Полный текст (1 222 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
المظاهر قد حرّم على نفسه قربان الزوجة، فهو يريد أن ينقض ذلك ويعيدها إلى نفسه فيلزمه التكفير بهذا العزم.
وأما ما قاله أهل الظاهر فباطل لا يقوم عليه دليل، بل هو من آثار الفهم السقيم الذي تخبّط فيه هؤلاء في كثير من الأحكام الشرعية ويكفي لبطلانه حديث (أوس بن الصامت) فإنه لم يكرّر الظهار وقد ألزمه ﷺ َ الكفارة؛ وحديث (سلمة بن صخر) فقد أمره ﷺ َ بالكفارة مع أنه لم يكرّر اللفظ وقد تقدّما، وكفى بذلك حجة قاطعة، لا رأي لأحدٍ أمام قول المعصوم ﷺ َ.
الحكم الرابع: هل يصح ظهار غير المسلم كالذمي والكتابي؟
ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أن ظهار الذمي لا يقع لأن الله تعالى يقول: (الذين يظاهرون منكم) وظاهرُ قوله: (منكم) أنَّ غير المسلم لا يتناوله الحكم.
وقالوا أيضاً: إن الذميّ ليس من أهل الكفارة، لأن فيها إعتاق رقبة، والصوم، ولما كان (الصوم) عبادة لا يصحّ من غير المسلم إذن فلا يصح ظهاره.
فالظهار عندهم لا يكون إلاّ من الزوج العاقل البالغ المسلم.
مذهب الشافعي: قال الشافعية: كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه، كذلك يقع ظهاره.
وقالوا: يكفّر بالإعتاق، والإطعام، ولا يكفّر بالصوم لأنه عبادة لا تصح إلاّ من المسلم.
قال الألوسي: والعجب من الإمام الشافعي عليه الرحمة أن يقول بصحته مع أنه يشترط النيّة في الكفارة، والإيمان في الرقبة، والكافر لا يملك المؤمن؟
أقول: الراجح رأي الجمهور، واستدلالهم بالكفارة في (العتق والصيام) قوي، وأمّا استدلالهم بمفهوم الصفة في الآية الكريمة (منكم) فليس بذاك
стр. 1122
لأن الآية وردت مورد (التهجين والشنيع) لما مرّ أن الظهار لم يعرف إلاّ عند العرب فليس فيها ما يدل لهم والله أعلم.
الحكم الخامس: هل يصح الظهار من الأمة؟ .
أ - ذهب (الحنفية والحنبلية والشافعية) إلى أن الرجل لو ظاهر من أمته لا يصح، ولا يترتب عليه أحكام الظهار، لقوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ لأن حقيقة إطلاق النساء على (الزوجات) دون (الإماء) بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فقد غاير بينهنّ، فالمراد بالنساء في الآية الحرائر.
ب - وذهب مالك: إلى صحة الظهار في الأمة مطلقاً لأنها مثل الحرّة.
ج - وروي عن الإمام أحمد: أنه لا يكون مظاهراً، ولكن تلزمه كفارة الظهار.
الحكم السادس: هل يقع ظهار المرأة؟
اتفق الفقهاء على أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها بقولها: (أنت عليّ كظهر أمي فلا كفارة عليها ولا يلزمها شيء) وكلامها لغو.
قال ابن العربي: وهو صحيح في المعنى، لأن الحَلَّ والعقد، والتحليل التحريم في النكاح من الرجال ليس بيد النساء منه شيء.
وروي عن الإمام أحمد (في أحد قوليه) أنه يجب عليها الكفارة إذا وطئها وهي التي اختارها الخرقي.
الحكم السابع: هل الظهار مختص بالأم؟
أ - ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم، كما ورد في القرآن الكريم، وكما جاء في السنة المطهّرة، فلو قال لزوجته: أنتِ عليّ كظهر
стр. 1123
أمي كان مظاهراً، ولو قال لها: أنت عليّ كظهر أختي أو بنّتي لم يكن ذلك ظهاراً.
ب - وذهب أبو حنيفة (والشافعي في أحد قوليه) : إلى أنه يقاس على الأم جميع المحارم.
فالظهار عندهم هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم، بإحدى المحرمات عليه على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، إذ العلة هي التحريم المؤبد.
وأمّا من قال لامرأته: يا أختي أو يا أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن يكره له ذلك لما رواه أبو داود عن (أبي تميمة الهجيمي) أنّ رسول الله ﷺ َ سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أُخَيّة، فكرة ذلك ونهى عنه.
الحكم الثامن: ما هي كفارة الظهار؟
الكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كما دلت عليه الآية.
أ - الإعتاق: وقد أطلقت الرقبة في الآية فهل تجزئ أي رقبة ولو كانت كافرة؟
ذهب الحنفية: إلى أنه يجزئ في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة، والذكر والأنثى، والكبير والصغير، ولو رضيعاً لأن الاسم ينطلق على كل ذلك.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى اشتراط الإيمان في الرقبة، فلا يصح عتق غير المؤمن حملا للمطلق على المقيد في آية القتل لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] بجامع عدم الإذن في السبب في كل منهما.
وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة، لأنه حينئذٍ يلزم ذلك لزوماً عقلياً إذ الشيء لا يكون نفسه مطلوباً
стр. 1124
إدخاله في الوجود مطلقاً ومقيداً، كالصوم في كفارة اليمين، ورد مطلقاً ومقيداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها.
والمناقشة: بين القولين تنظر في كتب الأصول والفروع.
وأما الإمام أحمد: ففي المسألة عنه روايتان.
ب - صيام شهرين متتابعين: من عجز عن إعتاق الرقبة فعليه صوم شهرين متتابعين.
ويعتبر الشهر بالهلال فلا فرق بين التام والناقص، وإن صام بغير الأهلة فلا بد من ستين يوماً عند الحنفية.
وعند الشافعية والمالكية: يصوم إلى الهلال ثم شهراً بالهلال ثم يتم الأول بالعدد.
ج - إطعام ستين مسكيناً: من لم يستطع صيام شهرين متتابعين بأن لم يستطع أصل الصيام، أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من كبر أو مرض لا يرجى زواله عادة أو بقول طبيب فعليه إطعام ستين مسكيناً.
واختلف الفقهاء في قدر الإطعام لكل مسكين.
قال أبو حيان: والظاهر مطلق الإطعام وتخصّصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول وهو ما يشبع من غير تحديدٍ بمد.
ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكيناً.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه.
стр. 1125
الحكم التاسع: هل تتغلّظ الكفارة بالمسيس قبل التكفير؟
أ - ذهب أبو حنيفة: إلى أن المظاهر إذا جامع زوجته قبل أن يكفر أثم وعصى الله، وتسقط عنه الكفارة لفوات وقتها.
ب - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه أثم وعصى ويستغفر ويتوب ويمسك عن زوجه حتى يكفِّر كفارة واحدة.
قال أبو بكر الرازي: «إن الظهار لا يوجب كفارة، وإنما يوجب تحريم الوطء، ولا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه، وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط مؤقتاً بأداء الكفارة، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه، فإن وطئ سقط الظهار والكفارة، وذلك لأنه علَّق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوطء لقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة بالآية، لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط، فإنه متى فات الوقت، وعُدِم الشرط، لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير إلا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ َ أن رجلاً ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم سأل النبي ﷺ َ فقال له: استغفر الله ولا تعد حتى تكفِّر، فصار التحريم الذي بعد الوطء واجباً بالسنة» .
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه يأثم بهذا الفعل وتجب عليه كفارة واحدة والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: استجابة الله دعاء الشاكي الصادق إذا أخلص الدعاء.
ثانياً: عدم جواز تشبيه الزوجة بمحرم من المحرمات على التأبيد.
стр. 1126
ثالثاً: عدم جواز مس المرأة قبل أداء كفارة الظهار.
رابعاً: خصال الكفارة مرتبة لا يصار إلى التالية قبل العجز عن التي قبلها.
خامساً: حدود الله يجب التزامها، ولا يجوز تعديها.
حكمة التشريع
لقد شرع الإسلام الزواج عقداً دائماً غير مؤقت، لا يقطعه إلا هاذم اللذات، أو أبغض الحلال إلى الله، وبالزواج يَحِلُّ للرجل كلُّ شيء من زوجه، في حدود ما أباحه الله تعالى له، فإذا جاء الإنسان يريد أن يغيَّر ما أباحه الله له فيجعل الحلال حراماً، فقد ارتكب كبيرة لا محالة، وتجاوز بذلك الحدود التي شرعها الله له، فلهذا كان عقابه كبيراً، وكانت أولى خصال الكفارة ما فيه فائدة للمجتمع، ألا وهي تحرير رقاب العبيد، وهذه إحدى سبل تحريرهم، فإذا لم يستطع شراء العبد وعتقه، فليصم شهرين متتابعين، والصوم مدرسة تهذب خلقه، وتربيَّ نفسه، وتقوّم ما أعوج من تربيته.
هذا إن كان صحيح الجسم، موفور الصحة، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالمريض الذي لا يستطيع الصوم، ينتقل الواجب في حقه إلى المجتمع أيضاً فيطعم ستين مسكيناً، وهكذا تنتقل خصال الكفارة بين فائدة المجتمع، وفائدة الرجل نفسه.
هذا جزاء من حرَّم حلالاً، فليتعظ المؤمنون بهذا الجزاء الزاجر.
стр. 1127
[٢] نجوى الرسول ﷺ َ
стр. 1128
التحليل اللفظي
﴿تَفَسَّحُواْ﴾ : توسّعوا في المجلس وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: إفسح عني أي تنحّ، يقال: بلدة فسيحة، ومفازه فسيحة، ولك فيه فسحة أي سعة.
قال القرطبي: وفَسَح يَفْسَح مث مَنَع يَمْنَع، أي وسّع في المجلس، وفَسُح يَفْسُح مثل كَرُم يكْرُم، أي صار واسعاً، ومنه مكان فسيح.
﴿انشزوا﴾ : انهضوا وارتفعوا، وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض، قال في «اللسان» : النّشْز: المرتفع من الأرض، ونشز الشيء: ارتفع، وتلّ ناشز: مرتفع، وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ قرأها الناس بكسر الشين، وأهلُ الحجاز يرفعونها، وهي لغتان ومعناه: إذا قيل انهضوا وقوموا.
﴿درجات﴾ : أي منازل رفيعة، جمع درجة وهي الرفعة في المنزلة، مأخوذ من الدّرج الذي يُرقى به إلى السطح.
قال في اللسان: والدّرجة: الرفعة في المنزلة، والدّرجة واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، ودرجات الجنة: منازل أرفع من منازل.
﴿نَجْوَاكُمْ﴾ : النجوى مصدر بمعنى التناجي وهو المسارّة مأخوذة من (النّجوة) وهي ما ارتفع من الأرض، فالمتناجيان يخلوان بسرّهما كخلوّ
стр. 1129
المرتفع من الأرض عما يتصل به.
وقيل: النجوى من المناجاة وهي الخلاص، وكأنّ المتناجيَيْن يتعاونان على أن يخلّص أحدهما الآخر.
ومعنى الآية: إذا أردتم مناجاة الرسول ﷺ َ لأمرٍ من الأمور فتصدقوا قبلها.
﴿وَأَطْهَرُ﴾ : أي أزكى لأنفسكم وأطيب عند الله.
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾ : الإشفاق: الخوف من المكروه، والمعنى: أخفتم وبخلتم بالصدقة، وشقّ ذلك عليكم؟
قال ابن عباس: «أأشفقْتُم» أي أبخلتم بالصدقة. وهو استفهام معناه التقرير.
المعنى الإجمالي
يقول الله جلّ ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون إذا قيل لكم توسعوا في المجلس لإخوانكم القادمين فتوسّعوا لهم، وافسحوا لهم، حتى يأخذ القادم مكانه في المجلس، فإن ذلك سبب المودة والمحبة بينكم، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس، وإذا فسحتم لهم فإنّ الله تعالى يفسح لكم في رحمته، وينوّر قلوبكم، ويوسّع عليكم في الدنيا والآخرة.
وإذا قيل لكم - أيها المؤمنون - انهضوا إلى الصلاة، والجهاد، وعمل الخير فانهضوا، أو قيل لكم قوموا من مقاعدكم للتوسعة على غيركم فأطيعوا
стр. 1130
فإنّ الله تعالى يحبّ من عباده الطاعة، ويرفع درجات المؤمنين، والعلماء العاملين، الذين يبتغون بعلمهم وجه الله، فالعلماء ورثة الأنبياء، ومن يرد الله به خيراً يفقِّهه في الدين، وليست الرفعة عند الله تعالى بالسبق إلى صدور المجالس، وإنما هي بالعلم والإيمان.
ثم أمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا مناجاته ﵇ لأمر من الأمور، أن يتصدقوا قبل هذه المناجاة، تعظيماً لشأن الرسول ﷺ َ ونفعاً للفقراء، وتمييزاً بين المؤمن المخلص، والمنافق المراوغ، فإنّ ذلك أزكى للنفوس، وأطهر للقلوب، وأكرم عند الله تعالى، فإذا لم يتيسر للمؤمن الصدقة فلا بأس عليه ولا حرج.
ثم أخبر تعالى بأنّ عمل الخير كالصدقة وغيرها لا ينبغي أن يخاف منها الإنسان، فقال ما معناه: أخفتم تقديم الصدقات لما فيها من إنفاق المال، فإذا لم تفعلوا ما أُمرتم به، وتاب الله عليكم ورخّص لكم في الترك، فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة ولا تفرِّطوا فيهما وفي سائر الطاعات لأن الله خبير بما تعملون.
سبب النزول
أ - روي أنّ النبي ﷺ َ كان يوم جمعة في الصفّة، وفي المكان ضيق، وكان ﵊ ُ يكرم أهل بدر من (المهاجرين والأنصار) فجاء ناس من أهل بدر، منهم (ثابت بن قيس بن شمّاس) وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ َ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ النبي ﷺ َ ثم سلّموا على القوم فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على
стр. 1131
رسول الله ﷺ َ فقال لبعض من حوله: قم يا فلان، ويا فلان، فأقام نفراً مقدار من قدم، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ َ فقال لبعض من حوله: قم يا فلان، ويا فلانن فأقام نفراً مقدار من قدم، فشقّ ذلك عليهم، وعرفت كراهيته في وجوههم، وقال المنافقون: ما عدل بإقامة من أخذ مجلسه، وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ ... ﴾ .
ب - وروي عن ابن عباس وقتادة: «أنّ قوماً من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول ﵊ ُ، في غير حاجة إلاّ لتظهر منزلتهم وكان ﷺ َ سمحاً لا يردّ أحداً فنزلت هذه الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول ... ﴾ الآية.
ج - وروي عن مقاتل: أنّ الأغنياء كانوا يأتون النبي ﷺ َ فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره ﵊ ُ طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت الآية: ﴿إِذَا ناجيتم الرسول﴾ .
وجوه القراءات
١ - قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس﴾ قرأ الجمهور ﴿تفسّحوا) بتشديد السين، وقرأ قتادة والحسن ﴿تفاسحوا﴾ .
٢ - قرأ الجمهور (في المجلس) بالإفراد على إرادة معنى الجمع، وقرأ عاصم وقتادة (المجالس) بالجمع.
стр. 1132
٣ - قوله تعالى: ﴿انشزوا فَانشُزُواْ﴾ : قرأ الجمهور بضم الشين فيهما، وقرأ حمزة والكسائي ﴿انشِزُوا فانشِزُوا﴾ بكسر الشين فيهما، قال الفراء: وهما لغتان مثل يعكفُون ويعرِشُون.
٤ - قرأ الجمهور (فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة) بالإفراد، وقرئ (صدقات) بالجمع لجمع المخاطبين.
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ يفسحْ مضارع لأنه جواب الطلب، وحرّك بالكسر للتخلُّص من التقاء الساكنيْن، ومثله ﴿يَرْفَعِ الله﴾ مجزوم لأنه جواب الأمر كأنه قيل: إن تنشُزوا يرفع الله ّ المؤمنين جزاء امتثالهم درجات.
٢ - قوله تعالى: ﴿والذين أُوتُواْ العلم درجات﴾ قال أبو حيان: معطوف على الذين آمنوا عطف صفات.
والمعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفات لذاتٍ واحدة.
واختار الطيبي: أن يكون في اللفظ تقدير يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنصر وحسن الذكر، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيماً لهم.
٣ - قوله تعالى: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ﴾ أنْ وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ل ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾ والله أعلم.
стр. 1133
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: لما نهى عباده المؤمنين عمَّا يكون سبباً للتباعض والتنافر، أمرهم في هذه الآيات بما يكون سبباً لزيادة المحبة والمودّة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على القر من رسول الله ﷺ َ والجلوس بين يديه حرصاً على استماع كلامه، فأمروا بالتوسعة على إخوانهم في المجلس تطييباً لقلوبهم، وهذا هو السرّ في مجيء الآيات عقب آيات النهي عن التناجي بالإثم والعدوان.
اللطيفة الثانية: ذكر تعالى في أول الآية مكانة المؤمنين، ثمّ عطف عليها بذكر مكانة العلماء، والعطفُ في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيماً لشأن العلماء، والعطفُ في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيماً لشأن العلماء كأنهم جنس آخر، ولذا أعيد اسم لموصول في النظم الكريم في قوله تعالى: ﴿والذين أُوتُواْ العلم درجات﴾ .
اللطيفة الثالثة: الأمر للمؤمنين بالصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ َ فيه فوائد عديدة:
أولها: تعظيم الرسول ﷺ َ وتعظيم مناجاته.
ثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة.
ثالثها: الزجر عن الإفراط في الأسئلة لرسول الله ﷺ َ.
رابعها: التمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا ومحب الآخرة.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ : في هذا اللفظ استعارة يسميها علماء البلاغة (استعارة تمثيلية) وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان كالإنسان فقد استعار اليدين للنجوى، وقيل إنها (استعارة مكنية) حيث شبّه النجوى بإنسان، وحذف المشبّه به وهو الإنسان، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليدان على سبيل الاستعارة المكنية ومثله قوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وذكر اليدين تخييل.
стр. 1134
اللطيفة الخامسة: أشاد القرآن بمنزلة العلماء الرفيعة، ومكانتهم السامية عند الله تعالى، ويكفيهم هذا الشرف والفخر وقد قال ﵊ ُ: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليُحيي به الإسلام، فبَيْنه وبين النبيّين درجة» وقد ذكر بعض الظرفاء مناظرة رمزية بين (العقل والعلم) نذكرها لطرافتها قال بعض الأدباء:
علمُ العليم وعقلُ العاقل اختلفا ... من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا؟
فالعلم قال: أنا أدركتُ غايته ... والعقل قال: أنا الرحمن بي عُرفا
فأفصح العلمُ إفصاحاً وقال له: ... بأيّنا الله في فرقانه اتصفا؟
فبان للعقل أنَّ (العلمَ) سيّدُه ... فقبّلَ (العقلُ) رأسَ العلم وانصرفا
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد ب (المجالس) في الآية الكريمة؟
اختلف المفسّرون في المراد بالمجلس على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد به مجلس الرسول ﷺ َ خاصة، وهو قول مجاهد.
والثاني: أنّ المراد به مجلس الحرب، ومقاعد القتال، حيث كانوا لحرصهم على الشهادة يأبون التوسع، وهو قول ابن عباس، والحسن.
والثالث: أن المراد به مجالس الذكر كلّها، وهو قول قتادة وهو الأرجح.
قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى ذكرهُ أمر المؤمنين، أن يتفسّحوا في المجلس، ولم يخصّص بذلك مجلس النبي ﷺ َ دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له: مجلس، فذلك على جميع المجالس، من مجالس رسول الله ﷺ َ ومجالس القتال» .
стр. 1135
وقال القرطبي: «والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإنّ كل واحد أحقّ بمكانه الذي سبق إليه» .
الحكم الثاني: هل يباح الجلوس مكان الشخص بدون إذنه؟
دلّت الآية الكريمة على وجوب التوسع في المجلس للقادم، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، ولكن لا يباح للإنسان أن يأمر غيره بالقيام ليجلس مجلسه لقوله ﵊ ُ: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثمّ يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» .
وقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به، والمجلسُ من هذا المباح، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس، إلاّ أن الآداب الاجتماعية تقضي على الناس بتقديم أولي (الفضل والعلم) وبذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث.
ولقد كان هذا الأدب السامي شأن الصحابة في مجلس الرسول ﷺ َ فكانوا يُقدّمون بالهجرة، وبالعلم، وبالسنِّ، وما فعله النبي ﵇ في جماعة (ثابت بن قيس) من أهل بدر، فإنما كان لتعليم الناس مكارم الأخلاق، وخاصة من أهل الفضل والعلم، من المهاجرين والأنصار.
أ - روى ابن العربي بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «بينا رسول الله ﷺ َ في المسجد وقد طاف به أصحابه، إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف وسلّم، ثمّ نظر مجلساً يشبهه، فنظر رسول الله ﷺ َ في وجوه أصحابه أيّهم يوسّع له، وكان أبو بكر جالساً على يمين النبي ﷺ َ فتزحزح له عن محله، وقال: ها هنا يا أبا الحسن!
стр. 1136
فجلس بين النبي ﷺ َ وبين أبي بكر، فقال يا أبا بكر: إنما يعرف الفضل، لأهل الفضل، ذوو الفضل» .
ب - وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلّموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ َ أعلمه إيّاه، فقال عمر: ما أعلم منها إلاّ ما تعلم، ثم قال: بهذا قدمت الفتى.
وإذا قام الإنسان من مجلسه لحاجة ثمّ رجع إليه فهو أحقّ بالمجلس لقوله ﵊ ُ: «من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به» .
الحكم الثالث: هل يجوز القيام للقادم إذا كان من أهل الفضل والصلاح؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز القيام للقادم إذا كان مسلماً من أهل الفضل والصلاح على وجه التكريم لأن احترام المسلم واجب، وتكريمه لدينه وصلاحه ممّا يدعو إليه الإسلام، لأنه سبيل المحبّة والمودة، وقد قال ﵇: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تُكلّم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك» .
فالقيام للقادم جائز على وجه التكرمة، إن لم يكن فاسقاً، ولم يكن سبيلاً للكبرياء والخيلاء، وما لم يصبح ديدناً للإنسان عند كل دخول أو خروج، وفي كل حين وآن فعند ذلك يكره.
قال العلامة ابن كثير: «وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخّص في ذلك محتجاً بحديث (قوموا إلي
стр. 1137
سيّدكم) . ومنهم من منع من ذلك محتجاً بحديث:» من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياماً فليتبَوّأ مقعده من النار «ومنهم من فصّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دلّ عليه قصة (سعد بن معاذ) فإنه لما استقدمه النبي ﷺ َ حاكماً في بني قريظة فرآه مقبلاً قال للمسلمين: قوموا إلى سيّدكم، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم.
أقول: جمهور العلماء على جواز القيام للقادم، إلا إذا كان فاسقاً، أو عاصياً، أو مرتكباً لكبيرة، أو مشهوراً بالكبر، وحب الظهور، وأمّا ما استدل به بعضهم من منع القيام بحديث:» من أحبّ أن يتمثّل له الناس قياماً ... «الحديث فليس فيه دليل لهم، لأن الرسول ﵇ لم يُطْلق اللفظ وإنما قيّده بوصفٍ يدلّ على الكبرياء وحب الظهور» من أحبّ أن يتمثّل له الناس قياماً «ولم يقل صلوات الله» من قام له الناس فليتبوأ مقعده من النار «ولا شكّ أنّ هذا الوصف لا ينطبق إلا على المتكبر المغرور، والفرق دقيق بين اللفظين فلا ينبغي أن يغفل عنه.
وأما ما يقوله بعضهم: من أنّ القيام ركن من أركان الصلاة، فلذلك يحرم، لأنه يشبه العبادة ... إلخ فهذا جهل مطبق لا يصدر من فقيه عالم يتصدى لاستنباط الأحكام! ﴿
كيف والصلاة تشتمل على أركان كثيرة كالقعود، وقراءة القرآن، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ َ في بعض الأقوال - كما هو مذهب الإمام الشافعي - فهل يقول أحد: إن الجلوس بين يدي العالم حرام لأنه ركن من أركان الصلاة؟ وإن تلاوة القرآن لا تجوز أمام أحد لأنها ركن من أركان الصلاة؟ وإن الصلاة على النبي ﵇ حرام في حضرة الناس لأنها ركن من أركان الصلاة؟﴾ !
стр. 1138
وقياسُ القيام على الركوع والسجود في الحرمة، قياسٌ مع الفارق، وهو قياس باطل، لأن الركوع والسجود لا يجوز لغير الله كما قال ﵇: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقد ورد في تحريمه النص القاطع، أمّا القيام، والقعود، والاضطجاع، فليس من هذا القبيل، وكفانا الله شرّ الجهل، وحماقة المتطفلين على العلم والعلماء!!
الحكم الرابع: هل الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ َ واجبة؟
اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ هل الأمر للوجوب أو الندب؟
فقال بعضهم: إنَّ الأمر للوجوب، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ومثل هذا لا يُقال إلا في الواجبات التي لا يصح تركها.
وقال آخرون: إن الأمر للندب والاستحباب، وذلك لأنّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ومِثلُ هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.
ومن جهة أخرى: فإنّ الله تعالى قال في الآية التي بعد هذه مباشرة ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صدقات﴾ ؟ وهذا يزيل ما في الأمر الأول من احتمال الوجوب، ويبقى الأمر للندب.
واتفق العلماء على أن الآية منسوخة، نسختها الآية التي بعدها ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ﴾ وقد اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: بقي التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وقيل: ما بقي إلاّ ساعة من النهار ثم نسخ.
وقد روي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت
стр. 1139
به عشرة دراهم، فكلّما ناجيت الرسول ﷺ َ قدّمت بين يدي نجواي درهماً، ثمّ نُسختْ فلم يعمل بها أحد) .
قال القرطبي: (وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليّ ﵁ ضعيف، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ﴾ وهذا يدلّ على أنّ أحداً لم يتصدّق بشيء، والله أعلم) .
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: وجوب التوسعة في المجلس للقادم لأنها من مكارم الأخلاق.
ثانياً: التوسعة للمؤمن في المجلس سببٌ لرحمة الله ّ وطريقٌ لرضوانه.
ثالثاً: الرفعة عند الله والعزة والكرامة إنما تكون بالعلم والإيمان.
رابعاً: وجوب تعظيم الرسول ﷺ َ وعدم الإثقال عليه في المناجاة.
خامساً: تقديم الصدقة قبل المناجاة مظهر من مظاهر تكريم الرسول ﷺ َ.
سادساً: نسخ الأحكام الشرعية لمصلحة البشر تخفيف من الله تعالى على عباده.
سابعاً: الصلاة والزكاة أعظم أركان الإسلام ولهذا قرن القرآن الكريم بينهما في كثير من الآيات.
стр. 1140
سورة الممتحنة
[١] التزاوج بين المسلمين والمشركين
стр. 1141
التحليل اللفظي
﴿مهاجرات﴾ : أي من دار الكفر، والهجرةُ في اللغة: الخروج من أرضٍ إلى أرض، وفي الشرع: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وفي الحديث: «لا هجرةَ بعد الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيةٌ» المراد بعد فتح مكة، حيث أصبحت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة.
قال الأزهري: وأصل الهجرة عند العرب خروج البدويّ من باديته إلى المدن، وسُمّي المهاجرون ومهاجرين لأنهم تركوا ديارهم ومساكنهم ابتغاء مرضاة الله، ولحقوا بدارٍ ليس لهم بها أهل ولا مال.
﴿فامتحنوهن﴾ : الامتحان في اللغة الاختبار، والمراد اختبارهنّ على الإيمان، بما يغلب على الظنّ، أما حقيقة الإيمان فلا يمكن أن تعلم، لأنه لا يطّلع على القلوب إلاّ علاّم الغيوب، فلنا الظاهر والله سبحانه يتولى السرائر، ويدل عليه قوله: ﴿الله أَعْلَمُ بإيمانهن﴾ .
﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ : يعني أعطوا أزواجهنَّ الكفار مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور.
قال مقاتل: هذا إذا تزوجها مسلم، فإن لم يتزوجها أحد، فليس لزوجها الكافر شيء.
وقال قتادة: الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل العهد، فأمّا من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يردّ إليه الصداق، قال القرطبي: والأمر كما قاله.
стр. 1142
﴿أُجُورَهُنَّ﴾ : يعني مهورهن، وسمي المهر أجراً لأنه في الظاهر أجر البضع، وأمّا في الحقيقة فهو بذل وعطيّة لإظهار خطر المحل وشرفه، كما تقدّم.
﴿بِعِصَمِ الكوافر﴾ : جمع عِصْمة، وهي ما يعتصم به من عهد وسبب، وأصل العصمة: الحبل، وكلّ ما أمسك شيئاً فقد عصمه، والمراد بالعِصْمة هنا النكاح، والكوافر: جمع كافرة.
والمعنى: لا تعتدّوا بنكاح زوجاتكم الكافرات فقد انقطعت العلاقة بينكم وبينهنّ.
قال ابن عباس: «من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّن بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين.
قال الزجاج: إنها إذا كفرت فقد زالت العصمة بينها وبين المؤمن أي قد انبتَّ عقد النكاح.
﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ﴾ : أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدّة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر على نسائكم اللاحقات بهم.
﴿وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ : يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم، فليسأل أزواجهن المهر.
والمعنى: عليكم أن تغرموا لهم الصّداق كما يغرمون لكم.
﴿فَاتَكُمْ﴾ : سبقكم وانفلت من أيديكم.
﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ : قال الزجاج: أي أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم منهم.
стр. 1143
﴿ببهتان﴾ : البهتانُ: الكذب والباطل، والافتراء الذي يُتحيّر من بطلانه، ومنه حديث (فقد بهتّه) أي افتريت عليه ما لم يقله.
والمراد به في الآية: اللقيط.
قال ابن عباس: لا يُلحِقْن بأزواجهنّ غيرَ أولادهم.
وقال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن.
وهو قول الجمهور.
﴿مَعْرُوفٍ﴾ : المعروف: ما يستحسنه الشرع، وترتضيه العقول السليمة وهو ضد المنكر.
﴿لَا تَتَوَلَّوْاْ قوْماً﴾ : أي لا تتخذوهم أصدقاء، وأولياء، تودّوهم من دون المؤمنين، والمراد بالقوم اليهود، أو جميع الكفرة.
﴿يَئِسُواْ مِنَ الآخرة﴾ : أي يئسوا من ثواب الآخرة، واليأس: انقطاع الأمل من الشيء، وهو ضد الرجاء.
المعنى الإجمالي
يقول الله تعالى ما معناه: يا أيها المؤمنون إذا جاءكم المؤمنات المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، فراراً بدينهنّ، وحباً في الله ورسوله، فاختبروهنّ على هذا الإيمان، لتعلموا هل هنّ راغبات في الإسلام حقاً؟ أم أنهنّ هاربات من أزواجهن طمعاً في دنيا، أو حباً لرجل، فإذا علمتم
стр. 1144
- أيها المؤمنون - بالدلائل والأمارات أنهنّ مؤمنات، فلا يحل لكم ردّهن إلى الكفار، لأن الله تعالى لا يبيح مؤمنة لمشرك، وعليكم أن تدفعوا لأزواجهنّ الكفرة ما أنفقوا عليهن من مهر، ولا حرج عليكم أن تتزوجوا بهنّ بصداقٍ جديد، بعد أن تؤدوا لهنّ حقوقهنّ كاملة.
من كانت له امرأة كافرة لم تهاجر مع زوجها، فلا يعتدّ بهذه الزوجة، فقد زالت عصمة النكاح بينهما بسبب الكفر، وانبتّ عقد النكاح، لأن الإسلام لا يبيح الزواج بالمشركة، ومن ارتدت بعد إسلامها ولحقت بدار الكفر، فعاملوها معاملة المشركة، فقد زال النكاح وانفصمت الروابط الزوجية بالردّة، وأصبحت غير صالحة لأن تبقى في عصمة المؤمن، ولكم أن تطالبوهم بما دفعتم من مهور نساءكم اللاحقات بالكفار، كما يطالبونكم بمهور أزواجهم المهاجرات إليكم.
ذلكم هو حكم الله الذي شرعه لكم، فلا تحيدوا عنه ولا تعتدّوا بغيره، لأن الله عليم حكيم، لا يشرع إلاّ ما تقتضيه الحكمة البالغة.
وإن انفلت منكم - أيها المؤمنون - بعض النساء، ولم يدفع لكم المشركون ما تستحقونه من مهورهن، وأصبتموهم في القتال، وغنمتم منهم، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا منالمهر قصاصاً، واتقوا الله الذي صدّقتم به، وآمنتم بتشريعه الحكيم العادل.
وأمّا أنت - يا محمد - فإذا جاءك المؤمنات للبَيْعة، فبايعهنّ على السمع والطاعة، واشرط عليهن ألاّ يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يئدن أولادهم، كما كان يفعل أهل الجاهلية ولا يلحقن بأزواجهنّ لقيطاً من غير أولادهم، ولا يعصينك في طاعة أو معروف، فإذا وافقن على هذه الشروط فبايعهن على ذلك، وعلى سائر أحكام الإسلام، واطلب لهن من الله الرحمة والمغفرة، إذا وفين بالبيعة، فإن الله غفور رحيم، مبالغ في المغفرة والرحمة لمن استقام وتاب وأناب.
стр. 1145
سبب النزول
أولاً: روي عن ابن عباس أنه قال: إنّ مشركي مكة صالحوا رسول الله ﷺ َ عام الحديبية، على أنّ من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم، وكتبوا بذلك الكتاب وختموه، فجاءت (سُبَيْعة بنت الحارث الأسلميّة) بعد الفراغ من الكتاب، والنبي ﷺ َ بالحديبية، فأقبل زوجها - وكان كافراً - فقال يا محمد: أردُدْ عليّ امرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد، فنزلت هذه الآية الكريمة.
أقول: ذكر في هذه الرواية أنها (سبيعة) والمشهور عند المفسّرين أنها (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط) كما نبّه عليه القرطبي وابن الجوزي وغيرهما.
ثانياً: وروي أنّ ناساً من فقراء المسلمين، كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم وطعامهم فنزلت الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ... ﴾ الآية.
стр. 1146
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مهاجرات﴾ قرأ الجمهور ﴿مهاجرات﴾ بالنصب على الحال، وقرئ ﴿مهاجراتٌ﴾ بالرفع على البدل من المؤمنات، فكأنه قيل: إذا جاءكم مهاجراتٌ.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ قرأ الجمهور ﴿تُمْسكُوا﴾ بضم التاء والتخفيف من الإمساك، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿تُمَسّكوا﴾ بضم التاء والتشديد من التمسيك، وقرأ عكرمة والحسن ﴿تَمَسّكوا﴾ بفتح التاء والميم والسين المشدّدة.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكفار فَعَاقَبْتُمْ﴾ قرأ الجمهور ﴿فعاقبتم﴾ وقرأ ابن مسعود والنخعي ﴿فعقبتم﴾ بغير ألف وبالتخفيف وقرأ ابن عباس والأعمش ﴿فعقّبتُم﴾ بتشديد القاف.
قال الزجّاج: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد، أي كانت العقبى لكم بأن غلبتم، وقرأ مجاهد ﴿فأعقبتم﴾ .
وجوه الإعراب
١ - قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مهاجرات﴾ . مهاجراتٍ: حال منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
стр. 1147
٢ - قوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ بإيمانهن﴾ لفظ الجلالة مبتدأ، وأفعل التفضيل (أعلم) خبره، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أنْ: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر أي منصوب بنزع الخافض، والتقدير: ولا جناح عليكم في أن تنكحوهنّ.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ ببهتان﴾ : يفترينه؛ جملة فعلية وفي موضعها وجهان من الإعراب: النصب على الحال من المضمر في (يأتين) والجر على الوصف ل (بهتان) .
٥ - قوله تعالى: ﴿كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور﴾ من أصحاب القبور في موضع نصب لأنه يتعلق ب (يئس) وتقديره: يئسوا من بعث أصحاب القبور، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: ما الفائدة في امتحان المهاجرات مع أنهن مؤمنات؟
الجواب: أن الامتحان إنما هو لمعرفة سبب الهجرة، هل كان حبّاً في الله ورسوله، أم كان من أجل الدنيا؟
قال ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن، لأنّ المرأة إذا غضبت على زوجها بمكة قالت: لألحقنّ بمحمد.
стр. 1148
وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ َ كان يستحلف المرأة فيقول: «بالله الذي لا إله إلا هو، ما خرجتِ من بغض زوج ﴿باللَّهِ ما خرجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرض﴾ بالله ما خرجت التماس دنيا ﴿بالله ما خرجت إلاّ حباً لله ورسوله﴾ فإذا حلفت على ذلك أعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يرُدّها» .
اللطيفة الثانية: السرّ في ذكر هذه الجملة الاعتراضية (الله أعلم بإيمانهن) هو بيان أنه يكفي لنا العلم الظاهر، أمّا العلم الحقيقي الذي تطمئن به النفس وهو الإحاطة بجليّة الأمر، ومعرفة حقيقة الإيمان فإنّ ذلك مما استأثر به علاّم الغيوب، فنحن لنا الظاهر، والله يتولّى السرائر فسبحانه من إله عليم، يعلم السرّ وأخفى!!
اللطيفة الثالثة: الحكمة في عدم ردّ المهاجرات هي أن النساء أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً، وأشدّ فتنةً من الرجال، لأنه لا صبر لهنّ على تحمّل البلاء والأذى في سبيل الله، فرحم الله ضعفهنَّ، ومنع من ردّهن إلى الكفرة المشركين.
اللطيفة الرابعة: أمر الله تعالى بردّ المهر على الزوج الكافر إذا أسلمت زوجته، وذلك من الوفاء بالعهد الذي رعاه الإسلام.
قال القرطبي: وذلك لئلا يقع على الزوج خسران من الوجهين: (الزوجة، والمال) ، لأنه لمّا مُنع من أهله بحرمة الإسلام، أمر بردّ المال إليه وذلك من الوفاء بالعهد.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا صلة بين الإيمان والكفر، فإذا أسلمت الزوجة وزوجها كافر حرمت عليه لعدم التجانس بينهما، فهي مؤمنة وهو كافر، وقد
стр. 1149
قطعت العلاقة بينهما، وهذا يدل على أن رابطة (العقيدة) أقوى من رابطة (النسب) فتدبره.
اللطيفة السادسة: روي أن النبي ﷺ َ لمّا أخذ البيعة على النساء كانت (هند بنت عتبة) في النساء المبايعات وهي زوجة (أبي سفيان) وكانت مُنْتقبة خوفاً من أن يعرفها النبي ﷺ َ لما صنعته بحمزة يوم أُحد ... فلما قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ قالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي ﷺ َ وعرفها، وقال أنتِ هند؟ فقالت: عفا الله عمَّا سلف، أعف يا نبي الله عفا الله عنك! ﴿
فلما قرأ: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت هند: أوَتزني الحُرّة؟
فلما قرأ: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أولادهن﴾ قالت هند: ربّيناهم صغاراً، وقتلتموهم كباراً، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى ... وكان حنظلة ولدها قُتل يوم بدر.
فلما قرأ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قالت: والله إنّ البهتان لأمر قبيح، ولا تأمرنا إلاّ بالرَّشَدِ ومكارم الأخلاق.
فلما قرأ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء؟﴾
اللطيفة السابعة: قال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهنّ.
وقال الزمخشري: «كَنَى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها، عن
стр. 1150
الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً، لأنّ (بطنها) الذي تحمله فيه بين اليدين، و (فرجها) الذي تلده به بين الرِّجْلينِ، وقيل: كَنَى بذلك عن الولد الدعيّ (غير الشرعي) فَنُهينَ عن ذلك لأنه من شعار الجاهلية، المنافي لشعار المسلمات» .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل كان عقد الصلح يشمل الرجال والنساء؟
كان صلح الحديبية الذي تمّ بين الرسول ﷺ َ وبين مشركي قريش، قد نصّ على أنّ من أتى محمداً من قريش ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً من عند محمد لم يردّوه عليه، وقد جاءت (أم كلثوم بنت عقبة) بعد أن كُتب عقد الصلح مهاجرةً إلى رسول الله ﷺ َ وجاء أهلها يطلبونها فقالت يا رسول الله: أنا امرأة، وحالُ النساء إلى الضعف ما قد علمت، فتردّني إلى الكفّار يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟! فقال ﷺ َ لأهلها: كان الشرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله هذه الآية فامتحنها ﷺ َ ولم يردّها إليهم.
قال القرطبي: وقد اختلف العلماء هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً، أو عموماً؟
فقالت طائفة: قد كان شرط ردّهن في عقد المهادنة لفظاً صريحاً، فنسخ الله ردّهن من العقد، ومنع منه، وبقّاه في الرجال على ما كان.
وقالت طائفة: لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أُطلق العقد في
стр. 1151
ردّ من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن من الرجال، فبيّن الله تعالى خروجهن عن عمومه، وفرّق بينهنّ وبين الرجال لأمرين:
أحدهما: أنهن ذوات فروج يُحَرّمن عليهم.
الثاني: أنهنّ أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة على شركها فمردوده عليهم.
ثم قال: وأكثر العلماء على أنْ هذا ناسخ لما كان ﵊ ُ عاهد عليه قريشاً، من أنه يردُ إليهم من جاء منهم مسلماً، فنسخ من ذلك النساء، وهذا مذهب من يرى نسخ السنّة بالقرآن.
أقول: ذكر الإمام الفخر نقلاً عن (الضحّاك) أن العهد كان على غير الصيغة المتقدمة، وأنه كان يشتمل على نص خاص بالنساء صورته كالتالي:
(لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلاّ رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج رددتَ على زوجها ما أنفق عليها، وللنبي ﷺ َ من الشرط مثل ذلك) .
وعلى هذا الرأي تكون الآية موافقة للعهد، مقرّرة له، وهذا الذي تطمئن إليه النفس وترتاح، وما عداه من الأقوال فيحتاج إلى تمحيض وتدقيق، لأنها تنافي روح التشريع الإسلامي، من جهة أن الوفاء بالعهد واجب على المسلمين، ولا ينبغي لأحد الطرفين أن يستبدّ بتخصيص نصوصه إو إلغائها دون موافقة الطرف الثاني، فما ذهب إليه الضحّاك هو الأولى.
يقول سيد قطب ﵀: «ويظهر أن النص لم يكن قاطعاً في موضوع النساء، فنزلت هاتان الآيتان تمنعان ردّ المهاجرات المؤمنات إلى الكفار،
стр. 1152
خشية أن يُفتنّ في دينهن وهنّ ضعاف، ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها، تنظّم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته، دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته، دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها من شطط وجور، على طريقة الإسلام في كل معاملاته الداخلية والدولية» .
الحكم الثاني: ما هو حكم المشركة إذا خرجت إلينا مسلمة؟
دلّ قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ على أن المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بينها وبين زوجها، فلا تحلّ له، ولا يحلّ لها.
وقد اختلف الفقهاء هل تحصل الفرقة بالإسلام، أم باختلاف الدارين؟ على مذهبين:
أ - مذهب أبي حنيفة: أن الفرقة تقع باختلاف الدارين.
ب - مذهب الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة) : أنّ الفرقة تقع بالإسلام وذلك عند انتهاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء عدتها فهي امرأته.
دليل الحنفية:
أ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار﴾ فلو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد.
ب - قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ قالوا: ولو كانت الزوجية باقية لما استحقَّ الزوج ردّ المهر، لأنه لا يجوز أن يستحق البُضع وبدله.
ج - قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ ولو كان النكاح الأول باقياً لما جاز لأحدٍ أن يتزوج بها.
стр. 1153
د - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ لأن معناه عندهم: لا تتمسكوا بعصمة الكافرة، ولا تعتدوا بها، ولا تمنعكم من التزوج بها.
هـ - وقالوا أيضاً: لقد اتفق الفقهاء على جواز وطء (المسبيّة) بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج في دار الحرب، ولا سبب يبيح هذا إلاّ اختلافُ الدار، وقد قال ﷺ َ في السبايا: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تُستبرأ بحيضه» .
أدلة الجمهور:
أ - قالوا: إنّ سبب الفرقة هو الإسلام، لأنها لم تعد صالحة لأن تكون فراشاً لكافر، ولو كان اختلاف الدار هو سبب الفرقة، لوجب أن تحصل الفرقة بمجيء المشركة إلينا ودخولها بعهد أمان ولو لم تسلم، ولم يقل به أحد.
ب - ما روي عن مجاهد أنه قال: «إذا أسلم الكافر وهي في العدّة فهي امرأته، وإن لم يسلم فُرّق بينهما» .
ج - ما روي عن ابن عباس أنه قال: (ردّ النبي ﷺ َ ابنته زينب على (أبي العاص بن الربيع) بالنكاح الأول، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها بمكة مشركاً، ثمّ ردّها عليه بعد إسلامه) .
قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لَا هُنَّ
стр. 1154
حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي لم يُحلّ الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة.
وهذا أدلّ دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرُتها، فبيّن أن العلة عدم الحلّ بالإسلام، وليس باختلاف الدار» .
والخلاصة: فإن الحنفيَّة يقولون: إن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً وبقي الآخر حربياً فقد وقعت الفرقة بينهما، ولا يرون العدّة على المهاجرة، ويبيحون نكاحها من غير عدّة إلاّ أن تكون حاملاً، عملاً بالآية الكريمة ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ حيث لم تلزمها العدة، وقد بانت من زوجها بمجرد الهجرة.
والجمهور يقولون: لا تقع الفرقة إلاّ بإسلامها، وأمّا بمجرد الخروج فلا، فإن أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها تنجّزت الفرقة وبانت منه لأنه لا عدة عليها، وإن أسلمت بعد الدخول بها توقفت إلى انقضاء العدّة، فإن أسلم قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإلاّ بانت منه.
وحجتهم في ذلك: الأدلة التي سبقت وما روي أنّ (أبا سفيان) أسلم قبل زوجته (هند بنت عتبة) ثمّ أسلمت بعده بأيام فاستقرّا على نكاحهما لأن عدَّتها لم تكن قد انقضت.
وقد بسطنا لك أدلة القريقين بإيجاز، وتتمة البحث بالتفصيل يُرجع إليها في كتب الفقه والله الموفق والهادي.
الحكم الثالث: هل يجوز الزواج بالمشركة الوثنيَّة؟
دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ على حرمة النكاح بالكافرة المشركة، لأن معنى الآية: ولا تمسكوا بعصم نسائكم المشركات أي لا تعتدوا بنكاحهنّ فإنه باطل.
стр. 1155
كما دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] على حرمة نكاح المشركة، وقد اتفق العلماء على أن هذه الآيات خاصة بالمشركات من غير أهل الكتاب، لأن الكتابيات يجوز الزواج بهن لقوله تعالى: ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ... ﴾ [المائدة: ٥] الآية.
قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحدٍ من الأوائل أنه حرم نكاح الكتابيات.
أقول: أجمع الفقهاء على حرمة الزواج بالمشركة - وهي التي لا تدين بدينٍ سماوي - وعلى جواز النكاح بالنصرانية أو اليهودية من أهل الكتاب للنصّ السابق، اللهم إلاّ ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا سئل عن زواج الرجل بالنصرانية أو اليهودية قال:
«حرّم الله المشركات على المؤمنين، وأعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله» .
وهذا القول: من عبد الله بن عمر محمول على (الكراهة) لا على (التحريم) ، لأن النصّ صريح بالحلّ، ولعلَّه خشي الفتنة على الرجل في دينه، أو خشي على الأولاد من التنصُّر فكرهه لذلك والله أعلم.
الحكم الرابع: كيف كانت بيعة النبي ﷺ َ للنساء؟
بايع النبي ﷺ َ النّساء بعد أن فتح مكة، وكانت بيعته لهن بالشرائط المذكورة في هذه الآية: ﴿ياأيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لَاّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً.
. .﴾ .
وقد صحّ في الحديث أن النبي ﷺ َ لم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهنّ بالكلام، ودلّ ذلك على حرمة مصافحة النساء.
وقد كانت بيعة الرجال أن يضع الرجل يده في يد الرسول ﷺ َ ويبايعه على الإسلام والجهاد، والسمع والطاعة، وأما النساء فلم يثبت عنه ﷺ َ أنه صافح امرأة، ولا وضع يده في يدها، إنما كانت البيعة بالكلام فقط، ويدل عليه ما يلي:
النصوص الشرعية الدَّالة على حرمة المصافحة
أولاً: روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان ﷺ َ يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، بقول الله تعالى ﴿ياأيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات ... ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ َ: قد بايعتُكِ كلاماً، والله ما مَسّت يده يد امرأة قطّ في المبايعة، ما يبايعهنّ إلا بقوله:» قد بايعتك على ذلك «.
ثانياً: روي الإمام أحمد عن (أميمة بنت رقيقة) قالت:» أتيتُ رسول الله ﷺ َ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئاً ... الآية وقال: «فيما استطعتُنّ وأطقتُن» قلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحم بنا من أنفسنا.
قلنا يا رسول الله: ألا تصافحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قول لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة» .
ثالثاً: وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ بعد أن ذكرت البيعة قالت: «وكان رسول الله ﷺ َ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهنّ:» انطلقن فقد بايعتُكنّ «ولا والله ما مَسّت يدُ رسول الله ﷺ َ يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن:» قد بايعتكُنّ كلاماً «.
стр. 1156
قال الحافظ ابن حجر: قوله:» قد بايعتكِ كلاماً «أي يقول ذلك كلاماً فقط، لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة.
أقول: الروايات كلها تشير إلى أن البيعة كانت بالكلام، ولم يثبت عنه ﷺ َ
стр. 1157
أنه صافح النساء في بيعة أو غيرها، ورسول الله ﷺ َ عندما يمتنع عن مصافحة النساء مع أنَّه المعصوم فإنما هو تعليم للأمة وإرشاد لها لسلوك طريق الاستقامة، وإذا كان رسول الله ﷺ َ وهو الطاهر، الفاضل، الشريف، الذي لا يشك إنسان في نزاهته وطهارته، وسلامة قلبه، لا يصافح النساء، ويكتفي بالكلام في مبايعتهنّ، مع أن أمر البَيْعة أمر عظيم الشأن، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء، مع أن الشهوة فيهم غالبة؟ والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري فيهم مجرى الدم؟ ﴿
وكيف يزعم بعض النَّاس أن مصافحة النساء غير محرَّمة في الشريعة الإسلامية؟﴾
﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] !
الحكم الخامس: ما المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ؟
اختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد به النوح على الميّت، قاله ابن عباس، وروي عن النبي ﷺ َ مرفوعاً.
والثاني: أن المراد: أن لا يدعون ويلاً، ولا يخدشن وجهاً، ولا يقطعن شعراً، ولا يشققن ثوباً، قاله زيد بن أسلم.
والثالث: جميع ما يأمرهن به رسول الله ﷺ َ من شرائع الإسلام وآدابه وهذا هو الأرجح.
قال العلامة القرطبي: «والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي
стр. 1158
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وينهى عنه، فيدخل فيه النّوح، وتخريق الثياب، وجزّ الشعر، والخلوة بغير محرم، إلى غير ذلك، وهذه كلها كبائر، ومن أفعال الجاهلية، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ َ أنه قال:» أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية ... وذكر منها النياحة «.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: امتحان المهاجرات المؤمنات للتعرف على سبب الهجرة.
ثانياً: نحن نحكم بالظاهر، والله جلّ وعلا يتولى السرائر.
ثالثاً: حرمة نكاح المشركات اللواتي لا يؤمنّ بالله تعالى.
رابعاً: إسلام المرأة يقطع الصلة بينها وبين زوجها المشرك وتحرم عليه.
خامساً: البيعة للنساء تكون بالشرائط التي ذكرها القرآن الكريم.
سادساً: الطاعة لأولي الأمر تكون في حدود ما شرع الله ﵎.
سابعاً: جواز نكاح الكتابيات اللاتي يؤمنّ بكتاب منزل من عند الله.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
حرّمت الشريعة الإسلامية الغراء نكاح المشركات، وحظرت على المسلم أن يُبقي في عصمته امرأة لا تؤمن بالله، ولا تعتقد بكتاب أو رسول، وتنكر البعث والنشور، وذلك لما يترتب على هذا الزواج من مخاطر دينية، واجتماعية، وأضرار عظيمة، تلحق بالزوج والأولاد، وبالتالي تهدّد حياة الأسرة التي هي النواة لبناء المجتمع الأكبر.
стр. 1159
وقد قضت السنة الإلهية أن تمتزج الأرواح بالأرواح، وتتلاءم الأنفس مع الأنفس عند الزواج، لينعم الزوجان في حياة آمنةٍ سعيدة، يرفرف عليها الحب، وتظلِّلها السعادة، ويخيِّم عليها التعاون والتفاهم والوئام.
ولمّا كان هذا الانسجام والتفاهم، لا يكاد يوجد بين قلبين متنافرين ونفسين مختلفين، نفسٍ مؤمنةٍ خيّرة، ونفسٍ مشركةٍ فاجرة، وكان هذا يؤدي بدوره إلى التنافر، والخصام، والنزاع، لذلك حرّم الإسلام الزواج بالوثنية المشركة، وعدّه زواجاً باطلاً لا يستقيم مع شريعة الله.
فالمشركة التي ليس لها دين يزجرها عن الشرّ، ويأمرها بالخير، ويحرّم عليها الخيانة، ويوجب عليها الأمانة، هذه الزوجة لا يمكن أن يسعد المرء في حياته معها، ولا تصلح أن تكون (رفيقة الحياة) لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر مع الفارق الكبير بين نفسيهما.
والزوجية حالة امتزاج واندماج واستقرار، ولا يمكن أن تقوم الحياة بدون هذا الامتزاج، والإيمان هو قوام الحياة السعيدة الذي لا تقوم مقامه عاطفة أخرى، فإذا خوى منه قلب لم يستطع قلب مؤمن أن يتجاوب معه، ولا أن يأنس به، ولا أن يسكن إليه ويطمئن في جواره، وصدق رسول الله ﷺ َ حين قال: «الأرواح جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» .
стр. 1160
سورة الجمعة
[١] صلاة الجمعة وأحكامها
التحليل اللفظي
﴿نُودِيَ﴾ : النداء: الدعاء بأرفع الصوت تقول: ناديته نداءً ومناداة، وفي الحديث «فإنه أندى صوتاً منك» أي أحسن وأعذب، وقيل: أرفع وأعلى، والمرادُ بالنداء هنا: الأذانُ والإعلام لصلاة الجمعة.
следующие страницы →