← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12347

روائع البيان تفسير آيات الأحكام

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

خاتمة البحث: حكمة التشريع يدعو الإسلام إلى التثبت في الخبر، وأخذ الحيطة والحذر، في كل أمرٍ من أمور المؤمنين، ليجتنبوا المزالق التي يدبّرها لهم أعداؤهم، ويكونوا على بيّنةٍ من أمرهم، فكم من فتنة حصلت بسبب خبر كاذب، نقله فاسق فاجر؟ وكم من دماء أريقت بسبب فتنةٍ هوجاء، أشعلَ نارَها أناسٌ ماكرون؟ لا يريدون للأمة الخير، ولا يضمرون للمسلمين إلاّ كل شرّ، وبلاءٍ، وفتنة، ليفسدوا عليهم وحدتهم، ويكدّروا عليهم صفاءهم وسرورهم. لذلك أمر الإسلام بمبدأ كريم فاضل (مبدأ التمحيص) والتثبت من كل خبر، وخاصة خبر الفاسق، الذي لا يقيم حرمةً للدين، ولا يبالي بما يحدث من جراء كذبه وبهتانه، من أضرار فادحة، ونتائج وخيمة، تشلّ حركة المجتمع، وقد تفضي إلى فجيعة عظيمة تودي بحَياة أناسٍ بريئين، كما كان سيحدث في قصة (الوليد بن عقبة) لولا أنّ الله أطلع رسوله على جليّة الأمر، بواسطة الوحي المنزل، فكان في ذلك صيانة الدماء البريئة، وحفظ وحدة المسلمين. كما أمر الإسلام بمقاومة الظلم والطغيان، أيّاً كان مصدره، فدعا إلى الإصلاح بين الطوائف المتنازعة، والفئات المتخاصمة، فإن لم ينفع الصلح، ولم تثمر دعوته، كان السيف هو الحكم الفاصل تقاتل به الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وتفيء إلى رشدها. وهذه الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام قاعدة تشريعية وقائية، لصيانة المجتمع المسلم من الخصام، والتفكك، والاندفاع وراء الأهواء الطائشة، التي لا تجني منها الأمة إلاّ كل شر، وبلاء.

стр. 1087

سورة الواقعة [١] حرمة مس المصحف التحليل اللفظي ﴿بمواقع النجوم﴾ : المواقع جمع موقع وهو المسقط الذي يسقط فيه الشيء، قال في «اللسان» : والموقع والموقوعة: موضعُ الوقوع، ويقال: وقع الشيء موقعه، ومواقع الغيث: مساقطه. والمراد بمواقع النجوم: مواضعها ومنازلها من بروجها، فلكل نجم مدار يدور فيه، وموضع لا يتعدّاه ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] .

стр. 1088

﴿مَّكْنُونٍ﴾ : المكنون: المستور قال تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٣] والمراد أنه مصون مستور عن غير الملائكة المقربين لا يطّلع عليه من سواهم، أو مصون محفوظ عن التبديل والتغيير بحفظ الله تعالى له: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. ﴿المطهرون﴾ : الملائكة الأطهار، أو المطهّرون من الأحداث، من الجنابة والبول والغائط وأشباهها مما يمنع من الصلاة، والمراد على الثاني أنه لا يمسّ القرآن إلا طاهر من الجنابة والحدث. ﴿مُّدْهِنُونَ﴾ : متهاونون مكذّبون، قال القرطبي: والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره ولهذا يقال للرجل المتهاون أو المتلاين في أمر الدين «مداهن» أي أنه يلين جانبه. قال في «اللسان» : والمداهنة والإدهان: المصانعة واللين، وقيل: المداهنة إظهار خلاف ما يضمر. ﴿بَلَغَتِ الحلقوم﴾ : أي بلغت النفس أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر لدلالة الكلام عليه ولأن المعنى معروف، وأنشدوا في ذلك: أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ [الواقعة: ٥] : أي محاسبين أو مجزيّين بأعمالكم، مأخوذ من دان بمعنى جازى ومنه الحديث الشريف: «اعمل ما شئت كما تدين تُدان» أي كما تفعل تُجزى.

стр. 1089

وقال ابن قتيبة: غير مدينين أي غير مملوكين ولا مقهورين من قولهم: دنت له بالطاعة. وقال الفراء: دنته أي ملكته وأنشد للحطيئة: لقد دُيّنتِ أمرَ بنيكِ حتّى ... تركتهِم أدقّ من الطحين ﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ : ترجعون الروح إلى الجسد، والمعنى: إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم فهلَاّ تردّون هذه الروح إلى الجسد؟ فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر بيد الله تعالى. وجه الارتباط بالآيات السابقة ذكر الله في الآيات السابقة الأدلة والبراهين على (الوحدانية) وعلى البعث والنشور، ثمّ أعقب ذلك بذكر الأدلة على (النبوّة) ومصدر الرسالة، وصِدقِ هذا القرآن الذي نزل على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان معجزة خالدة له على مدى الزمان. وقد بيَّن تعالى أنَّ هذا القرآن ليس - كما يزعم المشركون - من تأليف محمد ﷺ َ وإنما هو تنزيل الحكيم العليم، وقد أقسم على ذلك بهذا القسم العظيم، وهذا هو وجه الارتباط بين الآيات السابقة وبين هذه الآيات الكريمة. المعنى الإجمالي يقول جلّ ثناؤه ما معناه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بمواقع النجوم﴾ لا أقسم بهذه الأفلاك، لا أقسم بمواضعها ومنازلها، بمداراتها التي تدور فيها، فإنّ الأمر

стр. 1090

أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم، والقسم بها - لو علمتم - شيء عظيم، لما فيه من الدلائل الباهرة على قدرة خالقها جلّ وعلا، ومع ذلك أقسم بأنّ هذا القرآن كتاب كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو تنزيل الحكيم العليم، في كتابٍ مصونٍ عند الله تعالى، محفوظٍ عن الباطل، محفوظ عن التبديل والتغيير. وهذا الكتاب العزيز لم تتنزّل به الشياطين، فالشياطين لا تمسّ هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه، وإنما تنزّلت به الملائكة الأطهار، ولا ينبغي أن يمسّه إلاّ من كان مثلهم طاهراً، لأنه كلام ربّ العزّة جلّ وعلا، ومن تعظيم كلام الله ألاّ يمسّه إلا من كان طاهراً مطهّراً. أفبهذا القرآن - أيها الناس - تكذّبون وتكفرون؟ وتجعلون شكر النعم أنكم تنكرون فضل الله المنعم المتفضّل عليكم؟ فماذا أنتم فاعلون حين تبلغ الروح الحلقوم، وتقفون في مفرق الطريق المجهول؟ هل تملكون العودة إلى الدنيا أو دفع الموت عنكم؟ أو تستطيعون أن تردّوا إلى أحد روحه بعد أن تنفصل عن جسده؟ فلو كنتم غير محاسبين، أو كان الأمر كما تقولون: لا حساب ولا جزاء، ولا بعث ولا نشوز، فأنتم حينئذٍ طلقاء غير مدينين ولا محاسبين، فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردّوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء، وأنتم حولها تنظرون، وملائكتنا أقرب إليها منكم ولكن لا تبصرون، وهي ماضية إلى (الدينونة الكبرى) وأنتم ساكنون عاجزون، وهناك تلقون الجزاء الأوفى من أحكم الحاكمين. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: السرّ في القسم بمواقع النجوم هو الإشارة إلى عظيم قدرة الله، وكمل حكمته، وبديع صنعه، بما لا يحيط به نطاق البيان، فإنّ

стр. 1091

عظمة الصنعة تدل على عظمة الصانع فالسماء بما حوته من شموس وأقمار، أثر من آثار قدرة الله، التي تدل على وجود الخالق، المبدع، الحكيم، وهي آية على الوحدانية كما قال أبو العتاهية: وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنّه واحدُ اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ جاءت هذه الجملة الاعتراضية (لو تعلمون) بين الصفة والموصوف، وفائدة هذا الاعتراض هي التهويل من شأن القسم، والتنبيه إلى عظمة الكون كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] . والمقسم عليه هو (القرآن العظيم) وأصل الكلام: (وإنه لقسم عظيم، إنه لقرآن كريم) فاعترض بين الصفة والموصوف لهذا السرّ الدقيق. اللطيفة الثالثة: فإن قيل: أين جواب (لَوْ) في الجملة الاعتراضية؟ نقول: لا جواب لها لأنه أريد به نفي علمهم وكأنه قال: وإنه لقسم

стр. 1092

ولكن لا تعلمون، أو إنه محذوف ثقة بظهوره أي لو تعلمون حق العلم لعظّمتموه، أو لعملتم بموجبه، والفعل المضارع (تعلمون) ليس له مفعول على حدّ قولهم: فلانٌ يعطي ويمنع، وهو أبلغ وأدخل في الحسن ممّا لو كان له مفعول فتدبره. اللطيفة الرابعة: قال الإمام الفخر: ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ : «القرآن مصدر أريد به المفعول وهو المقروء، كما في قوله تعالى ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوق الله، ووصفُه بالكريم فيه لطيفة، وهي أنَّ الكلام إذا قرئ كثيراً يهون في الأعين، والآذان، ولهذا ترى من قال شيئاً في مجلس الملوك، لا يذكره ثانياً، ولو قيل لقائله لم تكرّر هذا؟ اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ إطلاق الحديث على القرآن الكريم، كثيرٌ بمعنى كونه (اسماً) لا (وصفاً) فإنّ الحديث اسمٌ لما يُتحدث به، وهو وصفٌ يوصف به ما يتجدّد، فيقال: أمر حادث، ورسم حديث أي جديد، ويقال: أعجبني حديث فلان بمعنى كلامه، والقرآن قديم له لذة الكلام الجديد، فصحّ أن يسمّى (حديثاً) . والإدْهان: تليين الكلام لاستمالة السامع، من غير اعتقاد صحة الكلام، كما يقول العدوّ لعدوّه: أنا أدعو لك، وأثني عليك، مداهنة منه وهو كاذب، فصار استعمال المدهن في المكذّب من هذا القبيل. قال الزجّاج: معناه: أفبهذا القرآن أنتم تكذبون؟ . اللطيفة السادسة: المناسبة بين المقسم به وهو (النجوم) ، وبين القسم عليه وهو (القرآن) أنّ النجوم جعلها الله ليهتدي بها في ظلمات البرّ والبحر، وآيات القرآن يهتدي بها في ظلمات الجهل والغواية، وتلك ظلمات حسيّة،

стр. 1093

وهذه ظلمات معنوية، فالقسم هنا قد جمع فيه بين الهدايتين (الحسيّة) للنجوم، و (المعنوية) للقرآن فتدبّر هذا السرّ الدقيق. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ ظاهر الكلام النفي، ومعناه النهي كقوله تعالى: ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] يراد منه النهي، وكقوله تعالى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خبر بمعنى الأمر، والمراد بالآية أنهم المطهّرون من الأحداث. قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ قال بعضهم: أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناه الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحفُ، كما روى مسلم في» صحيحه «عن ابن عمر:» أن رسول الله ﷺ َ نهى أن يُسافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو «مخافة أن يناله العدوّ، واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ َ لعمر بن حزم:» ألاّ يمسّ القرآن إلاّ طاهر «. اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ هو على حذف مضاف أي وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم بالقرآن، أي تضعون الكفر مكان الشكر، فهو على حد قول القائل: «تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع» ... قال ابن عباس: في تفسير الآية: وتجعلون شكركم التكذيب. قال الألوسي: «إنّ في الكلام مضافاً مقدّراً أي شكر رزقكم، أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن لازمه وهو الشكر» . وقال الثعلبي المعنى: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذِّبون.

стр. 1094

وجوه القراءات ١ - قرأ الجمهور ﴿فلا أقسم﴾ بمدّ (لا) على أنها نافية، وقرأ الحسن ﴿فلأقسم﴾ بغير ألفٍ بين اللام والهمزة فتكون اللام (لام القسم) وهذا مبني على رأي بعض النحاة الذن يجوّزون القسم على فعل الحال فيقال: والله لَيَخرجُ زيد، وعليه قول الشاعر: «ليَعلمُ ربيّ أنّ بيتي واسع» . ٢ - قرأ الجمهور ﴿بمواقع﴾ على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي ﴿بموقع﴾ على الإفراد لأنه اسم جنس. ٣ - قرأ الجمهور ﴿المُطَهّرون﴾ اسم مفعول من (طهّر) مشدّداً، وقرأ نافع ﴿المُطْهَرون﴾ مخففاً من أطهر، وقرأ سلمان الفارسي ﴿المُطَّهَّرون﴾ بشدّ الطاء والهاء أصله ﴿المتطهرون﴾ فأدغمت التاء في الطاء. وجوه الإعراب ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ لا زائدة والمعنى فأقسم، وهذا مذهب سعيد بن جبير، وقيل إنها (لام القسم) ومعناه فلأقسم وقد ردّه في «الكشاف» . قال الزمخشري: «ولا يصح أن تكون اللام (لام القسم) لأمرين: أحدهما: أنّ حقها أن تقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح.

стр. 1095

والثاني: أنّ لأفعلنّ في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال. ٢ - قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ جملة (لا يمسّه) صفة ل (قرآنٌ كريمٌ) وقيل صفة ل (كتابٍ مكنون) وعلى كلا القولين تكون (لا) نافية، وقيل إنها ناهية، بمعنى (لا يمسَسْهُ) مثل قوله ﵇:» المسلمُ أخو المسلم لا يظلِمُهُ ... «الحديث. قال ابن عطية:» والقول بأن (لا يمسَّه) نهي قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك ﴿تَنزِيلٌ﴾ صفة، فإذا جعلناه نهياً جاء معناه أجنبياً معترضاً بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل في قسم حقيقي؟ وما هي طريقة هذا القسم؟ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ وكيف نجمع بين هذا اللفظ الذي صورته «نفي القسم» وبين قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ الذي هو صريح في إثبات القسم؟ على عدة أقوال: ١ - قال بعضهم: وهم الجمهور إنّ (لا) زائدة زيدت للتأكيد، مثلها في قوله تعالى: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] أي ليعلم، وقول الشاعر: تذكَّرتُ ليلى فاعترتْني صَبَابةٌ ... وكان نياطُ القلب لا يتقطَّع أي كاد يتقطع.

стр. 1096

ب - وقال آخرون: إنّ (لا) هنا هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت الألف نظير الألف في قول الشاعر: «أعوذ بالله بمن العقراب» ويكون معنى الآية: «لأَقْسِمٌ» . وهذا الرأي ضعيف لأن النحاة يقولون: إذا كان الفعل مستقبلاً في حيّز القسم وجب اتصال نون التوكيد به وحذفها ضعيف جداً تقول مثلاً «لأفعلنّ» ومثله قوله تعالى: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ولا تقول: لأفعلُ. ج - وقال آخرون: هي (للنفي) وهو نفي لمحذوف هو ما كان يقوله الكفار: إن القرآن سحر، أو شعر، أو كهانة، ويكون حاصل لمعنى: لا صحة لما يقولون، أُقْسمُ بمواقع النجوم، ويكون الأمر فيه نفياً لكلام سابق، وابتداءً بكلام مستأنف. وهذا الرأي ضعيف أيضاً لأن النحاة يقولون: إنّ اسم (لا) وخبرها لا يصح حذفهما إلاّ إذا كانا في جواب سؤال، ثم إنه في مثل هذه الحالة يتعين العطف بالواو كما يقال: هل شفي فلانٌ من مرضه؟ فيقال: لا وشفاه الله ... إلخ. د - واختار الفخر الرازي رأياً آخر خلاصته: أنّ (لا) نافية باقية على معناها، وأنّ في الكلام «مجازاً تركيبياً» وخلاصة المعنى أن نقول: لا حاجة إلى القسم لأنّ الأمر أظهر وأوضح من أن يقسم عليه، وهذا الرأي جميل لأنه لا يراد به نفي القسم حقيقة بل الإشارة إلى أنه من الجلاء والوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم.

стр. 1097

الحكم الثاني: ما المراد بالكتاب المكنون في الآية الكريمة؟ اختلف الفسرون في المراد بالكتاب المكنون. فقيل: هو (اللوح المحفوظ) ومعنى أنه مكنون أي أنه مستور عن الأعين، لا يطّلع عليه إلا بعض الملائكة، كجبريل وميكائيل ﵉. وقيل إن الكتاب: لا يراد به اللوح المحفوظ، وإنما يراد به القرآن الكريم «المصحف» فهذا القرآن العظيم كما أنه محفوظ في الصدور، كذلك هو مسجل في السطور كما قال تعالى: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] وعلى هذا التفسير يكون معنى ﴿مَّكْنُونٍ﴾ أي أنه محفوظ من التبديل والتغيير، ويكون على حدّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . الحكم الثالث: ما المراد من قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ ؟ اختلف المفسرون في الضمير في هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ﴾ هل هو راجع إلى القرآن العظيم؟ أم إلى الكتاب الذي هو على رأي بعضهم (اللوح المحفوظ) فإذا أعيد الضمير على القرآن الكريم يكون المراد من قوله تعالى: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ﴾ أي لا يمسّ هذا القرآن إلاّ طاهر من الحدثين: الأصغر والأكبر. ويكون النفي على معنى أنه لا ينبغي أن يمسه كما في قوله تعالى: ﴿الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] . ويرى البعض أنّ (لا) ناهية وليست نافية، والضمة التي فيه للإتباع لا للإعراب، والذين قالوا إن المراد باللفظ هو اللوح المحفوظ فسروا المطهّرين بالملائكة واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦] فقالوا هذه الآية تشبه تلك فالمراد بها إذاً الملائكة.

стр. 1098

الحكم الرابع: ما هو حكم مسّ المصحف الشريف؟ القرآن الكريم كتاب الله المقدس يجب تعظيمه واحترامه، ومن تعظيمه وإجلاله ألاّ يمسه إلاّ طاهر، ومسألة عدم جواز مسّ المصحف للمحدث أمر يكاد يجمع عليه الفقهاء، ومن أجازه من الفقهاء فإنما أجازه لضرورة (التعلم والتعليم) فالمحدث والجنب، والحائض، والنفساء، كلّ هؤلاء يحرم عليهم مس المصحف لعدم الطهارة. رأي ابن تيمية ﵀: استدل ابن تيمية على الحكم الشرعي من وجه لطيف فقال: إنّ الآية تدل على الحكم من باب «الإشارة» فإذا كان الله ﵎ يخبر أنَّ الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسُها إلا المطهّرون فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألاّ يمسّها إلا طاهر «انتهى. أقول: هذا هو الحق الذي ينبغي التعويل عليه، وهو ما اتفق عليه الفقهاء من حرمة مسّ المصحف الشريف بدون طهارة. تنبيه هام قلنا إن مسَّ المصحف لغير المتطهر حرام، وهذا الحكم لا اعتراض عليه، إنما الاختلاف بين الفقهاء هل هو مستنبط من الآية الكريمة؟ أم مأخوذ من دليل آخر؟ فيرى بعض الفقهاء أن الحكم الشرعي بحرمة مسّ القرآن مأخوذ من نفس هذه الآية الكريمة، لأنه (خبر) يقصد به (النهي) فكأنه تعالى يقول:» لا تمسّوه إلاّ إذا كنتم على طهارة «. وقال آخرون الحكم ثبت من السنة لا من الآية الكريمة وقد ذكروا بعض الوجوه التي يُرجَّح بها هذا الرأي منها: أ -» إنّ الآيات هاهنا مكية، ومعلوم أن القرآن في مكة كانت عنايته موجهة إلى أصول الدين لا إلى فروعه. ب - قالوا الآية خبر وتأويلكم لها يخرجها عن (الخبر) إلى (الإنشاء) الذي يراد به النهي، والأصلُ أن يحمل اللفظ على الحقيقة.

стр. 1099

ج - قالوا إنّ لفظ «المطهّرون» يشير إلى ما قلنا وهو الذي تكون طهارته ذاتية وهم (الملائكة) وأما المتطهرين فهم الذين تكون طهارتهم بعملهم نظراً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] فلو أراد الله سبحانه الإخبار عن وجوب الطهارة لقال: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ ! ﴿. والخلاصة: فإن السنة والآثار تنصّ على وجوب الطهارة لمسّ القرآن فقد ثبت فيما رواه ابن حبان وأصحاب السنن أن النبي ﷺ َ كتب كتاباً إلى أهل اليمن وجاء فيه: «وألاّ يمسّ القرآن إلا طاهرٌ» . وبهذا قال الجمهور من الفقهاء منهم: (مالك وأبو حنيفة والشافعي) ﵏ وقد كان كثير من الصحابة يأمرون أولادهم بالوضوء لمس المصحف، وقصة عمر معروفة وفي هذا القدر كفاية وغُنيةٌ عن التطويل. الحكم الخامس: ما هي الحكمة من القسم؟ جرت العادة عند العرب أن يستعملوا القسم عند إرادة توكيد الكلام، والقرآنُ الكريم نزل بلغة العرب، وقد كانت آياته الكريمة تحوي أنواعاً من القسم وضرورياً من التفنّن البديع في توكيد الكلام، وليس المراد من القسم إثبات الدعوى، فالدعاوى لها ما يثبتها من الأدلة القطعية التي ثبتت عن طريق الحجة والبرهان. ثمّ إنّ المخاطب أحد رجلين: إمَّا مؤمن بالقرآن، أو مكذب به، فالمؤمن لا يحتاج إلى قسم فهو مصدِّقٌ بما أخبر عنه الله تعالى بدون يمين، والمكذّب الذي لم تغنه الآيات والنّذُر لن يصدّق بمجرد القسم بعد أن لم يؤثر فيه الدليل، فثبت أنّ المراد بالقسم إنما هو توكيد الكلام ليس إلاّ ولفتُ النظر إلى أهمية الموضوع، وأهمية الأمر، فحين يقسم الله تعالى بشيء من الأشياء تتوجه النفس إلى سرّ هذا القسم بهذا المخلوق متسائلة ما سرّه؟ وما معناه؟ ولم أقسم به دون غيره؟ وحينئذٍ تبحث عن الحكمة والسرِّ في ذلك القسم﴾ !

стр. 1100

الحكم السادس: ما هي أنواع القسم المذكورة في القرآن الكريم؟ ورد القسم في القرآن الكريم على أنواع عديدة، وضروب شتى، إمَّا من ناحية القسم نفسه، أو من ناحية المقسم عليه. ١ - فجاء القسم بالذات العلية مثل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] . ٢ - وجاء القسم بأشياء من خلقه سبحانه مثل: ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ﴿والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] . ٣ - وجاء القسم بالقرآن الكريم مثل: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: ١] ﴿حم والكتاب المبين﴾ [الزخرف: ١ - ٢] ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق: ١] . ٤ - وجاء أيضاً على الشكل الذي معنا في الآيات الكريمة بلا النافية وفعل القسم مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بالخنس الجوار الكنس﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦] وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ [القيامة: ١] وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١] هذا من ناحية القسم. أما من ناحية المقسم عليه فإمّا أن يكون. ١ - أصول الإيمان كوحدانية الله سبحانه مثل قوله تعالى: ﴿والصافات صَفَّا ... إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ١ - ٤] . ٢ - أو يكون المراد إثبات أن القرآن حق مثل الآية التي معنا ﴿فَلَا أُقْسِمُ بمواقع النجوم ... إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . ٣ - أو يكون المراد إثبات نبوته ﷺ َ مثل قوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: ١ - ٣] . ٤ - أو يكون المراد نفي صفة ذميمة أتهم بها المشركون الرسول ﷺ َ مثل قوله: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١ - ٢] . الحكم السابع: هل يجوز القسم بغير الله سبحانه؟ أجمع العلماء على حرمة القسم بغير الله سبحانه، أو صفةٍ من صفاته تعالى

стр. 1101

لقوله ﷺ َ: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر» هذا بالنسبة للخلق، أما بالنسبة للخالق فله أن يقسم بما شاء من خلقه، لأن في القسم بالشيء تنبيهاً إلى عظمته وأهميته، والله قد أقسم بكثير من الآيات كما مر معنا تنبيهاً إلى شرفها وما حوت من إبداع وإتقان ليكون ذلك دليلاً على عظمة خالقها جل وعلا. وقد قال ﷺ َ: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر» . ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: القسم بالنجوم والأفلاك تنبيه على عظمة الخالق، المدبّر الحكيم الذي أبدع هذا الكون. ثانياً: القرآن كلام الله ليس بشعر، ولا بسحر، ولا كهانة، بل تنزيل الحكيم العليم. ثالثاً: الكتاب العزيز لم تتنزّل به الشياطين، وإنما تنزّلت به الملائكة الأطهار، فلا ينبغي أن يمسّه إلا طاهر. رابعاً: القرآن مصون عن التبديل والتغيير، محفوظ عن الباطل، لأنّ الله تعالى قد تكفّل بحفظه. خامساً: ينبغي أن تقابل النعمة بالشكر والثناء لا بالجحود، والإنكار، والتكذيب. سادساً: لو كان الإنسان غير مجازى بعمله لاستطاع أن يدفع عن نفسه شبح الموت. سابعاً: لا بدّ من دار الجزاء وراء هذه الدنيا ليلقى فيها الإنسان نتيجة عمله.

стр. 1102

خاتمة البحث: حكمة التشريع القرآن الكريم كتاب الله المجيد، ودستوره إلى عباده، ووحيه المنزل على خاتم المرسلين ﷺ َ، وهو آخر الكتب السماوية نزولاً، وأشرفها مكانة ومنزلة، أودع فيه منزلُهُ هداية البشرية، وسعادة الإنسانية، وجعله نوراً وضياء للعالمين. ومن حقّ هذا القرآن المجيد أن يُعظم، ومن واجب المسلمين أن يطبّقوه في حياتهم، وأن يحلّوه محل الصدارة من أنفسهم، تلاوة، وعملاً وتطبيقاً؛ ليسعدوا كما سعد آباؤهم من قبل. ومن تعظيم القرآن الكريم ألا يمسّه الإنسان إلاّ على طهارة، لأنه كلام الله، وكلام الله عظيم بعظمة الله، فلا يصح للمؤمن أن يتساهل في أمره، وأن يمسّه بدون وضوء، فقد كتب رسول الله ﷺ َ في وصيته لعمرو بن حزم «وألاّ يمسّ القرآن إلاّ طاهر» وكفى بتعظيم الرسول ﷺ َ لأمر القرآن تعظيماً، وكفى ببيانه بياناً! ﴿ وإذا كان القرآن الكريم قد عظّم الله شأنه، فأنزله في أفضل الشهور (شهر رمضان) وفي أفضل الليالي (ليلة القدر) واختار الواسطة له الروح الأمين (جبريل) ﵇، وأخبر أنه ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦] أفلا يكون من واجب المسلمين أن يعظّموا هذا الكتاب المبين غاية التعظيم، ويجلّوه غاية الإجلال؟﴾ وإذا كان الملائكة الأطهار، والسفرة الأبرار هم الذين تشرفوا بمسّ هذه الصحف المطهّرة، فأولى بأهل الأرض ألا يمسّوه إلى على طهارة، تشبهاً بالملائكة الأطهار، وتفخيماً لشأن هذا الكتاب العظيم الذي حفظه الله وصانه من التحريف والتبديل وصدق الله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَاّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] .

стр. 1103

سورة المجادلة [١] الظهار وكفارته في الإسلام التحليل اللفظي ﴿سَمِعَ الله﴾ : السمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متصفاً بهما. ومعنى السميع: المدرك الأصوات من غير أن يكون له أذن لأنها لا تخفى عليه.

стр. 1104

قال أبو السعود: ومعنى سمعه تعالى لقولها: إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك: كما هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ أي يعلم تراجعكما الكلام. ﴿تجادلك﴾ : أي تراجعك في شأن زوجها، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة وفي الحديث: «ما أوتي قوم الجدل إلاّ ضلّوا» والمراد بالحديث الجدل على الباطل، وطلب المغالبة به، لا إظهار الحق فإنّ ذلك محمود لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] والمراد هنا: المراجعة في الكلام. ﴿وتشتكي﴾ : الشكوى إظهار البث وما انطوت عليه النفس من الهمّ والغم، وفي التنزيل: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦] وشكا واشتكى بمعنى واحد. ﴿تَحَاوُرَكُمآ﴾ : المحاورة المراجعة في الكلام، من حار الشيء يحور حوراً أي رجع يرجع رجوعاً، ومنه حديث: «نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر» ومنه فما أحار بكلمة أي فما أجاب. قال عنترة: لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلّمي يريد به فرسه أي لو كان يعلم الكلام لكلَّمني.

стр. 1105

﴿يظاهرون﴾ : الظهار مشتق من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. ومعناه الأصلي: مقابلة الظهر بالظهر يقال: ظاهر فلان فلاناً أي قابل ظهره بظهره، ثم استعمل في تحريم الزوجة بجعلها كظهر أمه. قال الألوسي: الظهار لغة مصدر ظاهر، وهو (مفاعلة) من الظهر، ويراد به معانٍ مختلفة، راجعة إلى الظهر معنى ولفظاً باختلاف الأغراض. فيقال: ظاهر زيد عمراً أي قابل ظهره بظهره حقيقة. وظاهره إذا غايظه وإن لم يقابل حقيقة، باعتبار أن المغايظة تقتضي ذلك. وظاهره إذا ناصره، باعتبار أنه يقال: قوّى ظهره إذا نصره. وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر. وظاهر من امرأته إذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي. وهذا الأخير هو المعنى الذي نزلت فيه الآيات. قال في «الفتح» : «وإنما خصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء، لأنه محل الركوب غالباً، ولذلك سُمّي المركوب ظهراً، فشبهت المرأة بذلك لأنها مركوب الرجل» . ﴿اللائي﴾ : جمع التي، فيقال: اللاتي، واللائي قال تعالى: ﴿والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] . ﴿مُنكَراً﴾ : المنكر من الأمر خلاف المعروف، وكلّ ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرهه فهو منكر.

стр. 1106

﴿وَزُوراً﴾ : الزور: الكذب، والباطل الواضح، ومنه شهادة الزور. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ : حرّرته أي جعلته حراً لوجه الله. والرقبة في الأصل: العُنُق ثم اطلقت على ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه، والمراد بها المملوك عبداً أو أمة. قال الألوسي: وذلك من تسمية الكل باسم الجزء. ﴿يَتَمَآسَّا﴾ : المسّ: مسكُ الشيء باليد، ثم استعير للجماع لأنه لمس والتصاق، لأن فيه التصاقَ الجسم بالجسم، والتماس هنا: كناية عن الجماع. ﴿مِسْكِيناً﴾ : المسكين الذي لا شيء له، وقيل الذي لا شيء له يكفي عياله، وأصل المسكين في اللغة الخاضع ... والمراد به هنا ما يعم الفقير، والمسكينُ أحسن حالاً من الفقير. وقد قالوا: المسكينُ والفقيرُ إذا اجتمعا يعني (في اللفظ) افترقا (في المعنى) وإذا افترقا اجتمعا. ﴿حُدُودُ﴾ : الحد: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر وجمعه حدود. وحدود الله: الأشياء التي بيّن تحريمها وتحليلها، وأمرَ أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها ومنع من مخالفتها. وهنا قوله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ يعني الحدود بين معصيته وطاعته، فمعصيتُه الظهارُ، وطاعتهُ الكفارة.

стр. 1107

المعنى الإجمالي إن الله تعالى سميع قريب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهذه امرأة جاءت رسول الله ﷺ َ تشكو ظلم زوجها لها، حيث حرّمها على نفسه بلفظٍ كانت الجاهلية تستعمله، أفيبقى هذا اللفظ محرماً في الإسلام؟! جادلت رسول الله ﷺ َ وتوجّهت بالدعاء إلى المولى جلّ وعلا، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، تشكو إليه وحدتها، فلا أهل لها، ولا معيل ولا نصير، وقد كبر سنّها، وأولادُها صغارٌ، إن أبقتهم عنده ضاعوا، وإن ضمّتهم إليها جاعوا ... ورسولُ الله صلوات الله عليه لا يشرّع من قبل نفسه، وإنما يتّبع الوحي الذي يأتيه من ربه، ولم يوح إليه في الظهار بشيء، ولذلك ما كان يجزم بالتحريم، وإنما كان يقول: «ما أُرَاك إلا قد حَرُمتِ عليه» فكانت تجادله. استجاب الله دعاء هذه المرأة الضعيفة الوحيدة، ونزل الوحي ليقول للزوج: زوجُكَ التي ظاهرت منها ليست بأمك، فأمك هي التي ولدتك حقيقة، وحرّمت عليك بذلك، فكيف تصف ما أباحه الله لك بما حرَّمه عليك؟ إنك تقول قولاً يمقته الشرع فضلاً عن كونه كذباً وزوراً، ومع ذلك فإن الله عفوّ عمن أخطأ ثمّ تاب، غفور لمن وقف عند حدود الشرع، واتَّبع أمر الله الذي أنزله على نبيّه. فمن ظاهر من زوجه وقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، ثمّ أراد أن ينقض قوله، ويعود إلى ما أحلّه الله له من زوجه، فالواجب عليه أن يحرّر عبداً مملوكاً قبل أن يمسّ زوجه، هذا حكمُ مَنْ ظاهر ليتعظ به المؤمنون،

стр. 1108

ويعلموا أن الله جلّ وعلا خبير بكل ما يعملونه، فعليهم أن ينتهوا عما نهاهم عنه. فمن لم يجد الرقبة بأن كان لا يملك ثمنها، أو لا يجد عبداً يشتريه ويعتقه فليصم شهرين متتابعين من قبل أن يقرب زوجه، فإذا كان ضعيفاً لا يقوى على الصوم، أو مريضاً يُضعفه الصوم، فعليه أن يطعم ستين مسكيناً ما يشبعهم، ذلك هو حكم الله في الظهار، لتؤمنوا بأن هذا منزّل من عند الله تعالى وتتبعوه، وتقفوا عند حدود ما شرع لكم فلا تتعدوها. سبب النزول أولاً: عن عائشة ﵂ قالت: «تبارك الذي وسمع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة، فكلَّمت رسول الله ﷺ َ وأنا في جانب البيت أسمع كلامها، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول: يا رسول الله: أَبْلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سنِّي، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحتْ حتى نزل جبريل بهذه الآيات» . ثانياً: وقال ابن عباس ﵄: «كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنتِ علي كظهر أمي، حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام (أوس) ثمّ ندم، وقال لامرأته: انطلقي إلى رسول الله ﷺ َ فسليه، فأتته، فنزلت هذه الآيات» .

стр. 1109

ثالثاً: وعن خولة بن مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ َ أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك. فما برحتُ حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تجادلك فِي زَوْجِهَا ... ﴾ إلى الفرض قال: يعتق رقبة، قلت لا يجد، قال: فليطعم ستين مسكيناً. قلت: ما عنده شيء يتصدق به، قال: فإني سأعينه بعَرَقَ من تمر. قلت: يا رسول الله وإني أعينه بعَرَق آخر. قال: قد أحسنتِ اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك. قال: والعَرَق ستون صاعاً. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ بإظهار الدال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الدال في السين. قال الكسائي: من قرأ ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ فبيَّنَ الدَّال فلسانه أعجمي ليس بعربي. قال الألوسي: «ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين فصيح متواتر، بل الجمهور على البيان» .

стр. 1110

ثانياً: قوله تعالى: ﴿تجادلك فِي زَوْجِهَا﴾ قراءة الجمهور تجادلك من المجادلة وهي المراجعة في الكلام. وقرئ ﴿تحاروك﴾ أي تراجعك الكلام. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ قرأ حفص وعاصم ﴿يُظَاهِرون﴾ بضم الياء وكسر الهاء. وقرأ نافع وابن كثير وعمر ﴿يَظَّهَّرون﴾ بتشديد الظاء والهاء وحذف الألف وفتح الياء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿يَظّاهرون﴾ بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ الحسن وقتادة ﴿يَظَهّرون﴾ بفتح الياء وفتح الظاء مخففة مكسورة الهاء مشددة، والمعنى (يقولون لهنَّ أنتُنَّ كظهور أمهاتنا) . رابعاً: قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أمهاتهم﴾ الجمهور بكسر التاء وهي لغة أهل الحجاز. وقرأ المفضل عن عاصم ﴿أمهاتُهم﴾ بالرفع على لغة تميم. وقرأ ابن مسعود ﴿بأمهاتِهم﴾ بزيادة الباء.

стр. 1111

وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ عطف على ﴿تجادلك﴾ فهو من عطف الجمل لا محل لها من الإعراب لكونها صلة للتي. وجوّز بعضهم أن تكون حالاً، أي تجادلك شاكية حالها إلى الله ويقدر مبتدأ أي وهي تشتكي؛ لأن المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون اسمية. ثانياً: قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ اسم الموصول ﴿الذين﴾ مبتدأ خبره محذوف أي مخطئون، وأقيم دليله هو قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أمهاتهم﴾ مقامه. وقال ابن الأنباري: خبره (ما هن أمهاتهم) أي ما نساؤهم أمهاتهم. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أمهاتهم إِنْ أمهاتهم﴾ . قال الفراء: وانتصابُ الأمهات هاهنا بإلقاء الباء، وهي قراءة عبد الله ﴿ما هن بإمهاتهم﴾ ومثله ﴿ما هذا بشراً﴾ أي ما هذا ببشر، فلما ألقيت الباء أبقى أثرها، وهو النصب، وعلى هذا كلام أهل الحجاز، فأما أهل نجد فإنهم إذا ألقوا رفعوا وقالوا: (ما هنّ أمهاتُهم) و (ما هذا بشرٌ) . وقال أبو حيان: أجرى (ما) مُجْرَى (ليس) في رفع الاسم ونصب

стр. 1112

الخبر كما في قوله تعالى: ﴿مَا هذا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] وقوله: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] . أقول: هذا هو الصحيح لأن (ما) بمعنى ليس فهي نافية حجازية وهي لغة القرآن. رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً﴾ انتصب (منكراً وزوراً) على الوصف لمصدر محذوف، وتقديره وإنهم ليقولون قولاً منكراً، وقولاً زوراً. خامساً: قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اسم الموصول (الذين) مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مبتدأ آخر خبره مقدر أي فعليهم تحرير رقبة، أو فكفارتهم تحرير رقبة. والجملة من المبتدأ وخبره خبر الموصول، ودخلته الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. سادساً: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ . قال ابن الأنباري: الجار والمجرور في موضع نصب لأنه يتعلق ب (يعودون) و (ما) مصدرية، وتقديره (يعودون لقولهم) . والمصدر في موضع المفعول كقولك (هذا الثوب نسج اليمن) ، أي منسوجه، ومعناه يعودون للإمساك المقول فيه الظهار ولا يطلِّق. وقيل: اللامُ في ﴿لِمَا قَالُواْ﴾ بمعنى (إلى) أي يعودون إلى قول الكلمة التي قالوها أولاً من قولهم: أنت علي كظهر أمي وهذا من مذهب أهل الظاهر.

стр. 1113

لطائف التفسير اللطيفة الأولى: يقول علماء اللغة: (قَدْ) حرف يُوجَب به الشيء وهي إذا دخلت على الماضي تفيد (التحقيق) وإذا دخلت على المضارع تفيد (التقليل) لأنها تميل إلى الشك تقول: قد ينزل المطر، وقد يجود البخيل، وأمّا في كلام الله فهي للتحقيق سواءً دخلت على الماضي أو المضارع كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] . قال الجوهري: (قد) حرف لا يدخل إلاّ على الأفعال. قال الزمخشري: «معنى (قد) التوقع لأنه ﷺ َ والمجادِلة كانا متوقعين أن ينزل الله في شكواها ما يفرّج عنها» . ومعنى سمعه تعالى لقولها إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ قال الإمام الفخر: هذه الواقعة تدل على أنّ من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له فيما أهمّه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك الأمر. وصيغةُ المضارع (يسمع) تفيد التجدّد، للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدّده، وذكْرُهَا مع الرسول في سلك الخطاب (تحاوكما) تشريف لها بهذا الخطاب الكريم، وإظهارُ الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة والروعة في قلوب المؤمنين.

стр. 1114

اللطيفة الثالثة: قال ابن منظور: كانت العرب تطلّق النساء في الجاهلية بهذه الكلمة (أنت عليّ كظهر أمي) وإنما خصّوا (الظَّهر) دون البطن، والفخذ، والفرج - وهذه أولى بالتحريم - لأنّ الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه أراد أنْ يقول: ركوُبك للنكاح عليّ حرام كركوب أمّي للنكاح، فأقام الظهر مقام الركوب، وهذا من لطيف الاستعارات للكناية. وقال الفخر الرازي: ليس الظهار مأخوذاً من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء، التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العلو ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوه، وكلّ من علا شيئاً فقد ظهره، ومنه سُمّي المركوب ظهراً لأنَّ راكبَه يعلوه، وكذا امرأة الرجل ظهره لأنه يعلوها بملك البضع، فكأن امرأة الرجل مركوب للرجل وظهر له. ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلَّقتُها، وفي قولهم: أنتِ عليّ كظهر أمي (حذف وإضمار) لأن تأويله: ظهرك عليّ أيملكي إيّاك، وعلوّي عليك حرام، كما أنّ علوّي على أمي وملكها حرام عليّ. اللطيفة الرابعة: المظاهِر شبّه الزوجة بالأم، ولم يقل هي أم، فكيف كان ذلك منكراً وزوراً؟ قال الإمام الفخر في الجواب عن ذلك: إن الكذب إنما لزم لأن قوله: (أنتِ عليّ كظهر أمي) إمّ أن يكون إخباراً، أو إنشاءً. فعلى الأولى: إنه كذب لأن الزوجة محلّلة، والأم محرمة، وتشبيه المحلّلة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب.

стр. 1115

وعلى الإنشاء: كان ذلك أيضاً كذباً، لأن معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، فلمّا لم يرد الشرع بهذا التشبيه كان جعله إنشاءً في وقوع هذا الحكم كذباً وزوراً. اللطيفة الخامسة: روي أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ في خلافته على امرأة، وكان راكباً على حمار والناس معه، فاستوفقته تلك المرأة طويلاً، ووعظته وقالت له: عهدي بك يا عمر وأنت صغير تدعى عميراً، ثمّ قيل لك: يا عمر، ثمّ قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتّق الله يا عمر في الرعيّة، واعلم أن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب. وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره، لا زِلتُ إلاّ للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ ﴿هذه (خولة بنت ثعلبة) التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمح ربّ العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟﴾ . أقول: رَضِيَ اللَّهُ عَنْك يا عمر فهذه أخلاق الصدّيقين. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون مِنكُمْ﴾ الخطاب بلفظ (منكم) فيه مزيد توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم. اللطيفة السابعة: روى الإمام الترمذي عن (سلمة بن صخر البياضي) أنه قال:

стр. 1116

«كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خفت أن أصيب امرأتي شيئاً يتابع بي حتى أصبح، فظاهرات منها حتى ينسلخ رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فما لبثتُ أن نزوتُ عليها، فلما أصبحتُ أخبرتُ قومي، فقلت: امشوا معي إلى النبي ﷺ َ فقالوا: لا والله. فانطلقت فأخبرته ﷺ َ فقال:» أنتَ بذاك يا سلمة ﴿قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم فيما أراك الله؟ قال: «حرّر رقبة» ، قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبةً غيرها وضربت صفحة رقبتي. قال: «فصم شهرين متتابعين» . قالت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلاّ من الصيام؟ قال: «فأطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً» . قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وَحْشين ما لنا طعام﴾ ! قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتها» . فرجعت إلى قومي فقلتُ: وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عن النبي ﷺ َ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم «.

стр. 1117

الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل لاظهار مشروع كالطلاق أم هو محرَّم؟ كان الظهار في الجاهلية طلاقاً، بل هو أشد أنواع الطلاق عندهم، لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التيّ تحرم حرمة على التأبيد، بل لا تجوز بحالٍ من الأحوال، وجاء الإسلام فأبطل هذا الحكم، وجعل الظهّار محرّماً قربان المرأة حتى يكفّر زوجها، ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتبرونه في الجاهلية. فلو ظاهر الرجل يريد الطلاق كان ظهاراً، ولو طلّق يريد به الظهار كان طلاقاً، العبرةُ باللفظ لا بالنيّة، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر. قال ابن القيم:» وهذا لأنّ الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يُعاد إلى الحكم المنسوخ، وأيضاً فإنّ (أوس بن الصامت) إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق، وأيضاً فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه، وقضاءُ الله أحقُّ، وحكمُ الله أوجب «. وقد دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً﴾ على أن الظهار حرام، بل لقد قال فقهاء الشافعية إنه من الكبائر، فمن أقدم عليه اعتبر كاذباً معانداً للشرع. وقد اتفق العلماء على حرمته فلا يجوز الإقدام عليه، لأنه كذب وزور وبهتان، وهو يختلف عن الطلاق، فالطلاقُ مشروع، وهذا ممنوع، ولو أقدم الإنسان عليه يكون قد ارتكب محرماً ويجب عليه الكفارة.

стр. 1118

الحكم الثاني: ماذا يترتب على الظهار من أحكام؟ إذا ظاهر الرجل من امرأته ترتّب عليه أمران: الأول: حرمة إتيان الزوجة حتى يكفّر كفارة الظهار لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ . والثاني: وجوب الكفارة بالعود لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ... ﴾ الآية وسنتحدث عن معنى العود في الحكم الثالث إن شاء الله. وكما يحرم المسيس فإنه يحرم كذلك مقدماته، من التقبيل، والمعانقة وغيرها من وجوه الاستمتاع، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية، والحنابلة) . وقال الثوري والشافعي (في أحد قوليه) : إن المحرّم هو الوطء فقط، لأن المسيس كناية عن الجماع. حجة الجمهور: أ - العموم الوارد في الآية (من قبل أن يتماسّا) فإنه يشمل جميع وجوه الاستمتاع. ب - مقتضى التشبيه الذي هو سبب الحرمة (كظهر أمي) فكما يحرم مباشرة الأم والاستمتاع بها بجميع الوجوه، فكذلك يحرم الاستمتاع بالزوجة المظاهر منها بجميع الوجوه عملاً بالتشبيه. ج - أمر الرسول ﷺ َ للرجل الذي ظاهر من زوجته بالاعتزال حتى يكفّر.

стр. 1119

حجة الشافعي والثوري: أ - الآية ذكرت المسيس وهو كناية عن الجماع فيقتصر عليه. ب - الحرمة ليست لمعنى يُخلُّ بالنكاح فأشبه الحيض، الذي يحرم الاستمتاع فيه فيما بين السرة والركبة. أقول: رأي الجمهور أحوط لأنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، سيّما وقد نقل الإمام الفخر أنّ للشافعي فيه قولين: (أحدهما) أنه يحرم الجماع فقط. (والثاني) أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات، قال: وهو الأظهر. وكفى الله المؤمنين القتال. الحكم الثالث: ما المراد بالعود في الآية الكريمة؟ اختلف الفقهاء في المراد من العود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ على عدة أقوال. أ - قال أبو حنيفة: العود: هو عبارة عن العزم على استباحة الوطء والملامسة. ب - وقال الشافعي: العود: هو أن يمسكها بعد الظهار مع القدر على الطّلاق. ج - وقال مالك وأحمد: العود: هو العزم على الوطء، أو على الوطء والإمساك. د - وقال أهل الظاهر: العود: أن يكرّر لفظ الظهار مرة ثانية فإن لم يكرّر لا يقع الظهار.

стр. 1120

والآراء الثلاثة الأولى متقاربة في المعنى لأن العود إلى الإمساك، أو الوطء، أو إبقاءها بعد الظهار بدون طلاق، كلّها تدل على معنى الندم وإرادة المعاشرة لزوجه التي ظاهر منها فاللام في (لما) بمعنى (إلى) . والمعنى: يرجعون إلى تحليل ما حرّموا على أنفسهم بالعزم على الوطء، وقد عدّد (القرطبي) فيها سبعة أقوال. قال الفراء: معنى الآية يرجعون عمّا قالوا، وفي نقض ما قالوا. دليل الظاهرية: قال أهل الظاهر: إن العود معناه تكرار لفظ الظهار وإعادته، فلا تلزم الكفارة إلاّ إذا أعاد اللفظ - يعني ظاهر مرة ثانية - وقالوا: الذي يعقل من قولهم: عاد إلى الشيء أي أنه فعله مرة ثانية كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فإذا لم يتكرر الظهار لا يقع التحريم. قال الزجّاج: وهذا قول من لا يدري اللغة. وقال أبو علي الفارسي: ليس هو كما ادّعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه الإنسان قبل، وسميت الآخرة معاداً ولم يكن فيها أحد ثم عاد الناس إليها، قال الهُذلي: وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلٍ ... سوى الحقّ شيئاً واستراح العواذل وقال ابن العربي: «ويشبه أن يكون هذا من جهالة داود وأشياعه، وهو باطل قطعاً، لأنه قد رويت قصص المظاهرين وليس فيه ذكرٌ لعودِ القول منهم، وأيضاً فإن المعنى يقضه؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له: إذا أعدت القول المحرّم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة» . أقول: ما قاله جمهور الفقهاء أن المراد بالعود ليس تكرار اللفظ، إنما هو العود إلى معاشرتها والعزم على وطئها هو الصحيح المعقول لغة وشرعاً لأن

стр. 1121

المظاهر قد حرّم على نفسه قربان الزوجة، فهو يريد أن ينقض ذلك ويعيدها إلى نفسه فيلزمه التكفير بهذا العزم. وأما ما قاله أهل الظاهر فباطل لا يقوم عليه دليل، بل هو من آثار الفهم السقيم الذي تخبّط فيه هؤلاء في كثير من الأحكام الشرعية ويكفي لبطلانه حديث (أوس بن الصامت) فإنه لم يكرّر الظهار وقد ألزمه ﷺ َ الكفارة؛ وحديث (سلمة بن صخر) فقد أمره ﷺ َ بالكفارة مع أنه لم يكرّر اللفظ وقد تقدّما، وكفى بذلك حجة قاطعة، لا رأي لأحدٍ أمام قول المعصوم ﷺ َ. الحكم الرابع: هل يصح ظهار غير المسلم كالذمي والكتابي؟ ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أن ظهار الذمي لا يقع لأن الله تعالى يقول: (الذين يظاهرون منكم) وظاهرُ قوله: (منكم) أنَّ غير المسلم لا يتناوله الحكم. وقالوا أيضاً: إن الذميّ ليس من أهل الكفارة، لأن فيها إعتاق رقبة، والصوم، ولما كان (الصوم) عبادة لا يصحّ من غير المسلم إذن فلا يصح ظهاره. فالظهار عندهم لا يكون إلاّ من الزوج العاقل البالغ المسلم. مذهب الشافعي: قال الشافعية: كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه، كذلك يقع ظهاره. وقالوا: يكفّر بالإعتاق، والإطعام، ولا يكفّر بالصوم لأنه عبادة لا تصح إلاّ من المسلم. قال الألوسي: والعجب من الإمام الشافعي عليه الرحمة أن يقول بصحته مع أنه يشترط النيّة في الكفارة، والإيمان في الرقبة، والكافر لا يملك المؤمن؟ أقول: الراجح رأي الجمهور، واستدلالهم بالكفارة في (العتق والصيام) قوي، وأمّا استدلالهم بمفهوم الصفة في الآية الكريمة (منكم) فليس بذاك

стр. 1122

لأن الآية وردت مورد (التهجين والشنيع) لما مرّ أن الظهار لم يعرف إلاّ عند العرب فليس فيها ما يدل لهم والله أعلم. الحكم الخامس: هل يصح الظهار من الأمة؟ . أ - ذهب (الحنفية والحنبلية والشافعية) إلى أن الرجل لو ظاهر من أمته لا يصح، ولا يترتب عليه أحكام الظهار، لقوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ لأن حقيقة إطلاق النساء على (الزوجات) دون (الإماء) بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فقد غاير بينهنّ، فالمراد بالنساء في الآية الحرائر. ب - وذهب مالك: إلى صحة الظهار في الأمة مطلقاً لأنها مثل الحرّة. ج - وروي عن الإمام أحمد: أنه لا يكون مظاهراً، ولكن تلزمه كفارة الظهار. الحكم السادس: هل يقع ظهار المرأة؟ اتفق الفقهاء على أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها بقولها: (أنت عليّ كظهر أمي فلا كفارة عليها ولا يلزمها شيء) وكلامها لغو. قال ابن العربي: وهو صحيح في المعنى، لأن الحَلَّ والعقد، والتحليل التحريم في النكاح من الرجال ليس بيد النساء منه شيء. وروي عن الإمام أحمد (في أحد قوليه) أنه يجب عليها الكفارة إذا وطئها وهي التي اختارها الخرقي. الحكم السابع: هل الظهار مختص بالأم؟ أ - ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم، كما ورد في القرآن الكريم، وكما جاء في السنة المطهّرة، فلو قال لزوجته: أنتِ عليّ كظهر

стр. 1123

أمي كان مظاهراً، ولو قال لها: أنت عليّ كظهر أختي أو بنّتي لم يكن ذلك ظهاراً. ب - وذهب أبو حنيفة (والشافعي في أحد قوليه) : إلى أنه يقاس على الأم جميع المحارم. فالظهار عندهم هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم، بإحدى المحرمات عليه على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، إذ العلة هي التحريم المؤبد. وأمّا من قال لامرأته: يا أختي أو يا أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن يكره له ذلك لما رواه أبو داود عن (أبي تميمة الهجيمي) أنّ رسول الله ﷺ َ سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أُخَيّة، فكرة ذلك ونهى عنه. الحكم الثامن: ما هي كفارة الظهار؟ الكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كما دلت عليه الآية. أ - الإعتاق: وقد أطلقت الرقبة في الآية فهل تجزئ أي رقبة ولو كانت كافرة؟ ذهب الحنفية: إلى أنه يجزئ في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة، والذكر والأنثى، والكبير والصغير، ولو رضيعاً لأن الاسم ينطلق على كل ذلك. وذهب الشافعية والمالكية: إلى اشتراط الإيمان في الرقبة، فلا يصح عتق غير المؤمن حملا للمطلق على المقيد في آية القتل لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] بجامع عدم الإذن في السبب في كل منهما. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة، لأنه حينئذٍ يلزم ذلك لزوماً عقلياً إذ الشيء لا يكون نفسه مطلوباً

стр. 1124

إدخاله في الوجود مطلقاً ومقيداً، كالصوم في كفارة اليمين، ورد مطلقاً ومقيداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها. والمناقشة: بين القولين تنظر في كتب الأصول والفروع. وأما الإمام أحمد: ففي المسألة عنه روايتان. ب - صيام شهرين متتابعين: من عجز عن إعتاق الرقبة فعليه صوم شهرين متتابعين. ويعتبر الشهر بالهلال فلا فرق بين التام والناقص، وإن صام بغير الأهلة فلا بد من ستين يوماً عند الحنفية. وعند الشافعية والمالكية: يصوم إلى الهلال ثم شهراً بالهلال ثم يتم الأول بالعدد. ج - إطعام ستين مسكيناً: من لم يستطع صيام شهرين متتابعين بأن لم يستطع أصل الصيام، أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من كبر أو مرض لا يرجى زواله عادة أو بقول طبيب فعليه إطعام ستين مسكيناً. واختلف الفقهاء في قدر الإطعام لكل مسكين. قال أبو حيان: والظاهر مطلق الإطعام وتخصّصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول وهو ما يشبع من غير تحديدٍ بمد. ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه.

стр. 1125

الحكم التاسع: هل تتغلّظ الكفارة بالمسيس قبل التكفير؟ أ - ذهب أبو حنيفة: إلى أن المظاهر إذا جامع زوجته قبل أن يكفر أثم وعصى الله، وتسقط عنه الكفارة لفوات وقتها. ب - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه أثم وعصى ويستغفر ويتوب ويمسك عن زوجه حتى يكفِّر كفارة واحدة. قال أبو بكر الرازي: «إن الظهار لا يوجب كفارة، وإنما يوجب تحريم الوطء، ولا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه، وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط مؤقتاً بأداء الكفارة، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه، فإن وطئ سقط الظهار والكفارة، وذلك لأنه علَّق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوطء لقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة بالآية، لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط، فإنه متى فات الوقت، وعُدِم الشرط، لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير إلا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ َ أن رجلاً ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم سأل النبي ﷺ َ فقال له: استغفر الله ولا تعد حتى تكفِّر، فصار التحريم الذي بعد الوطء واجباً بالسنة» . الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه يأثم بهذا الفعل وتجب عليه كفارة واحدة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: استجابة الله دعاء الشاكي الصادق إذا أخلص الدعاء. ثانياً: عدم جواز تشبيه الزوجة بمحرم من المحرمات على التأبيد.
следующие страницы →