وقال ابن عبد البر ﵀ (١): (وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدًا ومهلًا، ويكثر النزول لترعى دابته، وتأكل من الكلأ وتنال من الحشيش والماء، هذا كله إذا كانت الأرض مخصَبةً، والسفر بعيدًا، ولم تضم صاحبه ضرورة إلى أن يجدَّ في السير، فإذا كان عام السَّنة، وأجدبت الأرض، فالسُّنة للمسافر أن يسرع السير، ويسعى في الخروج عنها، وبدابته شيء من الشحم والقوة إلى أرض الخصب.
والنِّقْيُ في كلام العرب: الشحمُ والودك.
وأما قوله: «فإن الأرض تطوى بالليل»: فمعناه والله أعلم: إن الدابة بالليل أقوى على المشي، إذا كانت قد نالت قوتها واستراحت نهارها تضاعف مشيُها، ولهذا ندب إلى سير الليل، والله أعلم بما أراد لا شريك له).
وقال النووي ﵀ في شرح الحديث الثاني (٢): (ومعنى الحديث الحث على الرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها، فإن سافروا في الخصب قلَّلوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عجَّلوا السير ليصلوا المقصدَ وفيها بقيةٌ من قوتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف ويذهب نقيُها، وربما كلت ووقفت.
وقد جاء في أول هذا الحديث في رواية مالك في الموطأ: «أن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق (٣).
стр. 317
قوله ﷺ : «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل»:
قال أهل اللغة: التعريس: النزول في أواخر الليل للنوم والراحة؛ هذا قول الخليل والأكثرين.
وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار، والمراد بهذا الحديث هو الأول، وهذا أدب من آداب السير والنزول، أرشد إليه ﷺ ، لأنَّ الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها، ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمَّةٍ ونحوها، فإذا عرَّس الإنسان في الطريق، ربما مرَّ به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق).
من فوائد الحديث:
الأول: فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته بالناس والدواب.
الثاني: فيه استحباب المسير ليلًا؛ لأن الأرض تطوى للمسافر ليلًا.
الثالث: وفي حديث أبي هريرة ﵁ استحباب تعجيل السير عند القحط حتى لا تضعف الدابة عن مواصلة السير.
الرابع: فيه اجتناب الطريق عند النزول للنوم والاستراحة ليلًا لئلا يصاب بأذى من دواب الأرض وغيرها من الحشرات والزواحف وذوات السموم.
стр. 318
الحديث السادس والأربعون: صنائع المعروف
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» (١). رواه الطبراني.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
صنائع المعروف … جمع: صنيعة، وهي ما يفعل من الإحسان إلى الأنام.
تقي … تدفع عن فاعلها.
مصارع السوء … كل مصرع لا يحبه الواقع فيه.
التعليق:
هذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.
قال الماوردي ﵀ (٣): (فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجِّله حذرا من فَوْته، ويبادر به خيفةَ عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقةً بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندما، ومعوِّلٍ على مُكنةٍ زالت، فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب فكره، لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مخبورة. وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها).
стр. 319
وأما قوله: «وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر»:
قال النووي ﵀ (١): (وهذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل، لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل.
وهكذا حكم الصلاة، فإعلان فرائضها أفضل، وإسرار نوافلها أفضل، لقوله ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٢).
وقال المناوي ﵀ (٣): (استدل به الرافعي على أن صدقة السر أفضل من العلانية، قال ابن حجر: وأولى منه خبر: «سبعة يظلهم الله»، وفيه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها» (٤).
قال في الإتحاف: ذكر مع الصلة صدقة السر للمناسبة التامة المؤذنة بمزيد فضل؛ فالصلة وصفت بأنها تزيد في العمر سواء كانت سرًّا أو جهرًا بخلاف، إطفاء الغضب، فإنه لا يكون إلا بالصدقة سرًّا ثم إخفاؤها، فالصلة أفضل، فإنها نوع من الصدقة، فيجتمع فيها حينئذ الأمران؛ الزيادة في العمر، وإطفاء الغضب).
وقال الصنعاني ﵀ (٥): (الجامع بينهما -أي: بين الصدقة والصلة- حتى تعاطفًا، إذ الكل إحسان يراد به وجه الله تعالى).
стр. 320
حول زيادة العمر ونقصانه:
قوله: «وصلةُ الرحم تزيد في العمر»:
قال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي ﵀ (١): (استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة).
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ (٢): (وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة، والصواب: أنه يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغيَّر ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص). انتهى كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدًّا.
وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني ﵀، وكتب فيها رسالة مفيدة جدًّا، ورجح القول بأن العمر يزيد وينقص حقيقةً، أحببتُ إيرادها هنا تتميمًا ونشرًا للفائدة، قال ﵀ (٣): (اعلم أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
стр. 321
فقد قيل: إنها معارضة لقوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٢].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص؛ استدلالًا بالآيات المتقدّمة، والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إن أحدكم يُجمع خلقُه في أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد» (١)، وهو في الصحيحين وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامَّان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير ذلك.
وقد ثبت عن جماعة من السلف ﵏، ومن الصحابة ﵃ ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: «اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحُني، وأثبتني في أهل السعادة» (٢).
ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصِّص هذا العموم.
стр. 322
وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب، أي: اللوح المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ أن للإنسان أجلين، يقضي اللَّه له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص.
ويدلّ على هذا أيضًا ما في الصحيحين، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في العمر (١).
وفي لفظ في الصحيحين (٢): «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه».
وفي لفظ: «من أحبّ أن يمدَّ اللَّه في عمره وأجله، ويُبسط له في رزقه، فليتق اللَّه، وليصِلْ رحِمه» (٣).
وفي لفظ: «صلةُ الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار» (٤).
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
стр. 323
والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة:
وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء.
وفيها: أن الدعاء هو العبادة.
وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «اللَّهم إني أعوذ بك من سوء القضاء» (١)، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «وقني شرّ ما قضيت» (٢).
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ، لكان أمره بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ ﷺ لغوًا لا فائدة فيها.
وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا، لا فائدة فيها.
وهكذا يكون قوله ﷺ : «وقني شرّ ما قضيت»: لغوًا، لا فائدة فيه.
وهكذا يكون أمره ﷺ بالتداوي، وأن اللَّه ما أنزل من داء، إلا وله دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح (٣) عنه ﷺ .
стр. 324
فإن قلت: فعلى ما يحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
قلت: قد أجاب عن ذلك بعض السلف ﵏، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية مختضة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله : ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره اللَّه بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدم لمن عمل شرًّا، أو قطع ما أمر اللَّه به أن يوصل، وانتهك محارم اللَّه .
فإن قلت: فعلى ما يحمِل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟
قلت: هذه أوّلًا: معارضة بمثلها، مثل قوله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسيّ: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه» (١).
وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وقوله
стр. 325
: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، على عدم التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه، ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشرّ، وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
فإن قلت: قد تقرر بالأدلّة من الكتاب بأن علمه أزليّ، وأنه قد سبق في كلّ شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلًا، وذلك لا يجوز إجماعًا.
قلت: علمُه سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في الاستعاذة منه ﷺ من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفًا لسبق العلم، ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلًا، والأمر أوسع من هذا.
والذي جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيده
стр. 326
أيضًا، وأن أعمال الشرّ تمحقُه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنّة، وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن اللَّه ، وعن رسول اللَّه ﷺ ، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة.
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه فضل الإحسان إلى الخلق، وأن ذلك سببٌ في دفع مِيتتة السوء، وإرضاء الله تعالى، وبركة العمر.
ثانيًا: فيه فضل الإسرار بالصدقة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
ثالثًا: فيه إشارة إلى أن من كان واقعًا في المعاصي، فعلاجه بعد التوبة والإقلاع عن الذنوب، أن يكثر من صدقة السر، حتى يذهب غضب الله عليه.
رابعًا: وفيه أن صلة الرحم تزيد في العمر حقيقة كما سبق ذكره.
стр. 327
الحديث السابع والأربعون: أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطاب
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله ﵄، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ فَغَضِبَ وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي». رواه أحمد (١).
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
أمتهوكون … أي: مترددون متحيرون وأنتم في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى.
بيضاء نقية … أراد الملة، لذلك جاء التأنيث، كقوله : ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، أي: تفسير الملة القيمة الحنيفية.
بيضاء … أي: واضحة، حال من ضمير: «بها».
نقية … صفة «بيضاء»، أي: ظاهرة صافية خالصة، خالية عن الشرك والشبهة.
стр. 328
وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل والتحريف والإصرار والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار بذلك إلى أنه أتى بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى بالأعلى مظنة التحير.
التعليق:
في هذا الحديث التحذير من التحير والتردد في الدين، كما تحيَّرت اليهود؛ لأن طلبَ شيءٍ لم يأمرهم به نبيُّهم ﷺ دليلٌ على أن من طلب ذلك يظن نقصانَ ما أتى به النبي ﵇ من الدين، واعتقاد أن ما أتى به النبي ﵇ من الدِّين ناقص؛ قبيحٌ، بل ينبغي أن يعتقد الرجل أنَّ ملةَ نبينا ﷺ أفضلَ الملل وأكملها، ويحتاج إلى ملتنا جميعُ المِلل ولا يُحتاج إلى مِلَّةٍ أخرى.
ثم بين النبي ﷺ أنه جاءهم بالملَّةِ الحنيفية في حال كونها أظهر الملل وأيسرها لا مشقة فيها؛ بخلاف ما كان في دين اليهود من المشقة العظيمة؛ لأن في دينهم أن يخرجوا ربع أموالهم في الزكاة، وأن يقطعوا مواضع النجاسة من الثوب، ولا يجوز غسله، وغير ذلك من العُسْرِ.
وقوله: «ولو كان مُوسى حَيًّا لما وَسِعَهُ إلا اتِّباعي»:
أي: ما ينبغي له شيء غير اتباعي، ولا بُدَّ له من اتباعي؛ يعني: لو كان موسى ﵇ حيًّا لا يجوز له أن يفعل فعلًا أو يقول قولًا إلا بأمري، فإذا كانت هذه حال موسى ﵇، فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة مِنْ موسى ﵇ مع وجودي؟! (١).
стр. 329
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث التحذير من التحير والتردد في الدين.
ثانيًا: فيه أن شريعة الإسلام كاملة، ولا يحتاج المسلم إلى غيرها من الشرائع.
ثالثًا: فيه فضل نبينا ﷺ وأنه أفضل من موسى ﵇، وأن شريعته ﷺ أفضل من شريعة موسى ﵇.
стр. 330
الحديث الثامن والأربعون: إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةِ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
كتب الإحسان على كل شيء … أي: أمر بالرفق واللطف.
القِتْلة … بكسر القاف: صورةُ القِتلة وهيئتها، يقال: قتله قِتلةَ سوءٍ.
والذِّبحة … بكسر الذال، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث «فأحسنوا الذبح»، بغير هاء، وهو بالفتح: مصدر، وبالهاء والكسر: الهيئة والحالة.
وليُحد … بضم حرف المضارعة: من أحدَّ السكين أحسن حدَّها.
والشفرة … السكين العظيمة، وما عظُم من الحديد وحُدِّد.
وليُرح … من الإراحة، ويكون بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وحسن الصنيعة.
стр. 331
التعليق:
قوله: «كتب الإحسان»:
أي: أوجبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وهو فعل الحسن ضد القبيح، فيتناول الحسنَ شرعًا والحسن عرفًا، وذكر منه ما هو أبعد شيء عن اعتبار الإحسان، وهو الإحسان في القتل، لأي حيوان من آدمي وغيره، في حدٍّ وغيره.
ودل على نفي المُثلة مكافأة، إلا أنه يحتمل أنه مخصَّص بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (١).
قال ابن دقيق العيد ﵀ (٢): (وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة، ومعنى إحسان القتل: أن يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب. وإحسان الذبح في البهائم: أن يرفق بالبهيمة ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع، وأن يوجهها إلى القبلة، ويسمي ويحمد ويقطع الحلقوم والودجين ويتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنة والشكر على نعمه؛ فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا).
وقال ابن رجب ﵀ (٣): (فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
стр. 332
وهذا الأمر بالإحسان تارة: يكون للوجوب؛ كالإحسان إلى الوالدين والأرحام، بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإحسان إلى الضيف، بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره.
وتارة: يكون للندب، كصدقة التطوع ونحوها.
وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه:
فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.
والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]؛ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.
وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.
والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله.
والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.
والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.
стр. 333
وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل، وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه، وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة.
وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢].
وكان النبي ﷺ إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا» (١).
وخرَّج البخاري من حديث عبد الله بن يزيد ﵄، عن النبي ﷺ أنه: «نهى عن المثلة» (٢).
وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله » (٣).
стр. 334
وخرًّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي ﷺ وقال: «إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله » (١).
وقد حرق خالد ﵁ جماعة في الردة.
وروي عن طائفة من الصحابة ﵃ تحريق من عمل عمل قوم لوط، وروي عن علي ﵁ أنه أشار على أبي بكر ﵁ أن يقتله ثم يحرقه بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه؛ لئلا يكون تعذيبًا بالنار.
وأكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النخعي ﵀: تحريق العقرب بالنار مثلة).
ونهت أم الدرداء ﵁ عن تحريق البرغوث بالنار.
وقال أحمد: لا يشوى السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أهون، لأنه لا دم له.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن صبر البهائم، وهو: أن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى أن تصبر البهائم» (٢).
وفيهما أيضًا، عن ابن عمر ﵄: أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها، فقال ابن عمر ﵄: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا (٣).
стр. 335
وخرَّج مسلم من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضًا» (١)، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
فلهذا أمر النبي ﷺ بإحسان القتل والذبح، وأمر أن تحد الشفرة، وأن تراح الذبيحة، يشير إلى أن الذبح بالآلة الحادة يريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.
وخرَّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄، قال: «أمر رسول الله ﷺ بحدِّ الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليُجْهز» (٢)، يعني: فليسرع الذبح.
وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها.
وقال الإمام أحمد ﵀: تقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتوارى السكين عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله ﷺ بذلك أن توارى الشفار.
وفي مسند الإمام أحمد عن معاوية بن قرة، عن أبيه: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ : «والشاةُ إن رحِمتها رحِمك الله» (٣).
стр. 336
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه الأمر بالإحسان، وأن الإحسان يكون في كل شيء.
ثانيًا: فيه شفقة النبي ﷺ على الحيوان، والإحسان عند الذبح، والأمر بسرعة الإجهاز على الذبيحة، وذلك بإحداد الشفرة لتكون ماضية، حتى لا يزيد في ألم الحيوان المذبوح.
стр. 337
الحديث التاسع والأربعون: اللهم بارك لأمتي في بكورها
عَنْ صخْرِ الغامِديِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ (١).
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
البكور … أول النهار؛ وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كما في القاموس.
فأثرى … صار ذا ثروة؛ أي: مال كثير.
التعليق:
الدعاء في هذا الحديث يحتمل أنه دعاء بالبركة لنفس ذلك الوقت، حتى ليتسع لما يعمل فيه، أو ببركة نفس العمل، فيكون العمل فيه مبروكًا، وتقدم الحديث في الأمر بالغدوة في طلب العلم وهذا عام في الأعمال كلها (٣).
وهذا الحديث لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه؛ لأن كل ما فعله الشارع
стр. 338
ففيه البركة ولأمته فيه أكرم الأسوة، إنما خصَّ البكور بالدعاء من بين سائر الأوقات؛ لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم، وهو وقت نشاط وقيام من دعةٍ فخصه بالدعاء لينال بركة دعوته جميع أمته (١).
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه رأى ابنًا له نائمًا نومة الصبحة فقال له: قم؛ أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق (٢).
ولا شك أن النوم بعد صلاة الفجر جائز، بمعنى أنه لا يأثم فاعله، ولو لم يكن محتاجًا إليه، ولكن كرهه بعض أهل العلم نظرًا لما يترتب عليه من آثار صحية وغيرها، إلا إذا كان لحاجة.
قال ابن القيم ﵀ (٣): (نوم الصبحة يمنع الرزق لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة). انتهى.
وقال أيضًا (٤): (ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ (٥): (وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة
стр. 339
الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه فضل البكور في كل عمل، وهو يشمل طلب العلم والكسب والسفر وغيرها.
ثانيًا: فيه حرص النبي ﷺ على هذه السنة عند بعث السرايا وإرسال الجيوش.
ثالثًا: فيه بركة اتباع السنة، فقد كان صخر الغامدي ﵁ هذا يراعي هذه السُّنَّة، وكان تاجرًا يبعث ماله في أول النهار إلى السفر للتجارة، فكثر ماله ببركة مراعاة السُّنَّة، لأن دعاءه ﷺ مقبولٌ لا محالة (١).
رابعًا: وفيه سُنِّيَّة السفر في أول النهار (٢).
стр. 340
الحديث الخمسون: لسنا نعبدهم
عن عدي بن حاتمٍ ﵁، قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ الله فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ الله فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» (١). رواه الطبراني.
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
الوثن … الصنم المتّخذ منْ حجر أو خشب؛ سواء كان على شكل صليب أو صورة شخص، أو غيره.
التعليق:
الإشراك بالله في عبادته، والإشراك به في حكمه، كلاهما سواء، كما قال ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ في الحديث السابق حين قال: «لسنا نعبدهم».
وفي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فسماهم تعالى أربابًا؛ لأن التحليل والتحريم من خواص الإله، كما قال تعالى:
стр. 341
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، فجعل التحليل والتحريم افتراءً عليه من قائلهما.
فإن قلت: قد يستنبط المجتهد من الأدلة تحريم شيء أو تحليله.
قلت: كونه من الأدلة هو من عند الله؛ لأنه أمر بالنظر فيها لإثبات الأحكام، وإنما الكلام فيمن حرم وحلل غير مستند إلى شيء (١).
وقال الشيخ الألباني ﵀ (٢): (والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلِّدِه).
قال الآلوسي ﵀ عقب الحديث (٣): (ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلانًا؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أربابًا بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ .
وقد فرق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين من أطاع غيره في تبديل شرائع الدين معتقدًا أن ذلك هو الأفضل، وأن شرع الله تعالى لا يصلح للعمل به والاحتكام إليه، وبين من أطاعهم على سبيل المعصية ويعلم أنه عاص ولا يعتقد أن ما يفعل هو الخير، فالأول له نصيب من الكفر والشرك، والثاني كأمثاله من أهل الذنوب والمعاصي.
стр. 342
قال ابن تيمية ﵀ (١): (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله؛ اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله ﷺ شركًا -وإن لم يكونوا يُصلون لهم ويسجدون لهم-؛ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين، مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله ﷺ ؛ مشركًا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما الطاعة في المعروف» (٢).
وقال: «على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية» (٣)، وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٤)، وقال: «من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه» (٥).
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام؛ إن كان مجتهدًا قصدُه اتباع
стр. 343
الرسول ﷺ لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.
ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ﷺ ، ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول ﷺ ، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمَّه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول ﷺ ؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه.
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه؛ فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق؛ لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره.
وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].
وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد؛ فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، كما في القبلة.
وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق؛ فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا؛ لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا؛ كان آثما، كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار.
стр. 344
وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لمَّا أحب المال حبًّا منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبدًا له. وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: «إن يسير الرياء شرك» (١).
وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث تحريم لبس الصليب، أو غيره من الرموز الوثنية، أو ما فيه تشبه بالكفار.
ثانيًا: فيه سرعة استجابة عدي بن حاتم ﵁ لأمر النبي ﷺ حيث طرح الصليب دون أن يسأل عن علة الأمر.
ثالثًا: فيه أن طاعة الغير في تحليل الحرام وتحريم الحلال، هو شرك بالله وعبادة لغيره تعالى.
стр. 345
الحديث الحادي والخمسون: عش ما شئت فإنك ميت
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (١). رواه الطبراني.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
فإنك مفارقه … بموت أو غيره، وما من أحد في الدنيا إلا وهو ضيف، وما بيده عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤداة.
شرف المؤمن … علاه ورفعته.
وعزُّه … قوته وغلبته على غيره.
استغناؤه عن الناس … اكتفاؤه بما قسم له، وعدم النظر إلى ما في أيدي الناس، أو سؤالهم إياه.
التعليق:
يرشد هذا الحديث إلى قصر الأمل، وعدم الاغترار بالصحة والقوة، فإن الموت هو نهاية كل حي، وأنه ينبغي إعداد الزاد ليوم المعاد، وذلك بالعمل الصالح الذي ينجي صاحبه يوم القيامة، كقيام الليل، فإنه شرف المؤمن في الدنيا
стр. 346
والآخرة، وليس معنى ذلك أن يكون المرء منقطعًا للعبادة، يعيش عالة على غيره، بل عليه أن يعمل في الدنيا ليستغني عن الناس ويكون عزيزًا بينهم.
قال الصنعاني ﵀ (١): قوله: («أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت»، العيش: الحياة، من: عاش يعيش عيشًا ومعيشة، والمراد بالأمر: قدِّر في نفسك أيَّ غايةٍ تريدها في الحياة، «فإنك ميت»: وإذا كان لا بد من الموت، فطويل الحياة وقصيرها سواء، كما قيل:
كلُّ عمرٍ يكون آخرَه الموتُ … سواءٌ طويلُه والقصير
وليس المراد الإخبار بأن بعد الحياة موتًا، فإنه معلوم، بل المراد الاستعداد لأخذ الزاد، والإرشاد إلى ذلك.
ثم قال: «وأحبب من شئت فإنك مفارقه»:
إرشاد إلى قطعِ العلائق عن محبةِ كلِّ من غايةُ حبِّه الفراق، ودلالة على محبة الإنسان لمن يلازمه، حيث كان في الدنيا في اليقظة والمنام والصحة والسقام، والغنى والإعدام، والشدة والرخاء، والممات والمحيا، فهو معه في لحده وقبره وحشره ونشره، وذلك مولاه الذي أوجده من العدم، وغمره بما لا يحصيه من النعم، وهو الذي ينجيه من كل كرب وهم وغم، وهو الذي يشفيه إن مسَّه السقم، كما قال الخليل ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨٢].
ثم قال: «واعمل ما شئت»: من خير وشر، من باب قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، «فإنك ملاقيه»، أي: ملاق جزاءه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
стр. 347
ثم قال: «واعلم»: الأمر بهذه الصيغة، لا يأتي إلا إذا كان بعده أمر عظيم له شأن وخطر، وهو هنا قوله: «إن شرف المؤمن قيامُه بالليل»:
والشرف: بتحريك فائه وعينه العلو، وهو عند الناس معروف في شرف الدنيا، بمال أو جاء أو نسب، فأخبر ﷺ ونبه بهذه الصيغة على خطأ اعتقاد أن الشرف فيما ذكر، بل هو في قيام الليل، والمراد: شرفه عند الله فإنه الشرف الحقيقي، وقيام الليل مراد به القيام بالعبادة من تلاوة وصلاة وذكر لله.
ثم قال: «وعزه استغناؤه عن الناس»:
العز: القوة والشدة والغلبة كما في النهاية، فأخبر ﷺ أن عزَّ المؤمن غير هذا، بل هو استغناؤه وعدم إنزاله لحاجاته بالناس، ومنه استغن عمن شئت تكن نظيره، فإنه لا يستغنى عنهم إلا من كمُلت ثقته بالله تعالى).
قال الغزالي ﵀ (١): (القصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا؛ بل بكل ما يزايله بالموت؛ فإنه إذا علم أن من أحب شيئًا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شَغَلَ قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله؛ فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه، وكل ذلك يتم بالصبر أيامًا قلائل؛ فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة، وعند الصباح يحمد القوم السرى؛ فلا بد لكل إنسان من مجاهدة فراق ما يحبه وما فيه فرحه من أسباب الدنيا، وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو بقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الاتباع في التدريس والإفادة، يترك أولًا ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلا بذكر الله والفكر فيه، ويكف عن شهواته ووساوسه حتى يقمعَ مادتَها ويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت.
стр. 348
قيل: صاح طِيْطَوى (١) بحضرة سليمان فقال: تدرون ما يقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: «كل حي ميت، وكل جديد بالٍ» (٢)، وقال: النسر يقول في صياحه: «يا ابن آدم اعمل ما شئت، آخرك الموت»).
ثم أرشد النبي ﷺ إلى ما يجعل العبد عزيزًا شريفًا عند الله وعند الناس، فقيام الليل يجعله عزيزًا عند الله، والاستغناء عن الناس يجعله عزيزًا عند الناس، ولهذا قال حاتم لأحمد وقد سأله: ما السلامة من الدنيا وأهلها؟ قال: أن تغفر لهم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم ما في يدك، وتكون مما في أيديهم آيسًا.
قال الغزالي ﵀ (٣): (ومن لا يؤثر عزَّ النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان، ففي القناعة العزُّ والحرية، ولذلك قيل: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأحسن إلى من شئت فأنت أميره. وقال بعضهم: الفقر لباس الأحرار، والغنى بالله لباس الأبرار، والقيام انتصاب القامة.
ولما كانت هيئة الانتصاب أكمل هيآت من له القامةُ وأحسنها، استعير ذلك للمحافظة على استعمال الإنسان نفسَه في الصلاة ليلًا، فمعنى قيام الليل: المحافظة على الصلاة فيه، وعدم تعطيله باستغراقه بالنوم أو اللهو. قال الزمخشري ﵀: قام على الأمر: دام وثبت).
стр. 349
قال الغزالي ﵀ (١): (جَمَعَتْ هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأمل فيها طول العمر، إذ لو وقف على معانيها، وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته، وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية، والتلذذ بشهواتها، وقد أوتي المصطفى ﷺ جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة).
من فوائد الحديث:
أولًا: تضمن هذا الحديث التنبيه على قصر الأمل، والتذكير بالموت، ومفارقة الأهل والأحباب.
ثانيًا: وفيه اغتنام العمر في العبادة والتحذير من الغفلة.
ثالثًا: وفيه عدم الاغترار بالاجتماع والقوة والشباب، فإن الموت يأتي بغتة.
رابعًا: وفيه الحث على التهجد وعمارة ساعات الليل بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن.
خامسًا: وفيه بيان جلالة علم جبريل ﵇.
стр. 350
الحديث الثاني والخمسون: معنى: (تباركت)
عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ (١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
السلام … من أسمائه تعالى، ومعناه: المتنزه عن النقائص والعيوب.
ومنك السلام … يرجى ويطلب منك لا من غيرك، وذلك أن كل مخلوق يفتقر إلى السلامة من شرور الدارين، ولا يكون ذلك إلا منه تعالى، فهو السالم عن كل نقص وعيب المرجوة منه السلامة.
تباركت … من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمت إذ كثرت صفات جلالك وكمالك. قال النووي ﵀: قوله: «تباركت»، أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك، والله أعلم.
يا ذا الجلال … الذي يجله كل مخلوق ويعظمه ويمجده، والجلال: الغنى المطلق.
والإكرام … الفضل التام، فهو سبحانه الذي يُكرم بعبادته كل مخلوق.
стр. 351
التعليق:
بين النبي ﷺ أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين، فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالى عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا تبدأ إلا منه، ولا تعود إلا إليه (١).
قال الصنعاني ﵀ (٢): (وإنما استغفر بعد أداء الفريضة؛ لأن العبد يقصر عن القيام بحق مولاه في أداء فرائضه وإن بالغ في ذلك، فهو مفتقر إلى عفو الله.
ثم لما كانت الصلاةُ بها النجاة من شرور الدارين والسلامة، والعبدُ قاصرٌ عن الوفاء بحقها لنقصه وقصوره، ناسب أن يأتي بعد الإتيان بها بوصف الرب بالسلامة، وطلبها منه، والإقرار بتعالاه واتصافه بالجلال والإكرام، للإعلام بأنه غنيٌّ عن العبد وعبادتِه).
وقال ابن القيم ﵀ (٣): (وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده.
وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
стр. 352
رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، قال الحسن: (مدُّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله (١).
وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٢).
وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة، والقيام بما عليه من أعبائها، وقضاء فرض الحج، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣].
ومن هاهنا فهم عمر، وابن عباس ﵃ أن هذا أجل رسول الله ﷺ أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه، فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء، فاجعل خاتمتَه الاستغفار، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل، وخاتمة الوضوء أيضًا أن يقول بعد فراغه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» (٣).
стр. 353
فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله، ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها، لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم.
وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟
ولله درُّ الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقق بالعبودية نظر أفعالَه بعين الرياء، وأحوالَه بعين الدعوى، وأقوالَه بعين الافتراء.
وكلما عظم المطلوب في قلبك، صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس، وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعملِ الثقلين خشيت عاقبتَه، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله).
وقال الصنعاني ﵀ (١): (والاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركًا لذلك، وشرع له أن يصف ربَّه بالسلام كما وصف به نفسه، والمراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة.
«ومنك السلام»، أي: منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة.
стр. 354
والمراد بقوله: «يا ذا الجلال والإكرام»: يا ذا الغنى المطلق، والفضل التام، وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام لعباده المخلصين، وهو من عظائم صفاته تعالى؛ ولذا قال ﷺ : «ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» (١)، ومر برجل يصلي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» (٢).
وقال ابن القيم ﵀ في معاني هذا الذكر (٣): (فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزِه، وأتمِّه معنًى.
فأخبر أنه السلام ومنه السلام، فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا، فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له، وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا، وكذلك البركة، فهو المتبارك في ذاته، الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥]، وهذا بساط، وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه.
стр. 355
وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم عنده جاهًا: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١)، رواه مسلم، وقال في حديث الشفاعة الطويل: «فأخرُّ ساجدًا لربي، فيفتح علي من محامدِه بما لا أحسنُه الآن» (٢)، رواه البخاري ومسلم.
وفي دعاء الهم والغم: «أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٣).
فدل على أن لله أسماء وصفات، استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحسبنا الإقرار بالعجز، والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وبالله التوفيق).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه من الفوائد أن العبد لا يمكنه أن يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك.
ثانيًا: فيه أن من أراد السلامة فليلزم عتبة العبودية، لأنه تعالى هو السلام المتنزه عن النقص والسالم من كل عيب، ومنه يطلب السلام والنجاة والأمن.