأشراف في آخر كتاب الاعتكاف في باب التماس ليلة القدر في قوله ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣)، قال هذا قول عام يرجى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن تغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها).

стр. 260

حول زيادة «وما تأخر»: وأما زيادة الإمام أحمد ﵀: «وما تأخر»: قال زين الدين العراقي ﵀ (١): (وقد يستشكل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وهو كقوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: «صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختلف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جعل الله تعالى صوم عرفة الماضي كفارة لها، كما جعله مكفرًا لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه: أن الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يحوجه إلى كفارة. وأطلق الماوردي في الحاوي في السنتين معا تأويلين: أحدهما: أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين. والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين فلا يعصي فيهما. وقال صاحب العدة في تكفير السنة الأخرى يحتمل معنيين: أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين. والثاني: أنه أراد سنة ماضية وسنة مستقبلة. قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاصٌّ برسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز. ذكر ذلك كلَّه النووي في شرح المهذب (٢).

стр. 261

وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرة ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها ولو وقع فيها، ويكون المكفِّر متقدِّما على المكفَّر، والله أعلم). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث فضل صيام رمضان وقيامه. ثانيًا: والحديث دال عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قَالَ ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١). وهو رادٌّ لقول زُفر: إن رمضان يجزئ من غير نية، ثم هي مبيتةٌ عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق؛ حيث قالوا: يجزئ قبل الزوال. ولا سلف لهم فيه، والنية إنما ينبغي أن تكون مقدَّمة قبل العمل، وحقيقة التبييت لغة يقتضي جزءًا من الليل (٢).

стр. 262

الحديث الثامن والثلاثون: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ، وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ، وَشَرُّ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءٌ بِوَادِي بَرَهُوتٍ، بَقِيَّةُ حَضْرَمَوْتَ كَرِجْلِ الْجَرَادِ مِنَ الْهَوَامِّ، يُصْبِحُ يَتَدَفَّقُ، وَيُمْسِي لَا بَلَالَ بِهَا» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها فيه طعام من الطعم … أي: طعام إشباع أو طعام شبعٍ. وشفاء من السقم … أي: شفاء من الأمراض. بوادي بَرَهوت … بفتح الباء والراء: بئر عميقة. وبسكون الراء وهي المشار إليها في الآية: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]. بقية حضرموت … قال الزمخشري: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن بها أرواح الكفار (٣)، أو اسم للبلد الذي فيه هذا البئر، أو واد باليمن. انتهى.

стр. 263

رجل الجراد … أي: جماعة من جراد، وهذا من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، يقال: رجل من جراد، وسرب من ظباء، وخيط من نعام، وعانة من حمير. من الهوام … أي: فيها هوام كثيرة ككثير الجراد. يصبح يتدفق … أي: يتدفق ماء لكثرته. ويُمسِي لا بِلالَ بها … بكسر الباء، جمع بلل، أي: ليس بها قطرة ماء بل ولا أرضها مبتلة. التعليق: قصة زمزم: روى البخاريُّ (١) عن ابن عباس ﵄ قال: «أول ما اتخذ النساء المِنْطقَ (٢) من قِبل أمِّ إسماعيل، اتخذت مِنْطقًا لتُعفيَ أثرَها (٣) على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي تُرضعُه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة (٤)، فوق زمزم في أعلى المسجد (٥)، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء. ثم قفَّى إبراهيم (٦) منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا،

стр. 264

وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: إذن لا يضيِّعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِيةِ (١) حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]). وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنُها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلبط (٢)، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعِها (٣)، ثم سعت سعيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: «قال النبي ﷺ : «فذلك سعيُ الناس بينهما». فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صَهٍ (٤) -تريد نفسها-، ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غِوَاثٌ (٥)، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبِه، أو قال: بجناحِه، حتى ظهر الماءُ،

стр. 265

فجعلت تُحَوِّضُه (١) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائِها، وهو يفور بعد ما تغرف». قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء-، لكانت زمزم عينًا معينًا» (٢). قال: فشربت وأرضعت ولدَها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة (٣)، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله». قال ابن حجر ﵀ (٤): (سُميت زمزم لكثرتها يقال: ماء زمزم، أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام. وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس: خمسون ونحوهم. وعن مجاهد: إنما سميت زمزم: لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة الغمز بالعقب في الأرض. أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه. وقيل: لحركتها، قاله الحربيُّ. وقيل: لأنها زمَّت بالميزان لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا). وأما بئر برَهوت: ففي الفردوس عن الأصمعي عن رجل من أهل برَهوت أنهم يجدون الريح الفظيع المنتن فيها، ثم يمكثون جثيًّا، فيأتيهم الخبر بأن عظيمًا من الكفار مات، فيرَوْن أن الريحَ منه، وقد أخذ جمعٌ من الشافعية أنه يُكره استعمالُ هذا الماء في الطهارة وغيرها (٥).

стр. 266

من فوائد الحديث: الأول: في الحديث أن المياه تتفاضل من حيث العذوبة والنقاء، وأن الله يضع في بعض المياه من البركة والتأثير ما لا يضعه في غيره. الثاني: فيه فضيلة ماء زمزم، وأنه يغني شاربَه عن الطعام، وقد مكث أبو ذر في الحرم ثلاثين بين يوم وليلة لا طعام له غير ماء زمزم، قال كما في حديث مسلم: «ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنتُ حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سَخْفةَ جوع» (١)، أي: انطوت وانثنت طاقات لحمُ بطنه من السِّمن، ولم يجد رقةَ الجوع وضعفَه وهزالَه، وهذا من بركة زمزم وفضلها (٢). الثالث: فيه أن ماء زمزم سبب في الشفاء من الأمراض، إذا شرب بنية صالحة رحمانية. الرابع: فيه أن بعض الآبار لا يصلح ماؤها لخبثه وتكاثر الهوام والحشرات به.

стр. 267

الحديث التاسع والثلاثون: ثلاث لا يُغلُّ عليهن عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِالْخَيْفِ يقولُ: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلِى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، ولزُومِ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها نضَّر الله … معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي النعمة والبهجة. فوعاها … وعى يعي وعيًا، إذا حفظ كلامًا بقلبه، ودام على حفظه ولم ينسه. لا يُغِل … قال في النِّهاية (٣): (يروى: يُغِلُّ؛ بضم الياء من الإغلال، وهو الخيانة في كل شيء، وبفتحِها: -يَغِلُّ- من الغِل، وهو الحقد، والشحناء؛ أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق.

стр. 268

وروي «يَغِلُ»، بتخفيف اللام من الوغول في الشيء؛ والمعنى: أنَّ هذه الخلال الثلاث يستصلح بها القُلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر). تحيط من ورائهم … أي: تحوطهم وتكنُفُهُمْ، وتحفظهم، يريد أهل السنة دون أهل البدع والأهواء. التعليق: قوله: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلِى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا»: هذا دعاء لمن جمع الحفظ والوعي والأداء، فكأن الدعاء موقوفًا على الحفظ والأداء، وكأنه حثَّ عليهما، فكأن الحفظ والأداء مأمورًا بهما، فأما مع وجود قوله: «كما سمعها» (١)؛ فيكون التقدير: نضر الله من أدى مقالتي كما سمعها، فيكون الدعاء مصروفًا إلى وجود الصفة متى وجد الأداء، لأن الدعاء مصروف إلى الأداء نفسه. وقوله: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»: دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه، لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط على من بعده ممن هو أفقه منه. وكذلك قوله: «فرب حامل فقه غير فقيه»؛ فإن راوي الحديث ليس الفقه من شرطه إنما شرطُه الحفظ، فأما الفهم والتدبر فعلى الفقيه. وإنما قسم العمل إلى اثنين: لأن حامل الحديث لا يخلو إما أن يكون فقيهًا أو غير فقيه، والفقيه لا يخلو أن يكون غيره أفقه منه، فانقسم لذلك إليهما (٢).

стр. 269

خبر الواحد يفيد العلم: واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن خبر الواحد يفيد العلم لا الظن، قال الشافعي ﵀ في الرسالة (١): (فلما نَدَب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظِها وأدائها امرًا يؤديها، والامْرُءُ واحدٌ: دلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يُؤدَّى عنه حلال وحرام يُجتَنَب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دينٍ ودنيا. ودلَّ على أنه قد يحمل الفقهَ غيرُ فقيه، يكون له حافظًا، ولا يكون فيه فقيهًا. وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازمٌ). ولما حثَّ النبي ﷺ من سمع مقالته على أدائها كما سمعها، علمهم أن قلب المسلم لا يُغِل على هذه الأشياء، خشية أن يَضِنوا بها على ذوي الإحن والحقد، لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبين أن أداء مقالته إلى من يسمعها من باب إخلاص العمل لله تعالى والنصيحة للمسلمين، فلا يحلُّ له أن يتهاون به، لأنه يخل بالخلال الثلاث (٢). فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغلَّ، عن قلب المسلم (٣). وقال البيضاوي ﵀ (٤): (هذه الجملة استئنافية تأكيد لما قبله، فإنه

стр. 270

ﷺ لما حرَّض على تعلم السنن ونشرها قفَّاه بردِّ ما عسى أن يعرض مانعًا وهو الغلُّ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ تعلم الشرائع، ونقلها ينبغي أن يكون خالصًا لوجه الله مبرأ عن شوائب المطامع والأغراض الدنيويَّة، وما كان كذلك لا يتأثر عن الحِقد، والحسَد. وثانيها: أنَّ أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم، وهي من وظائف الأنبياء، فمن تعرض لذلك وقام به كان خليفةً لمن يبلغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعداءهم ولا ينصحوهم لا يحسن من حامل الأخبار وناقل السنن أن يمنحها صديقه، ويمنع عدوه. وثالثها: أنَّ النقل ونشر الأحاديث إنما يكون غالبًا بين الجماعات، فحث على لزومهان ومنع عن النأي عنها؛ لحقدٍ وضغينة تكون بينه وبين حاضر بها، ببيان ما فيها من الفائدة العظمى، وهي إحاطة دعائهم بهم من ورائهم، فتحرسهم عن مكائد الشيطان وتسويله) انتهى. وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذا الحديث في كتابه الحفيل مفتاح دار السعادة وبين ما فيه من فوائد فقال (١): (إن النبيَّ دعا لمن سمع كلامه ووعاه وبلغه بالنضرة، وهي البهجة ونضارة الوجه وتحسينه، ففي الترمذي (٢) وغيره من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا

стр. 271

يُغل عليهن قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». وروى هذا الأصل عن النبي ﷺ ابن مسعود ﵁ ومعاذ بن جبل ﵁ وأبو الدرداء ﵁ وجبير بن مطعم ﵁ وأنس بن مالك ﵁ وزيد بن ثابت ﵁ والنعمان بن بشير ﵁. وقال الترمذي: حديث ابن مسعود ﵁ حديث حسن صحيح، وحديث زيد بن ثابت ﵁ حديث حسن، وأخرج الحاكم في صحيحه حديث جبير بن مطعم ﵁ (١) والنعمان بن بشير ﵁ (٢). وقال في حديث جبير ﵁: على شرط البخاري ومسلم. ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحده لكفى به شرفًا، فإن النبيَّ ﷺ دعا لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه، وهذه هي مراتب العلم: أولها وثانيها: سماعه وعقله، فإذا سمعه وعاه بقلبه، أي عقله، واستقر في قلبه كما يستقر الشيء الذي يوعى في وعائه ولا يخرج منه. وكذلك عقلُه هو بمنزلة عقل البعير والدابة ونحوها حتى لا تشرد وتذهب، ولهذا كان الوعي والعقل قدرا زائدا على مجرد إدراك المعلوم. المرتبة الثالثة: تعاهده وحفظه حتى لا ينساه فيذهب. المرتبة الرابعة: تبليغُه وبثُّه في الأمة؛ ليحصل به ثمرته ومقصوده، وهو بثه

стр. 272

في الأمة، فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا ينفق منه، وهو معرض لذهابه، فإن العلم ما لم ينفق منه ويعلَّم، فإنه يوشك أن يذهب، فإذا أنفق منه نما وزكا على الإنفاق. فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية، المتضمنة لجمال الظاهر والباطن، فإن النضرة هي البهجة والحسن الذي يُكساه الوجه من آثار الايمان، وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به، فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارةً على الوجه، ولهذا يجمع له سبحانه بين البهجة والسرور والنضرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]؛ فالنضرة في وجوههم والسرور في قلوبهم. فالنعيم وطيب القلب يظهر نضارة في الوجه، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]. والمقصود أن هذه النضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ﷺ ووعاها وحفظها وبلغها، فهي أثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه. وقوله: «ربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»: تنبيه على فائدة التبليغ، وأن المبلَّغ قد يكون أفهم من المبلِّغ، فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلغ، أو يكون المعنى: أن المبلَّغ قد يكون أفقه من المبلِّغ، فإذا سمع تلك المقالة حملها على أحسن وجوهها، واستنبط فقهها وعلم المراد منها. وقوله: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إلى آخره»: أي: لا يحمل الغلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة، فإنها تنفي الغل والغش،

стр. 273

وهو فساد القلب وسخائمُه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة، لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]؛ فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فانصرف عنه السوء والفحشاء. ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص، استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٢١]، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام هو مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان. وقوله: «ومناصحة أئمة المسلمين»: هذا أيضًا مناف للغل والغش، فإن النصيحة لا تجامع الغِلَّ إذ هي ضده، فمن نصح الأئمة والأمة، فقد برئ من الغل. وقوله: «ولزوم جماعتهم»: هذا أيضًا مما يطهر القلب من الغل والغش، فإن صاحبه للزومِه جماعة المسلمين، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسؤوهم، ويسره ما يسرهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم، والعيب والذم لهم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غلًّا وغشا، ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص؛

стр. 274

أغشُّهم للائمة والأمة، وأشدُّهم بعدًا عن جماعة المسلمين، فهؤلاء أشد الناس غلًّا وغشًّا بشهادة الرسول ﷺ والأمة عليهم، وشهادتهم على أنفسهم بذلك، فانهم لايكونون قط إلا أعوانًا وظهرًا على أهل الإسلام، فاي عدو قام للمسلمين كانوا أعوان ذلك العدو وبطانته، وهذا مر قد شاهدتْه الأمة منهم، ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم الآذانَ ويشجي القلوب. وقوله: «فإن دعوتهم تحيط من ورائهم»: هذا من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنًى؛ شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم، فتلك الدعوة -التي هي دعوة الإسلام، وهم داخلوها- لما كانت سورًا وسياجًا عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام، كما أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شعثَها، وتُحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته). من فوائد الحديث: الأول: استدل الشافعي بهذا الحديث على أن خبر الواحد يفيد العلم لا الظن. الثاني: في قوله: «ربَّ حامل فقه لا فقه له»، هذا أقوى دليل على ردِّ كلام من شرط لقبول الرواية، كون الراوي فقيهًا عالمًا (١). الثالث: وفيه أن أساس كل خير حسن الاستماع: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].

стр. 275

وقد حقق العارفون أن كلام الله رسالة من الله لعبيده ومخاطبة لهم، وهو البحر المشتمل على جواهر العلم، ولهذا قاموا بأدب سماعه ورعوه حق رعايته، وقد تجلى سبحانه لخلقه في كلامه ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، وكذا كلام رسوله ﷺ ، مما يتعين حسن الاستماع إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى (١). الرابع: وفيه أن هذه الخلال المذكورة في الحديث من الإخلاص، والنصيحة، ولزوم جماعة المسلمين يستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد (٢). الخامس: وفيه أن الجماعة رحمة وقوة ونصر للأمة، والفرقة عذاب ونقمة وانكسار للأمة.

стр. 276

الحديث الأربعون: من أحيا سنة عن جرير بن عبد الله ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ … إِلَى آخِرِ الْآيَة: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]. تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (١).

стр. 277

معاني الكلمات (١): الكلمة … معناها مجتابي النمار … أي: لابسيها النمار، جمع: نمرة: وهي كساء من صوف ملون مخطط، كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض، واجتابوها: قطعوها فلبسوها، وأصل الجوب القطع، ومنه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف. العباء … جمع: عباءة وعباية لغتان، نوع من الأكسية. فتمعَّر … أي: تغير مما شق عليه من أمرهم. الفاقة … الفقر. تصدق رجل … أي: ليتصدق. والكومة من الطعام … الصبرة، وأصل الكوم ما ارتفع من الشيء، وهو العظيم من كل شيء. يتهلل … يستنير ويظهر عليه أمارات السرور. مذهبة … معناه: فضة مذهبة، وهذا أبلغ في حسن الوجه وإشراقه. وقيل: شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود، وجمعها: مذاهب، وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود، وتجعل فيها خطوطًا مذهبة يرى بعضها إثر بعض.

стр. 278

التعليق: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (هذا حديث عظيم، يتبين منه حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله ﷺ في أول النهار، إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف ﵃، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه، قد اجتباه يستر به عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد ﵃. فتمعَّر وجه النبي ﷺ ، يعني: تغير وتلوَّن لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته ﷺ ، ثم خرج، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس ﷺ ، فحمد الله ﷺ كما هي عادته، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحشر: ١٨]. ثم حثَّ على الصدقة، فقال: تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة. وكان الصحابة ﵃ أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه،

стр. 279

وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت، ثم وضعها بين يدي الرسول ﷺ . ثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وجه النبي ﷺ بعد أن تمعَّر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني: من شدة بريقه ولمعانه وسروره ﷺ لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سدُّ حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». والمراد بالسنة في قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنةً حسنة»، ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو ردٌّ وليس بحسن، لكن المراد بمن سنَّها، أي: صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرَّة ﵁، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء بادر إليها، أو أحياها بعد أن أميتت «فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده» (١). وذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام: سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها، لقول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (٢).

стр. 280

وسنة حسنة: وهي على نوعين: النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يُجددها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان (١)، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أول خلافة عمر، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا سنة كانت قد تركت. والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل. فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع؛ فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده. وقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها).

стр. 281

من فوائد الحديث: أولًا: فيه إشفاق النبي ﷺ على أمته، ورحمته أهل الفاقة والحاجة. قال حسان بن ثابت ﵁ في مرثيته للرسول ﷺ (١): وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ … وَلَا مِثْلُهُ حَتّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ ثانيًا: فيه استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (٢). ثالثًا: فيه مسارعة الصحابة ﵃ إلى أفعال الخير والبر وتسابقهم في طاعة الله ورسوله ﷺ . رابعًا: فيه الفرح إذا أصاب المسلمين خير، وإذا رآهم على خير، قال النووي ﵀ (٣): (وأما سبب سروره ﷺ ، ففرحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئا من هذا القبيل أن يفرح ويظهر سروره). خامسًا: قوله: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها … إلى آخره»: فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات.

стр. 282

وسبب هذا الكلام في هذا الحديث؛ أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، فتتابع الناس، وكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وأن المراد به: المحدثات الباطلة والبدع المذمومة (١).

стр. 283

الحديث الحادي والأربعون: من أسباب المغفرة عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رواه الترمذي (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها آدم … قيل: هو أعجمي لا اشتقاق له، وقيل: هو عربي مشتق من أديم الأرض، لأنه خلق منه، وهو لا ينصرف للعَلَمية ووزن الفعل، إذ وزنه أفعل مثل أحمد. ما دعوتني ورجوتني … أي: ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تقنط من رحمتي، فإني أغفر لك، ولا يعظم عليَّ مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة. وأما معنى الدعاء والرجاء: فالدعاء سؤال النفع والصلاح. والرجاء: تأميل الخير، وهو اعتقاد قرب وقوعه.

стр. 284

ولا أبالي … كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر، لأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، والمعنى: ولا أتعظَّم على مغفرتك، وإن كانت ذنوبُك كثيرةً. عنان السماء … العنان: السحاب، أي: ما ظهر منها، أو ما عنَّ لك فيها. بقراب الأرض … ما يقارب مِلْأَها، وقيل: ملؤها وهو أشبه، لأن الكلام في سياق المبالغة، ومثله طباقُها وطلاعُها. التعليق: تضمن هذا الحديث العظيم ثلاثة أسباب للمغفرة: السبب الأول: الدعاء مع الرجاء. السبب الثاني: الاستغفار. السبب الثالث: التوحيد والبراءة من الشرك. قال ابن رجب ﵀ (١): (فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها: الدعاء مع الرجاء: فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الدعاء هو العبادة» (٢)، ثم تلا هذه الآية.

стр. 285

أسباب الإجابة: لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه. ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافلٍ لاهٍ» (١). ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له (٢). ونهي أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة (٣)، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملِحِّين في الدعاء. وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]).
следующие страницы →