التعليق:
بين النبي ﷺ أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين، فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالى عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا تبدأ إلا منه، ولا تعود إلا إليه (١).
قال الصنعاني ﵀ (٢): (وإنما استغفر بعد أداء الفريضة؛ لأن العبد يقصر عن القيام بحق مولاه في أداء فرائضه وإن بالغ في ذلك، فهو مفتقر إلى عفو الله.
ثم لما كانت الصلاةُ بها النجاة من شرور الدارين والسلامة، والعبدُ قاصرٌ عن الوفاء بحقها لنقصه وقصوره، ناسب أن يأتي بعد الإتيان بها بوصف الرب بالسلامة، وطلبها منه، والإقرار بتعالاه واتصافه بالجلال والإكرام، للإعلام بأنه غنيٌّ عن العبد وعبادتِه).
وقال ابن القيم ﵀ (٣): (وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده.
وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات، وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
стр. 352
رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، قال الحسن: (مدُّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله (١).
وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٢).
وأمره الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة، والقيام بما عليه من أعبائها، وقضاء فرض الحج، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣].
ومن هاهنا فهم عمر، وابن عباس ﵃ أن هذا أجل رسول الله ﷺ أعلمه به، فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه، فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك، ولم يبق عليك شيء، فاجعل خاتمتَه الاستغفار، كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام الليل، وخاتمة الوضوء أيضًا أن يقول بعد فراغه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» (٣).
стр. 353
فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله، ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها، لا جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم.
وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله، فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟
ولله درُّ الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقق بالعبودية نظر أفعالَه بعين الرياء، وأحوالَه بعين الدعوى، وأقوالَه بعين الافتراء.
وكلما عظم المطلوب في قلبك، صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس، وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعملِ الثقلين خشيت عاقبتَه، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله).
وقال الصنعاني ﵀ (١): (والاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركًا لذلك، وشرع له أن يصف ربَّه بالسلام كما وصف به نفسه، والمراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة.
«ومنك السلام»، أي: منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة.
стр. 354
والمراد بقوله: «يا ذا الجلال والإكرام»: يا ذا الغنى المطلق، والفضل التام، وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام لعباده المخلصين، وهو من عظائم صفاته تعالى؛ ولذا قال ﷺ : «ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» (١)، ومر برجل يصلي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» (٢).
وقال ابن القيم ﵀ في معاني هذا الذكر (٣): (فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزِه، وأتمِّه معنًى.
فأخبر أنه السلام ومنه السلام، فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا، فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له، وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا، وكذلك البركة، فهو المتبارك في ذاته، الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥]، وهذا بساط، وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه.
стр. 355
وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم عنده جاهًا: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١)، رواه مسلم، وقال في حديث الشفاعة الطويل: «فأخرُّ ساجدًا لربي، فيفتح علي من محامدِه بما لا أحسنُه الآن» (٢)، رواه البخاري ومسلم.
وفي دعاء الهم والغم: «أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٣).
فدل على أن لله أسماء وصفات، استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحسبنا الإقرار بالعجز، والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وبالله التوفيق).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه من الفوائد أن العبد لا يمكنه أن يقوم بحق عبادة مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك.
ثانيًا: فيه أن من أراد السلامة فليلزم عتبة العبودية، لأنه تعالى هو السلام المتنزه عن النقص والسالم من كل عيب، ومنه يطلب السلام والنجاة والأمن.
стр. 356
الحديث الثالث والخمسون: النهي عن صوم يوم السبت
عَنْ عبد الله بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» (١). رواه أحمد وأصحاب السنن.
معاني الكلمات:
الكلمة … معناها
اللحاء … ممدود، وهو قشر الشجر.
العنبة … هي الحبة من العنب.
فليمضُغه … أي: يطعمها للفطر بها.
التعليق:
قال الترمذي ﵀ (٢): (ومعنى كراهته في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصيام، لأن اليهود تعظم يوم السبت).
قال الطيبي ﵀ (٣): (قالوا: النهي عن الإفراد كما في الجمعة، والمقصود مخالفة اليهود فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور، وما افتُرض يتناول المكتوب، والمنذور، وقضاء الفوائت، وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة
стр. 357
مؤكدة؛ كعرفة وعاشوراء أو وافق وِرْدًا. وزاد بن الملك: وعشرة ذي الحجة، أو في خير الصيام صيام داود، فإن النهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجبا، كما تفعله اليهود. قال القاري: فعلى هذا يكون النهي للتحريم، وأما على غير هذا الوجه، فهو للتنزيه بمجرد المشابهة).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١): (إن الحديث الوارد في النهي عن صوم يوم السبت، هو حديث ضعيف، ولا يصحُّ عنه ﷺ ، فعلى من رغب أن يصومَ نفلًا، أو فرضًا فله ذلك ولا حرج).
وكتب الشيخ محمد بن عثيمين بحثًا حول صيام يوم السبت، حيث قال (٢):
بحث حديث: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» (٣):
(قال أبو داود في السنن: قال مالك: هذا كذب، وقال أبو داود: هو منسوخ (٤)، وقال الإمام أحمد: كان يحيى بن سعيد يتقيه، وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت، أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر ﵁، يشير إلى حديث النهي عن
стр. 358
صومه، منها: حديث أم سلمة ﵂ حين سُئلت: أي: الأيام كان النبي ﷺ أكثر صيامًا لها؟ فقالت: السبت والأحد (١).
وذكر أحاديث أخرى تدل على جوازه، إلى أن قال: فهذا الأثرم فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، وذكر أن الإمام في علل الحديث يحيى بن سعيد كان يتقيه، وأبى أن يحدثه به، فهذا تضعيف للحديث، إلى أن قال: وعلى هذا فيكون الحديث، إما شاذًّا غير محفوظ، وإما منسوخًا. قال أبو داود: وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة).
ما بين القوسين من اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
(وليعلم أن صيام يوم السبت له أحوال:
الحال الأولى: أن يكون في فرض كرمضان أداء، أو قضاء، وكصيام الكفارة، وبدل هدي التمتع، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، ما لم يخصه بذلك معتقدًا أن له مزية.
الحال الثانية: أن يصوم قبله يوم الجمعة، فلا بأس به؛ لأن النبي ﷺ قال لإحدى أمهات المؤمنين ﵅ وقد صامت يوم الجمعة: «أصمت أمس؟»، قالت: لا، قال: «أتصومين غدًا؟»، قالت: لا، قال: «فأفطري» (٣).
فقوله: «أتصومين غدًا؟» يدل على جواز صومه مع الجمعة.
стр. 359
الحال الثالثة: أن يصادف صيامَ أيام مشروعة، كأيام البيض، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وستة أيام من شوال لمن صام رمضان، وتسع ذي الحجة؛ فلا بأس، لأنه لم يصمه لأنه يوم السبت؛ بل لأنه من الأيام التي يشرع صومها.
الحال الرابعة: أن يصادف عادة، كعادة من يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيصادف يوم صومه يوم السبت، فلا بأس به، كما قال النبي ﷺ في صيام يوم أو يومين نهى عنه قبل رمضان، إلا من كان له عادة أن يصوم فلا نهي، وهذا مثله.
الحال الخامسة: أن يخصه بصوم تطوع فيفرده بالصوم، فهذا محل النهي إن صح الحديث في النهي عنه).
كتبه محمد الصالح العثيمين في: ١٧/ ١/ ١٤١٨ هـ.
من فوائد الحديث:
فيه النهي عن إفراد يوم السبت بصيام تطوع على وجه التفضيل والتخصيص، ويصام بحسب الضوابط التي جاءت في الشرح، ومن ضَعَّفَ الحديث أجاز إفراد السبت بصيام التطوع.
стр. 360
الحديث الرابع والخمسون: اللهم أجرني في مصيبتي
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ﵁، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ﵁؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: «أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ» (١). رواه مسلم.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
تصيبه مصيبة … هو: مطلق في أي مصيبة؛ في الأديان والأبدان والأموال.
أْجُرني في مصيبتي … أثِبني وأعطِني الأجر، واجعلني مأجورًا في مصيبتي.
وأخلف لي خيرًا منها … أي: عوِّضني خيرًا مما فاتني في هذه المصيبة.
غيور … شديدة الغيرة.
أول بيتٍ هَاجَر … من مكة إلى المدينة؛ موافقة لرسول الله ﷺ .
стр. 361
التعليق:
هذا الحديث يبين فضيلة الصبر والاحتساب والاسترجاع عند المصائب، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
قال الهرري ﵀ (١): (قال القرطبي: «فيقول ما أمره الله»: هذا تنبيه على قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، مع أنه ليس فيها أمر بذلك القول، وإنما تضمنت مدحَ من قاله، فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به، أي: مطلوب، وإن جاز تركه. وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون في أن المندوب مطلوب، وإنما اختلفوا هل يسمى مأمورًا به.
قلت -أي: الهرري-: وهذا الحديث يدل على أنه يسمى بذلك، وقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ كلمة اعتراف بالملك لمستحقه، وتسليم له فيما يجريه في ملكه، وتهوين للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتَّب عليها، وتذكير المرجع والمآل الذي حكم به ذو العزة والجلال).
قال الزرقاني ﵀ (٢): (قال أبو عمر: فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله. قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على الله ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها؛ صلوات الله، ورحمته والهدى.
ثم قال: وظاهر الأحاديث أن المأمور به قول ذلك مرة واحدة فورًا، وذلك في الصبر عند الصدمة الأولى.
стр. 362
قالت أم سلمة: «فلما توفي أبو سلمة»: هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ﵁، أخو النبي ﷺ من رضاع ثويبة، وابن عمته برَّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين، شهد بدرًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع بعد أحد.
وفي مسلم عن أم سلمة: دخل ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شق بصرُه فأغمضَه، وقال: «إن الروحَ إذا قُبض تبعه البصر»، فضجَّ ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه» (١).
قلت ذلك المذكور من الاسترجاع وما بعده، ثم قلت: «ومن خير من أبي سلمة ﵁»، أي: قالته في نفسها ولم تحرك به لسانها، ولا أنكرت أنه ﷺ قال حقًّا، ولكن هو شيء يخطر بالقلب، وليس أحدٌ معصوما منه، ولو قال ذلك قائل لمنع العوض كما يمنع الذي يعجل بدعائه الإجابة، قاله أبو عبد الملك.
وفي مسلم: فلما مات قلت: «أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسوله».
قال أبو عبد الله الأَبِّيُّ: المعنى بالنسبة إليها: فلا يكون خيرًا من أبي بكر وعمر؛ لأن الأخير في ذاته قد لا يكون خيرًا لها.
ويحتمل أن تعني أنه خيرٌ مطلقًا، فالإجماع على فضل أبي بكر إنما هو
стр. 363
فيمن تأخرت وفاته عن النبي ﷺ ، أما من مات في زمنه ففيه خلاف، انتهى. والأول أولى، فالخلاف شاذ لا يعتد به).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه وجوب الصبر عند المصائب وعدم الجزع.
ثانيًا: فيه فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وفضيلة الذكر الوارد في هذا الحديث.
ثالثًا: فيه ذكر المرأة لمحاسن زوجها، وأنه في نظرها أفضل الرجال.
رابعًا: فيه تصديق خبر رسول الله ﷺ ، ووقوع ما أخبر به النبي ﷺ .
خامسًا: فيه ذكر المخطوبة ما يُظنُّ أنه عيبٌ فيها؛ ليكون الخاطب على بينة من هذا الأمر، وكذلك على الخاطب أن يذكر ما فيه مما يمكن أن يؤثر على الحياة الزوجية، كأن يكون مدخِّنا فينبغي أن يذكر ذلك.
стр. 364
الحديث الخامس والخمسون: المساواة في العطية بين الأبناء
عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ﵂: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ (١).
التعليق:
هذا الحديث تمسك به الإمام أحمد في وجوب العدل في عطية الأولاد أن تفضيل أحدهم حرام وظلم.
وأجيب: بأن الجور: هو الميل عن الاعتدال، والمكروه أيضًا جور.
وقد زاد مسلم: «أشهد على هذا غيري»، وهو إذن بالإشهاد على ذلك، وحينئذ فامتناعه ﵊ من الشهادة على وجه التنزّه.
واستضعف هذا ابنُ دقيق العيد؛ بأن الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن بهذا إلا أنها مُشعِرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع ﵊ من مباشرة هذه الشهادة؛ معلّلًا بأنها جورٌ، فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذنِ بهذه القرائن، وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير (٢).
стр. 365
قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، قال: «فرجع» بشير من عند النبي ﷺ «فردَّ عطيتَه» التي أعطاها للنعمان (١).
وسئل سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٢): ورد في الحديث: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فهل المقصود المساواة المطلقة، أم للذكر مثل حظ الأنثيين أسوة في الميراث، فالحديث على ما أظن يقول: «أكلهم أعطيتهم مثل ذلك»، فكلمة مثل إن صحت توحي بالمساواة المطلقة، اللهم إلا إن كان يتكلم عن الذكور فقط، أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب: (الحديث صحيح، رواه الشيخان عن النعمان بن بشير ﵁، أن أباه أعطاه غلامًا، فقالت أمه: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﵊، فذهب بشير بن سعد إلى النبي ﷺ ، وأخبره بما فعل، فقال: «أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت النعمان؟»، فقال: لا؟ فقال الرسول ﷺ : «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، فدل ذلك على أنه لا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا، أو تخصيص بعضهم بها؛ فكلهم ولده، وكلهم يرجى بره، فلا يجوز أن يخص بعضهم بالعطية دون بعض.
واختلف العلماء ﵏، هل يسوى بينهم، ويكون الذكر كالأنثى، أم يفضل الذكر على الأنثى كالميراث، على قولين لأهل العلم، والأرجح أن العطية كالميراث، وأن التسوية تكون بجعل الذكر كالأنثيين، فإن هذا هو
стр. 366
الذي جعل الله لهم في الميراث، وهو سبحانه الحكم العدل، فيكون المؤمن في عطيته لأولاده كذلك، كما لو خلفه لهم بعد موته، للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا هو العدل بالنسبة إليهم، وبالنسبة إلى أمهم وأبيهم، وهذا هو الواجب على الأب والأم، أن يعطوا الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، وبذلك يحصل العدل والتسوية، كما جعل الله ذلك في الميراث، وهو عدل من أبيهم وأمهم).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث الندب إلى التأليف بين الأخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، ويورث العقوق للآباء.
ثانيًا: في الحديث كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح.
ثالثًا: وفيه مشروعية الإِشهاد في الهبة لإثباتها وتوثيقها وتأكيدها، وأن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة.
رابعًا: وفيه ورع عمرة زوج بشير ﵄، لأنه لما حاك في صدرها هذه الهبة، أرادت تثبيتها بإشهاد النبي ﷺ عليها إن كانت صحيحة، فلما أبطلها النبي ﷺ ارتفع به جور لم يكن مقصودًا.
خامسًا: وفيه الأمر بالعدل بين الأبناء في العطايا والهبات، وعدم تفضيل بعضهم على بعض.
سادسًا: وفيه أن على الحاكم أو المفتي أن يستفسر عن الأمور التي قد تؤثر في الحكم، كما فعل النبي ﷺ مع بشير.
سابعًا: وفيه: جواز تسمية الهبة صدقة.
ثامنًا: وفيه: أمر الحاكم والمفتي بتقوى الله على كل حال.
تاسعًا: وفيه إشارة إلى طاعة الصحابة للنبي ﷺ ومسارعتهم في تنفيذ أحكامه وقضاياه (١).
стр. 367
الحديث السادس والخمسون: يتبع الميت ثلاثة
عن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (١). متفق عليه.
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ … وهذا يقع في الأغلب، وربَّ ميت لا يتبعه إلا عملُه فقط.
وَمَالُهُ … مثل رقيقِه ودوابُّه على ما جرت به عادةُ العرب.
التعليق:
يخبر النبي ﷺ في هذا الحديث، أن الميت يتبعه إلى قبره: أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويتركانه وحيدًا مرتهنًا بما قدم، لأن أهله لن يدخل أحد منهم القبر معه ليؤنسه فيه.
وكذلك ماله، فلن يوضع معه في قبره، بل سيقسم على الورثة، وسيحاسب هو عليه؛ من أين اكتسبه، وفيما أنفقه.
وأما عمله، فهو الذي يدخل معه القبر، فإن كان سعيدًا مُثِّل له أحسن صورة، فيؤنسه ويبشره في قبره، فيقول: من أنت يرحمك الله؟ فيقول: عملك.
وإن كان سيئًا مُثِّل له في أقبح صورة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: عملك.
стр. 368
ويصحبه كذلك حَتَّى يحشر (١).
قال الإمام ابن رجب ﵀ (٢): (وتفسير هذا: أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من أهلٍ يعاشرهم، ومالٍ يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة، فيأخذ من المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجةً صالحة تعينه على إيمانه.
فأما من اتخذ أهلًا ومالًا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسر، كما قالت الأعراب: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: ١١]، وقال تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧].
قال الحسن وهو في جنازة: ابن آدم، لئن رجعتَ إلى أهل ومال، فإن الثَّوى (٣) فيهم قليل، فإذا مات ابن آدم، وانتقل من هذه الدار لم ينتفع من أهله وماله بشيء، إلا بدعاء أهله له واستغفارهم، وبما قدمه من ماله بين يديه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
стр. 369
فأما إن خلَّف من يدعو له من أهله، أو قدم شيئًا من ماله فإنه ينتفع به، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له، أو علمٍ ينتفع به» (١).
الصاحب الأول: الأهل:
فأهله لا ينفعه منهم بعد موته إلا من استغفر له ودعا له، وقد لا يفعل، وقد يكون الأجنبيُّ أنفعَ للميت من أهله، كما قال بعض الصالحين: وأين مثل الأخ الصالح؟! أهلك يقتسمون ميراثَك، وهو قد تفرَّد بحزنك، يدعو لك، وأنت بين أطباقِ الأرض، فمن الأهل من هو عدوٌّ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ومنهم من يشتغل عن الميت بحصول ميراثِه، كما قيل:
تمر أقاربي جنباتِ قبرى … كأن أقاربي لا اعرفوني
وذووا الميراثِ يقتسمون مالي … ولا يألون إن جحدوا ديوني
وقد أخذوا سهامَهُم وعاشوا … فيا للهِ أسرعَ ما نسوني
قال الحسن: أزهد الناس في عالم جيرانُه، وشرُّ الناس لميت أهلُه؛ يبكون عليه، ولا يقضون دينه (٢). يشير إلى أنهم يفعلون ما يضرُّه ويتركون ما ينفعه؛ فالبكاء إذا كان معه ندبٌ أو نوْحٌ أو تسخطٌ يعذَّب به الميت (٣)، وإنما يبكون لفقد حظوظهم منه، فبكاؤهم على أنفسهم لا على ميتِهم.
стр. 370
احتُضر بعض الصالحين فبكى أبواه وولده، فسألهم عن بكائهم، فذكر أبواه ما يتعجلانه من فقده، ووحشتَهم بعدَه، وذكر ولده ما يتعجلون من فقده، ويُتمَهم بعده، فقال: كلُّكم بكى لدنياي، أما منكم من يبكي لآخرتي؟!
أما منكم من يبكي لِمَا يلقاه في التراب وجهي؟! أما منكم من يبكي لمسائلةِ منكرٍ ونكيرٍ إياي؟! أما منكم من يبكي لمقامي بين يدي ربي؟! ثم صرخ صرخةً فمات ﵀.
وأكثر الورثة لا يوفون دينَ موَرِّثهم، فيتركونه مرتهَنا محتبَسا بدَيْنه، كما قال النبي ﷺ لقوم مات منهم ميت: «إن صاحبكم محتبَسٌ بدَيْنِه، فإن شئتم فأسْلموه أو فكُّوه» (١)، أو كما قال.
وبكل حال فليوطن الإنسان في الدنيا نفسَه على مفارقة أهله، ولا ينتفع الميتُ بعد موته بأهله ولا غيرهم، إلا بالاستغفار له ودعائهم وترحمهم، أو صدقتهم عنه، وينتفع بزيارة من زاره ويسلِّم عليه ويستأنس بذلك.
وقد وصى عمرو بن العاص ﵁، أن يقيموا على قبرِه بعد دفنه بقدر ما تُنحر جزورٌ ويقسَّم لحمُها، وقال: أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسلَ ربي (٢).
وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ كان إذا دفن الميت قال: «سلوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل» (٣).
стр. 371
وأما إقامتهم عنده بعد ذلك فلا ينتفع به، ومع هذا فالمؤمن يبشَّر في قبره بصلاح ولده من بعده؛ لتقرَّ عينُه، وتنزل الملائكة عند موت المؤمن بالبشرى له، ويقال له: لا تخف مما أنت قادمٌ عليه، ولا تحزن على من خلَّفت من أهلك؛ فإن الله يتكفل بهم، فتقرّ عينُ المؤمن بذلك.
فهذا أحد الأخلاءِ الثلاثةِ، وهو الأهل يصِلون مع خليلهم إلى باب الملك وهو اللحدُ، ثم يرجعون عنه.
الصاحب الثاني: المال:
وأما الخليل الثاني وهو المال، فيرجع عن صاحبه أولًا ولا يدخل معه قبره، ورجوعُه كنايةً عن عدم مصاحبته له في قبره ودخوله معه، وقد فسر بعضهم المال الراجع بمن يتبعه من رقيقِه، ثم يرجعون مع الأهل فلا ينتفع الميت بشيءٍ من ماله بعد موته، إلا بما كان قدمه بين يديه؛ فإنه داخل في عمله الذي يصحبه في قبره، فأما ما خلَّفه وتركه، فهو لورثته لا له، وإنما كان خازنًا لورثته.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبليت، أو تصدَّقت فأمضيت؟» (١).
وفيه أيضًا (٢) عن النبي ﷺ قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاثُ: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى (٢)، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركُه للناس» (٣).
стр. 372
وفي صحيح البخاري عنه ﷺ قال: «أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: ما منا إلا مالُه أحبُّ إليه من مال وارثه. قال: فإن مالَه ما قدم، ومالُ وارثه ما أخر» (١).
فلا ينتفع العبد من ماله إلا بما قدمه لنفسه، وأنفقه في سبيل الله .
فأما ما أكله ولبسه، فإنه لا له ولا عليه، إلا أن يكون فيه نيةٌ صالحة، وقيل: بل يثاب عليه مطلقًا.
فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤدّ حق الله منه؛ فإنه يمثَّل له شجاعًا أقرع (٢)، يتبعه وهو يفرُّ منه، حتى يأخذَ بلهزمتيه (٣)، ويقول: أنا مالك! أنا كنزُك، ويلقمه يدَه فيقضمُها (٤) قضمَ الفحلِ (٥).
وإن كان المكنوز ذهبًا أو فضة جُعل صفائح، فأحمي عليها، ثم كوي بها جبينه وجبهته وجنبُه، فمن تحقق هذا، فليقدم لنفسه من ماله ما يحبُّ، فإنه إذا قدمه كان له وبين يديه، ينتفع به في دار الإقامة، وإذا خلفه كان لغيره لا له، وقد يكون هو ممن يحبسه عن النفقة في سبيل الله، فيراه يوم القيامة في ميزان غيره، فيتحسَّر على ذلك، فيدخل هو بماله النار، ويدخل وارثه به الجنة!
стр. 373
فالعاقل هو من قدم من ماله ما يحبه، فيفوز به في دار الإقامة؛ فإن من أحب شيئًا استصحبه معه، ولا يدعه لغيره، فيندم حين لا ينفعه الندم.
وقال بعض الملوك لأبي حازم الزاهد: ما بالنا نكره الموت؟
قال: لتعظيمِك الدنيا، جعلت مالك بين عينيك، فأنت تكره فراقَه، ولو قدمته لآخرتك لأحببت اللحوقَ به.
قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
كان ابن عمر ﵄ لا يعجبه شيء من ماله إلا قدَّمه لله، حتى إنه كان يومًا راكبًا على ناقة فأعجبته، فنزل عنها في الحال وقلَّدها وجعلها هديًا لله .
دخل رجل على أبي ذر ﵁ فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نوجِّه إليه صالح متاعنا، قال: إنه لا بدَّ لك من متاع، ما دمت هاهنا قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
يا جامع الأموالِ بادر صرفَها … واعلم بأن الطالبين حِثاثُ
خذ من تراثِك ما استطعتَ فإنما … شركاؤُك الأيامُ والأحداثُ
لم يقض حقَّ المال إلا معشرٌ … نظروا الزمان يعيثُ فيه فعاثوا
ما كان فيه فاضلًا عن قوتِه … فليعلَمنَّ بأنه ميراثُ (١)
стр. 374
قال الحسن: بئس الرفيقان الدرهم والدينار لا ينفعانك حتى يفارقانك.
وقيل لبعضهم: جمع فلان مالًا، قال: هل جمع عمرًا ينفقه فيه؟ قالوا: لا، قال: ما جمع شيئًا.
جمعت مالًا ففكر هل جمعت له … يا جامع المال أيامًا تفرقه
المال عندك مخزونٌ لوارثه … ما المال مالَك إلا حين تنفقه
من قدم اليوم شيئًا قدِم عليه غدًا، ومن لم يقدم شيئًا قدِم على غير شيء، فطال فقره في دار الإقامة.
دخلت امرأة على عائشة ﵂ قد شُلَّت يدُها، فقالت: يا أم المؤمنين، بتُّ البارحة صحيحةَ اليد فأصبحت شلَّاء! قالت عائشة ﵂: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسران، كان أبي يعطي الزكاة، ويقري الضيف، ويعطي السائل، ولا يحقر من الخير شيئًا إلا فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرًا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قلت: يا أبهْ ما هذا؟ قال: يا بنية، من يعمل في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى.
قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟! قلت: نعم، قال: هيهات!
стр. 375
عُدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فملت عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقةٍ، بيدها شُحَيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطشاه، فإذا بلغها الجهد دلَكت تلك الشُّحَيْمة براحتِها ثم لحسَتْها، وإذا بين يديها نهر جارٍ، قلت: يا أماه! ما لك تنادين العطش وبين يديك نهرٌ جار؟! قالت: لا أترك أن أشرب منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددتُ أنك فعلت، فغرفتُ لها غرفةً فسقيتُها، فلما شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقي هذه المرأة شُلَّت يمينه مرتين فأصبحتُ شلاءَ اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني.
قالت لها عائشة ﵂: وعرفتِ الخرقة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أن أبي نحر ذات يوم ثورًا، فجاء سائل فعمدت أمي إلى عظم عليه شُحَيْمةٌ فناولتها إياه، وما رأيتها تصدقت بشيء، إلا أن سائلًا جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خِرقةٍ فناولتها إياه؛ فكبرت عائشة ﵂ وقالت: صدق الله وبلَّغ رسوله ﷺ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ بإسناد حسن (١).
من خرج إلى سفر من أسفار الدنيا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إلى الزاد، فلا ينفعه الندم وربما هلك؛ فكيف بمن رحل إلى سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير زاد؟!
كان علي ﵁ يقول في الليل: آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة
стр. 376
الطريق (١)، وبكى أبو هريرة ﵁ عند موته وقال: إنما أبكي على بعد سفري وقلة زادي (٢).
إذا شكا من قلة الزاد من زاده كثير … فكيف يقول من لا زاد له؟!
يا جامع المال ما أعددتَ للحفر … هل يُغفل الزاد من أضحى على سفر
قال ابن السماك ﵀: ما بكوا لسكرة الموت، إنما بكوا لحسرة الفوت، خرجوا من دار لم يتزودوا منها، وقدموا على دار لا زاد لهم فيها (٣).
إذا أنت لم ترحَل بزاد من التقى … وأبصرتَ بعد الموت من قد تزودا
ندمتَ على ألَّا تكون شركتَه … وأرصدتَ ما قد كان من قبل أرصدا
الصاحب الثالث: العمل
أما الخليل الثالث: فهو العمل، وهو الخليل الذي يدخل مع صاحبه قبره فيكون معه فيه، ويكون معه إذا بُعث، ويكون معه في مواقف القيامة، وعلى الصراط، وعند الميزان، وبه تُقتسم المنازل في الجنة والنار.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
قال بعض السلف ﵏: في القبر (٤).
يعني: أن العمل الصالح يكون مِهادًا (٥) لصاحبه في القبر، حيث لا يكون
стр. 377
للعبد من متاع الدنيا فراش ولا وساد ولا مهاد؛ بل كل عامل يفترش عملَه ويتوسده من خير أو شر.
فالعاقل من عمر بيته الذي تطول إقامتُه فيه، ولو عمره بخراب بيته الذي يرتحل عنه قريبا لم يكن مغبونًا؛ بل كان رابحًا.
قال وهب بن منبه ﵀: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني، لكل إنسان بيتان: بيت غائب، وبيت شاهد؛ فلا يلهينك بيتك الشاهد الذي فيه عمرك القليل، عن بيتك الغائب الذي فيه عمرك الطويل (١).
وقال بعض السلف ﵏: اعمل للدنيا على قدر مكثِك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثِك فيها.
وقال بعضهم: لابن آدم بيتان: بيت على الأرض، وبيت في بطن الأرض، فعمد إلى الذي على وجه الأرض، فزخرفه وزينه، وجعل فيه أبوابًا للشمال، وأبوابًا للجنوب، ووضع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه، ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخربه؛ فإذا قيل: هذا البيت الذي أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري. قيل له: والذي أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي. قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل تعقل؟! (٢)
قال الحسن: تبع رجل من المسلمين جنازة أخيه، فلما دلي في قبره قال الرجل: ما أرى تبعك من الدنيا إلا ثلاثة أثواب، أما والله لقد تركت بيتي كثير المتاع، أما والله إن أقالني الله حتى أرجع لأقدمنه بين يدي، قال: فرجع فقدمه والله بين يديه، وكانوا يرون أنه كان عمر بن عبد العزيز ﵀.
стр. 378
وكان ينشد هذه الأبيات كثيرًا (١):
من كان حين تصيب الشمسُ جبهتَه … أو الغبارُ يخاف الشينَ والشعَثا
ويألف الظلَّ كي تبقى بشاشتُه … فسوف يسكن يوما راغمًا جَدَثا
في ظل مقبرةٍ غبراءَ مظلمةٍ … يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا
تجهَّزي بجهازٍ تبلغين به … يا نفس قبل الرَّدى لم تُخلقي عبثا
فالمؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة، فيبشره بالسعادة من الله، والكافر بعكس ذلك.
والأعمال الصالحة تحيط بالمؤمن في قبره؛ في صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «والذي نفسي بيده، إنه ليسمع خفْقَ نعالهم حين يُولُّون عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عند رأسه، والزكاةُ عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل الخيرات والمعروفُ والإحسانُ إلى الناس من قِبلِ رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مدخل … ».
وذكر سائر الأعمال كذلك، وقال في الكافر: «يؤتى من هذه الجهاتِ فلا يوجد شيء فيجلس خائفًا مرعوبًا» (٢).
قال عطاء بن يسار ﵀ (٣): إذا وضع الميت في لحده، فأول شيء يأتيه عمله، فيضرب فخذه الشمال فيقول: أنا عملك. فيقول: فأين أهلي وولدي وعشيرتي وما خوَّلني الله؛ فيقول: تركت أهلك وولدك وعشيرتَك وما خوَّلك الله
стр. 379
وراء ظهرك، فلم يدخل معك قبرك غيري. فيقول: يا ليتني آثرتك على أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله، إذ لم يدخل معي غيرك.
قال يزيد الرقاشي ﵀ (١): بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوَشَتْه (٢) أعمالُه، ثم أنطقَها الله، فقالت: أيها العبد المنفرد في حفرته، انقطع عنك الأخلاءُ والأهلون، فلا أنيس لك اليوم غيرنا، ثم بكى يزيد وقال: طوبى لمن كان أنيسه صالحًا، والويل لمن كان أنيسه وبالًا.
تزوَّد قرينًا من فعالك إنما … قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
وإن كنت مشغولًا بشيءٍ فلا تكن … بغير الذي يرضى به الله تُشغل
فلن يصحب الإنسانَ من بعد موتِه … إلى قبرِه إلا الذي كان يعملُ
ألا إنما الإنسانُ ضيف لأهلِه … يقيم قليلًا عندهم ثم يرحلُ).
من فوائد الحديث:
أولًا: في الحديث التذكير بالموت وانقضاء الأعمار وانقطاع الأعمال.
ثانيًا: فيه الحث على قصر الأمل، واغتنام الأعمار في طاعة الله والأعمال الصالحة.
ثالثًا: فيه أن المال والأهل اللذان يتبعان الميت لا ينفعانه بعد موته، وإنما ينفعه عمله الصالح، أما ماله الذي أنفق، فلا ينفعه منه إلا ما قدمه لآخرته.
стр. 380
الحديث السابع والخمسون: خطر النظر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (١).
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
كُتب على ابن آدم … أي: قُدِّر عليه ذلك، وكتب كَتْبَ تقدير وسابقيةِ علم؛ بأنه يأتيه مختارًا.
نصيبه من الزنا … أي: من مقدماته من التمني، والتخطي لأجله، والتكلم فيه طلبًا، أو حكايةً أو سماعًا ونحوها.
لا محالة … بفتح الميم، ويضم، أي: لا بد له، ولا فراق، ولا احتيال منه، فهو واقع ألبتة.
والقلب يهوى … بفتح الواو، أي: يحبُّ ويشتهي.
ويتمنى … أي: ما ذُكر من المقدِّمات، أي: ما تتمناه النفس، وتدعو إليه الحواس، وهو الجماع.
ويصدق ذلك الفرج … أي: يوافقه، ويطابقه بالفعل.
стр. 381
ويكذبه … أي: بالترك، والكفِّ عنه، فإن تركه خوفًا من الله فيثاب عليه، وإن تركه اضطرارًا لا يعاقب عليه فقط.
التعليق:
قال الهروي ﵀ (١): (سمى هذه الأشياء باسم الزنا؛ لأنها مقدماتٌ مؤذنةٌ بوقوعه، ونسب التصديق، والتكذيب إلى الفرج، لأنه منشؤه، ومكانه، أي: يصدِّقه بالإتيان مما هو المراد منه، ويكذبه بالكف عنه.
وقيل معناه: إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مصدقًا لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مكذبًا.
قال ابن حجر: فإن حقَّق زناه فيوقع صاحبه في تلك الكبيرة، وإن كذبه بأن لا يزني، فيستمر زنا تلك الأعضاء على كونها صغيرة.
أقول: الأظهر أن يقال: والفرج، أي: عمله يصدق ذلك التمني، ويكذبه، وهو أقرب لفظًا، وأنسب معنى.
وقيل: معنى: «كُتب»: أنه أُثبت عليه ذلك؛ بأن خلق له الحواس التي يجد بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين، وبما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر، وعلى هذا، وليس المعنى: أنه ألجأه إليه، وأجبره عليه، بل ركز في جبلته حبَّ الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء، كذا قاله بعض الشراح.
وقيل: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنا،
стр. 382
ومقدماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال: كتب الله على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله عنه بفضله، صدر عنه من مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله، ورحمته عن صدور مقدماته، وهم خواص عباده صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة (١)، وهي تمني النفس، واشتهاؤها).
وقال المناوي ﵀ (٢): (شبه صورةَ حالةِ الإنسان -من إرسال الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم، وإصغائه بالأذن إلى السماع، ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني، ثم استدعائه منه، فصار ما يشتهي ويتمنى باستعمال الرجلين في المشي، واليدين في البطش، والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمنَّاه، فإذا امتنع من ذلك خيبه فيه- بحال رجل يخبره صاحبه بما يزينه له ويغويه عليه، فهو إما يصدقه ويمضي على ما أراده منه أو يكذبه، ثم استعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب؛ ليكون قرينة للتمثيل أو الإسناد في قوله: «والفرْجُ يُصدِّقُ ذلك ويكذِّبه»، مجازي لأنَّ الحقيقي هو أن يسند للإنسان فأسند إلى الفرج، لأنه مصدر الفعل والسبب الأقوى.
وقد نظر المحاسبي ﵀ إلى هذا حيث قال:
وكنتَ متى أرسلت طرفَك رائدًا … لقلبك يوما أتعَبَتْك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضِه أنت صابر
стр. 383
قال الطيبي: وبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفرج، ونبه بزنا اللسان بالكلام على زنا الفم بالتقبيل، وجعل الفرج مصدقًا لذلك؛ إن حقق الفعل، ومكذبًا له إن لم يحققه، فكان الفرج هو الموقع).
فائدة في استثناء النظر للمخطوبة:
ما مُنع سدًّا للذريعة مثل النظر للنساء، يباح للمصلحة الراجحة كما في النظر إلى المخطوبة، التي يرغب الزواج منها.
قال ابن القيم ﵀ (١): (وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم).
من فوائد الحديث:
أولًا: فيه أن مقدمات الزنا يطلق عليها اسم الزنا، وإن لم يترتب عليها عقوبة الزنا.
ثانيًا: فيه أن ما كتب على الإنسان لابد أن يدركه لا محالة.
ثالثًا: وفيه أن العينين هما الرائد الأول للزنا ولذلك بدأ بهما.
قال العلماء: (المعاصي بريد الكفر (٢)، والنظر بريد الزنا) (٣).
стр. 384
ثالثًا: فيه أن الزنى الحقيقي لابد فيه من تصديق الفرج، وذلك إذا حقق الفعل، وهو الإيلاج في فرج محرم.
رابعًا: وفيه أن العبد لا يخلق فعل نفسه، لأنه قد يريد الزنا فلا يطاوعه الذكر، ولو كان خالقًا لفعله لم يعجز عما يريده مع استحكام الشهوة (١).
стр. 385
الحديث الثامن والخمسون: الوقاية من الشبهات
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ- «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).
معاني الكلمات (٢):
الكلمة … معناها
بيِّنٌ … ظاهر.
مشتبهات … التي لا يقال فيها: حلال ولا حرام، فهي تشتبه بالشيئين.
اتقى الشبهات … تجنبها.
استبرأ لدينه وعرضه … احتاط لهما، أي: حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه.
стр. 386
يرعى حول الحمى … الحمى: هو المرعى الممنوع الذي حماه الإمام، ومنع من أن يُرعى فيه.
يوشك … يقرُب.
يرتع فيه … يرعى غنمه أو إبله في نفس الحمى، بناء على تساهله في المحافظة، وجراءته على الرعي، وعدم الفرق بينه وبين غيره، فيستحق عقاب الملك.
مُضغة … قطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وسمي القلب بها لأنها قطعة من الجسد. قال العلماء: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له.
التعليق:
قال النووي ﵀ (١): (أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب، فقال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة … » إلى آخره، فبين ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
стр. 387
وأما قوله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين»، فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام:
١ - حلال بين واضح لا يخفى حله؛ كالخبز والفواكه والزيت والعسل، والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات، فيها حلالٌ بين واضح لا شك في حله.
٢ - وأما الحرامُ البيِّن؛ فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح، وكذلك الزنى والكذب، والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك.
٣ - وأما المشتبهات؛ فمعناه: أنها ليست بواضحة الحلِّ ولا الحرمةِ، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمَها بنصٍّ أو قياس أو استصحابٍ أو غير ذلك، فإذا تردَّد الشيء بين الحلِّ والحرمة، ولم يكن فيه نصٌّ ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله، أم بحرمته، أم يتوقف فيه، ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض ﵀ وغيره، والظاهر أنها مخرَّجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب؛ الأصح أنه لا يحكم بحل، ولا حرمة، ولا إباحة، ولا غيرها، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أن حكمها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف).
стр. 388
وجاء في شرح المشكاة للطيبي ﵀ (١): (إن الله تعالى بين الحلال والحرام، بأن مهَّد لكل منهما أصلًا، يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعِنُّ له من الجزئيات، ويعرف أحوالَها، لكن قد يقع في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه، لوقوعه بين الأصلين، ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه، فينبغي أن لا يجتريء المكلَّف على تعاطيه، بل يتوقفه ريثما يتأمل فيه، فيظهر له أنه من أي القبيلين هو، فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان، بل رجع طرفُ الذهنِ عن إدراكه حسيرًا، تركه في حيِّز التعارض أسيرًا، وأعرض عما يريبه إلى ما لا يريبه، استبراءً لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم، وصيانةً لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع، فإنَّ من هجم على الشبهات، وتخطَّى خُطَطَها، ولم يتوقف دونها، وقع في الحرام؛ إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم، كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
وقال الإمام ابن رجب ﵀ (٢): (ثم ذكر النبي ﷺ كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأن ذلك كلَّه بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته، وصلحت جميع الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام، وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها، وانبعث في معاصي الله وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق.
стр. 389
فالقلب الصالح: هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله، من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه، ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته، ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك، وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه.
والقلب الفاسد: هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه.
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: (باب فضل من استبرأ لدينه)، والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب: أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه، التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام؟ فإنه مستبراءٌ لدينه بمعنى: أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرضٌ دينَه للدنس والشين والقدح، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيًّا نزها بريًّا، وتارة يكون دنسًا متلوثًا.
والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة، وتارة بالرقة والضعف، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن، وتارة بأنه غير حسن، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى.
هذا كلُّه إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخصٍ شخص، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسِه من حيث هو هو فإنه يوصف بالنزاهة.
стр. 390
قال أبو هريرة: الإيمان نزِهٌ، فإن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان (١).
خرجه الإمام أحمد في كتاب الإيمان. ومن كلام يحيى بن معاذ: الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك) (٢).
من فوائد الحديث:
أولًا: في هذا الحديث يسر الإسلام وسماحته في مسائل الحلال والحرام، فهي واضحة لكل أحد، ولا حجة لأحد في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله.
ثانيًا: فيه أن المشتبهات، وإن كان لا يعلمهن كثير من الناس، إلا أن الراسخين في العلم يعلمونها، ولذلك أمر الله بسؤالهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ثالثًا: فيه فضيلة اتقاء الشبهات، وأن في اتقائها سلامة الدين والعرض.
رابعًا: فيه أن من وقع في الشبهات واعتاد عليها، ولم يبال بكونها غير واضحة الحِلِّيَّةِ، جره ذلك إلى الوقوع في الحرام والتهاون بارتكابه.
خامسًا: قال ابن رجب ﵀ (٣): (وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها).