← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1233

اللآليء المكية من كلام خير البرية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (491 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من فوائد الحديث: أولًا: فيه إشفاق النبي ﷺ على أمته، ورحمته أهل الفاقة والحاجة. قال حسان بن ثابت ﵁ في مرثيته للرسول ﷺ (١): وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ … وَلَا مِثْلُهُ حَتّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ ثانيًا: فيه استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (٢). ثالثًا: فيه مسارعة الصحابة ﵃ إلى أفعال الخير والبر وتسابقهم في طاعة الله ورسوله ﷺ . رابعًا: فيه الفرح إذا أصاب المسلمين خير، وإذا رآهم على خير، قال النووي ﵀ (٣): (وأما سبب سروره ﷺ ، ففرحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئا من هذا القبيل أن يفرح ويظهر سروره). خامسًا: قوله: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها … إلى آخره»: فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات.

стр. 282

وسبب هذا الكلام في هذا الحديث؛ أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، فتتابع الناس، وكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وأن المراد به: المحدثات الباطلة والبدع المذمومة (١).

стр. 283

الحديث الحادي والأربعون: من أسباب المغفرة عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رواه الترمذي (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها آدم … قيل: هو أعجمي لا اشتقاق له، وقيل: هو عربي مشتق من أديم الأرض، لأنه خلق منه، وهو لا ينصرف للعَلَمية ووزن الفعل، إذ وزنه أفعل مثل أحمد. ما دعوتني ورجوتني … أي: ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تقنط من رحمتي، فإني أغفر لك، ولا يعظم عليَّ مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة. وأما معنى الدعاء والرجاء: فالدعاء سؤال النفع والصلاح. والرجاء: تأميل الخير، وهو اعتقاد قرب وقوعه.

стр. 284

ولا أبالي … كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر، لأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، والمعنى: ولا أتعظَّم على مغفرتك، وإن كانت ذنوبُك كثيرةً. عنان السماء … العنان: السحاب، أي: ما ظهر منها، أو ما عنَّ لك فيها. بقراب الأرض … ما يقارب مِلْأَها، وقيل: ملؤها وهو أشبه، لأن الكلام في سياق المبالغة، ومثله طباقُها وطلاعُها. التعليق: تضمن هذا الحديث العظيم ثلاثة أسباب للمغفرة: السبب الأول: الدعاء مع الرجاء. السبب الثاني: الاستغفار. السبب الثالث: التوحيد والبراءة من الشرك. قال ابن رجب ﵀ (١): (فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها: الدعاء مع الرجاء: فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الدعاء هو العبادة» (٢)، ثم تلا هذه الآية.

стр. 285

أسباب الإجابة: لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه. ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافلٍ لاهٍ» (١). ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له (٢). ونهي أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة (٣)، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملِحِّين في الدعاء. وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]).

стр. 286

فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب، يوشك أن يفتح له. ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبي ﷺ : «حولها ندندن» (١)، يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه، ويعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا، أو أن يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا، كما في المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذًا نكثر؟ قال: «الله أكثر» (٢).

стр. 287

وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة، والله تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (١). فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره. وقوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي»: يعني: على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أستكثره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ ، قال: «إذا دعا أحدكم فليُعَظِّم الرغبةَ، فإن الله لا يتعاظمه شيء» (٢). فذنوب العبد وإن عظُمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. يا رب إن عظمت ذنوني كثرةً … فلقد علمت بأن عفوَك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ … فمن الذي يرجو ويدعو المجرمُ ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا … وجميل عفوك ثم إني مسلم السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار: ولو عظُمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان السماء، وهو السحاب، وقيل: ما انتهى إليه البصر منها.

стр. 288

والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار: فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. وتارة يمدح أهله، كقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح. وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيَّد بما ذكر في آية «آل عمران» من عدم الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يُصِرّ على فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد. ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي، طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنب، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة؛ كالأسحار وأدبار الصلوات.

стр. 289

ويروى عن لقمان ﵇ أنه قال لابنه: «يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلًا». وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وعن مغيث بن سميّ، قال: بينما رجل خبيث، فتذكر يوما، فقال: اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات فغفر له. ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر» (١)، فذكر مثل الأول مرتين أخريين. وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: «قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء» (٢)، والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار. ولهذا في حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة». خرجه أبو داود والترمذي (٣).

стр. 290

وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده. وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون» (١). وقول القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: اللهم اغفر لي، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم بالمغفرة. قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره. وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير، وفي ذلك يقول بعضهم: أستغفر الله من أستغفر الله … من لفظة بدرت خالفتُ معناها وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد … سددتُ بالذنب عند الله مجراها فأفضل الاستغفار ما اقتُرن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال بلسانه: أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي، وهو حسن وقد يرجى له الإجابة. وأما من قال: توبة الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.

стр. 291

أفضل أنواع الاستغفار: وأفضل أنواع الاستغفار: أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، كما في حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». أخرجه البخاري (١). وفي الصحيحين (٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. وقد روي عن النبي ﷺ أن من قاله غفر له وإن كان فرَّ من الزحف؛ أخرجه أبو داود والترمذي (٣).

стр. 292

وفي السنن الأربعة (١) عن ابن عمر ﵄، قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور». وفي صحيح البخاري (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». وفي صحيح مسلم (٣) عن الأغرِّ المُزَني ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة». وفي سنن أبي داود (٤) عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». قال أبو هريرة ﵁: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي». وقالت عائشة ﵂: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا). قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير. وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار.

стр. 293

قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. ومن زاد اهتمامه بذنوبه، فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه، فالتمس منه الاستغفار. وكان عمر ﵁ يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة ﵁ يقول لغلمان الكتاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة ﵁، فيؤمِّن على دعائهم. ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء، فليستغفر الله مما علم الله، فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وفي حديث شداد بن أوس ﵁، عن النبي ﷺ : «أسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» (١).

стр. 294

وفي مثل هذا يقول بعضهم: أستغفر الله مما يعلم الله … إن الشقيَّ لمن لا يرحم الله ما أحلمَ الله عمن لا يراقبُه … كلٌّ مسيءٌ ولكن يحلم الله فاستغفر الله مما كان من زلل … طوبى لمن كف عما يكره الله طوبى لمن حسُنت منه سريرتُه … طوبى لمن ينتهي عما نهى الله السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد: وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته ألَّا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. قال بعضهم: الموحِّد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يلقى فيها ما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمُل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة، وخشية، ورجاء وتوكلًا، وحينئذ تُحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثلَ زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه

стр. 295

ذرة على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات كما في المسند وغيره (١)، عن أم هانئ ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا، ولا يسبقها عمل». إذا علقت نار المحبة بالقلب أحرقت منه كلَّ شيء ما سوى الرب ، فطهر القلب حينئذ من الأغيار، وصلح عرشًا للتوحيد). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى، وأنه لا يقنط عباده من رحمته. ثانيًا: فيه الحث على الدعاء مع الرجاء، وأنه من أسباب المغفرة. ثالثًا: فيه الحث على الاستغفار وأنه من أسباب المغفرة. رابعًا: فيه فضيلة الموت على التوحيد، والبراءة من الشرك وأهله. خامسًا: فيه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك، لأن الإيمان أصل يبنى عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي. أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٢).

стр. 296

الحديث الثاني والأربعون: الشقي والسعيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «تَعِسَ عبد الدِّينَارِ، وَعبد الدِّرْهَمِ، وَعبد الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ». رواه البخاري (١). معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها تعِس … ضد سعِد، تقول: تعس فلان، أي: شقي، وقيل: عَثُر فسقط لوجهه، وقيل: تعس: أخطأ حجتَه وبغيته. وانتكس … أي: عاوده المرض، وقيل: إذا سقط اشتغل بسقطته، حتى يسقط أخرى.

стр. 297

القطيفة … نوع من الأكسية. الخميصة … وهي ثوب خز أو صوف معلم، وخُصَّت بالذكر لأن الغالب في لبسها الخيلاء والرعونة والرياء والسمعة، ومن كمال ميل النفس إليها وعدم الطاقة على مفارقتها، فكأنه عبد لها. وانتكس … قال ابن السكيت: سقط على رأسه، تقول: نكست الشيء: إذا قلبته. شيك … أي: أصاب الشوك جسده. فلا انتقش … أي: فلا قدر على إخراجه من بدنه ولا استطاع، يقال: نقشت الشوك: إذا استخرجته بالمنقاش. طوبى … فُعلى من الطيب، اسم الجنة أو شجرة فيها. بعنان فرسه … أي: بلجامه. إن كان في الحراسة، وإن كان في الساقة … المعنى: أنه خامل الذِّكْرِ لا يقصد السمو، فأين اتفق له كان فيه. التعليق: يدل هذا الحديث على أن من كان همّه طلب الأموال والزينة الدنيوية من كافة وجوهها، وصار عمله كله في تحصيلها، فهو كالعابد لها، فقد شبهه بالعبد؛ لأنه لانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، كالعبد الذي لا يخلص من أحكام الرِّقِّيَّة، وليس المذموم مجرد ملك الدينار المنتفع به في حاجاته ومقاصده، فإن ذلك مما يمدح ويحمد، بل قد يجب التملك ليسد به الخلة، وينفق على من يجب عليه الإنفاق (١). ولكن المذموم هو التفرغ للزينة وجمع الأموال، بحيث تستولي على القلب بالكلية. وقد لا يفرق في سبيل ذلك بين الوجوه المباحة والوجوه المحرمة، ولذلك فهو لا يرضى عن الله إلا إذا تحصل عليها، ونال ما يريد منها، وإن لم يعط سخط ما قدَّر له خالقه ويسر له من رزقه، فصح بهذا أنه عبد في طلبها، فوجب الدعاء عليه بالتعس والانتكاس؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك العمل لنعيم الآخرة الباقي.

стр. 298

قال الصنعاني ﵀ (١): (أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها، وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك؛ لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها. وذكرُ الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكلُّ من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقا بنيل ما يريد أو عدم نيله، فهو عبده، فمن الناس من يستعبده حب الإمارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم من يستعبده حب الأطيان. واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يُبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة، فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. وقوله «رضِي»، أي: عن الله بما ناله من حطامها. «وإن لم يعط لم يرض»، أي عنه تعالى ولا عن نفسه، فصار ساخطًا، فهذا الذي تعس؛ لأنه قصر رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه. والحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]). ثم انتقل النبي ﷺ إلى بيان العبودية الشرعية، التي ما خُلق الخلق إلا لأجلها، وهي العبودية لله ، فذكر صفة العابد لله في موطن الجهاد في سبيل الله، فهو ماسك بلجام فرسه في طريقه إلى الجهاد، لا ينظر إلى قطيفة ولا خميصة، ولا إلى أجر دنيوي؛ بل هو أشعث الرأس، مغبر القدمين.

стр. 299

قال الهروي ﵀ (١): («إن كان في الحراسة»: أي: حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يتهجم عليهم عدوهم «كان»، أي: كاملًا «في الحراسة»: غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ونحوهما، والحراسة وإن كانت في اللغة أعم لكنها في العرف مختصة بمقدمة العسكر. ولذا قال: «وإن كان في الساقة»: أي: في مؤخرة الجيش «كان في الساقة»، أي: كاملًا في تلك الحالة أيضًا؛ بأن لا يخاف من الانقطاع، ولا يهتم إلى السبق بل يلازم ما هو لأجله. وقد تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا يراد بالجزاء الكمال، فالمعنى: إن كان في الحراسة أو الساقة يبذل جهده فيها، ولا يغفل عنها على وجه الكمال. قال التوربشتي ﵀: أراد بالحراسة: حراسته من العدو أن يهجم عليهم، وذلك يكون في مقدمة الجيش، والساقة مؤخرة الجيش، فالمعنى: ائتماره لما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يُفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة، وأكثر آفة، الأول عند دخولهم دار الحرب، والآخر عند خروجهم. وهو مع ذلك: «إن استأذن»، أي: طلب الإذن في دخول محفل، «لم يؤذن له»، أي: لعدم ماله وجاهه «وإن شفع»، أي: لأحد «لم يشفَّع»: بتشديد الفاء المفتوحة، أي: لم تُقبل شفاعته. وتوضيحه ما قيل: إن فيه إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في معالجة نفسه، لا يبتغي مالًا ولا جاهًا عند الناس، بل يكون عند الله وجيهًا، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعًا مشفعًا).

стр. 300

من فوائد الحديث: أولًا: الإشارة إلى أن من تعلق بشيء تعلقًا تامًّا صار له مثل العبد، ولذلك نجد العشاق يفخرون بأن يوصفوا بأنهم عبيد لمن عشقوهم، كما قال الشاعر: لا تدْعُني إلا بيا عبدِها … فإنه أشرفُ أسمائي لأنه يتلذذ بكونه رقيقًا لها. ثانيًا: أنه ينبغي للإنسان أن يكون رضاه فيما يرضي الله وسخطه فيما يسخط الله، لا أن يكون ذلك تبعًا للدنيا؛ لأن الدنيا فانية. ثالثًا: وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يُخْرِجَ الدنيا من قلبه قبل أن تفجأه منيته، حتى لا يكون عبدًا ذليلًا لها (١). رابعًا: وفيه ذم التقيد بالزينة الظاهرة مما يتعلق بالثياب الجميلة، لا سيما إذا كانت محرمة أو مكروهة، وعدم التعلق بتخلية الباطن عن الأوصاف الدنية، وتحليتها بالنعوت الرضية، فإن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن رقَّ ثوبه رقَّ دينُه (٢). خامسًا: وفيه فضل الجهاد في سبيل الله على وجه الصدق والإخلاص. سادسًا: وفيه فضل الحراسة والساقة. ثامنًا: وفيه فضل الخمول عن طلب الدنيا والزهد فيها.

стр. 301

الحديث الثالث والأربعون: لا خِلابة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ: إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: «لَا خِلَابَةَ» (١). رواه البخاري. معاني الكلمات: الكلمة … معناها أُخْدع … أي: أُغبن. لا خلابة … لا خديعة. التعليق: هذا الرجل اسمه حَبَّان بن منقذ، جاء إلى النبي ﷺ يشكوه أنه دائمًا يخدع في البيع من التجار، وذلك لقلة خبرته بالمعاملات من كبر سِنِّه، وقيل: كان متغيرَ العقلِ لشَجِّ رأسه في الغزو، فجاء أهلُه إلى رسول الله ﷺ ، فشكوا إليه لخرفِه الغبنَ، وطلبوا منه ﷺ أن يَحجِرَ عليه، فنهاه عن البيع، فقال الرجل: يا رسولَ الله! لم يكن لي صبرٌ عن البيع، فرفع عنه الحَجْر، وقال: «إذا بايعتَ قل: لا خِلابَة» (٢)، وكان الرجل إذا بايَعَ بيعًا قال: لا خِلابَة؛ يعني: لا خديعةَ؛ يعني: أبيعُ هذه بشرط أن أردَّ الثمنَ وأستردَّ المَبيعَ إذا ظهرَ لي غُبن فيه.

стр. 302

واختُلف في أن هذا الشرط كان خاصةً لذلك الرجل، أم لجميع مَنْ شرطَ هذا الشرط؟ (١) فعند أحمد: يثبُتُ الردٌّ به لمَن شرطَ هذا الشرط؛ أي: لمَن قال في وقت البيع: «لا خِلابَة»، أو يقول هذا المعنى بلسان آخر. وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا يثبت الخيارُ بالغُبن، سواءٌ قال هذا اللفظَ أو لم يقل. وعند مالك: يثبت الخيارُ لمَن لا بصيرةَ له بمعرفة المتاع من العاقدين، سواءٌ شرطَ هذا الشرطَ أو لم يشرط، وأما إذا شرطَ المتبايعان أو أحدُهما خيارَ ثلاثةِ أيامٍ فما دونَها جازَ، ويثبت له الخيارُ في القَدْر الذي شَرَطَ. وأولُ وقت خيار الشرط من وقت العقد في أصحِّ القولَين، ومِن أول تفرُّقهما من المجلس في القول الثاني. ولا يجوز له الشرطُ أكثرَ من ثلاثة أيام، فإنْ شَرَطَ فسدَ البيعُ عند الشافعي وأبي حنيفة (٢). وقال أبو ثور ﵀ (٣): (إذا كان الغبن فاحشًا لا يتغابن الناس بمثله فسد البيع، وأنه إذا ذكرت هذه الكلمة في العقد، ثم ظهرت فيه غبينةٌ كان له الخيار، وكأنه شرط أن يكون الثمن غير زائد عن ثمن المثل، فيضاهي ما إذا شرط وصفًا

стр. 303

مقصودًا في المبيع فبان خلافُه، وهو قول أحمد ﵀، وذهب أكثر العلماء، إلى أن مجرد هذا اللفظ لا يوجب الخيار بالغبن). قال التوربشتي ﵀ (١): (وتأويل الحديث على ذلك أن نقول: لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع؛ فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها؛ فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر ما ينظرون لأنفسهم). وقد بين النبي ﷺ لأصحابه فضل الأمانة في البيع والشراء وما كان عليه بعض الناس من أمانة في عصور سالفة، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «اشترى رجل من رجل عِقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقارِه جرةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرضَ، ولم أبتع منك الذهبَ، وقال الذي له الأرض: إنما بعتُك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجلٍ، فقال: الذي تحاكما إليه: ألكُما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدَّقا» (٢). وبين النبي ﷺ : أن الأمانة والنصيحة والصدق في البيع والشراء تجلب البركة، والنماء والخير للبائع والمشتري، وأن الغش والخديعة والكذب تمحق البركة وتجلب سخط الله والعداوة بين الناس، فعن حكيم بن حزام

стр. 304

﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، -أو قال: حتى يتفرقا- فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (١). وحذر النبي ﷺ من الغش والخداع في البيع، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبرة طعام (٢) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء (٣) يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (٤). وقد ضرب السلف ﵏ أروع الأمثلة في أمانة البيع والشراء والنصيحة للمسلمين، فعن بشر بن المفضل، قال: جاءت امرأة بمِطْرف خزٍّ إلى يونس بن عبيد ﵀، فعرضَتْه عليه، فنظر إليه فقال لها: بكم؟، قالت: بستين درهما. قال: فألقاه إلى جار له فقال: كيف تراه بعشرين ومائة؟ قال: هو ثمنه أو نحوه، فقال لها: انطلقي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة، قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين درهما، قال: انطلقي فاستأمريهم (٥). وعن ربيع الخزاز ﵀، قال: جاءت امرأة شوذب بثوبِ خزٍّ، فألقته على يونس ﵀ فقالت: اشتر هذا، قال: بكم؟ قالت: بمائة، قال: ثوبك خير من

стр. 305

ذلك، قالت: بمائتين، قال: ثوبك خير من ذلك، قالت: بثلاثمائة، قال: ثوبك خير من ذلك، قالت: بأربع مائة -قال أبو بشر ﵀: فأنا أشك حتى بلغ أربع مائة، أو خمس مائة- قال: هذا عندنا إن اشتراه رجل فوضعه عنده حتى جاء طالب ربح فيه فأخذه، قالت: خذه، قال: فلما ذهبت أقبل عليه أصحابه قالوا: يا أبا عبد الله، ما كان عليك لو أخذته بمائة؟ قال: لا شيء، إلا أني ظننت أنها مغرورة فأحببت أن أنصحها (١). وعن شعيب بن الحبحاب ﵀، قال: أول ما جرى بيني وبين أبي العالية، أنه جاء إلى السوق يطلب ثوبًا، فأتاني فأخرجت له ثوبًا صالحًا، وأخذت الدراهم، فذهب فأراه فقالوا: هذا خير من دراهمِك، قال: فجاء فقال: ردَّ علينا دراهمنا بارك الله فيك، فرددت عليه الدراهم، وأخذت الثوبَ (٢). من فوائد الحديث: يدل الحديث على أنه لا يجوز الخداع في البيع والشراء، فالدين النصيحة، فينبغي للمسلم أن ينصح لأخيه المسلم في بيعه وشرائه، وبخاصة إذا كان ممن لا خبرة لهم بأمور البيع والشراء.

стр. 306

الحديث الرابع والأربعون: من عادى لي وليًّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (١). رواه البخاري. معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها وَلِيًّا … الولي: هو المؤمن التقي، كما فسره الله بذلك في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، فهذا تفسيره تعالى للولي لا يقبل غيره، وأما اصطلاح الصوفية وغلوهم وجعلهم للولي من اتصف بصفات جمعوها، وبلوغهم به إلى فوق رتبة النبوة فمن الهوس والأباطيل. فقد آذنته بالحرب … أعلمته أني محارب له، وحرب الله لا تنحصر في نوع معين.

стр. 307

افترضت عليه … الفرائض الظاهرة فعلًا؛ كالصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات، وتركًا؛ كالزنا والقتل وغيرهما من المحرمات، والباطنة؛ كالعلم بالله والحب له، والتوكل عليه والخوف منه وغير ذلك، وهي تنقسم أيضًا إلى أفعال وتروك (١). التعليق: ذكر ابن الجوزي ﵀ (٢) أن هذا الحديث فيه عدة إشكالات (٣): أحدها: أن يقال: كيف يعادي الإنسان الأولياء، والأولياء قد تركوا الدنيا وانفردوا عن الخلق، فإن جهل عليهم جاهل حلموا، والعداوة إنما تكون عن خصومة؟ والإشكال الثاني: قوله: «فقد آذنته بالحرب»، وكيف يتصور الحرب بين الخالق والمخلوق؟ والمحارب مناظر، وهذا المخلوق في أسر قبضة الخالق. والإشكال الثالث: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، والعادة قد جرت بأن التقرب يكون بما لا يجب، كالهدايا إلى الملوك دون أداء الخراج، فإن مؤدي اللازم لا يكاد يحمد، وإنما يشكر من فعل ما لا يجب. والرابع: أن يقال: فإذا كانت الفرائض أفضل القربات، فكيف أثمرت النوافل المحبة ولم تثمرها الفرائض؟ والخامس: قوله: «كنت سمعه وبصره ويده»، فما صورة هذا؟

стр. 308

والسادس: قوله: «ولئن سألني لأعطينه»، وكم قد رأينا من عابد وصالح يدعو ويبالغ ولا يرى إجابة. والجواب: أما الإشكال الأول: فإن معاداة الأولياء يقع من أربعة أوجه: أحدها: أن يعاديهم الإنسان عصبية لغيرهم، كما يعادي الرافضي أبا بكر وعمر. والثاني: مخالفة لمذهبهم، كما يعادي أهل البدع أحمد ابن حنبل. والثالث: احتقارًا لهم، فيكون الفعل بهم فعل الأعداء، كما كان بعض الجهال يحصب أويسًا القرني. والرابع: أنه قد يكون بين الولي وبين الناس معاملات وخصومات وليس كل الأولياء ينفردون في الزوايا، فربَّ وليٍّ في السوق! وأما الإشكال الثاني: فإن الإنسان إنما خوطب بما يعقل، ونهاية العداوة الحرب، ومحاربة الله للإنسان أن يهلكه، وتقدير الكلام: فقد تعرض لإهلاكي إياه. وأما الإشكال الثالث: فإن في أداء الواجبات احترامًا للأمر وتعظيما للأمر، وبذلك الانقياد تظهر عظمة الربوبية، ويبين ذل العبودية. وأما الإشكال الرابع: فإنه لما أدى المؤمن جميع الواجبات، ثم زاد بالتنفل وقعت المحبة لقصد التقرب، لأن مؤدي الفرض ربما فعله خوفًا من العقاب، والمتقرب بالنفل لا يفعله إلا إيثارًا للخدمة والقرب، فيثمر له ذلك مقصوده. وأما الإشكال الخامس: فإن قوله: «كنت سمعه وبصره»، مثلٌ، وله أربعة أوجه:

стр. 309

أحدهما: كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحبُّ هذه الجوارح. والثاني: أن كُلِّيَّتَه مشغولةٌ، فلا يُصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يبصر إلا عن أمري. والثالث: أن المعنى: أني أحصل له مقاصده كما يناله بسمعه وبصره. والرابع: كنت له في العون والنصرة كبصره ويده اللذين يعاونانه على عدوه. وأما الإشكال السادس: فإنه ما سئل ولي قط إلا وأجيب، وإلا أنه قد تؤخر الإجابة لمصلحة، وقد يسأل ما يظن فيه مصلحة ولا يكون فيه مصلحة، فيعوض سواه. لا يوصف الله تعالى بالتردُّد المطلق: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (ورد في حديث: «من عادى لي وليًّا»، في نهاية الحديث يقول الله : «وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن»، فهل في هذا إثبات صفة التردد لله ؟ أو كيف التوفيق في هذا الأمر؟ فأجاب: إثبات التردد لله على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: «وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن»، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل الرحمة بهذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: «يكره الموت وأكره مساءتَه، ولا بد

стр. 310

منه»، وهذا لا يعني: أن الله موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد؛ إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه؛ أي: هل يقدر أو لا يقدر، أما الربُّ فلا). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ (١). فأجاب: (هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أنَّ كلام رسوله ﷺ حقٌّ، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ﷺ ، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذْلِقُ والمنكر عليه من أضلَّ الناس وأجهلِهم وأسوئِهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردِّد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه لا يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردَّد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحَبُّ من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل: الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ … فاعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ

стр. 311

وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: «حُفَّت النارُ بالشهوات، وحُفَّت الجنةُ بالمكاره» (١)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه»؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًّا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبُّها ويحبُّ فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحقِّ، فأحبه الحق. والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه. والله قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريدٌ لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءَة عبده، وهي المساءةُ التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادةُ الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته). من فوائد الحديث: أولًا: في الحديث بيان تحريم معاداة أولياء الله تعالى من المؤمنين الطائعين، وأن من عاداهم فقد تعرض لما لا قبل له به من إهلاك الله له وانتقامه منه؛ فإن الحرب تنشأ عن العداوة والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب

стр. 312

الهلاك، والله لا يغلبه غالب، فكأن المعنى فقد تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، أي: أعمل به ما يعمله العدو المحارب (١). ثانيًا: قال ابن هبيرة: ويستفاد من هذا الحديث تقديم الإعذار على الإنذار، وهو واضح قوله: «فقد آذنته»، أي: أعلمتُه والإيذان الإعلام (٢). ثالثًا: وفيه أن فعل الواجبات أحب إليه تعالى مما سواها. قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل؛ فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبًا، وأيضًا فالفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية؛ فكان التقرب بذلك أعظم (٣). رابعًا: وفيه أن التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، مما يزيد من محبة الله للعبد. خامسًا: وفيه أن الله يتولى أولياءه وهم عباده الصالحون بالحفظ والرعاية والدفع والنصر والمدد والغوث في جميع حركاتهم وسكناتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا

стр. 313

يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وغير ذلك من الآيات. سادسًا: في قوله: «كنت سمعه الذي يسمع به»، وقوله: «وبصره الذي يبصر به» .. إلخ، أي: أنه يسدده في جوارحه وفي أقواله وأفعاله؛ فحينئذ: لا ينطق العبد الا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به (١). سابعًا: وفيه أن الإيمان والتقوى وسيلة كل خير، ومن ذلك إجابة الدعاء، والإعاذة من كل مكروه، كما قال: «وإن سألني لأعطينه» مطلوبه «ولإن استعاذني لأُعِيذَنَّه» من كل مكروه (٢). ثامنًا: ويؤخذ من هذا الحديث: ألَّا يحكم لإنسان آذى وليًّا، ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله؛ فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه؛ كالمصيبة في الدين مثلًا (٣).

стр. 314

الحديث الخامس والأربعون: وعليكم بالدلجة عن أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵇ قَالَ: «إذَا أَخْصَبَتِ الْأَرْضُ فَانْزِلُوا عَنْ ظَهْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ حَقَّهُ مِنَ الْكَلَإِ، وَإِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ فَامْضُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (٢). معاني الكلمات (٣): الكلمة … معناها أخصبت الأرض … الخصبُ: هو كثرةُ العشبِ والمرعى وهو ضدُّ الجدب. فأعطوه حقَّه من الكلأ … وفي حديث أبي هريرة ﵁: «من الأرض»، أي: فأعطوا الإبل حقها من العشب والماء والراحة.

стр. 315

فامضوا عليها بنِقْيِها … أي: أسرعوا عليها السير ما دامت قوية عليه قبل الهزال والضعف، فإنكم إِنْ أبطأتم عَلَيْهَا فِي أَرض الجدب ضعفت وهزلت. والنِّقْيُ: بكسر النون: المخ، ثم يقال للشحم: نِقْيٌ. قال مالك: هو شحمُها وقوَّتها. وعليكم بالدُّلْجة … وهي سير الليل، يقال: أدلج بالتخفيف؛ إذا سار من أول الليل. ودلج بالتشديد: إذا سار من آخره. والاسم منهما: الدلجة، والإدلاج: السير في ظلمة أول الليل. السَّنة … القحط والجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، أي: بالقحوط. عرَّستم بالليل … نزلتم عن دوابكم بالليل للنوم والراحة. الهوام … الحيات، وكل ذي سُمٍّ يقتل. التعليق: هذان الحديثان فيهما بعض التوجيهات النبوية للمسافرين، وذلك للتخفيف من مشقة السفر سواء على المسافرين، أو على الدواب التي تحملهم، وكذلك للحفاظ على سلامتهم من الدواب والحشرات أثناء الراحة والنوم. قال أبو جعفر الطحاوي ﵀ (١) عن الحديث الأول: (فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه أمر رسول الله ﵇ في حال الخصب بالنزول عن الظهرِ، ليأخذ حاجتَه من الكلإ، وأمره في حال الجدب بالمُضِيِّ عليه بنِقْيِه، وهو مخيَّرٌ، وأمرهم مع ذلك أن يكون مسيرُهم عليه في الليل، لأن الأرض تُطوى فيه، فتكون المسافات فيه على الظهر دون المسافات في غير الليل).

стр. 316

وقال ابن عبد البر ﵀ (١): (وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدًا ومهلًا، ويكثر النزول لترعى دابته، وتأكل من الكلأ وتنال من الحشيش والماء، هذا كله إذا كانت الأرض مخصَبةً، والسفر بعيدًا، ولم تضم صاحبه ضرورة إلى أن يجدَّ في السير، فإذا كان عام السَّنة، وأجدبت الأرض، فالسُّنة للمسافر أن يسرع السير، ويسعى في الخروج عنها، وبدابته شيء من الشحم والقوة إلى أرض الخصب. والنِّقْيُ في كلام العرب: الشحمُ والودك. وأما قوله: «فإن الأرض تطوى بالليل»: فمعناه والله أعلم: إن الدابة بالليل أقوى على المشي، إذا كانت قد نالت قوتها واستراحت نهارها تضاعف مشيُها، ولهذا ندب إلى سير الليل، والله أعلم بما أراد لا شريك له). وقال النووي ﵀ في شرح الحديث الثاني (٢): (ومعنى الحديث الحث على الرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قلَّلوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عجَّلوا السير ليصلوا المقصدَ وفيها بقيةٌ من قوتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف ويذهب نقيُها، وربما كلت ووقفت. وقد جاء في أول هذا الحديث في رواية مالك في الموطأ: «أن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق (٣).

стр. 317

قوله ﷺ : «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل»: قال أهل اللغة: التعريس: النزول في أواخر الليل للنوم والراحة؛ هذا قول الخليل والأكثرين. وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار، والمراد بهذا الحديث هو الأول، وهذا أدب من آداب السير والنزول، أرشد إليه ﷺ ، لأنَّ الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها، ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمَّةٍ ونحوها، فإذا عرَّس الإنسان في الطريق، ربما مرَّ به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق). من فوائد الحديث: الأول: فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته بالناس والدواب. الثاني: فيه استحباب المسير ليلًا؛ لأن الأرض تطوى للمسافر ليلًا. الثالث: وفي حديث أبي هريرة ﵁ استحباب تعجيل السير عند القحط حتى لا تضعف الدابة عن مواصلة السير. الرابع: فيه اجتناب الطريق عند النزول للنوم والاستراحة ليلًا لئلا يصاب بأذى من دواب الأرض وغيرها من الحشرات والزواحف وذوات السموم.

стр. 318

الحديث السادس والأربعون: صنائع المعروف عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» (١). رواه الطبراني. معاني الكلمات (٢): الكلمة … معناها صنائع المعروف … جمع: صنيعة، وهي ما يفعل من الإحسان إلى الأنام. تقي … تدفع عن فاعلها. مصارع السوء … كل مصرع لا يحبه الواقع فيه. التعليق: هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله. قال الماوردي ﵀ (٣): (فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجِّله حذرا من فَوْته، ويبادر به خيفةَ عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقةً بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندما، ومعوِّلٍ على مُكنةٍ زالت، فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب فكره، لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مخبورة. وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها).

стр. 319

وأما قوله: «وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر»: قال النووي ﵀ (١): (وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل، لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل. وهكذا حكم الصلاة، فإعلان فرائضها أفضل، وإسرار نوافلها أفضل، لقوله ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٢). وقال المناوي ﵀ (٣): (استدل به الرافعي على أن صدقة السر أفضل من العلانية، قال ابن حجر: وأولى منه خبر: «سبعة يظلهم الله»، وفيه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها» (٤). قال في الإتحاف: ذكر مع الصلة صدقة السر للمناسبة التامة المؤذنة بمزيد فضل؛ فالصلة وصفت بأنها تزيد في العمر سواء كانت سرًّا أو جهرًا بخلاف، إطفاء الغضب، فإنه لا يكون إلا بالصدقة سرًّا ثم إخفاؤها، فالصلة أفضل، فإنها نوع من الصدقة، فيجتمع فيها حينئذ الأمران؛ الزيادة في العمر، وإطفاء الغضب). وقال الصنعاني ﵀ (٥): (الجامع بينهما -أي: بين الصدقة والصلة- حتى تعاطفًا، إذ الكل إحسان يراد به وجه الله تعالى).

стр. 320

حول زيادة العمر ونقصانه: قوله: «وصلةُ الرحم تزيد في العمر»: قال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي ﵀ (١): (استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة). قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ (٢): (وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة، والصواب: أنه يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغيَّر ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص). انتهى كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدًّا. وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني ﵀، وكتب فيها رسالة مفيدة جدًّا، ورجح القول بأن العمر يزيد وينقص حقيقةً، أحببتُ إيرادها هنا تتميمًا ونشرًا للفائدة، قال ﵀ (٣): (اعلم أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
следующие страницы →