← История

История · id 12348

تاريخ مختصر الدول

ابن العبري

Полный текст (305 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ملكه على رأي اوسابيوس أربعين سنة وعلى رأي انيانوس عشرين سنة. (داود بن ايشي) لما قتل شاول استقام داود في ملكه وقال لناثان النبي يومئذ: انا ساكن في بيوت الارز وسكينة الرب (يعني مسكن الزمان) في الخيم. أفلا ابني له بيتا. فأوحى الله الى ناثان النبي وقال له: قل لعبدي داود: لا تبني لي بيتا لان ابنك الذي أقيمه مكانك هو يبني بيتا على اسمي. ثم تقدم داود الى يوآب قائد جيشه ليحصي عدد مقاتلة بني إسرائيل. فغاب يوآب عنه في مدن بني إسرائيل وقراهم تسعة أشهر وعشرين يوما. ثم أتاه وقال له: وجدت عدّة مقاتلة بني إسرائيل ثمانمائة ألف رجل وبني يهوذا خمسمائة ألف نفس. فأوحى الله الى جاد النبيّ قائلا: قل لداود: قد رأيت الغلبة بكثرة جيوشك ولم تعلم اني الناصر. فها انا مبتليك عن ذلك بإحدى ثلث. فاختر واحدة منهنّ اما قحط سبع سنين واما استيلاء عدو ثلثة أشهر واما موتان ثلثة ايام. فقال داود: أن تكون يد الله مؤدّبتنا خير لنا. فاختار الموت. فمات من الصبح الى ثلث ساعات. من النهار سبعون ألفا من رجال بني إسرائيل. فقال داود: إله وسيدي ان كنت اخطأت فما ذنب هذه الغنم. أحلل عقوبتك بي وببيت ابي. فرفع الله الموت عنهم. وأتاه مع الملك النبوءة وتلا الزبور وانتخب من سبط لاوي ثماني وثمانين [١] ومائتي شيخ يرتّلون المزامير ترتيلا كل أسبوع اربعة وعشرون منهم اثنا عشر في صف واثنا عشر في آخر. ثم ان داود كبر وبردت حرارة جسمه فطلبوا له فتاة عذراء اسمها ابيشاع الشيلومية، فكانت تحتضنه وتدفئه ليلا. ولما حضرت وفاته عهد الى سليمان ابنه وملّكه في حياته وقال له: تشجّع وتقو وكن رجلا واحفظ نواميس ربّك وصدق قول الله الذي قال لي: ان حفظ بنوك وصاياي لا يزال رجل من نسلك يجلس على كرسيك الى انقضاء العالم. وكان عمر داود حين ملك ثلثين سنة وعاش في الملك أربعين سنة وتزوج ثلث نسوة سوى امرأة أوريا أم سليمان وكان له سبعة عشر ولدا. ومات ودفن في أورشليم. وفي سنة ثمان وعشرين من ملك داود بنيت مدينة أفسوس ومدينة ساموس. وفي زمانه كان امبيذقليس الحكيم احد الأساطين الخمسة أعنيه [٢] وفيثاغورس وسقراط وفلاطون وارسطوطاليس. وهو أول من نفى الصفات عن ذات الباري تعالى قائلا: ذاته وجوده

стр. 37

ووجوده ذاته واما حياته وحكمته فمعنيان اضافيان لا يوجبان اختلافا في الذات. وله كتاب في بطلان المعاد الروحاني فضلا عن الجسماني. وقد انتحل مذهبه سليمان بن داود في كتابه الذي يسمّي [١] فيه نفسه قوهلاث اي الجامع الذي ذهب فيه مذهب الدهرية [٢] واعلم انه قد يوجد فيما يفتش عنه من الكتب اختلاف كثير في تواريخ سني الفلاسفة. فذكر في بعضها ان ثاليس الملطيّ هو أول من تفلسف من اليونانيين وان الشعر ظهر في أمّة يونان قبل الفلسفة بمائتين من السنين وأبدعه او ميروس. وذكر كيريلوس في كتابه الذي ردّ فيه على يوليانوس فيما ناقض به الإنجيل ان كون ثاليس قبل ابتداء ملك بختنصر بثمان وعشرين سنة. وقال فرفوريوس: ان ثاليس ظهر بعد بختنصر بمائة سنة وثلث وعشرين سنة. وقال آخر: ان أول من تفلسف فيثاغورس. وقال بعض الاسلاميّين: ان أول من وصف بالحكمة كان لقمان وكان في زمان داود النبيّ ومنه أخذ امبيذوقليس. ولأن غرضنا ههنا ليس تحقيق سني الفلاسفة ولكن ذكر بعض أحوالهم المتشبهة بما يحمد من سيرهم والتذاذ النفس بسماع بعض نكتهم التي جمعت الى الحكمة الفكاهة والى الفائدة المؤانسة والى الجد المهازلة والى الوقار التبسّم [٣] وهي أنفاس تهادت بين نفوس كريمة وسحائب درّت عن عقول شريفة فلا علينا أكانت الازمنة التي أورد فيها ذكرهم هي أزمنتهم بأعيانها او لم تكن. والذي أثبتناه ههنا من اوقات هذه الفلاسفة المتقدمين هو ما نقلناه من كتابي اوسابيوس واندرونيقوس المؤرخين لما رأيناه من موافقة أفضل المجتهدين يعقوب الرهاوي المبرّز في اللغات الثلث العبرانية واليونانية والسريانية. (سليمان بن داود) ولي الملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة وعند ذلك اوحى الله اليه في المنام وقال له: سلني ما أحببت حتى أعطيكه. فقال سليمان: يا ربي قوّتي تعجز عن التدبير ولا علم لي بالقضاء بين شعبك فامنحني قلبا فهما وعقلا رزينا. فقال له: سأعطيك ما لم يكن لأحد من الملوك. وان سلكت سبيلي أطلت عمرك ولا أزلت الملك

стр. 38

عن بنيك. فأصبح سليمان مسرورا. وجلس على كرسي الملك فأتته امرأتان تختصمان اليه في صبي تدّعي كل واحدة منهما انه ولدها. فقال سليمان لسيافه: اقطع الصبي بنصفين وأعط لكل واحدة نصفه. فقالت الواحدة: نعم حتى لا يكون لي ولا لها. وقالت الاخرى: ادفعه إليها ايها الملك ولا تقتله. فعلم سليمان انه ابنها فدفعه إليها. فرأى بنو إسرائيل ذلك وتحققوا ان الله قد آتى سليمان حكمة وعلما. وخضع الملوك له وهادنوه. وكان ارتفاع مملكته التي هي اربعمائة فرسخ في مثلها في عام ستمائة ألف وستمائة وستين قنطارا ذهبا سوى الهدايا وأرباع المتاجر. والقنطار وهو الككر [١] على ما في التوراة ثلثة آلاف مثقال بمثاقيل القدس كل مثقال خمسة مثاقيل بمثقالنا. وكان ما يحتاج اليه سليمان. لمائدته في كل يوم من الدقيق مائة كرّ. ومن الثيران ثلثين رأسا. ومن الغنم مائة رأس. سوى الظباء والأيايل وانواع الطيور. وكان له سبعمائة زوجة من الحرائر وثلاثمائة جارية من السراريّ وأربعون ألف رأس من الخيل. وفي رابع سنة لملكه شرع في بنيان بيت المقدس وهو المعروف بالمسجد الأقصى في جبل الاموريين في اندر أران [٢] اليبوسي وطوله ستون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وعلوه ثلثون ذراعا. وتممه في سبع سنين. وفي سنة اربع وعشرين من ملكه خرب مدينة انطاكية وبنى سبع مدن من جملتها تذمر. ولما شيّد سليمان بيت الرب شكر الله ودعا لبني إسرائيل بالبركة وجثا على ركبتيه وبسط يديه الى السماء وقال: اللهم إله إسرائيل ليس مثلك في السموات العلى ولا في الأرضين السّفلى قد وفيت لعبدك داود بالوعد الذي وعدته فأسألك انه ان اثم بنو إسرائيل وانهزموا من أعدائهم ودعوك في هذا البيت فاستجب لهم واغفر خطاياهم وانصرهم على أعدائهم. وإذا أثموا فاحتبس عنهم المطر فأتوا هذا البيت فأهطل لهم مطرا وارو أرضهم بغيثك. وإذا كان في الأرض جوع او جراد او موت او مرض فاستغاثوا إليك فاستجب لهم. وإذا اتى احد الأمم الغريبة الى هذا البيت ودعاك فاستجب له لتعلم شعوب الأرض انك أنت الله وحدك فيخافوك. ثم قرّب قرابين من الذبائح اثنين وعشرين ألف ثور ومائة وعشرين ألف رأس غنم وجعل ذلك عيدا لله سبعة ايام. فكان الملوك يقصدونه ليسمعوا حكمته ويأتونه بالهدايا النفيسة من الذهب والفضة والجواهر والثياب والطيب والسلاح والخيل. وأتته ملكة التيمن وقدمت له مائة وعشرين قنطارا من الذهب وطيبا وجواهر ثمينة وقالت له: يا سليمان لقد

стр. 39

زاد خبرك على خبرك. طوبى نسائك طوبى عبيدك السامعين حكمتك. يكون الرب إلهك مباركا. وأعطاها سليمان من جميع الألطاف أحسنها وعادت الى بلدها. ولسليمان كتاب في الغزل ومراودة النساء يسمى شيرث شيرين [١] اي مدحة المدائح ظاهره ينبئ انه يغازل فيه ابنة فرعون السمراء وتغازله. والعلماء منا اوّلوه فقالوا ان العاشقة النفس الناطقة التي حال حسنها بالشوائب البدنية ومعشوقها باريها المعشوق لذاته من ذاته ومن المبتهجين به. وله ايضا كتاب الأمثال في الحكمة العملية ناهيك من كتاب [٢] . ومات سليمان ودفن في تربة أبيه داود [٣] . (رحبعم بن سليمان) لم يخلف سليمان ولدا سوى هذا رحبعم. فأجلسه بنو إسرائيل مكان أبيه في الملك وقالوا له: ان أباك جفا علينا في المعاملة فخفّف أنت عنا. فأجابهم بعد ثلثة ايام شاور فيها أقرانه قائلا: ان خنصري اغلظ من إبهام ابي وان كان ابي ادّبكم بالقضبان فانا اعاقبكم بالسياط. فقال بنو إسرائيل: لا سهم لنا مع بيت داود ولا قسمة لنا مع آل ايشي عليكم بمنازلكم يا بني إسرائيل. فمضى كل انسان الى بيته. وانفذ رحبعم رسوله الى قرى بني إسرائيل يستعطفهم فرجموه بالحجارة ومات. وكان لسليمان غلام شجاع نجيب اسمه يوربعام بن ناباط فملكته العشرة الأسباط عليهم بأرض السامرة. وبقي لرحبعم بن سليمان سبطا يهوذا وبنيامين وجعل كرسي مملكته باورشليم. فحاول يوربعام تزهيد بني إسرائيل عن زيارة بيت المقدس واتخذ عجلين من ذهب ونصبهما بمدينة دان [٤] وهي بانياس [٥] وقال لهم: اغتنموا قرب الطريق وترك الكلفة في السفر الى أورشليم فهذان إلاهاك يا إسرائيل اللذان اخرجاك من مصر. فأرسل الله نبيا اسمه شمعي الى يوربعام. فسار اليه وصادفه يبخر قدام عجليه بخورا. فحلت روح الله على النبي وقال: ايها المذبح انصت لقول الرب. سيولد لآل داود ابن اسمه يوشيا يذبح عليك كهنتك ويحرق عظام قوّامك عليك. وآية ذلك انك تنصدع الآن وينزل الرماد عنك. فصار كما قال.

стр. 40

واما رحبعم بن سليمان فانه ملك على السبطين سبع عشرة سنة وفعل كل قبيح. وفي السنة الخامسة من ملكه صعد شيشق ملك مصر الى أورشليم وسلب جميع الآلات وترسة الذهب التي عملها سليمان لبيت الرب. وصاغ رحبعم عوضها نحاسا. ومات رحبعم ودفن في تربة بيت داود. (ابيّا بن رحبعم) في السنة الاولى لجلوسه حاربه يوربعام ابن ناباط ملك العشرة الأسباط بثمانين ألفا من الجند. والتقاه باربعة آلاف وهزمه. وهلك من بني إسرائيل الذين مع يوربعام في ذلك اليوم خمسون ألفا من المقاتلة. وكان لابيّا اربع عشرة زوجة وولد له ستة وعشرون ولدا [١] ذكرا وست عشرة بنتا. وملك ثلث سنين ومات. وكان يتنبأ في زمانه احيّا وشمعيّا النبيّان. (آسا بن ابيّا) ملك احدى وأربعين سنة. وكان جميل الطريقة. وفي السنة الثانية لملكه مرض يوربعام بن ناباط ملك العشرة الأسباط ومات بعد ان ملك اثنتين وعشرين سنة. وولى بعده ناداب [٢] ابنه مدة سنتين. ثم انتقل ملك الأسباط الى رجل من سبط ايساخر اسمه بعشا بن احيّا وملك أربعا وعشرين سنة. وفي السنة العاشرة لملك آسا ملك السبطين حاربه زرح ملك الزنوج بألف ألف وستمائة ألف رجل من البربر والحبشة والنوبة. فالتقاه آسا بفلاة جادر [٣] وهزمه. وبعد خمس سنين احرق الأصنام وخلع أمّه الوثنية من الملك ونفى كل زان وزانية من ارضه. (يوشافاط بن آسا) ملك خمسا وعشرين سنة على السبطين. وفي زمانه مات بعشا ملك الأسباط العشرة وملك بعده آلا ابنه سنتين ثم اغتاله زمري عبده وقائد جيشه وقتله وملك بعده سبعة ايام. ولما رأى مثاورة بني إسرائيل به طالبين ثأر ملكهم اضرم النار في داره وأحرقها ونفسه وذريته [٤] . وملك بعده عمري وبنى بالشام مدينة عمورية [٥] . ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة ومات. وملك بعده احاب ابنه ثلثة وعشرين سنة وتزوج

стр. 41

امرأة وثنية اسمها ايزبيل ابنة ملك صور. وجدد بناء مدينة أريحا التي لعنها ايشوع ابن نون. ووبخه اليّا النبي لعبادة الأصنام وهرب الى البادية وكان الغراب يجيئه بالقوت. وامتنع المطر بدعائه ثلث سنين ونصف. وانزل النار من السماء وأحرقت مائة نفس في مرتين. ثم دعا الى الله ونزل المطر واروى الأرض. وهرب من شرّ ايزبل امرأة احاب الى القفر وصام أربعين يوما بلياليها. ومضى بعد ذلك مع تلميذه اليشع وشق نهر الأردن وجاز في قعره. وارتفع في السحاب ومضى حيا الى حيث شاء الله تعالى. وفي هذا الزمان كان من أنبياء الحق اليّا وتلميذه اليشع وعوبذيا وابيهوذ وعوزيل وميخا بن يمشي. ومن الكذّابين صدقيا واليعازر مع اربعمائة أخر. ومات احاب وملك بعده أحاز ابنه سنة واحدة. ووقع من روشن دار له ومات. وملك بعده يورم أخيه اثنتي عشرة سنة. (يورم بن يوشافاط) ملك ثماني سنين. وتزوج اخت احاب ملك العشرة الأسباط اسمها عثليا وقتل اخوته كلهم. فنزلت عليه البلوى ومات مبطونا. (احزيا بن يورم) ملك سنة واحدة. وفي زمانه انتقل ملك العشرة الأسباط من بيت احاب الى رجل اسمه يا هو بن نمشي. هذا قتل يورم بن احاب وجميع اهل بيته مع ايزبل امرأته مدحضا أثرهم. (عثليا ام احازيا) ملكت سبع سنين. هذه أباحت الزنا للرجال والنساء متظاهرين في مدينة القدس وأبادت ذرّية المملكة لتستبد وحدها بها ولا يبقى من ينافسها عليها. ولم ينج سوى يواش حافدها اي ابن احزيا ابنها الذي سرقته عمته يوشبع امرأة يوياذع رئيس الكهنة وربّته سرّا. (يواش بن احزيا) ملك أربعين سنة. ولي الملك وله يومئذ سبع سنين وذلك لان يوياذع رئيس الكهنة قتل عثليا الباغية جدته وقلده الملك. ولم يعترف له بجميله لكنه بعد وفاة يوياذع قتل جميع أولاده. ثم اغتاله مماليكه. ومات ايضا يا هو بن نمشي ملك العشرة الأسباط وكان مدة ملكه ثماني وعشرين سنة. وملك بعده يا هو أحاز ابنه سبع عشرة سنة ومات. وملك بعده يهواش ابنه ثلث عشرة سنة. وفي سنة ست وثلاثين ليواش بن احزيا توفي اليشع النبي. وكان يتنبأ زخريا النبي. (اموصيا بن يواش) ملك تسعا وعشرين سنة. هذا اباد جميع اعداء أبيه الاذوميّين واهل ساعير [١] ونقل آلهتهم الى أورشليم وعبدها. وغزاه يهواش ملك العشرة الأسباط وثلم

стр. 42

في سور أورشليم ثلمة قدرها اربعمائة ذراع ودخلها وسلب مال هيكل الله ودار الملك وعاد الى شمرين. وقتل اموصيا في الحرب. ومات يهواش وملك بعده يوربعام ابنه احدى وأربعين سنة. (عوزيا بن اموصيا [١] ملك اثنتين وخمسين سنة. وفي أيامه كان يونس بن متى المبعوث الى نينوا. وفي سنة اربع وعشرين من ملكه تعدّى طوره ودخل محراب [٢] البخور في هيكل الله ليعمل اعمال الكهنة. فبرص جسده كله دفعة ولم يطهر حتى مات [٣] . ولما لم ينهه اشعيا النبي ارتفع عنه الوحي ثماني وعشرين سنة حتى مات عوزيا ثم ردت عليه النبوة احدى وستين سنة اخرى وكان قد تنبّأ قبل أربعا وعشرين سنة. وفي سنة ثماني وأربعين لملك عوزيا أغار ثغلثفلسر ملك اثور على أورشليم وجميع ارض بني إسرائيل وجلا منهم كثيرين. وفي سنة تسع وعشرين لعوزيا مات يوربعام ملك العشرة الأسباط وملك بعده زخريا ابنه ستة أشهر. وقتله رجل اسمه شالوم وملك بعده شهرا واحدا. ثم قتله رجل اسمه محنيم [٤] وملك بعده عشر سنين ومات. وجلس مكانه فقحيا ابنه سنتين ثم قتله فقاح بن رومليا وجلس مكانه عشرين سنة [٥] . قال فرفوريوس المؤرخ ان اوميروس الشاعر وايسيدوس في هذا الزمان كانا. (يوثم بن عوزيا) ولي الملك ست عشرة سنة وسلك السبيل المستقيم قدام ربه ورمم أورشليم وقهر العمونيّين وأخذ منهم الجزية. وفي هذا الزمان كان اوميروس الشاعر على ما نقل عن فرفوريوس. هذا عانى الصناعة الشعرية من انواع المنطق واجادها وهو معدود في زمرة الحكماء لعلو مرتبته. وقد وضع كتابين في الحروب التي جرت بين اليونانيين على مدينة ايليون ونسختاهما موجودتان

стр. 43

عندنا بالسريانية وهما مشحونتان بالالغاز والرموز. وقيل ان انلينيا [١] الماجن جاءه فقال له: اهجني لافتخر بهجائك إذ لم أكن أهلا لمديحك. فقال له: لست فاعلا ذلك ابدا قال: فاني امضي الى رؤساء اليونانيين فأشعرهم بنكولك. قال اوميروس مرتجلا: بلغنا ان كلبا حاول قتال اسد بجزيرة قبرص. فامتنع عليه انفة. فقال له الكلب: انني امضي الى السباع فأشعرهم بضعفك. قال له الأسد: لان تعيّرني السباع بالنكول عن مبارزتك احبّ اليّ من ان ألوث شاربي بدمك. (أحاز بن يوثم) ملك ست عشرة سنة وأساء السيرة وقرب الذبائح للجن. حاربه فقاح بن رومليا مستنجدا برصان ملك الشام وأهلك من آل يهوذا مائة وعشرين ألفا. ومات فقاح وملك بعده هوشع بن آلا تسع سنين. وفي سنة ثماني لملك أحاز غزاه شلمانعسر [٢] ملك بابل. وكتب أحاز نفسه عبدا له. وأخذ جميع ما وجد في بيت الرب والملك من الذهب والفضة والآنية. وحاصر مدينة شمرين ثلث سنين وفتحها وقتل هوشع وسبى العشرة الأسباط وفرقهم فيء جبال اثور واراضي بابل وبلاد الفرس. ومن أفلت من هذا السبي انضاف الى ملك السبطين يهوذا وبنيامين وبطل بذلك ملك العشرة الأسباط. وفي هذا الزمان عمرت جزيرة رودس وبقيت ألفا واربعمائة وخمس سنين الى ان اخربها المسلمون. وبنيت في بلد فونطوس مدينة طرابيزونطا. وفي هذا الزمان اشتهر في الفلسفة ثاليس الملطي على ما ذكره اوسابيوس القيصري [٣] في تاريخه المسمى خرونيقون. وقيل هو أول يوناني صار الى ارض مصر وأخذ الحكمة من القبط ثم رجع الى ملطية. وكان أول ما اظهر لقومه من الحكمة انه انذرهم بكسوف الشمس انه سيقع في ساعة معيّنة من نهار معيّن. فلما صح حكمه مثل عندهم واستطرفوا [٤] إنذاره وتلمذ له جماعة منهم. والقبط أخذوا الحكمة من الكلدانيين. ولم يكن لليونانيين قبل ثاليس شيء من الحكمة وانما كانت حالهم كحال العرب لم يعرفوا غير علم اللغة وتأليف الاشعار والأمثال والخطب. وقيل أول من قال بالاطوماطون هو ثاليس اي ان الوجود لا موجد له واحتجّ بما شاهد في هذا العالم من الشرور. وهكذا يعتقد اهل الهند.

стр. 44

وبعد ثاليس اشتهر في العلوم الرياضية خاصة ابولونيوس النجار وله كتاب المخروطات المؤلف في علم احوال الخطوط التي ليست بمستقيمة ولا مقوّسة بل منحنية. أخرج منه الى العربية في زمان المأمون سبع مقالات. ومقدمته تدل على انه ثماني مقالات. وهذا الكتاب مع كتاب آخر من تصنيف ابولونيوس كانا السبب في تصنيف اوقليدس كتابه بعد زمان طويل. واما اوقليدس النجار فهو من مدينة صور له يد طولى في علم الهندسة. وكتابه المعروف باسطوخيا اي الأركان كتاب جليل القدر عظيم النفع لم يكن لليونان كتاب جامع في هذا الشان ولا جاء بعده الا من دار حوله وقال قوله وما في القوم الا من سلّم الى فضله وشهد بغزير نيله. وله في هذا النوع ايضا كتاب المفروضات وكتاب المناظر وكتاب تأليف اللحون وغير ذلك. ومن مشاهير الرياضيين ارشيميديس وهو يوناني أخذ الحكمة من المصريين. وقيل ان الذي اردم اراضي اكثر قرى مصر وأسس الجسورة المتوصل بها من قرية الى قرية في زيادة النيل ارشيميديس. وله مصنفات عدة مثل كتاب الكرة والاسطوانة والمسبّع في الدائرة. وقيل ان الروم أحرقت من كتبه خمسة عشر حملا. وبعده عرف منالاوس المتصدر [١] لافادة العلوم الرياضية. وله كتاب معرفة تمييز الاجرام المختلطة. (حزقيا بن أحاز) ملك تسعا وعشرين سنة وأطاع الله وأزال الأصنام. فظفره الله باعدائه تظفيرا. وفي السنة الرابعة من ملكه صعد شلمانعسر ملك بابل الى ارض السامرة مرة ثانية وسبى جميع من تبقى من العشرة الأسباط. وفي السنة الثامنة من ملكه انفذ شلمانعسر قوما من الاثوريين الى ارض شمرين ليحرثوها فكانت تخرج عليهم السباع وتقتلهم. فقيل لشلمانعسر: انما ابتلوا بذلك لأنهم لا يعرفون سنّة إله تلك الأرض. فأرسل إليهم عوزيا الكاهن ليعلّمهم التوراة. فلما تعلّموها وعملوا بسنّتها أمسكت السباع عن الإضرار بهم. ومن ذلك الزمان صار السمرة لا يقبلون من الكتب الالهية سوى التوراة. وفي السنة العاشرة من ملك حزقيا غزا سنحاريب [٢] ملك اثور ديار القدس وبصلاة حزقيا خلصت أورشليم. ومرض حزقيا ليموت فبكى بكاء شديدا وناح قائلا: ان البركة التي جعلها الله في ذرّية داود انقطعت مني وعندي تنقضي سلالة ملك ابن ايشي. فزاد الله في حياته خمس عشرة سنة. وولد له ابن فسمّاه مناشا. وعلى هذا الولد تحمل اليهود

стр. 45

نبؤة اشعيا النبي حيث يقول: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعى اسمه عمنوئيل. قالوا وانما سمّى النبي امرأة حزقيا عذراء لصدور النبوّة قبل ان يماسّها [١] بعلها. وكان سنحاريب عند نزوله يرسل الى حزقيا فيقول له: لا تغترّ بربك فسأهلكك. فذعر منه حزقيا وانفذ الى اشعيا النبي يقول له: هذا يوم بلاء فادع الى ربك. فأوحى الله الى اشعيا قائلا: قل لحزقيا: لا تخف من سنحاريب فاني رادّه في الطريق الذي جاء فيه. وبعث الله ملاكا فقتل في معسكر سنحاريب مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا من الجند. فعاد منهزما الى اثور وهنالك قتله ابناه وهو ساجد في بيت صنمه. ويقال ان هذا سنحاريب جدد عمارة مدينة طرسوس [٢] . وعمل حزقيا بحيرة ماء خارج أورشليم وأدخل إليها الماء بالقناة وحفر لها خندقا. وكان حزقيا لما أتاه رسول سنحاريب أطلعه على جميع ما في بيته. فغضب الله لذلك وقال له: ان جميع ما رأى الاثوريون في بيتك يكون لملك بابل وستكون بنوك خصيانا له. فقال حزقيا: ليت أمنا كان في ايامي. وفي زمانه كان طوبيث الصديق من جالية بني إسرائيل قاطنا بنينوا. وقصة مناولة ملاك الرب إياه مرارة داوى بها عينه وبرئه من عماه مذكورة في كتابه. (منشا بن حزقيا) ملك خمسا وخمسين سنة واجتمع له ملك الأسباط الاثني عشر بعد سبي شلمانعسر. وارتكب كل محظور ومحرّم وعمل صنما ذا اربعة أوجه وامر بالسجود له. ونشر اشعيا النبي ناهيه عن المنكر بمنشار مشدودا [٣] بين دفّتين. وكان عمر اشعيا مائة وعشرين سنة منها في النبوة خمس وثمانون سنة. فرذل الله مناشا وأسلمه الى الاثوريين فأسروه وأخذوه مسلسلا الى اثور وسجنوه في برج النحاس بمدينة نينوا. وعند ذلك تاب الى الله ودعا دعاءه المشهور. فتاب الله عليه وردّه الى ملكه. وحال وصوله الى أورشليم اخرج الصنم ذا الوجوه الاربعة من الهيكل وطهّره وبنى سور أورشليم الجنوبي.

стр. 46

وفي سنة احدى وعشرين لملك مناشا بنيت مدينة خلقذونيا. والصقالبة ملكوا الى ارض فلسطين. وولي مدينة رومية الكبرى اوسطيليوس وهو أول من اختص بالحلى الارجوانية والقضيب السلطاني. وبنى بوزوس مدينة بوزنطيا. وبعد تسعمائة وسبعين [١] سنة عظمها قوسطنطينوس وسمّاها قوسطنطينوفوليس. (امون بن مناشا) ملك اثنتي عشرة سنة وعلى رأي اليهود سنتين. هذا سلك الطريقة القبيحة وعبد آلهة الأمم الخارجة وقتله عبيده في الحرب [٢] . وفي هذا الزمان اشتهرت في الحكمة بجزيرة رودس امرأة تسمّى سيبولا. وبجزيرة سقيليا ارخيلوخوس الخطيب الملقّب بالغراب. وسار اليه الطلبة لاستفادة الخطابة منه. وكان من جملة قاصديه فتى من اليونان يقال له ثيسناس [٣] ورغب اليه في تعليم هذا الفن وضمن له عن ذلك مالا معيّنا. فأجابه برغبته وعلمه. فلما لقنها [٤] حاول الغدر به ورام فسخ ما وافقه عليه فقال له: يا معلم ما حدّ الخطابة. فقال: انها المفيدة للاقناع. قال: اني أناظرك الآن في الاجرة فان أقنعتك بأنني لا ادفعها إليك لم ادفعها إذ قد أقنعتك بذلك. وان لم اقدر على ذلك فلست أعطيك شيئا لانني لم أتعلم منك الخطابة التي هي مفيدة للاقناع. فأجابه المعلم وقال: وانا ايضا أناظرك فان أقنعتك بانه يجب لي أخذ حقي منك أخذته أخذ من اقنع. وان لم اقنعك فيجب ايضا اخذه منك إذ قد نشأت تلميذا يستظهر على معلّمه. فقيل: بيض رديء لغراب رديء اي تلميذ نكد ومعلم نكد. (يوشيا بن امون) ملك احدى وثلاثين سنة. وجلس في الملك وله ثماني سنين. وكان جميل المذهب حسن الطريقة. وامر حلقيا الكاهن أبا ارميا النبي بان يدخل هيكل الرب ويرمّمه. وفي ترميمه وجد سفر الناموس وتلاه على يوشيا. فغار على نفسه وأمته وكسر أصنام أبيه وقتل خدمها واحرق عظام قوّامها على مذبحها كما تنبأ شمعي النبي ايام يوربعام ابن ناباط وجدد عيد الفصح باورشليم. وفي سنة احدى وثلثين من ملكه نزل فرعون نخاوث اي الأعرج على الفرات بقرب مدينة منبج طالبا حراب ملك اثور. فسار اليه يوشيا بجيوشه ليمنعه من العبور. فانتصر عليه فرعون وقتله. وحمل ميتا الى أورشليم. وكان

стр. 47

له اربعة بنين يهواحاز وصذقيا ويوخنيا ابو اب دانيال النبي ويوياقيم ابو الفتيان [١] الثلاثة حننيا وعزريا وميشائل. وفي زمانه كان صفنيا النبي وارميا وحولذى النبيّة. (يهواحاز بن يوشيا) ملك ثلثة أشهر. وكان فاسد الطريقة فسباه فرعون الأعرج في عوده وواثقه بالحديد وأنفذه الى مصر ومات هناك. ونصب يوياقيم أخاه مكانه. (يوياقيم بن يوشيا) ملك اثنتي عشرة [٢] سنة. وكان قبيح المذهب مذموم الطريقة. وقبل عليه الجزية لملك مصر كل سنة مائة قنطار ذهبا. وفي السنة الثالثة من ملكه صعد بختنصّر ملك بابل الى بيت المقدس وسباها وجلا اكثر أهلها الى بابل ومعهم دانيال النبي والفتية الثلاثة أولاد يوياقيم أعمام دانيال النبي ووضع الجزية على يوياقيم ورجع عنه. ثم وصل فرعون الأعرج الى الفرات مرة ثانية والتقاه بختنصر هناك وقتله. وفي السنة الثامنة من ملك يوياقيم نزل بختنصر على أورشليم نزولا ثانيا وأخذ مالا من يوياقيم وعاد. وبعد ثلث سنين مات يوياقيم. (يوياخين [٣] بن يوياقيم) وهو المسّمى في إنجيل متى يوخنيا [٤] . ولما مضت عليه ثلثة أشهر من ملكه قصده بختنصر وحاصر بيت المقدس. فخرج يوياخين اليه مستأمنا مع امه وحشمه وعبيده. فجلاهم كلهم الى بابل ولم يترك في أورشليم الا شيخا مسنا وعجوزا ضعيفة. وولى على من تخلف باورشليم صدقيا بن يوشيا عم يوياخين وبقي يوياخين معتقلا في بابل سبعا وثلثين سنة. (صدقيا بن يوشيا) كان اسمه مثنيا وبختنصّر سمّاه صدقيا. ملك احدى عشرة سنة. ثم عصى ومنع الجزية التي كان يؤديها الى بختنصر. فعاد اليه واسره وذبح أولاده بين يديه وسمل عينيه وسار به الى اثور وجعله يدير الرحى مثل الحمار. وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة. ولما مات رميت جثته وراء السور فأكلته الكلاب. وفي هذه المرة دخل بختنصر الى مصر وجزائر البحر وهدم مدنا كثيرة واحرق مدينة صور وقتل حيرم ملكها وكان عمره كما يقال خمسمائة سنة [٥] . وبعث بختنصر نبوزردن القائد الى أورشليم فدعثر

стр. 48

سورها واحرق الهيكل. وكان لشمعون رئيس الكهنة عند هذا القائد منزلة فسأله في امر كتب الوحي فلم يحرقها فجمعها هذا شمعون باتفاق ارميا النبي ووضعاها مع لوحي الناموس وعصا موسى ومجمرة البخور وباقي آلات القدس في تابوت العهد ورميا بها في بعض الآبار ولم يعرف مكانها الى الآن. وجلس ارميا النبي ينوح على أورشليم عشرين سنة. ثم انتقل الى مصر فقبض عليه قوم من اليهود وحبسوه في جب ثم أخرجوه ورجموه ومات ودفن في مصر. ثم الإسكندر في زمانه نقل تابوته الى الاسكندرية فدفن هناك. وكان حزقيال النبي في جملة من سبي الى بابل. فقتله اليهود لأجل توبيخه لهم. فمن السنة الرابعة من ملك سليمان التي كان فيها الشروع في بنيان هيكل الرب الى خرابه الكلي وحريقه اربعمائة واثنتان وأربعون سنة. وعلى رأي من جعل مدة ملك صدقيا تسعا وستين سنة تكون مدة الهيكل عامرا خمسمائة سنة.

стр. 49

الدولة الرّابعة المنتقلة من ملوك بني إسرائيل الى ملوك الكلدانيّين الكلدانيّون أمّة قديمة الرئاسة نبيهة الملوك وكان منهم النماردة الجبابرة الذين كان أولهم نمرود بن كوش من بني حام باني المجدل. وكان من ولد نمرود بختنصّر الذي غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا كثيرا وسبى بقيتهم وغزا مصر وافتتحها ودوّخ كثيرا من البلاد. ولم يزل ملك الكلدانيين ببابل الى ان ظهر عليهم الفرس وغلبوهم على مملكتهم وابادوا كثيرا منهم. فدرست اخبارهم وطمست آثارهم. وكانت من الكلدانيين حكماء متوسعون في فنون المعارف من المهن التعليميّة والعلوم الرياضيّة والالهيّة وكانت لهم عناية بأرصاد الكواكب وتحقيق بعلم اسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها. وهم نهجوا لأهل الشقّ الغربي من معمور الأرض الطريق الى تدبير الهياكل لاستجلاب قوى الكواكب واظهار طبائعها وطرح شعاعاتها عليها بأنواع القرابين الموافقة لها وضروب التدابير المخصوصة بها. فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة والنتائج الشريفة من إنشاء الطلسمات وما أشبهها. ولم يصل إلينا من مذاهب الكلدانيين في حركات النجوم ولا من ارصادهم غير الارصاد التي نقلها عنهم بطليموس القلوذي في كتاب المجسطي. فانه اضطرّ إليها في تصحيح حركات الكواكب المتحيّرة إذ لم يجد لأصحابه اليونانيين ارصادا يثق بها. (بختنصّر بن نبوفلسّر) ملك قبل إحراقه هيكل الرب واخرابه أورشليم تسع عشرة سنة وبعده أربعا وعشرين سنة. واسمه بالسريانية نبوخذنصر اعني عطارد ينطق [١] .

стр. 50

وانما سمّي بذلك لأنه نطق بالعلوم والآداب المنسوبة الى عطارد. وفي السنة الثالثة من قمعه ملك اليهود رأى مناما راعت روحه منه واقتصّه على علماء بابل. فقالوا: هذا خطب عسير لا يكشفه للملك الا آلهة السماء الذين ليس مسكنهم مع الارضيين. فاحتدم صدره لذلك غيظا وتقدم الى اريوخ صاحب شرطه بإهلاك المنجمين والسحرة واصحاب الرقي والزجر والفأل. فقال دانيال لاريوخ: مهلا اتئد ولا تقتل حكيما ولكن اوصلني الى الملك. فلما مثل بين يديه مثولا قال له: اقادر أنت على ان تخبرني بالرؤيا التي رأيت وتعبيرها. فأجابه دانيال قائلا: إله السماء والأرض هو الذي يبدي السرائر. وأنت ايها الملك رأيت صنما عظيما ذا منظر رائع رأسه من الذهب الابريز وصدره وذراعاه من فضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه حديد ورجلاه خزف [١] . ورأيت حجرا انقطع من غير قاطع وضرب رجلي الصنم فهشمها هشما شديدا. فهذه الرؤيا. واما التعبير فأنت رأس الذهب بما منحك الله ملكا عزيزا وكرامة وجلالة. ويقوم بعدك ملك يكون دونك في العزّة. والثالث الممثّل بالنحاس يكون دون الثاني. والرابع الممثّل بالحديد دون الثالث فيهشم ويدقّ كثيرا من مجاوريه. اما الأرجل والأصابع التي من حديد وخزف فدليل ممالك مختلفة قوية وواهية. واما الحجر المنقطع من جبل من غير يد قاطعة فدليل ملك روحاني مبيد كل معبود سوى الواحد الحقّ يظهر في آخر الأيام. فخرّ بختنصر ساجدا لدانيال وأعطاه الألطاف والهدايا ورأسّه على جميع حكماء بابل. وولّى أعمامه حننيا وعزريا وميشائل امر مدينة بابل وسمّاهم بأسماء نبطيّة اعني شدراخ وميشاخ وعبدناغو. ثم اتّخذ بختنصر صنما من ذهب طوله ستون ذراعا في عرض ستة اذرع. وتقدم الى جميع عظماء دولته ان يوافوا عيد الصنم. وانهم إذا سمعوا صوت القرن وباقي انواع الزمر يخرّون سجّدا للصنم. فامتثل الجميع امره ما عدا حننيا وعزريا وميشائل. فسعى بهم قوم الى بختنصر انهم لا يعتدّون بأمره. فاستشاط من ذلك غضبا وامر ان يسجر الآتون فوق ما كان يسجر سبعة أضعاف الوقود وان يكتّفوا [٢] بسراويلهم وقلانيسهم وبرانسهم وباقي ثيابهم ويزجّوا في اتون النار. فلما فعل بهم ذلك أحرقت النار الذين سعوا بهم. فأما هم فمكثوا في النار ممجّدين لله وملاك الطلّ نزل عليهم وامال عنهم لهيب النار فلم تنك فيهم ولا في ثيابهم ولا في لباسهم. فلما شاهد الملك ذلك بهت تعجبا وقال: ارى الرابع منهم شبيه المنظر ببني الآلهة يعني الملاك. وناداهم بأسمائهم قائلا: يا عباد الله العليّ اخرجوا.

стр. 51

فخرجوا من النار ولم يشط شيء من ثيابهم ولا شعورهم. فرفع بختنصّر درجاتهم. ثم رأى بختنصر رؤيا ثانية كأنّ شجرة في سواء الأرض قد علت حتى بلغت الى السماء ولها ورق أنيق وثمار كثيرة فيها مطعم لكل بشر. وجميع حيوانات البرّ وطيور الجوّ تأوي الى ظلّها. وكأنّ ملاكا قدّيسا نزل من السماء وقال: اقلعوا هذه الشجرة وجذّوا أغصانها وانثروا أوراقها وبدّدوا ثمارها وتتفرّق عنها حيوانات البرّ وطيور الجوّ وذروا عروقها في الأرض الى ان يحول عليها سبعة احوال. فاقتصّ بختنصّر هذه الرؤيا ايضا على دانيال وقال له: أنت قادر على تعبيرها لانّ فيك روح الآلهة القديسين. فقال دانيال: ايها الملك الرؤيا لمن يشنأك وتعبيرها على أعدائك. اما الشجرة الموصوفة بتلك الصفات الجليلة فإنك أنت الذي عززت حتى ارتفع اسمك الى السماء. واما الملاك القديس الذي رأيت وأقواله تلك فتدلّ على انّ الناس يخرجونك من بينهم ليصير لك تعمّر مع الوحوش وتطعم العشب طعما كالثور ويبلّك قطر السماء حتى تحول عليك سبعة احوال. ثم يثوب عقلك إليك وتستوي على كرسي ملكك. فكفّر خطاياك بالصدقات وآثامك بالترحّم على الضعفاء لتبعد عنك هفواتك. ومن بعد سنة لما رأى بختنصّر ان رقاب امم المسكونة قد خضعت له ودانت له ملوكها هيبة له وخوفا من شدّة بأسه طغى بقلبه وشمخ بأنفه وأخذته العزّة في نفسه. فسمع صوت هاتف يهتف به هتافا ويقول: لك يقولون يا بختنصّر لقد لفظتك مملكتك وسيهيج عليك الناس. فتّمت الكلمة عليه في تلك الساعة وطرده الناس ورعى العشب كالثور. وطال شعره وصارت أظافيره كمخاليب سباع الطيور حتى أتت عليه سبع سنين. ثم راجعه عقله وطلبه قادته واستوى على سرير مملكته ومنح مزيدا من العظمة وحمد الله وعلم ان سلطانه الى دهر الداهرين يهب الملك لمن يشاء ويجعله في سفلة الناس وسقّاطهم. وجدت في كتاب عتيق سرياني مجهول ان اوطولوقيوس المهندس اليوناني عرف في زمان بختنصّر وكان مشهورا في وقته. والموجود من كتبه الآن كتاب الكرّة المتحرّكة إصلاح الكندي وكتاب الطلوع والغروب ثلث مقالات. واما ثاوذوسيوس فلم نقف له على زمان معيّن وهو من حكماء اليونان المشهورين وله تصانيف حسان. له كتاب الأكر الذي هو اجلّ الكتب المتوسطات بين كتاب اوقليدس والمجسطي.

стр. 52

وفي هذا الزمان كان فورون الفيلسوف الكلدي [١] . وكانت حكمته هي الحكمة الاولى التي لم تستقرّ. وكان صاحب فرقة وله جمع يتعلمون منه الفلسفة الطبيعية وذهب إليها فيثاغوروس وثاليس الملطيّ وعامّة الطلبة من اليونانيّين والمصريّين. وكانت هذه الفلسفة شائعة في يونان الى قبل زمان سقراطيس. ثم مال الناس عنها وقد انتصر لها أناس من المتأخرين منهم محمد بن زكريا الرازي لأنه لم يتوغل في العلم الالهي ولا فهم غرض ارسطوطاليس فيه فاضطرب رأيه وتقلّد آراء سخيفة وانتحل مذهبا خبيثا مذهب فورون وذمّ أقواما لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم. وفرقة فورون يعرفون باصحاب اللذّة لأنهم كانوا يرون ان الغرض المقصود اليه في تعلم الفلسفة اللذة الحاصلة للنفس بمعرفتها وهي مع البدن لانجائها من عذاب الجهل في الآخرة كما هو رأي أرسطو لان النفس لا بقاء لها بعد البدن عندهم. (أول مرودخ بن بختنصر) ملك ثلث سنين. هذا اخرج يوياخين بن يوياقيم من السجن وأكرمه وآكله مؤاكلة بعد سبع وثلاثين سنة وكان فيها معتقلا. وقتل مرودخ وملك بعده اخوه بلطشاصر. (بلطشاصر بن بختنصّر) ملك سنتين. ثم عمل وليمة عظيمة لألف رجل من أكابر دولته وكان يشرب الخمر بازائهم. وامر وهو يشرب ان يؤتى بآنية هيكل الرب التي سباها أبوه من أورشليم وشرب فيها مع عظمائه. فظهرت قبالته كفّ يد كاتبة عقابه في ضوء المصباح على الحائط. فرابته الكتابة واحضر حكماء بابل ليترجموا الكتابة. فعجزوا عن حلّها. فامتعض لذلك امتعاضا شديدا. فأخبرته أمّه عن دانيال النبي انه درّاك غيب وحلّال عقد. فاستدعاه وضمن له ان يلبسه الأرجوان وان يولّيه ثلث الملك ان اوّل الكتابة. فقال دانيال: لتكن مواهبك لك واجعل ذخائر بيتك لغيري. اما الكتابة فقراءتها أحصي إحصاء وزن وأعري. وتأويلها: ان الله احصى ملكك واستلبه. ووزنك زنة فوجدك شائلا فلذا اعراك من ملكك فأنت عار عرية. وفي تلك الليلة اغتاله داريوش المادي [٢] وقتله.

стр. 53

الدولة الخامسة المنتقلة من ملوك الكلدانيّين الى ملوك الفرس امّا الفرس فأهل الشرف الشامخ. والعزّ الباذخ. وأوسط الأمم دارا. وأشرفهم إقليما. وأسوسهم ملوكا. تجمعهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم. وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام. واحسن التئام وانتظام. وخواصّ الفرس عناية بالغة بصناعة الطبّ ومعرفة ثاقبة بأحكام النجوم. وكانت لهم ارصاد قديمة. وقال بعض علماء العجم: اوّل من ملك بعد الطوفان كيومرث من بني سام بن نوح وكان ينزل فارس. واتخذ الآلات لاصلاح الطرق وحفر الأنهار وذبح ما يؤكل من الحيوان وقتل السباع. وما زال الملك في ولده الى ان ملك دارا بن دارا [١] الذي غزاه الإسكندر وقتل في المعركة. ثم ملكت الاشكانية أولهم أشك. ثم أشك بن أشك وهو أول من تسمّى بالشاهيّة. ودام الملك فيهم الى ان ظهرت المملكة الساسانية أولهم أردشير [٢] بن بابك بن ساسان من بني كشتاسب. فأحسن السيرة وبسط العدل. وتوارث بنوه الملك الى ان ملك يزجرد [٣] ابن شهريار بن قباذ بن فيروز بن هرمز بن كسرى انوشروان المعروف بالعادل. وهو آخر ملوك الفرس. فلما ملك انتقضت عليه الدولة وتفاقمت أمورها وطلعت اعلام الإسلام بالنصرة وقتل كما يأتي شرح ذلك في موضعه.

стр. 54

(داريوش المادي [١] واليونانيّون يسمّونه نابونيذس. ملك سنة واحدة. وقيل تسع سنين. وبه بطلت مملكة النبط الكلدانيين منتقلة الى الفرس المجوس. وهذا الملك استولى على الملك وهو من أبناء اثنتين وستين سنة. وحسنت منزلة دانيال النبي عنده. واقام في ولايته مائة وعشرين قائدا ورأسّ عليهم ثلثة رجال أحدهم دانيال. وكان يرجع في سرائره اليه. فساد ذلك ارباب الدولة وجعلوا يطلبون عليه حجة يوقعونه بها عن مرتبته. فلم يظفروا منه بهفوة غير انه يدين بغير دين الملك. فساروا الى الملك وقالوا: ان دانيال يعبد إلها غريبا. وفي سنّتنا ان من دان في أرضنا بدين غير ديننا وتعدّى سنّة اهل ماه [٢] وفارس قذف به في جبّ الأسد. فلما لم يقدر الملك على إبطال شريعة قومه تقدّم بقذف دانيّال في جب الأسد وقال له: إلهك ينجيك. وانصرف الى منزله وبات طاويا وطار عنه نومه إشفاقا على دانيال. وكان حبقوق النبي في الشام قد طبخ طبيا ومضى يطعم الحواصيد فأخذه ملاك الرب بشعر رأسه ووضعه في بابل على فم الجبّ فقال: دانيال دانيال قم خذ الطعام الذي انفذ لك ربّك. فقال دانيال: ذكرني الله ولم يهملني. وأخذ الملاك لحبقوق ووضعه في موضعه. وجاء الملك داريوش بعد سبعة ايام ليبكي على دانيال لكثرة اهتمامه له. فلما دنا من الجبّ ناداه: يا دانيال هل قدر معبودك ان ينجيك من السباع. اجابه دانيال قائلا: ايها الملك عش خالدا ان إلهي بعث لي ملاكه وسدّ أفواه الأسد فلم تهلكني. فحسن موقع ذلك من الملك جدّا واخرج دانيال من الجب وألقى وشاته فيه مع نسائهم وبنيهم وذريتهم. فما استقرّوا في قرار الجبّ الّا ومزّقتهم الأسد ورضّت عظامهم رضا. وفي هذا الزمان اشتهر فراخوديس [٣] مصنف القصص معلم فيثاغورس. (كورش الفارسي) ملك احدى وثلثين سنة واستولى على ملك العراق وخراسان وارمينية والشام وفلسطين وغزا بلاد الهند وقتل ملكها. هذا كورش تزوّج اخت زوربابيل ابن شلاثيل بن يوياخين بن يوياقيم ملك يهوذا. ولما دخل بها ارتفعت عنده وقال لها: اطلبي مني ما شئت. فطلبت منه عود بني إسرائيل الى أورشليم وان يأذن لهم بعمارتها. فجمعهم كورش الملك وخيّرهم قائلا: من اختار الصعود فليصعد ومن أباه فليقم. فكان

стр. 55

عدد مؤثري الصعود خمسين ألفا من الرجال غير النساء والأولاد. فحصل زوربابيل ملكهم ويشوع بن يوزاداق كاهنهم. وعنهما قال ملاك الرب لزخريا النبي: ان هذين ابنا الدلال وهما يقومان بين يدي ربّ العالمين. فصعدت هذه الشرذمة من بني إسرائيل في السنة الاولى من ملك كورش الى أورشليم وهمّوا بعمارتها. ولأن الفلسطينيين مجاوريهم اعنتوهم كان تشييدهم الهيكل على التراخي في ستّ وأربعين سنة كما قال يوحنا الانجيلي. ولاختلاط كورش بنسل داود قال عنه اشعيا النبي قبل ولاده: قال الله لمسيحه كورش الذي عضدت بيمينه. وعظم كورش ايضا شأن دانيال وفوّض اليه سياسة ملكه. فغار لله غيرة وكسر الصنم المسمّى بيل وقتل التنين معبود البابليّين. فمقت ورمي في جب فيه سبعة أسد ونجا منها وهلك مبغضوه. ثم رأى الرؤيا على نهر الفرات وعرّفه ملاك الرب مدّة السنين التي بقين من السبي ومن ظهور السيد المسيح وآلامه وموته. ومات دانيال ودفن في قصر شوشن اعني مدينة ششتر [١] . (قمباسوس بن كورش) ملك ثماني سنين. وفي أيامه كانت يهوديث المرأة العبرية التي احتالت على الفرنا الماجوجي صاحب جيش قمباسوس وقطعت رأسه وامّنت اليهود بأسه. وفي هذا الزمان كان زرادشت معلم المجوسية وأصله من بلد اذربيجان. وقيل: من بلاد اثور. وقيل: انه من تلامذة اليّا النبي. وهو عرّف الفرس بظهور السيد المسيح وأمرهم بحمل القرابين اليه وأخبرهم ان في آخر الزمان بكرا تحبل بجنين من غير ان يمسها رجل وعند ولادته يظهر كوكب يضيء بالنهار ويرى في وسطه صورة صبية عذراء. وأنتم يا اولادي قبل كل الأمم تحسّون بظهوره. فإذا شاهدتم الكوكب امضوا حيث يهديكم واسجدوا لذلك المولود وقرّبوا قرابينكم فهو الكلمة مقيمة السماء. (داريوش بن بشتسب [٢] : ملك ستا وثلثين سنة على رأي قليميس واوسابيوس واندرونيقوس. وفي السنة الاولى من ملكه بالقرب من نجاز بنيان هيكل الرب باورشليم اعني قبله بست سنين تمّت السبعون سنة التي للسبي كما اوحى الله الى ارميا النبي ان تبقى الأمّة جالية ببابل. ويؤكد ذلك حجي وزخريا النبيّان بابتهالهما الى الله قائلين: حتّام لا ترحم أورشليم وقد اتى على خرابها سبعون سنة. وذلك إذا عددناها مبتدئين من آخر

стр. 56

ملك صدقيا وهي السنة الرابعة والعشرون من ملك بختنصّر التي فيها احترق الهيكل وخربت أورشليم وجلي اليهود عن أوطانهم الى بابل الجلاء الكلي. واما افريقيانوس فانه يعدّها مبتدئا من أول ملك صدقيا ليتم في أول ملك كورش عند إرساله الجماعة من بني إسرائيل الى أورشليم وتقدمه إليهم بعمارتها. وفي هذا الزمان توفي فيثاغورس الحكيم ابن خمس وتسعين سنة. هذا جعل مبادئ الأكوان الاعداد بدليل ان المركبات مبادئها البسائط. ولا ابسط من الاعداد إذ كل ما عداها يلزمه التركيب من اضافة العدد اليه. واشتهر في الفلسفة ديموقراطيس وهو القائل بانحلال الأجسام الى أجزاء لا تتجزأ. وديوجانيس الكلبي وكان قد راض أصحابه رياضة فارق فيها اصطلاح اهل المدن من اطراح التكليف. وكان أحدهم يتغوط غير مستتر عن الناس............... ............... ........ ويقول فيما يأتيه من ذلك: لا يخلوا اما ان يكون ما يفعله قبيحا على الإطلاق فلا يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة دون صورة. وان كان ممّا يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة دون صورة فهذا امر اصطلاحي فلا اقف معه. وكانوا يحبون من قرب منهم ويكرهون من بعد عنهم. فقال اهل زمانهم: هذه الأفعال تشبه أفعال الكلاب فسمّوهم الكلبيّين. ومن مشاهير هذا الزمان انكساغورس الطبيعي وفينذارس وسيموندس الموسيقيّان وفروطوغورس واسوقراطيس السفسطانيان واريسطوفنيس واقحاليس الشاعران الهاجيان. وفي هذا الزمان ايضا عرف ابقراط الطبيب. هذا كان يسكن مدينة حمص ويتردد الى مدينة دمشق ويأوي الى بستان كان له فيها ومكانه معروف الى يومنا هذا في واد هناك يسمّى النّيرب. وكان رجلا إلهيا يداوي المرضى مجانا. وقد احسن جالينوس في وصفه له حيث قال: ان جالينوس ادّبه الدرس وابقراط ادّبته الطبيعة. وقال ايضا: ان ابقراط انغمس في الطبيعة وسرى معها حتى انتهى الى أعماقها واخبر عمّا شاهد هناك. وله من الكتب كتاب افوريسمون [١] اي الفصول وكتاب بروغنوسطيقون اي تقدمة المعرفة وكتاب ابيذيميا اي الأمراض الوافدة وكتاب ماء الشعير وكتاب الاخلاط وكتاب

стр. 57

قسطران [١] اي كتاب المدن والماء والهواء وكتاب طبيعة الإنسان وكتاب شجاج الرأس وكتاب دياثيقي اي العهد. ومن الحكماء المعاصرين لأبقراط فيليمون وكان عالما في فنّ من فنون الطبيعة اعني الفراسة إذا رأى شخصا استدلّ بتركيب أعضائه على أخلاقه. وله فيها كتاب عندنا نسخته بالسريانيّ. وحكي انه اجتمع تلاميذ ابقراط وقال بعضهم لبعض: هل تعلمون في زماننا هذا اعلم من هذا الرجل يعنون ابقراط. فقالوا: لا. فقالوا: نمتحن به فيليمون فيما يدّعي من الفراسة. فصوروا صورة ابقراط ثم نهضوا الى فيليمون. وكانت يونان تحكم الصورة بحيث تحكيها [٢] على الوجه في قليل أمرها وكثيرها لأنهم كانوا يعبدون الصور فأحكموا لذلك التصور ويظهر التقصير في التصوير من غيرهم ظهورا بيّنا. فلما انهم حضروا عند فيليمون وقف على الصورة وتأملها وأنعم النظر فيها ثم قال: هذا رجل يحب الزنا. وهو لا يدري من هو المصوّر. فقالوا: كذبت هذه صورة ابقراط. فقال: لا بد لعلمي ان يصدق فاسألوه. فلما رجعوا الى ابقراط واخبروه الخبر قال: صدق فيليمون أحبّ الزنا ولكن املك نفسي. (احشيرش بن داريوش) ملك احدى وعشرين سنة. وفي السنة الثانية من ملكه استولى على مصر. وبعد تسع سنين [٣] فتح مدينة اثيناس وأحرقها. وقيل في زمانه كانت قضية استير العفيفة ومردخاي البارّ من اهل يهوذا. وهذا القول غير سديد والّا لما أهمل ذكرها في كتاب عزرا المستوعب جميع ما جرى لليهود في زمان هذا الملك. والصحيح انها جرت في ايام ارطحششت المدبّر. (ارطبانس) ملك سبعة أشهر معدودة مع سني احشيرش. (ارطحششت الطويل اليدين) ويسمى ايضا اريوخ. ملك احدى وأربعين سنة. وفي سنة سبع من ملكه امر عزرا الحبر وهو الذي تسمية العرب العزير ان يصعد الى أورشليم ويجتهد في عمارتها. وفي سنة عشرين من ملكه أرسل نحميا الساقي الخصيّ ايضا ليجد في ترميمها. وفي هذا الزمان لم يكن لليهود نار قدس لأنهم رموها في بئر وقت جلائهم. فأتوا

стр. 58

بحمأة منها ووضعوها على حطب القربان فاشتعلت بأمر الله بعد ان طفئت مائة سنة وأربعين [١] سنة بالتقريب. ولما رأى عزرا المعجز استف من سفساف [٢] تلك البئر ثلث سفّات فأعطي منحة روح القدس وأنطقه الله بجميع كتب الوحي وأعادها كما كانت [٣] . (احشيرش الثاني) ويسمى أردشير [٤] . ملك شهرين. ثم قتله سغدينوس [٥] وملك بعده مدة يسيرة. (سغدينوس [٥] ملك سبعة أشهر وهي مع الشهرين المتقدمين معدودة مع سني اريوخ. (داريوش نوثوش [٦] اي ابن الأمة. ملك تسع عشرة سنة. وفي سنة خمس عشرة من ملكه خلع المصريون ربقة طاعة الفرس من أعناقهم ونصبوا لهم ملكا بعد مائة واربع وعشرين سنة لتسلط الفرس عليهم. (ارطحششت الثاني) المعروف بالمدبّر [٧] واليونانيون يسمونه ارطاكسراكسيس. ملك أربعين سنة وتزوّج باستير العبرية الصالحة وصلب هامان العملقي الذي زاول زوال الجالية من بني إسرائيل. وذلك بدعاء استير ومردخاي الصدّيق صاحبها. وفي سنة خمس عشرة من مملكة هذا ارطحششت اخرب افريقيانوس قائد الافرنج مدينة قرخيذونيا وسمي بلدها باسمه افريقية [٨] . وفي هذا الزمان كان ميطن واقطمين [٩] وهما إمامان في علوم الفلك اجتمعا بالاسكندريّة على احكام آلات الارصاد ورصدا ما احبّا من الكواكب. وقيل ان بين

стр. 59

زمانهما وبين بطليموس صاحب المجسطي خمسمائة سنة وسبعين سنة [١] . (ارطحششت الثالث) المعروف بالأسود. واليونانيون يسمونه اوخوس. ملك سبعا وعشرين سنة واستعاد ملك مصر وهزم نقطابيوس [٢] ملكها وصار يسيح في بلاد اليونانيون بزيّ منجّم لأنه كان ماهرا في علم الفلك واسرار الحركات السماوية. وقيل انه تلطف لمجامعة ألومفيذا امرأة فيليفوس ملك مقدونيا في تنجيمه لها. فحملت منه بالإسكندر ذي القرنين. (ارسيس [٣] بن اوخوس) ملك اربع سنين. وفي زمانه اشتهر سقراطيس الحكيم المتألّه. هذا زهد في الدنيا ومتاعها الى حد انه سكن الحبّ. وقيل له: ان انكسر الحبّ ماذا تعمل. فقال: ان انكسر الحب لم ينكسر مكانه. وكان يقول: حسن الظاهر تابع للحسن الباطن فيستدل على حسن النفس بحسن البدن. ولأنه كان يختار للتعليم الاحداث الوسام نسبه الاثنيّون الى الفحشاء. ولكثرة تقييده الملك المشتهر بالفجور علم ابنيه انطوس وميليطوس الإفساد عليه وأماته مسموما. وبعد موت سقراط صار الصيت لافلاطون. هذا كان شريف الوالدين نسب أبيه يرتقي الى فوسيديون ونسب أمّه الى سولون واضع النواميس للاثنيّين. وقيل: انه تميز في حداثته في علم الشعر. فلما رأى سقراط يهجن هذا الفن من جملة العلوم احرق كتبه الشعرية وتلمذ له خمسين سنة ومنه اقتبس الحكمة الفيثاغورية وقال: ان المبادي ثلثة الإله والهيولي والصورة. واثبت وجود الأمثال النوعية في الخارج مجرّدة عن الموادّ. وادّعى تناسخ النفوس وان وجودها قبل وجود الأبدان. وكان يأذن لمن عجز عن مكابدة العزوبة من تلامذته ان يشاركه النفر منهم في زوجة واحدة لما في ذلك من قلة المؤنة وكثرة المعونة. وقد عدّ له ثاون الاسكندريّ ثلثة وثلثين كتابا. والموجود منها الآن كتاب فادن وكتاب طيماوس وكتاب النواميس وكتاب سياسة المدن. ومات وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين سنة. وخلّف بستانين [٤] ومملوكين وكأسا واحدا وقرطا كان معلّقا في شحمة أذنه شعارا

стр. 60

بشرفه. وباقي ماله كان قد أخرجه على تزويج بنات أخيه. وكتب على قبره: هاهنا وضع رجل إلهي فاق الناس كلهم في العلم والعفة والنباهة والأخلاق العادلة. فكل من مدح الحكمة فقد مدحه إذ فيه أكثرها. وكتب في الجانب الآخر من التربة: يا أيتها الأرض وان كنت مخفية جسد أفلاطون لكنّك لا يمكنك الدنوّ من نفسه التي لا تموت. وتولّى بعده مدرسته سفوسيفوس [١] ابن عمه. وفي هذا الزمان اشتهر في الطب روفس وتصدر للتعليم وله في ذلك تصانيف. الّا انه كان ضعيف النظر مدخول الادلّة ردّ على اكثر أقواله ارسطوطاليس في كتبه الطبيعيات. وردّ عليه جالينوس ايضا مثل ذلك وأقاما الحجج الواضحة على غلطه. ولم تكن الصناعة تحققت في زمانه تحققها في زمان هذين الفاضلين. (داريوش بن ارشك) هو دارا بن دارا. ملك ست سنين. ولما بلغه خروج الإسكندر بن فيليفوس اليوناني المقدونيّ جيّش والتقاه في الشام. فانتصر اليونانيون على الفرس وانهزم داريوش طالبا الثغور. فأدركه الإسكندر عند مدينة إياس التي هي فرضة البحر ببلد قيليقيا وقتله وتزوّج ابنته المسماة روشنك. وبطلت وقتئذ مملكة الفرس باستيلاء الإسكندر على الأرض. وفي هذا الزمان اشتهر في الفلسفة ارسطوطاليس بن نيقوماخس الطبيب من قرية طاجيرا من اعمال مقدونيا. ونسبه من والديه يرتقي الى اسقليبياذيس. وأخذ الحكمة من أفلاطون وهو ابن سبع عشرة سنة ولازمه عشرين سنة. وكان إذا لم يحضر في الدرس يقول أفلاطون: العقل لم يحضر. كأن الغافلين [٢] عن الحق صمّ هم عمّا هم سامعوه. وصار له منزلة عظيمة عند الملوك. وبرأيه كان يسوس الإسكندر ملكه ويتوجه الى محاربة ملوك الأرض. وتفرّغ ارسطوطاليس لتصنيف الكتب المنطقية والحكمة العلمية والعلمية. ويسمّى معلما أول لا لأنه اخترع المنطق اختراعا كما ظنّ. لكن لأنه جمع أشتاته ورتبه ترتيبا كما قال حاكيا عن نفسه: انه قد كان لنا في الصنائع المنطقية اصول مأخوذة ممّن سبقنا مستعملة في جزئيات برهانية مثلا في الهندسة جدلية [٣] وخطابية في السؤال والجواب.

стр. 61

واما في صورة القياس وصورة قياس القياس فأمر قد كددنا في طلبه مدة من العمر حتى استنبطناه. وكان لا يفتر عن الدرس والمطالعة الّا عسى عند النوم. وكان إذا سئل لا يبادر الجواب الا بعد الفكر. ولا قصد في البحث الا الحق دون الغلبة. وكان يقول في إبطاله التناسخ: أفلاطون صديق والحق ايضا صديق فإذا لحظتهما كان اختياري واكرامي للحق. وكان إذا شعر بتقصير من نفسه لم يستنكف من ان يدفعه. وكان معتدلا في الملابس والمأكل والمشرب والمنكح والحركات. ومات وله ثمان وستون سنة. وخلّف ابنا وابنة صغيرة وخلف مالا كثيرا. واعلم وفّقك الله ان الحكماء الذين نظروا في اصول الموجودات دهريّون وطبيعيّون وإلهيّون. فأما الدهريون فهم فرقة قدماء جحدوا الصانع المدبّر للعالم وقالوا ان العالم لم يزل موجودا بنفسه لم يكن له صانع صنعه. والطبيعيون فهم قوم بحثوا عن أفعال [١] الطبائع وانفعالاتها وما صدر عن تفاعلها [٢] من الموجودات حيوان ونبات. وفحصوا عن خواص النبات وتركيب أعضاء الحيوانات فمجدوا الله وتحققوا بمخلوقاته انه قادر حكيم عظيم [٣] . الّا انهم رأوا ان النفس تهلك بهلاك الجسد وان لا بقاء لها بعده. واما الإلهيون فهم المتأخرون من حكماء يونان مثل سقراط وهو شيخ أفلاطون. وأفلاطون شيخ ارسطوطاليس. وأرسطو هو مرتّب هذه العلوم ومحرّرها ومقرّر قواعدها ومزيّن فوائدها ومخمّر فطيرها ومنضّج قديرها [٤] وموضّح طرق الكلام وتحقيق قوانينه والرادّ على الدهرية والطبيعية والمندّد عليهم والقائم بإظهار فضائحهم. وهذّب كلام أفلاطون وسقراط وحقّقه ونمّقه ورتّبه فجاء كلامه ابضع [٥] كلام وأحكم معاني. وكل من نقل كلامه من اليوناني الى لغة اخرى حرّف وجزّف وما أنصف. واقرب الجماعة حالا في تفهّمه الفارابي وابن سينا فإنهما تحمّلا علمه على الوجه المقصود. واعذبا منه لوارد منهله المورود [٦] . وكان لارسطو ابن أخ اسمه ثاوفريسطس وهو احد تلاميذه الآخذين الحكمة عنه وهو الذي تصدّر بعده للاقراء بدار التعليم. وكان فهما عالما مقصودا لهذا الشأن. وقرئت عليه

стр. 62

كتب عمه وصنّف التصانيف الجليلة واستفيدت منه ونقلت عنه. فمنها كتاب الآثار العلوية وكتاب الأدب وكتاب ما بعد الطبيعة نقله من السرياني الى العربي يحيى بن عدي. وكتاب الحسّ والمحسوس نقله ايضا ابراهيم بن بكوس [١] . وكتاب اسباب النبات نقله ايضا ابراهيم والمذكور. واما نيقوماخس والد ارسطوطاليس فكان متطببا لفيليفوس ابي الإسكندر وكان حكيما فيثاغوريّ المذهب وله من التصانيف كتاب الارثماطيقي وكتاب النغم.

стр. 63

الدولة السّادسة المنتقلة من ملوك الفرس المجوس إلى ملوك اليونانيّين الوثنيّين اما اليونانيون فكانوا أمّة عظيمة القدر في الأمم طائرة الذكر في الآفاق فخمة الملوك. منهم الإسكندر بن فيليفوس المقدوني الذي اجمع ملوك الأرض طرا على الطاعة لسلطانه. وكان من بعده من ملوك اليونانيين البطالسة دامت لهم الممالك وذلّت لهم الرقاب. ولم يزل ملكهم متصلا الى ان غلب عليهم الروم وهم الافرنج. وكانت بلاد اليونانيين في الربع الغربي الشمالي من الأرض. ويحدها من جهة الجنوب البحر الرومي ومن جهة الشمال بلاد اللان ومن جهة المغرب تخوم بلاد الامانية ومن جهة المشرق بلاد ارمينية وباب الأبواب [١] . ويتوسط بلاد اليونانيين الخليج المعترض ما بين بحر الروم وبحر نيطس الشمالي فيصير القسم الأعظم منها في حيّز المشرق والقسم الأصغر منها في حيّز المغرب. ولغة اليونانيين تسمّى الاطيقيّة وهي أوسع اللغات واجلّها. وكانت عامة اليونانيين صابئة [٢] معظمة للكواكب دائنة بعبادة الأصنام. والفلاسفة منهم من ارفع الناس طبقة واجلّ اهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والالهية والسياسات المنزلية. (الإسكندر بن فيليفوس) : ملك ست سنين بعد قتله داريوش. وكان قد ملك

стр. 64

قبل ذلك ستا اخرى. وفتح بلادا كثيرة حتى بلغ ملكه الى أقصى الهند وأوائل حدود الصين. وسمّي ذا القرنين لبلوغه قرني الشمس وهما المشرق والمغرب. وقتل خمسة وثلثين ملكا وبنى اثنتي عشرة مدينة منها اثنتان في بلد خراسان وهما هراة ومرو. وواحدة في بلد السغد وهي سمرقند. واخرى في بلد القبط وهي الاسكندرية. وفي عودته من الهند ووصوله الى بابل مات مسموما ووضع في تابوت ذهب وحمل على أكتاف الملوك والاشراف الى اسكندرية القبط ودفن بها. وكان لما احتضر أمر ان يكتب الى أمّه بالتعزية وان تتخذ طعاما وتأمر ان لا يدخل اليه الّا من لم تصبه مصيبة. ففعلت كذلك فرجع جميع الخلق وحسن بذلك عزاؤها. وبعد موت الإسكندر تقاسم الممالك اربعة من عبيده وهم بطلميوس بن الاغوس واريذاوس وانطيوخوس وسلوقوس. وسئل الإسكندر بناء السدّ سدّ يأجوج فبناه بحجارة الحديد والنحاس وأضرم عليه النار فصار صخرا واحدا طوله اثنا عشر ذراعا وعرضه ثمانية اذرع. ولما فرغ من بناء سد يأجوج جاء الى موضع السد الأعظم وهو المكان الذي يعرف بالباب والأبواب في مروج [١] بلدان القفجاق فحفر موضع الأساس ومدّه في الجبال حتى ألحقه بحر الروم. فلم تزل ملوك فارس في طلب هذا الأساس فتجشوا معرّة الترك والخزر من بلاد العراق والجبل واذربيجان وارّان وارمينية حتى وجد الأساس يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد ابن سابور. فابتدأ ببناء السد من حجارة ونحاس ورصاص ولم يتمّمه. وكان اكثر همّ ملوك الفرس بعده في بنائه فما اتفق لهم الفراغ منه حتى سهل الله ذلك على يدي كسرى انوشروان فأحكم بناءه وألصقه برؤوس الجبال ثم مدّه في البحر على ميل ثم غلق عليه أبواب الحديد واقام على بنائه سنة واكثر. فصار يحرسه مائة رجل بعد ان لم تكن تطيقه مائة ألف رجل من الجند. وأذن للمرزبان الذي يقيم هناك بالجلوس على سرير الذهب ولذلك يسمّى ملك تلك الناحية ملك السرير. وفي زمان الإسكندر كان اندروماخس الطبيب الذي زاد في معجون المثروديطوس لحوم الافاعي فصار نافعا من نهوشها. (بطلميوس بن لاغوس) اي ابن الأرنب. ولي مصر وجميع ارض القبط والنوبة أربعين سنة. ومنه سمّوا ملوك مصر البطالسة. وهو جلا اليهود الى مصر في ايام حونيا رئيس الكهنة. وحصل لاريذاوس وهو فيليبوس المذكور في السونطاكسيس اي المجسطي

стр. 65

مقدونيا وجميع بلاد اليونانيين. ولانطيوخس سوطير اي المخلص انطاكية وجميع بلاد الشام. وبعد اثنتي عشرة سنة من موت الإسكندر حصل لسلوقوس المسمّى نيقاطور اي القاهر ملك بابل وكل العراق وخراسان الى الهند. ومن أول ولايته يبتدئ هذا التاريخ المعروف بتاريخ الإسكندر وهو الذي يورّخ به السريان والعبريون. ومن آدم الى أول هذا التاريخ على رأي ثاوفيل الرهاوي خمسة آلاف ومائة وسبع وتسعون سنة. فإذا زدنا على سني الإسكندر التامة اعني سني سلوقوس هذا المبلغ وعلى الشهور التامة من السنة المنكسرة التي أولها تشرين الاول شهرا واحدا حصل لنا سنون تامة وشهور من السنة المنكسرة التي أولها شهر أيلول وبهذا التاريخ يؤرّخ الروم في زماننا هذا. (بطلميوس فيلاذلفوس) اي محب أخيه. ملك ثماني [١] وثلثين سنة. وفي زمانه خلع الأرمن طاعة ملوك اليونان ونصبوا لهم ملكا اسمه ارشك. ومن هنا سمّوا ارشكونية. ولما ملك هذا بطلميوس حبّب اليه العلم والعلماء وسمع ان في السند والهند وفارس وجرجان وبابل واثور فنونا من الحكمة غير التي عند اليونان فتقدم الى وزيره بالاجتهاد في جمع كتب هذه الأمم وتحصيلها والمبالغة في اثمانها وترغيب التجار في جلبها. ففعل ذلك فاجتمع من ذلك في مدة قريبة اربعة وخمسون ألف كتاب ومائة وعشرون كتابا. فلما علم الملك باجتماعها قال لوزيره: أترى بقي في الدنيا شيء من كتب العلوم لم يكن عندنا. فقال له الوزير: بقي عند اليهود كتب إلهيّة اوحى الله بها الى الأنبياء فنطقوا بها. فأمر ان يجدّ في طلبها. فأطلق سبيل جالية اليهود وطلب من اليعازر رئيس الكهنة ان يسيّر اليه جماعة من أحبار اليهود المتبحّرين في لغتي العبريين واليونانيين لينقلوا له كتب الوحي من اللغة العبرية الى اللغة اليونانية. فأرسل اليه اثنين وسبعين حبرا ذوي مهارة في النقل من كل سبط ستا. فرتب الملك كل اثنين منهم في بيت في جزيرة فوروا وأمرهم ان ينقل كل اثنين منهم كلّ واحد واحد من الكتب الإلهية. وعند الفراغ قوبلت النسخ الستة والثلاثون فوجدت مطابقة لم تتخالف لفظا ولا معنى فاعتمد على صحة النقل. وهذا النقل السبعينيّ هو المعتبر عند علمائنا وهو الذي بأيدي الروم وباقي فرق النصارى خلا السريان وخصوصا المشارقة فان نسختهم المسماة بسيطة لترك البلاغة في نقلها تطابق نسخة اليهود. واما المغاربة فلهم النقلان البسيط المنقول من العبري الى السرياني بعد مجيء السيد المسيح في زمان ادي السليح. وقيل قبله في زمان سليمان بن داود وحيرم صاحب صور. والسبعيني

стр. 66

المنقول من اليوناني الى السرياني بعد ظهور المخلص بزمان طويل. وفي هذا الزمان كان طيموخاريس الحكيم الرياضي. وكان عالما بهيئة الفلك وصناعة آلات الارصاد. وقد ذكر بطلميوس الحكيم في المجسطي ان وقته كان متقدما لوقته بأربع مائة وعشرين سنة. (بطلميوس اورغاطيس) اي الصانع [١] ملك ستا وعشرين سنة. وفي زمانه بنيت قرقيسياء [٢] وقالونيقوس وهي الرقّة. وحونيا رئيس كهنة اليهود منع الجزية التي كان يعطيها لملوك مصر. فغضب اورغاطيس وهم باستئصال اليهود. فأرسل اليه يوسيفوس الحكيم العبري وهادنه فتهادنت [٣] امور اليهود. (بطلميوس فيليفاطور) اي محب أبيه. ملك سبع عشرة سنة واضطهد اليهود. وفي آخر ولايته قهره انطيوخس الكبير صاحب الشام. وهذا ايضا اعتسف اليهود وعنف عليهم وجرت الوقائع المذكورة في القصة الاولى من كتاب المقبانيين. (بطلميوس افيفانوس) اي المظهر [٤] . ملك احدى وعشرين سنة وأرسل جيشا مع اسقافوس [٥] قائده الى بلد يهوذا والشام. فحاربه انطيوخس الكبير وانتصر عليه وهزمه واستولى على مدن كثيرة كانت للمصريين. وحينئذ أخلص له اليهود في الطاعة فأحسن إليهم ورصف الحجارة في الطرق المؤدية الى انطاكية وعقد القناطر على اكثر انهار الشام. وفي سنة احدى عشرة من ملك هذا انطيوخس قهره الافرنج وكان يعطيهم الجزية كل سنة ألف قنطار ذهبا وسلم إليهم ولده رهينة. وصالح ايضا بطلميوس افيفانوس وتزوج ابنته قلاوفطرا. ثم مات وقام بعده ابنه المسمى باسمه انطيوخس وهو الصغير الملقب بأفيفانوس وهو لقب صاحب مصر. هذا وردّ البيت المقدس ونجس الهيكل بنصبه صنم زاوس وهو المشتري فيه. وألزم اليعازر الكاهن ان يضحّي للضم الاضحية. ولأنه ابى أماته بالعقاب. ثم سعي اليه بامرأة اسمها اشموني [٦] مع سبعة بنيها انهم يسبّون الأصنام.

стр. 67

فأحضرهم بين يديه وأمر بقطع لسان الاول وأطراف جميع أعضائه والقائه في الطاجن [١] وسلخ جلدة رأس الثاني. وكذلك أمات الباقين وبعدهم أمهم بأنواع العذاب. ودفنوا في أورشليم. ثم بعد مجيء المخلص نقل مؤمنو النصارى أجسادهم الى مدينة انطاكية وبنوا عليهم كنيسة. (بطلميوس فيلوميطور) اي محب أمّه. ملك خمسا وثلثين سنة. وفي السنة السادسة عشرة من ملكه مات انطيوخس الصغير غازيا بالفرس. وملك بعده انطيوخس اوفاطور سنتين واضطهد اليهود اضطهادا شديدا. وولي امر اليهود يهوذا المقبي وجمع بين الملك والكهنوت ونفى نوّاب انطيوخس من ارض يهوذا وطهّر الهيكل وصار اليهود يحاربون ملوك الروم. وفي هذا الزمان بنى حونيا رئيس كهنة اليهود هيكلا بأرض مصر كالذي باورشليم. وبعد اوفاطور ولي الشام ديميطريوس سوطير وهو ابن سلوقوس. وملك اثنتي عشرة سنة ثم قتله الإسكندروس وقام بعده عشر سنين وأطاعه فيلوميطور صاحب مصر وزوجه ابنته قلاوفطرا. وتمّت نبوءة دانيال حيث قال: ابنة ملك التيمن تعطى لملك الجربياء. وقيل بالأخرى التي تزوجها انطيوخس الكبير تمّت هذه النبوءة. (بطلميوس اورغاطيس الثاني) ويعرف بابن الهشيم [٢] . ملك تسعا وعشرين سنة. وفي السنة الثالثة من ملكه مات الإسكندروس. وولي الشام بعده ديميطريوس الثاني ثلث سنين ثم خلع وولي مكانه انطيوخس سيذيطوس سبع سنين ومات. وعاد ديميطريوس الى الملك اربع سنين. ثم مات وقام بعده انطيوخس اغريباس اثنتي عشرة سنة وحاصر أورشليم في ولاية هورقانس الملك الكاهن. ولأنه ضيّق عليها فتح هرقانوس قبر داود النبي ووجد فيه ثلثة آلاف قنطار من الذهب كان قد خزنها القدماء هناك. فأعطى منها ثلاثمائة قنطار لأغريباس فرحل عنه. وفي هذا الزمان اخرب هورقانس مدينة شمرين وهي نابلس [٣] وعصى جماعة من العبيد بجزيرة سقليا فحوصروا في بعض مدنها حتى أكل بعضهم بعضا. (بطلميوس فيسقوس) ويسمّى ايضا سوطير. ملك سبع عشرة سنة. وفي السنة

стр. 68

الرابعة من ملكه ولي الشام انطيوخس قوزيقوس ثماني عشرة سنة. وفي السنة الحادية عشرة من ملك سوطير مات هورقانس ملك اليهود. وقام بعده اريسطابولس بن يونثان سنة واحدة متتوّجا. ثم اغتاله اخوه انطيغونيس واغتيل من يوحنا أخيه الآخر الذي وسمّي الإسكندر وولي سبعا وعشرين سنة وكان ذا بأس. واما بطلميوس فيسقوس فعزلته أمه قلاوفطرا وفرّ منها الى جزيرة قبرس. وفي هذا الزمان اشتهر ديسقوريدوس وهو حكيم فاضل حشائشيّ من اهل مدينة عين زربة. قال جالينوس: تصفحت اربعة عشر مصحفا في الادوية المفردة لأقوام شتى فما رأيت فيها أتم من كتاب ديسقوريدوس. ويحيى النحوي الاسكندري يمدحه في كتابه في التاريخ ويقول: تقدمة [١] الأنفس صاحب النفس الزكية النافع للناس المنفعة الجليلة المنعوت المنصوب السائح في البلاد المقتبس العلوم والادوية المفردة من البراري والجزائر والبحار والمصوّر لها. وقد جاء في كتاب المجسنطي ان بين رصدي ايبرخس وبطلميوس للاستواء الربيعي مائتين وخمسا وثمانين سنة. وهذا يدل على انه كان معاصرا لديسقوريدوس. وفاق المتقدمين والمتأخرين وعلاهم بعلم الارصاد. ومن كتبه أخذ بطلميوس القلوذي وعلى ارصاده بنى. ولم يصل إلينا من كتبه سوى كتاب واحد في اسرار الكواكب ومنه يعرف تجدّد الممالك في العالم. (بطلميوس الاكسندروس) هواخو فيسقوس الفارّ الى قبرس. ملك عشر سنين. وفي السنة الرابعة من ملكه ظفر بقوزيقوس ملك الشام وأحرقه بالنار حيّا وولي في الشام سنة واحدة. ثم قام بالشام ملكا فيليفوس سنتين ورذلته الرعية بسبب اعانته على هلاك قوزيقوس. ودخل الشاميون في طاعة ملوك رومية قبل ان يسّموا قياصرة ولم يدخلوا في طاعة البطالسة نفورا منهم بما فعلوا بملكهم قوزيقوس. (بطلميوس فيسقوس) هو المسمّى سوطير هذا عاد من قبرس الى مصر ونازع أخاه الإسكندروس فاعتقله وملك بعده ثماني سنين اخرى. ثم مات وأقيم بعده ذيانوسيوس ابنه. (بطلميوس ذيانوسيوس) ملك ثلثين سنة. وفي سنة خمس من ملكه مات يوحنا الإسكندر ملك اليهود وخلف ولدين هورقانس واريسطابولوس مسمّيين باسمي عمّيهما.

стр. 69

وكانت أمهما سيلينا اي القمر ذات سطو. فنصبت هورقانس ابنها رئيس الكهنة واريسطابولوس ابنها الآخر ملكا. وبعد قليل جلاه بومبيوس قائد جيش قيصر الى رومية واستقام هورقانس اخوه ملكا لليهود أربعا وثلثين سنة. (قلاوفطرا) ابنة ذيانوسيوس ملكت اثنتين وعشرين سنة. وفي سنة ثلث من ملكها ولي رومية الكبرى غابيوس [١] الملقب يوليوس وهو أول من دعي قيصرا وتأويله السليل. وانما سمّي بذلك لان أمّه وهي حامل به ماتت حين ولدت فشقّوا احشاءها وسلّوه منها. ثم صار هذا الاسم نبزا لكل من ولي رومية. وسمّي شهر تمّوز يوليوس باسمه وكان يسمّى أولا قنطاليس [٢] . وبعد اربع سنين مات. وقام بعده اغوسطس قيصر ستا [٣] وخمسين سنة. وفي سنة ست من ملك اغوسطس سبي هورقانس ملك اليهود الى فارس ووليهم هيروذيس بن انطيفطروس العسقلانيّ من قبل قيصر وهدم سوري أورشليم واحتجز على تركة الكهنوت ولم يترك أحدا يتولى رئاسة الكهنة الا سنة واحدة. وفي السنة الثالثة عشرة من ملك اغوسطس تمرد عليه انطونيوس قائد جيشه وانهزم منه الى مصر بسبب عشقه فلاوفطرا الملكة. فسار نحوه اغوسطس وأسر ولدي قلاوفطرا المسمى أحدهما شمسا والآخر قمرا وقتلهما. ولما سمع انطونيوس وقلاوفطرا بقتل الولدين وكانا محاصرين في بعض الحصون شربا سمّا وماتا. وكان في آخر مملكة البطالسة فطون [٤] الفيلسوف ذو يد باسطة في نوعي العدد والمساحة وله كتاب في الحساب الى قلاوفطرا الملكة. وقلاوفطرا هذه كانت حكيمة تصنف الكتب في انواع الحكمة ولها القانون المنسوب إليها المختصر وهو قانون مبسوط سهل قريب المأخذ ويقال انه من تصانيف فطون لها ونحلها إياه فادّعته. والله اعلم.

стр. 70

الدولة السابعة المنتقلة من اليونانيّين الوثنيّين إلى ملوك الإفرنج الروم هم الافرنج بلادهم مجاورة لبلاد اليونانيين ولغتهم مخالفة للغتهم. فلغة اليونانيين الاطيقية ولغة الروم اللاطينية. وحدّ بلاد الروم من جهة الجنوب البحر الرومي الممتدّ طولا في المغرب الى المشرق ما بين طنجة الى الشام. وحدها من جهة الشمال بعض ممالك الأمم الشمالية من الروس وغيرها. وحدّها من جهة المشرق تخوم بلاد اليونانيين. وحدها من جهة المغرب الى أقصى الأندلس البحر المغربي المحيط المعروف باوقيانوس. وهذه المملكة ثلث قطع أولها من جهة المشرق بلاد الامانيّة [١] ثم وسطها بلاد افرنسة ثم آخرها بلاد الأندلس. وقاعدة هذه المملكة كلها كانت مدينة رومية العظمى من بلاد الامانيّة الى ان تغلّب اغوسطس أول القياصرة على ملوك اليونانيين وأضاف الى مملكتهم مملكته فصارت مملكة واحدة روميّة عظيمة الشأن كما فعلت الفرس بمملكة الكلدانيين حتى استولت عليها وصيّرت المملكتين مملكة واحدة فارسية. وصارت رومية قاعدة هاتين المملكتين الى ان قام قسطنطينوس بن هيلاني بدين المسيح ورفض دين الصابئة وبنى مدينة بوزنطيا وعظّمها وسماها باسمه القسطنطينية واستوطنها فصارت حينئذ قاعدة ملك الروم الى سنة ألف ومائتين واثنتين وستين للإسكندر حتى قوي العامل على رومية وكثرت جموعه فلبس التاج وسمي ملكا بكافة ملك قسطنطينية ورضي بسلمه وتميّزت

стр. 71

مذ ذاك مملكة اللاطينيين من مملكة الاطيقيين من جهة مغاربها. وبعدت أعمالهم من اعمال رومية بمن توسط بينهما من فرق الترك المخيّمة هنالك والمخربة لكثير من عمائرها. فلا يصل احد اليوم من القسطنطينية الى رومية الا في البحر. وكان للروم بمدينة رومية وغيرها علماء بأنواع الفلسفة الا ان لليونانيين من المزية في ذلك والفضل ما لا ينكره الروميون ولا سواهم. (اغوسطس قيصر) ملك ستا وخمسين سنة. وباسمه سمي شهر آب اغوسطس وكان يسمى أولا سجاسطيلوس [١] . وفي أيامه جدّد هيروذيس مدينة نابلس [٢] وعظم قصر اسطراطون وسمّاهما قيصرية [٣] وهي [٤] المعروفة بفيليبوس. وبنى ايضا مدينة جبلة. وفي السنة الثالثة والأربعين من ملك اغوسطس قيصر وهي سنة تسع وثلاثمائة [٥] من تأريخ الإسكندر ولد السيد المسيح من مريم العذراء ليلة الثلثاء في الخامس والعشرين من كانون الاول. وفي تلك السنة كان قد أرسل قيصر الملك قورينوس القاضي مع اصحاب الجزية الى أورشليم. فصعد يوسف خطيب مريم من الناصرة مدينته الى أورشليم ليثبت اسمه. وعند موافاتهم قرية بيت لحم ولدت مريم. وأتى المجوس بألطافهم من المشرق فأهدوها الى المسيح وهي ذهب ومر ولبان. وكانوا قد مروا أولا بهيروذيس وسألهم عن أمرهم. فقالوا له: ان عظيما كان لنا وهو قد أنبأنا بكتاب وضعه ذاكرا فيه: سيولد في فلسطين مولود أصله من السماء ويتعبد له اكثر العالم. وآية ظهوره انكم ترون نجما غريبا وهو يهديكم الى حيث هو. فإذا رأيتموه فاحملوا ذهبا ومرّا ولبانا وانطلقوا اليه وألطفوه بها واسجدوا له وانصرفوا لئلّا ينالكم بلاء عظيم. والآن قد ظهر لنا النجم وأتينا لنتمّ ما أمرنا به. فقال لهم هيروذيس: قد أصبتم الرأي فانطلقوا وابحثوا عن الصبي نعمّا. فإذا وجدتموه فأعلموني لأنطلق انا ايضا فأسجد له. فمضوا ولم يعودوا اليه. فغضب غضبا

стр. 72

شديدا وأمر بذبح جميع أطفال بيت لحم من ابن سنتين وما دون لعدم علمه بوقت ولادة المخلّص. وكانت مريم يومئذ ابنة ثلث عشرة سنة وعمّرت احدى وخمسين سنة. وكتب اوتغنيوس [١] الفيلسوف الى قيصر يعلمه عن مجيء المجوس قائلا في رسالته: ان فرس المشرق دخلوا سلطانك وقرّبوا القرابين لصبح ولد بأرض يهوذا. فأمّا من هو وابن من هو فلم يبلغنا بعد. فأجابه قيصر: ان هيروذيس عاملنا على اليهود هو يعلمنا ما أمر هذا المولود وقضيته. وكتب قيصر الى هيروذيس يستعمله الخبر. فكتب اليه وعرفه قول المجوس له وانه ذبح أطفال بيت لحم أجمعين ليكون قد اتى على نفس الصبي معهم. وفي تلك الليلة التي أتت المجوس هرب يوسف مع مريم والمولود الى مصر ولبثوا بها سنتين. ولما بلغهم موت هيروذيس عادوا الى الناصرة مدينتهم. وقبل ان يموت هيروذيس قتل امرأته مريم التي كانت ابنة يوحنا الإسكندر ملك اليهود وأخاها [٢] وأمها وبالجملة كل من وجد من نسل الملوك. ثم حدث له استسقاء زقّي ونقرس شديد وبقي في عذاب أليم مدة سنتين ثم مات. وولي مكانه ارخيلاوس ابنه تسع سنين. ثم اعتقله اغوسطس وجعل ملك اليهود أرباعا وولّى في الثلاثة الارباع ثلثة من اخوة ارخيلاوس وهم هيروذيس وانطيفطرس وفيليفوس. وفي الربع الرابع لوسانيا. (طيباريوس قيصر) ملك اثنتين [٣] وعشرين سنة. وفي السنة الاولى من ملكه عرضت زلزلة عظيمة وسقط فيها مواضع كثيرة ومات خلق من الناس والمواشي. وفي السنة السابعة بنى هيروذيس بن هيروذيس مدينة طبريّة على اسم طيباريوس الملك. وفي السنة الرابعة عشرة ولي فيلاطوس القضاء على اليهود ونصب تمثال قيصر في الهيكل واضطرب لذلك اليهود. وبعد ثلث سنين اعتمد المسيح من يوحنا بن زكريا يوم الأربعاء وقيل: يوم الأحد لستّ خلون من كانون الاخيرة. وكان ابن ثلثين سنة. ومن هاهنا بدأ بإظهار الآيات الباهرة وافشاء سر ملكوت الله والحث على العمل بسنّة الفضيلة فضلا عن سنّة العدالة. وفي السنة التاسعة عشرة من ملك طيباريوس وهي سنة ثلاثمائة واثنتين وأربعين من تاريخ الإسكندر أرسل ابجر ملك الرها فيجا اسمه حنان الى المسيح بكتاب يقول فيه: من ابجر الأسود الى ايشوع المتطبب الظاهر باورشليم. امّا بعد فانه بلغني

стр. 73

عنك وعن طبّك الروحاني وانّك تبرئ الأسقام من غير ادوية فحدست انك امّا إلاه نزلت من السماء او ابن الإله. فأنا اسألك ان تصير اليّ لعلّك تشفي ما بي من السقم. وقد بلغني ان اليهود يرومون قتلك. ولي مدينة واحدة نزهة وهي تكفيني وإياك نسكن فيها في هدو. والسلام. فأجابه المسيح بكتاب قائلا: طوباك انك آمنت بي ولم ترني. واما ما سألتني من المصير إليك فانه يجب ان أتمم ما أرسلت له واصعد الى ابي. ثم أرسل إليك تلميذا لي يبرئ سقمك ويمنحك ومن معك حياة الأبد. فلما أخذ حنان الجواب من المسيح جعل ينظر اليه ويصوّر صورته في منديل لأنه كان مصورا وأتى به الى الرها ودفعه الى ابجر الأسود. وقيل ان المسيح تمندل بذلك المنديل ماسحا به وجهه فانتقشت فيه صورته. وبعد صعود المسيح الى السماء أرسل ادي السلّيح احد الاثنين والسبعين الى الرها وابرأه من سقامه. وفي هذه السنة تمّت الاربعمائة والتسعون سنة التي اوحى الله الى دانيال النبي ان سبعين أسبوعا تطمئنّ أمّتك ثم يأتي الملك المسيح ويقتل. وهذا إذا ابتدأنا بتعديدها من آخر سنة عشرين لملك ارطحششت الطويل اليدين وهي السنة التي أرسل فيها نحميا الساقي الى أورشليم وجدّد العهد بتقريب القرابين وكتب عزرا كتب الوحي. وفي هذه السنة اعني التاسعة عشرة من ملك طيباريوس قيصر صلب المسيح يوم الجمعة في الثالث والعشرين [١] من آذار وكان فصح اليهود يوم السبت وانما أكله المسيح مع تلاميذه ليلة الجمعة لتعذر. إتمامه في وقته بسبب صلبه نهار الجمعة. وكان الصعود يوم الخميس لثلث خلون من أيار. وصار الفنطيقوسطي يوم الأحد لثلث عشرة ليلة خلت من أيار. وفي هذا اليوم سمع كهنة اليهود من داخل الهيكل صوت هاتف يهتف بهم قائلا: قد أزمعنا على الانتقال من هاهنا. فراعهم ذلك جدا. فمن بدء العالم الى مجيء المسيح بمقتضى التوراة التي بأيدي اليهود اربعة آلاف ومائتان وعشر سنين بالتقريب. وبمقتضى التوراة السبعينية التي بأيدي الروم وسائر فرق النصرانية خلا السريان خمسة آلاف وخمسمائة وست وثمانون سنة بالتقريب. ينقص التاريخ الاول من الثاني ألف وثلاثمائة وخمس [٢] وسبعون سنة. وهذا النقص منسوب الى أحبار اليهود لأن البشارة بالمسيح قد تقدمت في التوراة والأنبياء انه يبعث في آخر الأزمان

стр. 74

ولم يكن لمن سلف من رباني اليهود حيلة في دفع مجيء المسيح غير ان يبدلوا أعمار الآدميّين التي منها يوقف على تاريخ العالم فنقصوا من عمر آدم الى ان ولد شيث مائة سنة وزادوها في باقي عمره. وكذلك عملوا في أعمار باقي ولد آدم الى ابراهيم. فصار تاريخهم يدل على ان المسيح ظهر في الالف الخامس وهذا قريب من توسط سني العالم التي هي جميعها عندهم سبعة آلاف سنة. فقالوا: نحن بعد في توسط الزمان فلم يحن حين مجيء المسيح. واما التاريخ السبعيني فيدل على ان المسيح ظهر في الالف السادس فيكون قد حان حينه. (غاييوس قيصر) ملك اربع سنين. وفي السنة الاولى من ملكه ولي هيروذيس اغريباس على اليهود سبع سنين. وفي هذه السنة قتل فنطيوس فيلاطوس نفسه وأرسل فيليكوس [١] قاضيا الى أورشليم وملأ محاريب اليهود أصناما. فأرسلوا رسولين حكيمين هما فيلون ويوسيفوس العبريان الى قيصر يتضوّرون من صنيع الناظر. فمضيا واستعطفاه متقدما بازالة ما كره اليهود عنهم. وفي السنة الرابعة ورد فطرونيوس الناظر من رومة الى أورشليم ونصب صورة زاوس اي المشتري في هيكل الرب. وتمّت نبوءة دانيال النبي الذي قال: علامة نجسة قائمة حيث لا ينبغي. (قلوذيوس قيصر) ملك خمس عشرة [٢] سنة. وفي السنة الثانية من ملكه ظهر رجل مصري بأرض يهوذا وادعى النبوءة وأفسد خلقا [٣] من الناس وأراد ان يكبس أورشليم قهرا. فتوجه اليه فيليكوس [١] البطريق فقتله وقتل عامة اتباعه. وظهر ايضا رجل يسمى قورينثوس وكان يقول: ان في ملكوت الله أكلا وشربا ونكاحا. وفي هذا الزمان امر قلوذيوس قيصر بإحصاء اليهود الذين في سلطانه. فبلغ عددهم ستمائة وأربعا وتسعين ربوة واربعة آلاف نفس. وفي يوم عيد الفصح وقع اليهود في الخلّيطى وضغط الناس بعضهم بعضا فمات في الزحام ثلثون ألف نفس. وكان اليهود متفرقين على سبع فرق. الاولى: الربّانيون وهم كتاب الناموس ومعلّموه. والثانية: اللاويّون الذين لم يفارقوا خدمة الهيكل.

стр. 75

والثالثة: المعتزلة الذين يؤمنون بقيامة الموتى ويقولون بوجود الملائكة ويصومون يومين في الأسبوع. والرابعة: الزنادقة الذين يجحدون القيامة والملائكة. والخامسة: المغتسلون الذين يقولون لا يثاب احد ان لم يغتسل كل يوم. والسادسة: النسّاك الذين لا يأكلون شيئا فيه روح. والسابعة: السمرة الذين لا يقبلون من الكتب الّا التوراة وهي المجسّمة [١] . (نارون قيصر) ملك اربع عشرة سنة. وفي السنة الثالثة عشرة من ملكه اضطهد الناصري وضرب عنق فطروس وبولوس وصليهما منعكسين [٢] . وعصى اليهود عليه فغزاهم اسفسيانوس القائد مع جيوش كثيرة وحاصر أورشليم زمانا طويلا. فلما دنا من فتحها أتاه الخبر بموت نارون وانه اعتراه جنون في مرضه وقتل نفسه وابنه وزوجته. فنصب اسفسيانوس ابنه طيطوس مكانه في محاربة اليهود ونهض ارجعا الى رومية وغزا الاسكندرية وفتحها وركب في البحر وسار الى رومية وملكها. (اسفسيانوس قيصر) ملك عشر سنين. وهو بنى قوقلس اي منارة الاسكندرية وطولها مائة وخمس وعشرون خطوة. وفي السنة الثانية من ملكه افتتح طيطوس ابنه مدينة أورشليم وقتل فيها زهاء ستين ألف نفس وسبى نيفا ومائة ألف نفس. ومات فيها من الجوع خلق كثير [٣] والباقون تشتتوا في البلاد. ودعثرها وأخرب [٤] هيكلها. وتمّت نبوءة يعقوب حيث قال: لن تفقد هراوة الملك من يهوذا ولا المنذر اي النبي من ذريته حتى يأتي من له الغلبة وإياه تتوقع الشعوب. وتم ايضا ما انذر به المخلص مخاطبا لاورشليم: انه سيأتي ايام تحيط بك اعداؤك ويكبسونك وبنيك فيك. وكان ذلك بعد أربعين سنة من صلب المسيح. وذكر يوسيفوس العبري انه ظهر قبل خراب أورشليم علامات فظيعة. وذلك انه ظهر فوق المدينة نجم طويل كسيف [٥] من نار يلمع. وفي عيد الفصح
следующие страницы →